مبارك قاطع بوش الابن وفوجئ بجفاء أوباما

قيادات مصرية لـ {الشرق الأوسط}: كان فخورا بتصديه لمشروع توطين الفلسطينيين بسيناء

الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
TT

مبارك قاطع بوش الابن وفوجئ بجفاء أوباما

الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش

تواصل عدة قيادات سابقة في مؤسسات مصرية الكشف لـ«الشرق الأوسط» عن وقائع ومواقف مجهولة في حياة عدد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بأحداث شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وفي مقابلات أجرتها مع اثنين من القادة السابقين في الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يرأسه الرئيس الأسبق حسني مبارك، تبين أنه يوجد اعتقاد بأن أحد أهم أسباب الخلافات بين الرئيس الأسبق وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإحدى الدول الخليجية، كان يدور حول سيناء، خاصة عقب هيمنة حركة حماس على قطاع غزة المجاور للحدود المصرية، بحلول عام 2006، وأن صراعا مخابراتيا بين كل من مصر من جانب، والولايات المتحدة وأطراف إقليمية أخرى من جانب آخر، كان يجري منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، بشأن مشروع اقتطاع جزء من مصر لصالح إقامة وطن للفلسطينيين يضم ثلث أراضي سيناء وقطاع غزة.

ويقول أحد هذين المسؤولين الحزبيين، ويدعى «م.ع»: «في عام 2007 حضرت اجتماعا مع حسني مبارك في قصر (رأس التين) بالإسكندرية.. كنا 27 أمين محافظة.. دخلنا تحت حراسة الأمن والمخابرات. وكان يوجد صفوت الشريف (أمين عام الحزب وقتها) وزكريا عزمي (رئيس ديوان رئيس الجمهورية أيام مبارك) وأحمد عز (القيادي بالحزب).. جلسوا معنا قبل وصول الرئيس بنصف ساعة. لم يطلبوا منا أن نقول هذا أو لا نقول ذاك. لم يكن جمال (نجل مبارك) موجودا، ولم يحذرونا من القيام بأي شيء. كلمة واحدة فقط قالوها لنا، وهي أن الرئيس سيأتي ويقف هنا، وتسلمون عليه، وبعد ذلك أنتم أحرار فيما ستقولونه، ومع ذلك أشاروا إلى أن نستمع للرئيس أفضل حتى نستفيد منه».
ويضيف: «نزلت المروحية بمبارك على المهبط بجوار المبنى. كنا نستمع لصوتها. دخل، ووقف بجوار المقعد في القاعة، وأسند يده على ظهر المقعد ومد يده الأخرى للسلام علينا.. مررنا عليه واحدا واحدا، ثم جلسنا حول طاولة دائرية كبيرة، حول مبارك. وبدأت كاميرات التصوير في (التكتكة). وبعد ذلك قال مبارك: (خلاص يا زكريا.. تفضلوا)، مشيرا إلى الجميع بالخروج، فخرج الكل، ولم يتبقّ أحد، لا من الرئاسة ولا من المخابرات ولا من الأمن.. الوحيد الذي سُمح له بالمكوث معنا في القاعة كان أحمد عز الذي سحب مقعدا وجلس في الخلف.
وبدأ مبارك يتحدث.. تحدث أولا عن السياسة الخارجية، وكيف تسير، وكيف (نجحنا في أن يكون الوضع العام بالنسبة لمصر مستقرا سياسيا)، وأن الدولة الوحيدة التي تلاعب مصر هي أميركا».
ووفقا للمصدر نفسه، فإن مبارك أضاف موضحا أنه «حين يقول أميركا فإنه يعني بذلك إسرائيل، ثم أشار إلى أن البعض يقول إن إسرائيل هي ولاية أميركية، لكن أنا أقول: لا.. والحقيقة أن أميركا نفسها مجرد محافظة في إسرائيل». وأضاف مبارك قائلا في هذا الاجتماع إن «العدو الرئيس لنا هو إسرائيل، لكن نحن نحارب أميركا لا إسرائيل.. ويوجد ضغط على مصر.. هذا الكلام لا يُقال في صحف ولا جرائد ولا يُذكر علانية، وأنا أعرف أنني أتحدث لناس كبار.. وناس يفهمون الوضع. يوجد ضغط علينا لكي نفتح معبر رفح لدخول الفلسطينيين ومنحهم حرية الإقامة، خاصة في سيناء، بلا ضابط ولا رابط».
