عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

كتابٌ يتتبَّعُ من خلاله تاريخَ السينما في بلاده

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية
TT

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

يتتبع الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس في كتابه «من مكة إلى كان - سينما عبد الله المحيسن»، الصادر في بيروت عن «الدار العربية للعلوم ناشرون»، الطبعة الأولى، مارس (آذار) 2019، سيرة المخرج السينمائي السعودي عبد الله المحيسن، وسنوات تكوينه، ثم يقف عند المتن السينمائي الذي لا يزال بحاجة إلى أن يكتمل في السنوات المقبلة، وهذا ما يعبر عنه الكتاب في واحد من فصوله المهمة، وكذلك يتحدث عن أفكاره فيما يخص السينما، ودورها الجمالي والاجتماعي. ونقرأ في الكتاب عن تأثيرات مكة الروحانية والدينية على المخرج عبد الله المحيسن، وكيف وظفها بلغة سينمائية معاصرة عكست فهماً عميقاً لتأثيرات عصر الصورة في حروب الكلمة الحديثة.
يفتتح المؤلف كتابه بالحديث عن سيرة عبد الله المحيسن، حيث وُلِدَ في مكة عام (1947)، وكانت نشأته أدبية، من ناحية أن جو الأسرة كان جو قراءة وثقافة. وقد كانت القراءة هي وسيلة الترفيه الوحيدة المتاحة لعبد الله المحيسن، وكانت أولى قراءات المحيسن في التاريخ، تاريخ بلده وتاريخ البلدان العربية. درس المحيسن المرحلة الابتدائية والمتوسطة في المملكة العربية السعودية، ثم ذهب إلى لبنان من أجل مواصلة دراسته الثانوية. وعقب ذلك، سافر إلى بريطانيا ليدرس السينما في معهد لندن للفيلم (London School of Film)، وحصل منه على دبلوم عالٍ في الإخراج السينمائي عام 1975م، والتحق خلال الفترة نفسها، بين عامي 1973 و1975، بالأكاديمية الملكية البريطانية للتلفزيون، حيث قضى ستة أشهر أخرى استقى فيها الأساسيات النظرية المتعلقة بصناعة الأفلام، ثم عاد في السنة ذاتها إلى المملكة العربية السعودية، ليؤسس الشركة العالمية للدعاية والإعلان. ومن منتصف السبعينات، انطلق المخرج السعودي عبد الله المحيسن في مسيرته السينمائية الرائدة. وكنتاج لهذه المسيرة المميزة، احتل عبد الله المحيسن مكانته المهمة بين السينمائيين العرب، وبرز ذلك في اختياره عضواً للجنة تحكيم مهرجان القاهرة السينمائي الثاني عام 1978، كما تم اختياره عضواً في لجان تحكيم مهرجان الخليج الأول للإنتاج التلفزيوني الذي عُقِد في الكويت عام 1979.
- وحيداً وسط الضباب
من البديهي أن أي حديث عن عبد الله المحيسن، في تاريخه السينمائي على الأقل، لا يمكنه أن ينطلق إلا من تحديد مكانته في تاريخ السينما في بلده. ويبين المؤلف أولاً أن هذا التاريخ يبدو لنا متعرجاً، ولكن من الممكن أن نجعل تاريخ السينما السعودية بشكل عام يرتبط بما يمكن أن نطلق عليه «ظاهرة عبد الله المحيسن»، أو ربما «مؤسس السينما السعودية». ويعود المؤلف إلى عقدين من الزمن، ليوثق مشاهداته في مدن المملكة العربية السعودية، قبل القرار الثوري السعودي بعودة السينما، وفي ظل رعاية رسمية، إلى الحياة الاجتماعية في المملكة العربية السعودية. وفي واحدة من زياراته للسعودية بداية هذا القرن، أُتيح للعريس خلال جولة صحافية في الرياض وما جاورها أن يرصد ظاهرة لم يكن يتوقعها في كثير من مقاهٍ منتشرة على أطراف من العاصمة. فقد كانت ثمة شاشات تلفزيونية عملاقة معلقة في صالات المقاهي، وشكلت تلك العروض السينمائية سينما حقيقة تضاهي تلك التي تُقدم عادة في الصالات.
