الحلقة الخامسة الوثائق البريطانية: ثاتشر تعبر عن فرحها العميق لانتخاب حليفها ريغان حتى يكملا المشوار معا

الوثائق البريطانية: العلاقات البريطانية ــ الأميركية

علاقة خاصة جمعت ريغان بمارغريت ثاتشر
علاقة خاصة جمعت ريغان بمارغريت ثاتشر
TT

الحلقة الخامسة الوثائق البريطانية: ثاتشر تعبر عن فرحها العميق لانتخاب حليفها ريغان حتى يكملا المشوار معا

علاقة خاصة جمعت ريغان بمارغريت ثاتشر
علاقة خاصة جمعت ريغان بمارغريت ثاتشر

العلاقات البريطانية ــ الأميركية كانت دائما توصف بالخاصة والأقرب بين أي دولتين في دول المعسكر الغربي خلال فترة الحرب الباردة أو بعد انتهائها مع انهيار الاتحاد السوفياتي ودول معسكر أوروبا الشرقية، لكن هذا لا يعني أن علاقاتهما لم يكن يشوبها أحيانا التشنج والتنافس السياسي الذي يفرضه بين الحين والآخر اختلاف المصالح والتناقضات السياسية في العلاقات الدولية، إلا أن فترة الثمانينات شهدت مرحلة متميزة في العلاقات بينهما، بسبب وجود إدارتين وصفتا باليمينيتين في البلدين، حكومة مارغريت ثاتشر في بريطانيا، التي دامت 11 عاما في السلطة (من 1979 إلى 1990)، وإدارة رونالد ريغان في الولايات المتحدة التي حكمت هي الأخرى من 1981 إلى 1989. الوثائق البريطانية المفرج عنها تتناول العلاقات بين البلدين في أوج عزها بسبب هذه العلاقة الخاصة التي جمعت مارغريت ثاتشر مع الرئيس ريغان بعد عدد من السنين خلال وجود كل منهما في السلطة. كما أن الملفات تتناول اللقاء الخاص الذي جمع ثاتشر مع جين كيركباترك المعروفة بشخصيتها القوية، وبعدائها للشيوعية وكانت فترتها كممثلة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة مميزة. أحد الملفات يتناول قضايا سباق التسلح و«المبادرة الاستراتيجية الدفاعية»، أو ما أصبح يعرف بـ«حرب النجوم»، التي أطلقها الرئيس ريغان.

على هذه الخلفية جاءت رسالة ثاتشر لريغان بعد فوزه في الانتخابات تفضي فيها بعواطفها الجياشة اتجاهه بعد انتخابه لفترة ثانية. «يا له من انتصار!»، كتبت في رسالة خاصة نشرها الأرشيف الوطني كاملة، مع إعطاء الصحافة الحق بنشر صورة عنها، وهذا عادة لا يسمح به، أي أن يقوم أحد بنشر صور للوثائق.
وتحت «سري وشخصي جدا»، تبدأ الرسالة التي بعثت بها ثاتشر في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1984 إلى الرئيس ريغان تهنئه بفوزه بفترة ثانية في البيت الأبيض، وتخاطبه باسمه الأول المختصر قائلة: «عزيزي رون»، مما يعكس العلاقة الحميمة والشخصية جدا بينهما.

* ثاتشر: يا له من انتصار!

* «يا له من انتصار. إنني عاجز عن أعبر لك عن فرحتي. إن ذلك سيشكل دافعا وطمأنينة لجميع أصدقاء أميركا، ويعطيهم الثقة الكاملة بقيادة الولايات المتحدة. أنا ودنيس (زوج مارغريت ثاتشر) نبعث لك ولنانسي (زوجة ريغان) بأحر التهاني».
الرسالة أخذت الطابع الشخصي جدا وعبرت عن العلاقة التي تطورت بينهما خلال سنين وجودها في الحكم. ولهذا تضيف الرسالة: «إننا الآن دخلنا الفترة الثانية في الحكم ولهذا نواجه معا التحديات الصعبة. أملي الكبير أن نستمر عن قرب في العمل معا، كما عملنا خلال الأعوام الأربعة الماضية، وأن يستشير بعضنا بعضا بصفة شخصية، ولكن بصراحة، حول المشكلات الدولية الكبيرة. عندما التقيت جورج شولتز (وزير الخارجية) في دلهي، أقترح أن تعقد لقاء مصغرا بيننا، في بداية الفترة الثانية من إدارتك، يتناول بالتحديد قضايا سباق التسلح بالتحديد. أنا مستعد لهذا الاقتراح إذا قررت أنت متابعة هذا الموضوع».
وفي الفقرة الأخيرة من الرسالة تبين أنها تريد اللقاء به في أقرب فرصة، إذ تقول: «فورا سأكون في بكين بين 20 و21 ديسمبر (كانون الأول) من أجل التوقيع على اتفاق هونغ كونغ. لو حصل أنك حضرت إلى كاليفورنيا في ذلك الوقت، فسوف أتوقف هناك، خلال رحلة الرجوع إلى لندن، لمدة ساعة أو ساعتين في 22 ديسمبر. ستكون فرصة جيدة لنتكلم. ومرة أخرى، لك أحر التهاني والتمنيات للفترة الثانية».
ووقعت الرسالة بخط يدها واسمها الأول فقط: «المخلصة دائما مارغريت».