ويضيف المصدر الحزبي قائلا إن مبارك تحدث عن معبر رفح حين كان تحت يد السلطة الفلسطينية، وإن الرئيس الأسبق أشار إلى أن المعبر كان يعمل بشكل ممتاز ولم يُغلق، حين كانت الرئاسة الفلسطينية هي التي تسهم في الإشراف عليه من الجانب الآخر من الحدود، إلى أن تولت حماس السلطة في غزة عقب فوزها في الانتخابات، وطردت حرس الرئاسة الفلسطينية من المعبر، وبدأت في الاستعداد لإدارته من الجانب الآخر، وهو ما رفضته مصر.
وتطرق مبارك في الاجتماع لوجود اتفاق بين حركة حماس وإحدى الدول العربية للضغط على المعبر بواسطة حشود فلسطينية مدفوعة من حماس وأذرعها العسكرية في غزة، وتابع أن مبارك قال إن «الهدف كان إدخال أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، فتقام لهم مخيمات داخل الجانب السيناوي من الحدود، وبعد سنة أو اثنتين يترسخ هذا الأمر، ويجري تدويل قضية المخيمات الفلسطينية في سيناء بحيث يكون الموضوع دوليا، وفي هذه اللحظة يحدث ضغط إسرائيلي على الضفة الغربية، من أجل خروج أعداد كبيرة من الفلسطينيين أيضا إلى غزة في اتجاه مصر».
ووفقا للرواية المنقولة عن مبارك، فإن الخطة كانت تتضمن تدخل الأمم المتحدة للتعامل مع المعطيات الجديدة الخاصة بالفلسطينيين في سيناء، البالغ مساحتها نحو 60 ألف كيلومتر مربع. وحسب المصدر الذي حضر لقاء مبارك، فإن الرئيس الأسبق تحدث عن أنه في هذه الحالة ستطالب الأمم المتحدة بـ«أوسلو (اتفاق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل) جديدة»، مثل تلك التي جرى توقيعها عام 1993، يجري فيها ترسيم حدود جديدة وإنشاء وطن قومي للفلسطينيين في غزة وسيناء، ويجري بناء على ذلك إعادة الفلسطينيين من المهجر للدولة الجديدة، بحيث يكون من حق الفلسطينيين ثلث مساحة سيناء.
ونقل المصدر عن مبارك قوله في الاجتماع إنه يقف ضد هذا المشروع، وتحدث، وهو يشير إلى حنجرته، قائلا: «مصر شوكة في حلق مشروع كهذا.. مشروع لا يصب إلا في مصلحة إسرائيل، ويهدر القضية الفلسطينية برمتها.. لكنه أبلغنا، رغم ذلك، أن معبر رفح يجري فتحه للحالات الإنسانية فقط، وإدخال الغذاء والأدوية واستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين والمتجهين للعمرة والحج».
ويوضح المصدر أن الرئيس الأسبق أشار للمرة الأولى إلى الدكتور محمد البرادعي في اجتماع عُقد في مقر الحزب الوطني نفسه في ضاحية مصر الجديدة في عام 2010، وأبدى دهشته من تعاون البرادعي مع جماعة الإخوان التي كان مبارك ينظر إليها بوصفها جماعة متطرفة محظورا عليها العمل السياسي في البلاد، رغم أنه كان يتغاضى عن خوض مرشحيها الانتخابات البرلمانية والنقابية، وتنسيق حزبه مع بعض رموز الجماعة في دوائر انتخابية بالمحافظات.
