د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

كتاب مغربي عن ضعف تدريس علم النفس المدرسي ومشكلات المتعلمين

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟
TT

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

للدكتور أحمد المطيلي صدر أخيراً كتاب «علم النفس المدرسي - معالم نظرية ومنهجية وتطبيقية»، الذي جمع فيه بين خبرتي المنظر والمعالج الميداني. وهو أول كتاب في بابه عن علم النفس المدرسي في المكتبة المغربية. ويأتي في سياق سياسة الإصلاح التي تنتهجها وزارة التعليم في البلد والدعوة لتطوير الخدمات النفسية والتربوية والاجتماعية المقدمة للطفل والمدرس والأسرة جميعاً. هنا حوار مع المؤلف حول الإصدار الجديد، والأسباب التي أدت إلى ضعف تدريس علم النفس المدرسي، والمشكلات التي تلم بالمتعلم، مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب...
> هل ثمة اختلاف بين علم النفس المدرسي وعلم النفس التربوي؟ أم أن المسألة تتعلق بصياغات مختلفة للموضوع ذاته؟
- حقاً هناك تداخل بين مجالات علم النفس التربوي وعلم النفس المدرسي مع فارق دقيق؛ هو أن علم النفس التربوي يهتم أساساً بسيرورة التعلم ورفع كفاية المتعلم والمعلم، كما يسعى إلى تحسين البرامج الدراسية والمناهج التعليمية المتبعة وطرق مختلف وسائل التقييم. فهو من أهم الروافد التي يمتح منها علم النفس المدرسي بجانب روافد أخرى. أما النفساني المدرسي فيستعين في عمله بنظرة أشمل تراعي مختلف الجوانب المتصلة بالنمو الوجداني والانفعالي والمكونات الشعورية واللاشعورية والصلات الأسرية والاجتماعية التي تتحدد بها شخصية الطفل وتحدد مختلف الأنماط السلوكية التي يأتيها الطفل داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها. وعنده أن سيرورة التعلم لا تقتصر على العوامل المعرفية فقط وإنما تتصل اتصالاً شديداً بمختلف مجريات الحياة الوجدانية والانفعالية والأسرية أيما اتصال، وهي لذلك تستوجب اهتماماً قد لا يقل أهمية عن العوامل المعرفية. وتبعاً لذلك يتولى النفساني المدرسي الكشف عن مختلف الاضطرابات التي تلم بالمتعلم، مثل مشكل اضطرابات الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومختلف أنماط سوء التوافق النفسي والمدرسي. ثم إن المسألة مسألة تأهيل كذلك، فقد نجد من المختصين في مجال علم النفس التربوي من لم يحصل على تأهيل مهني كافٍ يمكنه من استثمار معارفه النظرية استثماراً تطبيقياً يؤهله لمقابلة الطفل والأسرة وتطبيق مختلف الروائز لقياس الذكاء ومختلف مناحي الشخصية. ومع ذلك أقول بضرورة التعاون بين المختصين في هذين المجالين، كلما أمكن ذلك خدمة لكل من الطفل والأسرة والمدرس.
> هل يمكن لعلم النفس المدرسي أن يقوم بمهمته منفرداً؟ أم أنه في حاجة إلى دعم وتكامل مع بقية الفروع العلمية الأخرى؟
- علم النفس المدرسي علم تطبيقي قائم الذات، لأنه يتشكل من موضوع ومنهج ويستهدي بأسس وتصورات نظرية معلومة. غير أنه ليس علماً منقطع الصلة عن بقية الفروع الأخرى وما ينبغي. فالفروع النفسية الأخرى بمثابة روافد يستقي منها مفاهيمه ونظرياته وطرائقه المنهجية. وقد ذكرت منها القياس النفسي وعلم النفس المرضي وعلم النفس العيادي وعلم نفس النمو وعلم النفس التربيائي وعلم النفس الاجتماعي والتحليل النسقي وعلم النفس المعرفي. فعلم النفس يستعين بهذه الفروع جميعاً وفق نظرة تكاملية دعوت إليها في آخر الكتاب تفادياً للنظرة الجزئية التي تسلط الضوء على جانب محدد وتترك بقية الجوانب الأخرى في الخفاء.
> أشرت في تقديم كتابك إلى بعض العوامل التي تفسر قلة تدريس علم النفس المدرسي في المؤسسات الجامعية... هل يمكن أن توضح لنا الأمر بشكل أكثر تفصيلاً؟
- بالفعل لقد أثرت هذه المسألة في بداية كتابي لما رأيته من غياب لهذه المادة في برامج التدريس الجامعي في عدد من الدول العربية التي قدر لي الاطلاع على برامجها في مختلف أسلاك التعليم العالي.