* لقاء ثاتشر ـ جين كيركباترك: الاتحاد السوفياتي متخوف من ضربة نووية مفاجئة

* اللقاء بين ثاتشر وكيركباترك سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يلقي الضوء على أهمية العلاقات بين البلدين. وعلى الرغم من أن ثاتشر التقت كيركباترك في نيويورك قبل فترة قصيرة كما تبين رسالة وزارة الخارجية للسكرتير الشخصي لثاتشر، التي تقول: «إننا لا نطالب ولا نرى أن على رئيسة الوزراء لقاءها، كما أن السفارة الأميركية لم تطالب ذلك»، فإن رئيسة الوزراء وجدت الوقت الكافي، رغم انشغالها في تلك الفترة كما تبين وثائق أخرى، للاجتماع معها خلال وجود كيركباترك في لندن لإلقاء محاضرة حول العلاقات الدولية نظمها منتدى العلاقات الخارجية.
وفي مساء 8 أبريل (نيسان) اجتمعت السيدتان في مقر رئاسة الوزراء، وأول نقطة نوقشت كانت موضوع «الأسلحة الكيماوية». ويقول محضر الجلسة إن «رئيسة الوزراء كانت قلقة جدا من أن الغرب في الوقت الحالي غير قادر على الرد على ترسانة الاتحاد السوفياتي في ما يملكه من أسلحة كيماوية فتاكة، وأن أي استخدام لهذه الأسلحة من قبل الاتحاد السوفياتي سيجبر الغرب على الرد بالأسلحة النووية. وردت كيركباترك قائلة إن وزير الخارجية الفرنسي قال لها إن فرنسا لن تتردد في الرد بأسلحة نووية إذا تعرضت لهجوم كيماوي، مضيفة أن مجلس الأمن القومي الأميركي ناقش حديثا الموضوع واستخلص أن الأسلحة الكيماوية فتاكة ومدمرة بقدر الأسلحة النووية لكنه من الصعب احتواؤها.. الحكومة الأميركية لم تتمكن من إيجاد طريقة يمكن من خلالها التحقيق من القدرات النووية».
وقالت ثاتشر إن الحكومة البريطانية طرحت مفهوم «التحدي بالتفتيش»، وردت كيركباترك بأن الحكومة الأميركية تقبل بهذا الطرح. لكن يقول المحضر إن استخدام العراق للأسلحة النووية برهن على أن المواد المستخدمة في صناعة الأسلحة الكيماوية يمكن الحصول عليها من عدة مصادر، وأصبح من السهل تجميعها، وهذا جعل عملية التحقيق فيها صعبة للغاية.. وقالت ثاتشر: «إن الرأي العام قد يقبل امتلاك الأسلحة النووية من أجل استخدامها كرادع، إذا كان ذلك سيشكل بديلا لاستخدام الأسلحة النووية في الرد».
ثاتشر قالت إنها تعتقد، كما بينت التقارير التي وصلت إليها من لجنة الاستخبارات المشتركة، أن الاتحاد السوفياتي متخوف من أن الولايات المتحد قد توجه ضربة نووية مفاجئة ضده. وأضافت ثاتشر بأنه وصل إليها تقرير من رجل دين (اسمه ميشال بوردو - وحولت نسخة من التقرير للحكومة الأميركية) حول تأثير الحرب الإعلامية على الرأي العام السوفياتي واعتقاده بأن الغرب قد يقوم بتوجيه ضربة نووية ضده. وقالت إنها عندما زارت هنغاريا حاولت إقناع رئيس الوزراء (كادار) بأن «الديمقراطيات الغربية ترغب في السلام، وأن الرئيس ريغان يفضل السلام والحد من الأسلحة النووية، لكن انطباعها أن المضيف لم يقتنع بالموقف. ولهذا يجب علينا أن نأخذ هذه المخاوف بجدية، ونحاول أن نبدد هذه المخاوف لدى الاتحاد السوفياتي والدول الشرقية».

