د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

كتاب مغربي عن ضعف تدريس علم النفس المدرسي ومشكلات المتعلمين

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟
TT

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

د. أحمد المطيلي: كيف نبني الذات العربية إن اضطربت نفسية طالب العلم؟

للدكتور أحمد المطيلي صدر أخيراً كتاب «علم النفس المدرسي - معالم نظرية ومنهجية وتطبيقية»، الذي جمع فيه بين خبرتي المنظر والمعالج الميداني. وهو أول كتاب في بابه عن علم النفس المدرسي في المكتبة المغربية. ويأتي في سياق سياسة الإصلاح التي تنتهجها وزارة التعليم في البلد والدعوة لتطوير الخدمات النفسية والتربوية والاجتماعية المقدمة للطفل والمدرس والأسرة جميعاً. هنا حوار مع المؤلف حول الإصدار الجديد، والأسباب التي أدت إلى ضعف تدريس علم النفس المدرسي، والمشكلات التي تلم بالمتعلم، مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب...
> هل ثمة اختلاف بين علم النفس المدرسي وعلم النفس التربوي؟ أم أن المسألة تتعلق بصياغات مختلفة للموضوع ذاته؟
- حقاً هناك تداخل بين مجالات علم النفس التربوي وعلم النفس المدرسي مع فارق دقيق؛ هو أن علم النفس التربوي يهتم أساساً بسيرورة التعلم ورفع كفاية المتعلم والمعلم، كما يسعى إلى تحسين البرامج الدراسية والمناهج التعليمية المتبعة وطرق مختلف وسائل التقييم. فهو من أهم الروافد التي يمتح منها علم النفس المدرسي بجانب روافد أخرى. أما النفساني المدرسي فيستعين في عمله بنظرة أشمل تراعي مختلف الجوانب المتصلة بالنمو الوجداني والانفعالي والمكونات الشعورية واللاشعورية والصلات الأسرية والاجتماعية التي تتحدد بها شخصية الطفل وتحدد مختلف الأنماط السلوكية التي يأتيها الطفل داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها. وعنده أن سيرورة التعلم لا تقتصر على العوامل المعرفية فقط وإنما تتصل اتصالاً شديداً بمختلف مجريات الحياة الوجدانية والانفعالية والأسرية أيما اتصال، وهي لذلك تستوجب اهتماماً قد لا يقل أهمية عن العوامل المعرفية. وتبعاً لذلك يتولى النفساني المدرسي الكشف عن مختلف الاضطرابات التي تلم بالمتعلم، مثل مشكل اضطرابات الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومختلف أنماط سوء التوافق النفسي والمدرسي. ثم إن المسألة مسألة تأهيل كذلك، فقد نجد من المختصين في مجال علم النفس التربوي من لم يحصل على تأهيل مهني كافٍ يمكنه من استثمار معارفه النظرية استثماراً تطبيقياً يؤهله لمقابلة الطفل والأسرة وتطبيق مختلف الروائز لقياس الذكاء ومختلف مناحي الشخصية. ومع ذلك أقول بضرورة التعاون بين المختصين في هذين المجالين، كلما أمكن ذلك خدمة لكل من الطفل والأسرة والمدرس.
> هل يمكن لعلم النفس المدرسي أن يقوم بمهمته منفرداً؟ أم أنه في حاجة إلى دعم وتكامل مع بقية الفروع العلمية الأخرى؟
- علم النفس المدرسي علم تطبيقي قائم الذات، لأنه يتشكل من موضوع ومنهج ويستهدي بأسس وتصورات نظرية معلومة. غير أنه ليس علماً منقطع الصلة عن بقية الفروع الأخرى وما ينبغي. فالفروع النفسية الأخرى بمثابة روافد يستقي منها مفاهيمه ونظرياته وطرائقه المنهجية. وقد ذكرت منها القياس النفسي وعلم النفس المرضي وعلم النفس العيادي وعلم نفس النمو وعلم النفس التربيائي وعلم النفس الاجتماعي والتحليل النسقي وعلم النفس المعرفي. فعلم النفس يستعين بهذه الفروع جميعاً وفق نظرة تكاملية دعوت إليها في آخر الكتاب تفادياً للنظرة الجزئية التي تسلط الضوء على جانب محدد وتترك بقية الجوانب الأخرى في الخفاء.
> أشرت في تقديم كتابك إلى بعض العوامل التي تفسر قلة تدريس علم النفس المدرسي في المؤسسات الجامعية... هل يمكن أن توضح لنا الأمر بشكل أكثر تفصيلاً؟