ووفقا للمصدر نفسه، فإن غالبية قيادات الحزب الوطني في ذلك الوقت كانت تناصب البرادعي العداء أكثر من مبارك، ربما بسبب خشيتها من منافسته لها في حال دخوله البرلمان أو الترشح لانتخابات الرئاسة التي لم تجرِ، والتي كان مقررا لها شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2011. أو ربما لأن مبارك نفسه يعتز بالبرادعي بوصفه شخصية دولية مصرية، وقيامه في عام 2006 بمنحه قلادة النيل العظمى، وهو وسام رفيع في الدولة. لكن عودة البرادعي عقب تقاعده جعلت مبارك ينظر إليه بتشكك، خاصة بعد قيامه بوضع يده في يد «الإخوان» في الشهور التي سبقت «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011»، وتأسيسه مع الجماعة وأطراف سياسية أخرى من المعارضة ما عُرف باسم «الجمعية الوطنية للتغيير».
وبدا، وفقا لحديث المصدر الحزبي، أن مبارك كان، قبل عودة البرادعي، يعقد أملا في أن يكون الدبلوماسي الدولي الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005، مؤيدا لـ«الخطوات الإصلاحية» التي تتخذها حكومته في الاقتصاد والسياسة، وأنه يمكن أن يكون مفيدا بوصفه نائبا مستقلا أو حتى معارضا في البرلمان. لكن الرئيس الأسبق، وبعد أن انخرط البرادعي في رئاسة «الجمعية الوطنية للتغيير»، بدأ يقول عنه إنه «يبدو عليه أنه لا يحب الوجود وسط المجاميع، ولهذا لن يترشح لانتخابات مجلس الشعب»، التي كانت على الأبواب (خريف 2010)، مشيرا إلى أن انطباعه عن شخصية البرادعي كان أنه من النوع الذي لا يفضل العمل مع فريق، وإنما «يريد أن يعمل وحده ليكون زعيما»، وكان يرى أيضا أن «الإخوان» يستغلون هذه الشخصية الدولية لتحقيق مصالحهم الخاصة، وعلى رأسها تسويق أنفسهم على أنهم معارضة ليبرالية ومعتدلة أمام الرأي العام الغربي.
والبرادعي الآن موجود خارج البلاد، وتوجد شكوك في عودته إليها قريبا، وفقا للمصادر الأمنية، بسبب دعاوى من خصوم له منظورة أمام المحققين. وكان البرادعي قد وقف مع ما عُرف بـ«جبهة الإنقاذ» التي عارضت بقوة حكم مرسي و«الإخوان» في صيف 2013. إلى أن تولى موقع نائب رئيس الدولة، عقب الإطاحة بمرسي. لكنه استقال من موقعه الرفيع احتجاجا على الطريقة التي قامت بها السلطات بفض اعتصام «الإخوان» في رابعة العدوية.
ويضيف مسؤول أمني أن الدعاوى ضد البرادعي «غير جدية، لكن لا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث في حال رجوعه إلى البلاد بعد أن تركها وهي في أمسّ الحاجة إليه».
ويشير مصدر أمني آخر إلى أن قضايا أخرى ستكون مؤثرة في حال البدء فيها وإذاعتها للعلن، يخص جانب منها «الإخوان» أيضا، من بينها ما سماه قضية التفاوض مع الأميركيين حول خطة التنازل التدريجي المصري عن ثلث سيناء في عهد مرسي.
ويقول إنه حين قامت ثورة 2011 وتصدر «الإخوان» المشهد، وفازوا بعدها بنحو سنة في انتخابات مجلسي الشعب والشورى (البرلمان)، توجه وفد من مكتب إرشاد الجماعة، في طائرة انطلقت من أحد مطارات الدول الخليجية، برئاسة القيادي الإخواني «ع.ع»، وذلك بدعوة من أحد فروع المخابرات المركزية الأميركية، وليس من الرئاسة الأميركية أو البيت الأبيض.
ويضيف أن «موضوع الوفد الإخواني لم يكن رسميا ولا علنيا.. المهم، هذا الوفد كان يضم نحو 50 شخصية إخوانية، وعقد اجتماعا هناك، في الولايات المتحدة، وراقبته المخابرات المصرية.. المهم، خلاصة الاتفاق أن يكون التنازل في سيناء على مرحلتين؛ الأولى على مساحة 600 كيلومتر مربع المتاخمة لغزة، أي 20 كيلومترا في 30 كيلومترا، والمرحلة الثانية التنازل عن باقي الثلث السيناوي من ناحية غزة، على أن ينتهي هذا الأمر على أرض الواقع خلال أربع أو خمس سنوات، لإنشاء دولة فلسطينية تعترف بها الأمم المتحدة».