* أي تدخل في الخليج يجب أن يكون فقط لحماية الممرات المائية

* وتناول النقاش بعد ذلك دور الاتحاد السوفياتي في منطقة الخليج. وقالت ثاتشر إنها «سألت اخيرا وزير الدفاع الأميركي كاسبر وينبيرغر إذا اتصل مع الأميركان حول الوضع في منطقة الخليج». وقالت إنه «من المهم جدا إيصال رسالة واضحة إلى موسكو أن أي تدخل في منطقة الخليج هو فقط لتأمين الممرات المائية والملاحة في الخليج وليس من أجل أن يكون للغرب اليد العليا على حساب الاتحاد السوفياتي» في المنطقة. في نفس الفترة، كما بينت الوثائق أمس وقبل أمس، فإن بريطانيا بدأت نقاشا جديا مع الولايات المتحدة حول خطة للتدخل في منطقة الخليج في حالة تدهور الأوضاع بسبب الحرب وانقطاع إمدادات البترول.
وردت كيركباترك قائلة إنها لاحظت أن «الصحافة في نيكاراغوا نشرت بيانا موقعا من قبل إيران ونيكاراغوا، بعد أن قام أحد أعضاء الطغمة العسكرية الحاكمة بزيارة طهران»، مضيفة أن «الأهمية ليست بمحتوى البيان وإنما بالتوقيع عليه»، وأن «الولايات المتحدة قلقة من النفوذ السوفياتي في إيران، وهنا تكمن أهمية العامل النيكاراغوي في الموضوع». وقبلت كيركباترك بالموقف البريطاني وهو توخي الحذر في التعامل مع موسكو. «يجب أن نتوخى الحذر في تعاملنا مع الاتحاد السوفياتي هذه الأيام، لأن مزاج موسكو يبدو غريبا هذه الأيام». وقالت إن «السفير السوفياتي الذي اعتاد ولعدد من السنين حضور عشاء سنوي في واشنطن، على غير عادته اعتذر الحضور هذا العام قبل 24 ساعة من الحدث دون أن يعطي أي أسباب لذلك. وفي نفس الأسبوع اعتذرت موسكو عن استقبال الجنرال سكوكروفت. لم نفهم الأسباب، وقد يعني صراع قوى داخل موسكو».
وقالت لثاتشر في اجتماعها معها في أبريل 1984 إن الغرب لم يكن يعرف الكثير عن فترة يوري أندروبوف (نوفمبر 1982 إلى فبراير (شباط) 1984) «لم نكن نعرف إذا كان متزوجا أم لا، أو حالته الصحية، أو طبيعة مرضه، وبعد ثلاثة شهور من وجوده في الحكم قالت (سي آي إيه) إنها لاحظت أن الاتحاد السوفياتي قد صعد من حملاته التضليلية في المعلومات».
وقالت إن استخدام موسكو لحق الفيتو بخصوص «قرار لبنان» كان أيضا غريبا، وكان التقييم الأميركي يقول إن موسكو لن تستخدم الفيتو بخصوص القرار، وكان السفير السوفياتي في باريس قد قال قبل التصويت إن موسكو ستمتنع. وحتى ممثل موسكو في نيويورك قال نفس الشيء قبل يومين من التصويت، كما جاء على لسان هنري كيسنجر.
وقدمت ثاتشر شرحا واسعا لضيفتها حول زيارتها الأخيرة لهنغاري. وسألت كيركباترك رئيسة الوزراء إذا كانت تعتقد بأن موسكو بإمكانها الاعتماد على دول أوروبا الشرقية في أي حرب، وهل يعتقد الاتحاد السوفياتي أنه قادر على أن يعتمد على هذه الدول أن تأخذ جانبه؟ وقالت ثاتشر إن هذا سؤال تصعب الإجابة عليه، لكن وجود قوات سوفياتية في هنغاريا يعني أن موسكو تشك بذلك.

