د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

كتاب مغربي عن ضعف تدريس علم النفس المدرسي ومشكلات المتعلمين

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟
TT

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

للدكتور أحمد المطيلي صدر أخيراً كتاب «علم النفس المدرسي - معالم نظرية ومنهجية وتطبيقية»، الذي جمع فيه بين خبرتي المنظر والمعالج الميداني. وهو أول كتاب في بابه عن علم النفس المدرسي في المكتبة المغربية. ويأتي في سياق سياسة الإصلاح التي تنتهجها وزارة التعليم في البلد والدعوة لتطوير الخدمات النفسية والتربوية والاجتماعية المقدمة للطفل والمدرس والأسرة جميعاً. هنا حوار مع المؤلف حول الإصدار الجديد، والأسباب التي أدت إلى ضعف تدريس علم النفس المدرسي، والمشكلات التي تلم بالمتعلم، مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب...
> هل ثمة اختلاف بين علم النفس المدرسي وعلم النفس التربوي؟ أم أن المسألة تتعلق بصياغات مختلفة للموضوع ذاته؟
- حقاً هناك تداخل بين مجالات علم النفس التربوي وعلم النفس المدرسي مع فارق دقيق؛ هو أن علم النفس التربوي يهتم أساساً بسيرورة التعلم ورفع كفاية المتعلم والمعلم، كما يسعى إلى تحسين البرامج الدراسية والمناهج التعليمية المتبعة وطرق مختلف وسائل التقييم. فهو من أهم الروافد التي يمتح منها علم النفس المدرسي بجانب روافد أخرى. أما النفساني المدرسي فيستعين في عمله بنظرة أشمل تراعي مختلف الجوانب المتصلة بالنمو الوجداني والانفعالي والمكونات الشعورية واللاشعورية والصلات الأسرية والاجتماعية التي تتحدد بها شخصية الطفل وتحدد مختلف الأنماط السلوكية التي يأتيها الطفل داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها. وعنده أن سيرورة التعلم لا تقتصر على العوامل المعرفية فقط وإنما تتصل اتصالاً شديداً بمختلف مجريات الحياة الوجدانية والانفعالية والأسرية أيما اتصال، وهي لذلك تستوجب اهتماماً قد لا يقل أهمية عن العوامل المعرفية. وتبعاً لذلك يتولى النفساني المدرسي الكشف عن مختلف الاضطرابات التي تلم بالمتعلم، مثل مشكل اضطرابات الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومختلف أنماط سوء التوافق النفسي والمدرسي. ثم إن المسألة مسألة تأهيل كذلك، فقد نجد من المختصين في مجال علم النفس التربوي من لم يحصل على تأهيل مهني كافٍ يمكنه من استثمار معارفه النظرية استثماراً تطبيقياً يؤهله لمقابلة الطفل والأسرة وتطبيق مختلف الروائز لقياس الذكاء ومختلف مناحي الشخصية. ومع ذلك أقول بضرورة التعاون بين المختصين في هذين المجالين، كلما أمكن ذلك خدمة لكل من الطفل والأسرة والمدرس.
> هل يمكن لعلم النفس المدرسي أن يقوم بمهمته منفرداً؟ أم أنه في حاجة إلى دعم وتكامل مع بقية الفروع العلمية الأخرى؟
- علم النفس المدرسي علم تطبيقي قائم الذات، لأنه يتشكل من موضوع ومنهج ويستهدي بأسس وتصورات نظرية معلومة. غير أنه ليس علماً منقطع الصلة عن بقية الفروع الأخرى وما ينبغي. فالفروع النفسية الأخرى بمثابة روافد يستقي منها مفاهيمه ونظرياته وطرائقه المنهجية. وقد ذكرت منها القياس النفسي وعلم النفس المرضي وعلم النفس العيادي وعلم نفس النمو وعلم النفس التربيائي وعلم النفس الاجتماعي والتحليل النسقي وعلم النفس المعرفي. فعلم النفس يستعين بهذه الفروع جميعاً وفق نظرة تكاملية دعوت إليها في آخر الكتاب تفادياً للنظرة الجزئية التي تسلط الضوء على جانب محدد وتترك بقية الجوانب الأخرى في الخفاء.
> أشرت في تقديم كتابك إلى بعض العوامل التي تفسر قلة تدريس علم النفس المدرسي في المؤسسات الجامعية... هل يمكن أن توضح لنا الأمر بشكل أكثر تفصيلاً؟
- بالفعل لقد أثرت هذه المسألة في بداية كتابي لما رأيته من غياب لهذه المادة في برامج التدريس الجامعي في عدد من الدول العربية التي قدر لي الاطلاع على برامجها في مختلف أسلاك التعليم العالي.