- بالفعل لقد أثرت هذه المسألة في بداية كتابي لما رأيته من غياب لهذه المادة في برامج التدريس الجامعي في عدد من الدول العربية التي قدر لي الاطلاع على برامجها في مختلف أسلاك التعليم العالي.
فأنا أفترض أن مرد هذا الغياب عدم الاهتمام بهذا الفرع من فروع علم النفس التطبيقي، بدليل أن الخدمات التي يقوم بها النفساني المدرسي كالفحص النفسي، والتتبع النفسي للتلاميذ غير مستوفاة في المؤسسات الحكومية. ومن أجل ذلك يلزم مأسسة هذه الوظيفة بتعيين النفسانيين المدرسيين على غرار ما تفعله عدد من الدول التي أدركت الفائدة المتوخاة من المهام المذكورة خدمة للتلميذ وللأسرة وللمجتمع جميعاً. مع أن كثيراً من الأصوات قد ارتفع في الآونة الأخيرة للمطالبة بإصلاح التعليم وتجويده والوقاية من الأخطار المتربصة بالتلميذ كالمصاعب الدراسية واضطرابات التعلم وما تفضي إليه من سوء التوافق النفسي والعنف والتعثر والفشل والهدر المدرسي وما شابه. فعلم النفس يستجيب لداعي الإصلاح الذي ينشده القائمون على شؤون التعليم ويهفو إليه الداعون للنهوض به وتجويده.
> يلاحظ أنك تستعمل بعض المصطلحات غير المتداولة في كتابك من قبيل «علمياء» بديلاً عن نظرية المعرفة أو استخدام كلمة «تربيائية» بديلاً عن تربوية وكذلك كلمة «مأسسة»...
- أشكرك على انتباهك إلى مشكل المصطلح هذا. حقاً لقد لجأت إلى استخدام بعض المصطلحات غير المعهودة بين عموم القراء، بل وعند بعض المختصين أنفسهم. فقد استخدمت لفظ «علمياء» بديلاً لما يصطلح عليه بمبحث المعرفة أو الأبستمولوجيا، واستعملت لفظ «التربياء» للدلالة على علم التربية أو البيداغوجيا. وكلا اللفظين صيغ على وزن فعلياء التي تستخدم للدلالة على مباحث معينة مثل مبحث السيمياء.
وأما لفظا الفيزياء والكيمياء فهما مصطلحان مستحدثان للدلالة على مبحثين قديمين. وما شجعني على هذا المنحى الاصطلاحي أني لاقيت استحساناً من المشاركين في الدورات التدريبية التي أشرفت على تنشيطها، فكان عدد من الأساتذة يستحسنون أن تصاغ مصطلحات عربية خالصة ويستثقلون بديلاتها ذات الأصل الإغريقي. على أن البعض الآخر كان يساير الألفاظ الشائعة ولا يجد غضاضة في استعمالها لشيوعها. وقد اجتهدت كذلك في ابتداع مصطلح «الاستمهاء» للدلالة على قدرة الفرد على أن يضع نفسه مكان الغير ليحس بما يعتمل في نفسه من أحاسيس ومشاعر وشواغل فيتمكن من مد يد المساعدة إليه. وما عدا ذلك، فقد حرصت على استخدام المصطلحات النفسية الشائعة ما دامت تفي بأغراض البيان والتفاهم وتستجيب لمقتضيات الفصاحة والدقة والسلاسة والشيوع. ولم أتوانَ عن تذييل الكتاب بثبت المصطلحات المستعملة ومقابلاتها بالفرنسية والإنجليزية تيسيراً على القارئ المتخصص.
وليت المختصين في علم النفس وفي بقية المجالات العلمية يحذون هذا الحذو اجتناباً لكثير من مظاهر الفوضى الاصطلاحية المستشرية في كثير من الكتابات العربية الحديثة تأليفاً وترجمة.
> ما أهم المشكلات التربوية والنفسية التي تناولتها في كتابك والأسباب التي أفضت إليها؟
- لقد أفردت فصلاً خاصاً لتناول عدد من المشكلات الدراسية والنفسية التي تلم بالمتعلم.
وفي مقدمة المشكلات الدراسية نجد اضطرابات التعلم مثل عسر القراءة وعسر الإملاء وعسر الكتابة وعسر الحساب. وهذه من أهم الاضطرابات التي تضر بالمتعلم وتتسبب له في مشكلات لا حصر لها، وقد تفضي به رأساً إلى التعثر الدراسي بل الفشل والانقطاع، علماً أنها اضطرابات تصيب أطفالاً لا تقل معدلات ذكائهم عن المتوسط، بل قد نجد منهم ذوي درجة عالية من النباهة والذكاء. ونحن نعرف أن عدداً من المشاهير في الشرق والغرب عانوا من بعض هذه الاضطرابات، ولولا العين الساهرة لبعض المدرسين وحرص الآباء لكان مصيرهم الشارع. وقد قدر لي في آخر مؤتمر وطني شاركت فيه بالرباط أن صادفت طبيباً مغربياً متخصصاً ورئيساً لإحدى الجمعيات الطبية المتخصصة أسَرّ لي في حديث خاص معه