فأنا أفترض أن مرد هذا الغياب عدم الاهتمام بهذا الفرع من فروع علم النفس التطبيقي، بدليل أن الخدمات التي يقوم بها النفساني المدرسي كالفحص النفسي، والتتبع النفسي للتلاميذ غير مستوفاة في المؤسسات الحكومية. ومن أجل ذلك يلزم مأسسة هذه الوظيفة بتعيين النفسانيين المدرسيين على غرار ما تفعله عدد من الدول التي أدركت الفائدة المتوخاة من المهام المذكورة خدمة للتلميذ وللأسرة وللمجتمع جميعاً. مع أن كثيراً من الأصوات قد ارتفع في الآونة الأخيرة للمطالبة بإصلاح التعليم وتجويده والوقاية من الأخطار المتربصة بالتلميذ كالمصاعب الدراسية واضطرابات التعلم وما تفضي إليه من سوء التوافق النفسي والعنف والتعثر والفشل والهدر المدرسي وما شابه. فعلم النفس يستجيب لداعي الإصلاح الذي ينشده القائمون على شؤون التعليم ويهفو إليه الداعون للنهوض به وتجويده.
> يلاحظ أنك تستعمل بعض المصطلحات غير المتداولة في كتابك من قبيل «علمياء» بديلاً عن نظرية المعرفة أو استخدام كلمة «تربيائية» بديلاً عن تربوية وكذلك كلمة «مأسسة»...
- أشكرك على انتباهك إلى مشكل المصطلح هذا. حقاً لقد لجأت إلى استخدام بعض المصطلحات غير المعهودة بين عموم القراء، بل وعند بعض المختصين أنفسهم. فقد استخدمت لفظ «علمياء» بديلاً لما يصطلح عليه بمبحث المعرفة أو الأبستمولوجيا، واستعملت لفظ «التربياء» للدلالة على علم التربية أو البيداغوجيا. وكلا اللفظين صيغ على وزن فعلياء التي تستخدم للدلالة على مباحث معينة مثل مبحث السيمياء.
وأما لفظا الفيزياء والكيمياء فهما مصطلحان مستحدثان للدلالة على مبحثين قديمين. وما شجعني على هذا المنحى الاصطلاحي أني لاقيت استحساناً من المشاركين في الدورات التدريبية التي أشرفت على تنشيطها، فكان عدد من الأساتذة يستحسنون أن تصاغ مصطلحات عربية خالصة ويستثقلون بديلاتها ذات الأصل الإغريقي. على أن البعض الآخر كان يساير الألفاظ الشائعة ولا يجد غضاضة في استعمالها لشيوعها. وقد اجتهدت كذلك في ابتداع مصطلح «الاستمهاء» للدلالة على قدرة الفرد على أن يضع نفسه مكان الغير ليحس بما يعتمل في نفسه من أحاسيس ومشاعر وشواغل فيتمكن من مد يد المساعدة إليه. وما عدا ذلك، فقد حرصت على استخدام المصطلحات النفسية الشائعة ما دامت تفي بأغراض البيان والتفاهم وتستجيب لمقتضيات الفصاحة والدقة والسلاسة والشيوع. ولم أتوانَ عن تذييل الكتاب بثبت المصطلحات المستعملة ومقابلاتها بالفرنسية والإنجليزية تيسيراً على القارئ المتخصص.
وليت المختصين في علم النفس وفي بقية المجالات العلمية يحذون هذا الحذو اجتناباً لكثير من مظاهر الفوضى الاصطلاحية المستشرية في كثير من الكتابات العربية الحديثة تأليفاً وترجمة.
> ما أهم المشكلات التربوية والنفسية التي تناولتها في كتابك والأسباب التي أفضت إليها؟
- لقد أفردت فصلاً خاصاً لتناول عدد من المشكلات الدراسية والنفسية التي تلم بالمتعلم.
وفي مقدمة المشكلات الدراسية نجد اضطرابات التعلم مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب. وهذه من أهم الاضطرابات التي تضر بالمتعلم وتتسبب له في مشكلات لا حصر لها، وقد تفضي به رأساً إلى التعثر الدراسي بل الفشل والانقطاع، علماً أنها اضطرابات تصيب أطفالاً لا تقل معدلات ذكائهم عن المتوسط، بل قد نجد منهم ذوي درجة عالية من النباهة والذكاء. ونحن نعرف أن عدداً من المشاهير في الشرق والغرب عانوا من بعض هذه الاضطرابات، ولولا العين الساهرة لبعض المدرسين وحرص الآباء لكان مصيرهم الشارع. وقد قدر لي في آخر مؤتمر وطني شاركت فيه بالرباط أن صادفت طبيباً مغربياً متخصصاً ورئيساً لإحدى الجمعيات الطبية المتخصصة أسَرّ لي في حديث خاص معه أنه يعاني من عسر القراءة، وقد استطاع رغم