فأنا أفترض أن مرد هذا الغياب عدم الاهتمام بهذا الفرع من فروع علم النفس التطبيقي، بدليل أن الخدمات التي يقوم بها النفساني المدرسي كالفحص النفسي، والتتبع النفسي للتلاميذ غير مستوفاة في المؤسسات الحكومية. ومن أجل ذلك يلزم مأسسة هذه الوظيفة بتعيين النفسانيين المدرسيين على غرار ما تفعله عدد من الدول التي أدركت الفائدة المتوخاة من المهام المذكورة خدمة للتلميذ وللأسرة وللمجتمع جميعاً. مع أن كثيراً من الأصوات قد ارتفع في الآونة الأخيرة للمطالبة بإصلاح التعليم وتجويده والوقاية من الأخطار المتربصة بالتلميذ كالمصاعب الدراسية واضطرابات التعلم وما تفضي إليه من سوء التوافق النفسي والعنف والتعثر والفشل والهدر المدرسي وما شابه. فعلم النفس يستجيب لداعي الإصلاح الذي ينشده القائمون على شؤون التعليم ويهفو إليه الداعون للنهوض به وتجويده.
> يلاحظ أنك تستعمل بعض المصطلحات غير المتداولة في كتابك من قبيل «علمياء» بديلاً عن نظرية المعرفة أو استخدام كلمة «تربيائية» بديلاً عن تربوية وكذلك كلمة «مأسسة»...
- أشكرك على انتباهك إلى مشكل المصطلح هذا. حقاً لقد لجأت إلى استخدام بعض المصطلحات غير المعهودة بين عموم القراء، بل وعند بعض المختصين أنفسهم. فقد استخدمت لفظ «علمياء» بديلاً لما يصطلح عليه بمبحث المعرفة أو الأبستمولوجيا، واستعملت لفظ «التربياء» للدلالة على علم التربية أو البيداغوجيا. وكلا اللفظين صيغ على وزن فعلياء التي تستخدم للدلالة على مباحث معينة مثل مبحث السيمياء.
وأما لفظا الفيزياء والكيمياء فهما مصطلحان مستحدثان للدلالة على مبحثين قديمين. وما شجعني على هذا المنحى الاصطلاحي أني لاقيت استحساناً من المشاركين في الدورات التدريبية التي أشرفت على تنشيطها، فكان عدد من الأساتذة يستحسنون أن تصاغ مصطلحات عربية خالصة ويستثقلون بديلاتها ذات الأصل الإغريقي. على أن البعض الآخر كان يساير الألفاظ الشائعة ولا يجد غضاضة في استعمالها لشيوعها. وقد اجتهدت كذلك في ابتداع مصطلح «الاستمهاء» للدلالة على قدرة الفرد على أن يضع نفسه مكان الغير ليحس بما يعتمل في نفسه من أحاسيس ومشاعر وشواغل فيتمكن من مد يد المساعدة إليه. وما عدا ذلك، فقد حرصت على استخدام المصطلحات النفسية الشائعة ما دامت تفي بأغراض البيان والتفاهم وتستجيب لمقتضيات الفصاحة والدقة والسلاسة والشيوع. ولم أتوانَ عن تذييل الكتاب بثبت المصطلحات المستعملة ومقابلاتها بالفرنسية والإنجليزية تيسيراً على القارئ المتخصص.
وليت المختصين في علم النفس وفي بقية المجالات العلمية يحذون هذا الحذو اجتناباً لكثير من مظاهر الفوضى الاصطلاحية المستشرية في كثير من الكتابات العربية الحديثة تأليفاً وترجمة.
> ما أهم المشكلات التربوية والنفسية التي تناولتها في كتابك والأسباب التي أفضت إليها؟
- لقد أفردت فصلاً خاصاً لتناول عدد من المشكلات الدراسية والنفسية التي تلم بالمتعلم.
وفي مقدمة المشكلات الدراسية نجد اضطرابات التعلم مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب. وهذه من أهم الاضطرابات التي تضر بالمتعلم وتتسبب له في مشكلات لا حصر لها، وقد تفضي به رأساً إلى التعثر الدراسي بل الفشل والانقطاع، علماً أنها اضطرابات تصيب أطفالاً لا تقل معدلات ذكائهم عن المتوسط، بل قد نجد منهم ذوي درجة عالية من النباهة والذكاء. ونحن نعرف أن عدداً من المشاهير في الشرق والغرب عانوا من بعض هذه الاضطرابات، ولولا العين الساهرة لبعض المدرسين وحرص الآباء لكان مصيرهم الشارع. وقد قدر لي في آخر مؤتمر وطني شاركت فيه بالرباط أن صادفت طبيباً مغربياً متخصصاً ورئيساً لإحدى الجمعيات الطبية المتخصصة أسَرّ لي في حديث خاص معه أنه يعاني من عسر القراءة، وقد استطاع رغم كل المصاعب التي لاقاها أثناء دراسته في المغرب وفي فرنسا لاحقاً أن يغالب بكل ما أوتي من قوة تبعات هذا الاضطراب وأن ينجح في دراسته ويصل إلى ما وصل إليه. وثمة مشكلات نفسية كثيرة ذكرت منها مشكلة اضطراب الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومشكل التفوق والعنف والهروب من المدرسة والغش في الامتحانات والرهاب المدرسي. ولم يفتني أن أثير مسألة الاضطرابات العضوية التي يعاني منها المتعلم كمشكل الإعاقة بأنواعها الحاسية والحركية والذهنية وما تستوجبه من اهتمام وعناية خاصة. وتقتضي هذه المشكلات على اختلافها كشفاً وفحصاً وتشخيصاً وتتبعاً.