ويقول المصدر إن ما جرى رصده من جانب رجال الأمن المصريين حول هذا الاجتماع يتلخص في مناقشات بين الجانبين الأميركي والإخواني، وإن الأميركيين تعهدوا بـ«إنشاء الدولة الفلسطينية (على ثلث سيناء وكل غزة بشكل أساسي) ونحن، كأميركا، سندعمها بشكل كامل، ويكون لها حدود وبحر وموانئ ومطار وعملية إعمار وغيرها، على أن تكون دولة من دون جيش حربي، ولكن بجيش ذي تسليح خفيف للحماية وليس للحرب»، وأن يكون هناك تطبيع مصري كامل مع إسرائيل، وفي شتى المجالات، خاصة الاقتصادي، بما فيه أن يكون من حق الإسرائيليين التملك في مصر.
ويضيف أنه «جرى الاشتراط على الوفد الإخواني أيضا الإعلان عن كل هذه الخطوات، في حال الموافقة عليها مع الجانب الأمني الأميركي، وبشكل غير مباشر، والتمهيد لها في الأوساط المصرية، أو بالطريقة التي تراها الجماعة الحاكمة ممكنة، وفقا للمعطيات التي أمامها». ويضيف المصدر أن «الوفد الإخواني تخوَّف من مغبة إعطاء وعود بهذا الأمر، لكنه تحدث خلال الاجتماع مع الجانب الأميركي عن أنه سوف ينظر في الموضوع (بصورة تريح الجانبين)».
ويتابع المصدر أنه في أول اختبار من جانب بعض أعضاء الوفد الإخواني للترويج للمرحلة الجديدة التي تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية بالطريقة المشار إليها، والتطبيع مع إسرائيل، و«إحلال سلام شامل بالمنطقة»، بدأ الإعلان الجزئي عن هذا التوجه من خلال دعوة أحد أقطاب «الإخوان» لليهود الذين هاجروا من مصر ويقيمون في إسرائيل بأنه يمكنهم العودة لأملاكهم التي تركوها، إلا أنه قوبل بعاصفة من الانتقادات، وأسرع الرئيس مرسي وتبرأ من هذه التصريحات، وقال إن ما يتردد عن هذه القضية رأي يخص قائله، ولا يعبر عنه بصفته رئيسا للدولة أو عن «الإخوان».
وفيما يتعلق بالوضع الحالي لجماعة الإخوان وعلاقتها بالدولة، خاصة مع استمرار المحاكمات لمئات من قياداتها وكوادرها، تحدثت المصادر عن أن الجماعة تطلب من قيادات الدولة، طيلة الشهور الثلاثة الأخيرة، المصالحة، إلا أن الدولة لها شروط محددة لا تريد الجماعة الموافقة عليها حتى الآن، على رأسها الاعتراف بـ«ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013»، واقتصار المصالحة على القيادات الإخوانية الموجودة خارج السجون.. «مطلوب من (الإخوان) أشياء معينة لا بد أن يقوموا بها، منها الاعتراف بـ30 يونيو بأنها ثورة، اعتراف كامل من (الإخوان) ومن التنظيم الدولي للجماعة.. وأن يقروا بالنظام الجديد، بما فيه من دستور ورئيس.. كل هذا والقيادات في السجون، أي أن المصالحة لا تشمل القيادات التي تُحاكم أمام القضاء.. صلح أو لا صلح، لن يخرجوا من السجون. من هو في السجن، في السجن.. تبرئه المحكمة أو تحكم ضده. أما حديث المصالحة فيدور حول القيادات التي لم تتلوث أيديها بالدماء».