- مؤسس السينما السعودية
لقد شكلت ظاهرة عبد الله المحيسن مادة خصبة استطاع أن يوثقها المؤلف ببراعة من خلال تتبع سيرة المحيسن السينمائية منذ بداياتها، حيث عمل المحيسن سنوات طويلة خارج الأضواء، إلى أن حانت الفرصة لكي يُخرج مشروعه السينمائي العملاق إلى العلن، عبر مجموعة أفلام سينمائية تخطت الحدود المحلية. فقد أنجز المحيسن فيلماً تسجيلياً «اغتيال مدينة» (1976 - 1977)، يتحدث عن الحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت عام 1975 بين الفصائل اللبنانية المختلفة. وأول ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم أنه صُوِّر بعد اندلاع الحرب مباشرة، في وقت كانت فيه بيروت مكاناً خطراً من المجازفة السفر إليه. ومع ذلك، فإن تنوّع اللقطات وغزارة الصور، التي أخذها المحيسن خصيصاً من قلب الحدث، تمنح الفيلم قيمته التوثيقية المهمة، وتجعل منه تسجيلاً حياً لبشاعة الحرب. وقد استخدم المحيسن، حسب المؤلف، لغة سينمائية مكثفة، جسدت البعد السياسي للحرب، رابطاً بين لعبة «الكبار» ولعبة «الصغار». وأخرج كذلك فيلم «ظلال الصمت» (2006)، الذي قارب فيه بتأملٍ فني الواقع العربي. ومن خلال هذا الفيلم، استطاع المحيسن فتح الطريق بقوة واقتدار بالنسبة للسينما السعودية، ولكن بشيء من الحذر أيضاً. فمنذ البداية، أراد المحيسن لـ«ظلال الصمت» أن يكون فيلم قضية ورسالة، من ناحيته الفكرية، وقد شارك فيه عدد من الفنانين العرب، ولقي قبولاً ملحوظاً عند المشاهد السعودي والعربي. وفي سنة 1976، قام بإنشاء أول استوديو إذاعي متكامل على مستوى القطاع الخاص، ثم قام بعرض فيلمه التلفزيوني «تطور مدينة الرياض» في مدينة «فانكوفر» بكندا، وقد حاز على شهادة تقدير خاصة من منظمة الأمم المتحدة تكريماً له على هذه الإضاءة التي سلطها على تطور مدينة الرياض في فترات نموها الأولى. ثم قدم في عام 1982 فيلمه السينمائي الثاني، وهو فيلم «الإسلام جسر المستقبل»، الذي تغلغل من خلاله إلى داخل أفغانستان، لينقل من هناك صور الحرب. وفي عقد التسعينات من القرن الماضي، استطاع المحيسن أن يوثق بكاميرته السينمائية أكثر من ثلاثمائة ساعة من داخل الحدث، في أثناء الغزو العراقي للكويت، في 2 أغسطس (آب) 1990، حيث صنع فيلمه الثالث «الصدمة». ولم ينطلق عبد الله المحيسن في تلك الأفلام من نظرة محلية، بل شاملة. وهذا ما يفسر انطلاق أفلامه وانتشارها.
- سينما الضرورة الملحة
حين نعود إلى مشاهدة أفلام المحيسن، بعد سنوات طويلة من إنجازها، نحس بأننا أمام «سينما الضرورة الملحة»، كما يسميها المؤلف، حيث بدا المحسين شبيهاً إلى حدٍ ما بأولئك السينمائيين اللبنانيين «الذين ما إن امتلكوا ناصية قدرتهم المهنية خلال سبعينات القرن العشرين تحديداً، حتى راحوا يحققون أفلاماً عن فلسطين (برهان علوية وجان شمعون) أو مصر (برهان علوية وجوسلين صعب)». لقد تناول الناقد السينمائي البارز إبراهيم العريس الأفلام التي أنتجها السينمائي عبد الله المحيسن بكل أمانة واحترافية، وقد عكس المضامين الفكرية والثقافية التي عَمِلَ المحيسن على ترجمتها في مجموعة الأعمال السينمائية التي أنجزها طيلة الفترة الماضية. يقول الكاتب إن «من حق عبد الله المحيسن أن يشعر بالرضا، بل بالسرور، في أيامنا هذه، فهو رائد لما يمكن أن نطلق عليه اسم البدايات الممكنة للصناعة السينمائية في المملكة العربية السعودية».
- صحافي وكاتب سوري


مقالات ذات صلة

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.