أنه يعاني من عسر القراءة، وقد استطاع رغم كل المصاعب التي لاقاها أثناء دراسته في المغرب وفي فرنسا لاحقاً أن يغالب بكل ما أوتي من قوة تبعات هذا الاضطراب وأن ينجح في دراسته ويصل إلى ما وصل إليه. وثمة مشكلات نفسية كثيرة ذكرت منها مشكلة اضطراب الانتباه والكلام والتخلف الذهني ومشكل التفوق والعنف والهروب من المدرسة والغش في الامتحانات والرهاب المدرسي. ولم يفتني أن أثير مسألة الاضطرابات العضوية التي يعاني منها المتعلم كمشكل الإعاقة بأنواعها الحاسية والحركية والذهنية وما تستوجبه من اهتمام وعناية خاصة. وتقتضي هذه المشكلات على اختلافها كشفاً وفحصاً وتشخيصاً وتتبعاً.
> ماذا عن طرق العلاج وإمكانات الأخصائي النفسي في التدخل؟ وما العقبات التي تقف أمامه وكيف يمكن في نظرك التغلب عليها؟
- بعد عملية الكشف والفحص والتشخيص تأتي عملية التتبع والإرشاد والعلاج، والأفضل منها جميعاً عملية الوقاية.
إذ إن عدداً لا يستهان به من المشكلات التي تلم بالطفل المتعلم في مختلف مراحل التعليم قد يكون مردها إلى الروابط الأسرية والأساليب التربوية المتبعة في المعاملة أو التدريس. ومن شأن الاستشارة النفسية التي يحرص عليها النفساني المدرسي بمعية والدَي الطفل أو أحد أعضاء هيئة التدريس أن تمكنه من الوقوف على حيثيات الاضطرابات التي تظهر على الطفل ونمط الاستجابة التي يسلكها في البيت أو في الفصل الدراسي، فتكون وسيلة لتغيير عدد من التمثلات وتوضيح عدد من المسببات واستشراف طرق أخرى أقل كلفة وأيسر تنفيذاً وأجدى نفعاً. أما عن العلاج النفسي فالقاعدة المتبعة أن المشكلات التي تتصل اتصالاً مباشراً بالمؤسسة التعليمية؛ إن من حيث نمط التعامل أو المناخ المدرسي السائد والعلاقات القائمة بين الطفل وأقرانه مثلاً، تعالج في المؤسسة نفسها. فمن شأن بعض التعديلات التي بوسع المدرس أو أعضاء الهيئة الإدارية إجراؤها داخل الفصل أو في الفضاء العام للمؤسسة التعليمية أن تبدد الاضطراب الذي يلم بالطفل ولو بمقدار. وأما الاضطرابات النفسية التي تمس شخصية الطفل أو التي تتصل بالقصور أو الخلل في ملكاته الذهنية والمعرفية والأداتية فيحبذ علاجها في المراكز المتخصصة.
> كيف تفسر الإهمال الجسيم الذي تتعرض له وظيفة الأخصائي النفسي في المدارس والمؤسسات التعليمية إلى درجة أن من يقوم بهذه الوظيفة في بعض الأحيان لا صلة له من قريب أو بعيد بهذه الوظيفة المفيدة لصحة ومستقبل التلاميذ والطلاب؟
- تلك إحدى النتائج المترتبة عن الغفلة عن مهنة النفساني المدرسي، ذلك أن عدداً من المهام التي يضطلع بها النفساني المدرسي بحكم تخصصه توكل إلى أشخاص آخرين غير مؤهلين للقيام بها، وتهمل البقية الباقية منها كالفحص النفسي بواسطة الروائز المستخدمة في تقييم مستوى ذكاء المتعلمين وكفاياتهم وشخصياتهم ومعارفهم الدراسية، وتتبع حالات التلاميذ الذين يلم بهم عدد من الاضطرابات النفسية والمشكلات الدراسية فتعيق مسيرتهم التعليمية وتحول بينهم وبين الانشراح النفسي والتوافق الدراسي.
ونحن نعلم أن الفحص المبكر الذي يتولى النفساني القيام به في مستهل كل عام دراسي أو كلما دعا داعٍ إليه مثل التنبيه الصادر من أحد المدرسين أو أولياء التلاميذ أو عند إعلان النتائج الدراسية في نهاية كل دورة دراسية، كل ذلك كفيل بالكشف عن حالات التلاميذ التي تستدعي تتبعاً خاصاً أو رعاية نفسية أو تربوية أو طبية داخل المؤسسة التعليمية نفسها أو في المصالح المتخصصة في الوقت المناسب. ولعل أحد أسباب الهدر المدرسي الذي يستنزف كل سنة أعداداً هائلة من المتعلمين في مختلف مراحل التعليم إنما يعزى إلى انعدام المواكبة النفسية للتلاميذ وعدم محاصرة المصاعب الدراسية واضطرابات التعلم التي يقاسي منها المتعلمون في صمت وتتضرر منها الأسر وتؤخر مسيرة المجتمع بأسره.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».