ووفقا لشهادات ومعلومات، فإن البلاد تستعد خلال الشهور المتبقية من هذا العام، لفتح ملفات جديدة تخص أحداثا شهدتها خلال السنوات الأخيرة وأدت لهزات عنيفة ضربت المجتمع المصري سياسيا واقتصاديا وأمنيا، من بينها اتجاه لتوقيف شخصيات دعوية وسياسية وإعلامية، آزرت جماعة الإخوان، أو أصبحت عبئا على المرحلة الجديدة، والاستعداد لإصدار أمر قضائي للتحقيق في ملابسات أحاطت باعتصامي رابعة والنهضة والمشاركين في تمويلهما، وحجم الأسلحة التي كانت في أيدي المعتصمين، وملابسات إجراءات فض الاعتصامين.. «الفترة المقبلة ستشهد محاكمات جديدة في هذه القضية. وسيجري تتبع الخيوط أملا في الوصول إلى الممولين الرئيسين للاعتصام وتسليحه، وكذا تتبع خيوط الداعمين لفكرة تخصيص أراضٍ في سيناء للفلسطينيين، خاصة بعد ثورة 25 يناير»، بما فيه اجتماع وفد الـ50 الإخواني المزعوم في الولايات المتحدة، أثناء تولي مرسي الرئاسة.
وعن سبب ضعف التواصل بين القصر الرئاسي المصري المعروف بـ«الاتحادية» و«البيت الأبيض» الأميركي، في عهد مرسي، تحدث اللواء «م. ف.»، الذي عمل بالقرب من الرئيس الإخواني، عن أن هذا الموضوع كان لافتا للنظر بالنسبة للمسؤولين المصريين في الأجهزة المعنية بمثل هذه الأمور، وأنه بالنظر في الأمر تبين أن هناك من أشار على أوباما، من الرجال المشتغلين بالروحانيات في واشنطن، بأن يبتعد عن كل ما يمكن أن يكون مصدرا لـ«سوء الطالع» بالنسبة له في تلك الفترة، بما فيها التواصل المباشر مع بعض الشخصيات.. «هذا ما عرفته، ولا أدري إن كانت هذه النتيجة حقيقية أم مجرد مزحة مصرية لعدم التوصل لسبب مقنع»، لأنه كان مرحّبا بوجود مرسي في السلطة لدى قطاعات معتبرة في واشنطن. لكن، ومع ذلك، وفقا للمصدر نفسه: «لم يلتقِ أوباما مطلقا بمرسي، وبدا أنه كان حريصا على ذلك.. كما لم تجر بينهما أي مكالمات هاتفية تُذكر إلا في أضيق الحدود».
ويشير إلى أنه «في بعض الأحيان يكون لدى الرئيس الأسبق رغبة ملحّة في التحدث مع أوباما في أمر من الأمور المهمة التي تخص البلدين أو تخص قضية من قضايا المنطقة، إلا أنه يطلبه مرتين إلى ثلاث مرات يوميا ولا يرد عليه»، لكنه يضيف أن «أوباما نفسه حاول الاتصال بمرسي في يوم من أيام الثورة الشعبية الأخيرة ضد حكمه، أعتقد أنه كان يوم 30 يونيو أو الأول من يوليو، لكن الوقت كان قد فات، ولم يتمكن من الوصول إليه».
ويبدو أن العلاقات بين واشنطن والقاهرة كانت قد بدأت في التذبذب وعدم الانتظام وتعتريها قلة الثقة في السنوات التي سبقت وصول «الإخوان» للسلطة، أي منذ سنوات حكم مبارك الأخيرة؛ ففي مقابلة أخرى مع مسؤول في حزب مبارك شارك في اجتماعات مغلقة لقادة الحزب ترأسها مبارك نفسه، قال إن الرجل، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، تعهد بعدم زيارة أميركا طوال مدة حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وأن مبارك رغم تفاؤله بانتهاء ولاية بوش، إلا أنه فوجئ في 2009 بالرئيس الأميركي باراك أوباما، يرفض حضوره لخطابه الشهير في جامعة القاهرة.