كل المصاعب التي لاقاها أثناء دراسته في المغرب وفي فرنسا لاحقاً أن يغالب بكل ما أوتي من قوة تبعات هذا الاضطراب وأن ينجح في دراسته ويصل إلى ما وصل إليه. وثمة مشكلات نفسية كثيرة ذكرت منها مشكلة اضطراب الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومشكل التفوق والعنف والهروب من المدرسة والغش في الامتحانات والرهاب المدرسي. ولم يفتني أن أثير مسألة الاضطرابات العضوية التي يعاني منها المتعلم كمشكل الإعاقة بأنواعها الحاسية والحركية والذهنية وما تستوجبه من اهتمام وعناية خاصة. وتقتضي هذه المشكلات على اختلافها كشفاً وفحصاً وتشخيصاً وتتبعاً.
> ماذا عن طرق العلاج وإمكانات الأخصائي النفسي في التدخل؟ وما العقبات التي تقف أمامه وكيف يمكن في نظرك التغلب عليها؟
- بعد عملية الكشف والفحص والتشخيص تأتي عملية التتبع والإرشاد والعلاج، والأفضل منها جميعاً عملية الوقاية.
إذ إن عدداً لا يستهان به من المشكلات التي تلم بالطفل المتعلم في مختلف مراحل التعليم قد يكون مردها إلى الروابط الأسرية والأساليب التربوية المتبعة في المعاملة أو التدريس. ومن شأن الاستشارة النفسية التي يحرص عليها النفساني المدرسي بمعية والدَي الطفل أو أحد أعضاء هيئة التدريس أن تمكنه من الوقوف على حيثيات الاضطرابات التي تظهر على الطفل ونمط الاستجابة التي يسلكها في البيت أو في الفصل الدراسي، فتكون وسيلة لتغيير عدد من التمثلات وتوضيح عدد من المسببات واستشراف طرق أخرى أقل كلفة وأيسر تنفيذاً وأجدى نفعاً. أما عن العلاج النفسي فالقاعدة المتبعة أن المشكلات التي تتصل اتصالاً مباشراً بالمؤسسة التعليمية؛ إن من حيث نمط التعامل أو المناخ المدرسي السائد والعلاقات القائمة بين الطفل وأقرانه مثلاً، تعالج في المؤسسة نفسها. فمن شأن بعض التعديلات التي بوسع المدرس أو أعضاء الهيئة الإدارية إجراؤها داخل الفصل أو في الفضاء العام للمؤسسة التعليمية أن تبدد الاضطراب الذي يلم بالطفل ولو بمقدار. وأما الاضطرابات النفسية التي تمس شخصية الطفل أو التي تتصل بالقصور أو الخلل في ملكاته الذهنية والمعرفية والأداتية فيحبذ علاجها في المراكز المتخصصة.
> كيف تفسر الإهمال الجسيم الذي تتعرض له وظيفة الأخصائي النفسي في المدارس والمؤسسات التعليمية إلى درجة أن من يقوم بهذه الوظيفة في بعض الأحيان لا صلة له من قريب أو بعيد بهذه الوظيفة المفيدة لصحة ومستقبل التلاميذ والطلاب؟
- تلك إحدى النتائج المترتبة عن الغفلة عن مهنة النفساني المدرسي، ذلك أن عدداً من المهام التي يضطلع بها النفساني المدرسي بحكم تخصصه توكل إلى أشخاص آخرين غير مؤهلين للقيام بها، وتهمل البقية الباقية منها كالفحص النفسي بواسطة الروائز المستخدمة في تقييم مستوى ذكاء المتعلمين وكفاياتهم وشخصياتهم ومعارفهم الدراسية، وتتبع حالات التلاميذ الذين يلم بهم عدد من الاضطرابات النفسية والمشكلات الدراسية فتعيق مسيرتهم التعليمية وتحول بينهم وبين الانشراح النفسي والتوافق الدراسي.
ونحن نعلم أن الفحص المبكر الذي يتولى النفساني القيام به في مستهل كل عام دراسي أو كلما دعا داعٍ إليه مثل التنبيه الصادر من أحد المدرسين أو أولياء التلاميذ أو عند إعلان النتائج الدراسية في نهاية كل دورة دراسية، كل ذلك كفيل بالكشف عن حالات التلاميذ التي تستدعي تتبعاً خاصاً أو رعاية نفسية أو تربوية أو طبية داخل المؤسسة التعليمية نفسها أو في المصالح المتخصصة في الوقت المناسب. ولعل أحد أسباب الهدر المدرسي الذي يستنزف كل سنة أعداداً هائلة من المتعلمين في مختلف مراحل التعليم إنما يعزى إلى انعدام المواكبة النفسية للتلاميذ وعدم محاصرة المصاعب الدراسية واضطرابات التعلم التي يقاسي منها المتعلمون في صمت وتتضرر منها الأسر وتؤخر مسيرة المجتمع بأسره.


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».