> ماذا عن طرق العلاج وإمكانات الأخصائي النفسي في التدخل؟ وما العقبات التي تقف أمامه وكيف يمكن في نظرك التغلب عليها؟
- بعد عملية الكشف والفحص والتشخيص تأتي عملية التتبع والإرشاد والعلاج، والأفضل منها جميعاً عملية الوقاية.
إذ إن عدداً لا يستهان به من المشكلات التي تلم بالطفل المتعلم في مختلف مراحل التعليم قد يكون مردها إلى الروابط الأسرية والأساليب التربوية المتبعة في المعاملة أو التدريس. ومن شأن الاستشارة النفسية التي يحرص عليها النفساني المدرسي بمعية والدَي الطفل أو أحد أعضاء هيئة التدريس أن تمكنه من الوقوف على حيثيات الاضطرابات التي تظهر على الطفل ونمط الاستجابة التي يسلكها في البيت أو في الفصل الدراسي، فتكون وسيلة لتغيير عدد من التمثلات وتوضيح عدد من المسببات واستشراف طرق أخرى أقل كلفة وأيسر تنفيذاً وأجدى نفعاً. أما عن العلاج النفسي فالقاعدة المتبعة أن المشكلات التي تتصل اتصالاً مباشراً بالمؤسسة التعليمية؛ إن من حيث نمط التعامل أو المناخ المدرسي السائد والعلاقات القائمة بين الطفل وأقرانه مثلاً، تعالج في المؤسسة نفسها. فمن شأن بعض التعديلات التي بوسع المدرس أو أعضاء الهيئة الإدارية إجراؤها داخل الفصل أو في الفضاء العام للمؤسسة التعليمية أن تبدد الاضطراب الذي يلم بالطفل ولو بمقدار. وأما الاضطرابات النفسية التي تمس شخصية الطفل أو التي تتصل بالقصور أو الخلل في ملكاته الذهنية والمعرفية والأداتية فيحبذ علاجها في المراكز المتخصصة.
> كيف تفسر الإهمال الجسيم الذي تتعرض له وظيفة الأخصائي النفسي في المدارس والمؤسسات التعليمية إلى درجة أن من يقوم بهذه الوظيفة في بعض الأحيان لا صلة له من قريب أو بعيد بهذه الوظيفة المفيدة لصحة ومستقبل التلاميذ والطلاب؟
- تلك إحدى النتائج المترتبة عن الغفلة عن مهنة النفساني المدرسي، ذلك أن عدداً من المهام التي يضطلع بها النفساني المدرسي بحكم تخصصه توكل إلى أشخاص آخرين غير مؤهلين للقيام بها، وتهمل البقية الباقية منها كالفحص النفسي بواسطة الروائز المستخدمة في تقييم مستوى ذكاء المتعلمين وكفاياتهم وشخصياتهم ومعارفهم الدراسية، وتتبع حالات التلاميذ الذين يلم بهم عدد من الاضطرابات النفسية والمشكلات الدراسية فتعيق مسيرتهم التعليمية وتحول بينهم وبين الانشراح النفسي والتوافق الدراسي.
ونحن نعلم أن الفحص المبكر الذي يتولى النفساني القيام به في مستهل كل عام دراسي أو كلما دعا داعٍ إليه مثل التنبيه الصادر من أحد المدرسين أو أولياء التلاميذ أو عند إعلان النتائج الدراسية في نهاية كل دورة دراسية، كل ذلك كفيل بالكشف عن حالات التلاميذ التي تستدعي تتبعاً خاصاً أو رعاية نفسية أو تربوية أو طبية داخل المؤسسة التعليمية نفسها أو في المصالح المتخصصة في الوقت المناسب. ولعل أحد أسباب الهدر المدرسي الذي يستنزف كل سنة أعداداً هائلة من المتعلمين في مختلف مراحل التعليم إنما يعزى إلى انعدام المواكبة النفسية للتلاميذ وعدم محاصرة المصاعب الدراسية واضطرابات التعلم التي يقاسي منها المتعلمون في صمت وتتضرر منها الأسر وتؤخر مسيرة المجتمع بأسره.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.