ويبدو من خلال شهادة أخرى من أحد مسؤولي حزب مبارك، ويدعى «ي.ح»، أن الرئيس الأسبق تعرض لتصرفات لم تعجبه من بوش الابن، ومن خلفه أوباما أيضا. وحضر هذا المسؤول اجتماعا مغلقا مع قيادات حزبية برئاسة مبارك في مبنى تابع للحزب الوطني في ضاحية مصر الجديدة في عام 2009. وذلك عقب الزيارة الشهيرة التي قام بها أوباما لمصر وألقى خلالها خطابا للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة.
ويقول هذا المسؤول إن مبارك حمّل بوش مسؤولية فشل مؤتمر السلام الذي عقد في شرم الشيخ في صيف عام 2008، وإنه قال بالحرف: «دعيت لمؤتمر سلام.. أول مؤتمر سلام عالمي في شرم الشيخ، وجاء جورج بوش وخربه.. بوش جاء لبيتنا وشتم مصر وشتمنا، وبحكم أننا ناس شرقيون، وبوش يُعتبر في بيتي، لم أرد عليه، ولكن رددت عليه فيما بعد.. قلت له وأنا أودعه إنني لن أدخل أميركا طوال رئاستك فيها». كما تحدث مبارك بامتعاض عما قال إنه تبني إنجلترا لمواقف أميركا، رغم علاقته الحسنة مع توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، الذي كان وقتها خارج السلطة وتربطه علاقة طيبة ببوش الابن، في حين كان مبارك معجبا بمواقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في ذلك الوقت.
ويضيف أن مبارك كان يلتقي بقيادات حزبه بالمحافظات مرتين في السنة، وكان يتحدث معهم بصراحة كمن يشكو لهم همومه، وكان يحرص على أن يكون وحده معهم، باستثناء، في بعض المرات، مع رجل الأعمال، عز، الذي شغل في السنوات الأخيرة للحزب الوطني موقع أمين التنظيم فيه. وفي أحد الاجتماعات التي عُقدت في مقر الحزب بالقاهرة، تحدث مبارك عن أن العديد من الشخصيات الدولية تدخلت وتوسطت بينه وبين بوش الابن من أجل أن يغير موقفه الرافض لزيارة الولايات المتحدة، إلا أنه لم يستجب لها، وأن من بين من توسطوا في هذا الأمر السيدة ميركل.. و«في إحدى المرات اتصلت به المستشارة الألمانية، كما كان يتصل به بلير، وكذا رئيس وزراء إيطاليا ورئيس فرنسا في ذلك الوقت، وجاءته كوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك) أكثر من مرة، وذلك لإقناعه بأن يسافر للبيت الأبيض، لكنه كان يرفض.. وقالوا له اقتراحا بأن يذهب لأميركا للعلاج، لكنه كان متمسكا بموقفه من بوش الابن».
ورغم أن مبارك زار الولايات المتحدة أيام حكم أوباما، فإنه كان قد تولد لديه شعور بأن الولايات المتحدة قررت التخلي عنه. ويقول المسؤول الحزبي إن الرئيس الأسبق تحدث في ذلك الاجتماع المغلق حول هذا الموضوع بقوله إنه كان يتأهب لمرافقة أوباما لإلقاء خطابه في جامعة القاهرة، على أساس أن مبارك هو رئيس الدولة المضيفة، لكن أوباما أخطره، في الليل، بأنه سيتوجه صباحا للجامعة بمفرده. ويضيف: «قال لنا حسني مبارك إنه وجد نفسه في وضع مربك وفي موقف صعب.. إما أن يتسبب في مشكلة بسبب موقف أوباما، وبالتالي الدنيا ستقوم ولا أحد يعرف كيف ستقعد، أو أن يلتزم الصمت. وأخبرنا مبارك أنه أدرك في هذه اللحظة أنه سيحدث أمر جلل، لكنه قال إنه لا يعرف متى. وقال بالحرف وباللهجة المصرية: (فيه حاجة حتحصل، بس إمتى مش عارف). وأضاف أن مبارك قال أيضا إن أميركا تخلت عن مصر.. وكانت طريقة كلامه في تلك اللحظة تعني أن أميركا تخلت عنه هو شخصيا».



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.