* الخلافات حول سباق التسلح في الفضاء الخارجي وبرنامج حرب النجوم

* يتناول الملف الموقف البريطاني تجاه خطاب الرئيس ريغان في مارس (آذار) 1983 والذي تضمن خططه لتطوير منظومة دفاعية في الفضاء الخارجي، الذي أصبح يعرف بحرب النجوم، وهذا لم تكن راضية عنه بريطانيا. وصيغت ورقة مشتركة من قبل وزارتي الدفاع والخارجية البريطانيتين تقول إن الغرب سيخسر الكثير في سباق تسلح من هذا النوع والذي يفتح المجال للجميع ويصبح «الفضاء لم يرغب». وتضيف الوثيقة بأن هذا النوع من الأنظمة الدفاعية البالستية لن يقلل من خطر الأسلحة النووية التي تحملها الغواصات النووية والطائرات. وتقول الورقة إن وجهة النظر العلمية في أوروبا والولايات المتحدة تميل إلى أن هذه الأنظمة الدفاعية المقترحة لن تشكل رادعا لاستخدام الأسلحة النووية وإنما ستزيد من سباق التسلح، «ولن يكون هناك نظام دفاعي محكم، وهذا من الصعب إيجاده». وكتب مستشار مارغريت ثاتشر للشؤون الخارجية السير بيرسي كرادوك يعلق أن الاستراتيجية الدفاعية الأميركية، التي أصبحت معروفة بحرب النجوم هي مجرد تكهنات دفاعية وليست استراتيجية، أضف إلى ذلك أنها مكلفة جدا، وستشكل عاملا للزعزعة بين القوى العظمى وليس عامل توازن.
رئيسة الوزراء كانت حذرة ولا تريد الظهور بأنها على خلاف مع الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ريغان المفضلة لديها. وفي اجتماع في يوليو (تموز) 1984 قالت إنها «لا تريد أن تظهر وكأنها تملي على الولايات المتحدة بشروطها في هذا المجال العلمي الذي يتفوق فيه الأميركان على غيرهم، وفي النهاية ستغضبهم دون أن يكون هناك سبب وجيه».
وتقول مذكرة لوزارة الخارجية إن خطاب الرئيس ريغان في مارس 1983، عندما أعلن عن خططه: «جاءت مثل الصاعقة على دول المعسكر الغربي والمستشارين في الوزارة». وتضيف المذكرة: «وبخط قلم ودون أي مشاورات مع حلفاء أميركا قدم الرئيس مقترحات راديكالية تنسف التفكير الأميركي والعقيدة المعمول بها».

الرسالة التي بعثت بها ثاتشر إلى ريغان تهنئه على انتخابه لفترة ثانية (الأرشيف الوطني البريطاني)

الحلقة الأولى : ثاتشر تبنت «الواقعية» مع ليبيا.. وتركت «القاتل» يغادر السفارة
الحلقة الثانية: الوثائق البريطانية: الملك حسين كان يعتقد أن عناصر أميركية «هندست» الثورة الإيرانية
الحلقة الثالثة: صدام قال للوفد البريطاني: رجال الدين الإيرانيون متعطشون للسلطة
الحلقة الرابعة: القذافي يتفاوض مع تشيكوسلوفاكيا لتدريب مجموعات لمهاجمة محطات الطاقة في الغرب

 



هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
TT

هدية عيد الحب... انهيار «قوس العشاق» في إيطاليا

«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)
«قوس العشاق» في إيطاليا (رويترز)

انهار هيكل صخري شهير على ساحل إيطاليا المطل على البحر الأدرياتيكي، كان معروفاً باسم «قوس العشاق»، وذلك في يوم عيد الحب بعد أحوال جوية سيئة استمرت لأيام، مما دفع مسؤولين إلى ‌التحذير من أن ‌أجزاء أخرى ‌من الساحل ⁠الهش قد تكون معرضة ⁠لخطر الانهيار.

ووفقاً لـ«رويترز»، كان القوس الطبيعي، وهو جزء من صخور سانت أندريا البحرية بالقرب من بلدة ميليندونيو في منطقة بوليا ب⁠جنوب إيطاليا، موقعاً شهيراً للعشاق ‌لتقديم ‌عروضهم للزواج وبالنسبة للسائحين لالتقاط الصور.

وقال ‌ماوريتسيو تشيسترنينو رئيس بلدية ‌ميليندونيو لصحيفة «كورييري سالنتينو» المحلية: «كانت هدية غير مرغوب فيها في عيد الحب»، واصفاً الانهيار بأنه «ضربة شديدة» لصورة المنطقة والسياحة.

وذكر تشيسترنينو أن ⁠الأمطار ⁠الغزيرة والرياح العاتية والبحر الهائج اجتاحت الساحل ودمرت في النهاية القوس. وأضاف: «استعادت الطبيعة ما صنعته».

وحذر المسؤولون من احتمال انهيار أجزاء أخرى من الساحل الصخري مع ظهور شقوق، مما يؤكد زيادة التهديد الناجم عن تآكل الساحل.


أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ثمة مصدر للقلق الأوروبي في الوقت الحاضر، وهو الطموحات الروسية، واعتبار قيادات رئيسية في القارة القديمة أن الرئيس فلاديمير بوتين لن يتردد، قبل نهاية العقد الحالي، في مهاجمة أوروبا مجدداً، وأن ضحاياه ستكون بالدرجة الأولى جمهوريات بحر البلطيق، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي وانفصلت عنه عقب انهياره في ديسمبر (كانون الأول) 1991.

وسبق لرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، أن أثار جدلاً واسعاً قبل عدة أسابيع عندما نبه ثلاث مرات على الأقل خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من قيام نزاع مسلح في أوروبا وتحديداً مع روسيا. وقال في شهادة له أمام لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي إن على الجيش الفرنسي «أن يكون مستعداً للدخول في مواجهة عسكرية في السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».

وبعدها، لم يتردد، في كلمة له أمام مؤتمر رؤساء بلديات فرنسا، في تنبيه أمهات فرنسا من أنهن سيضحين بعدد من أبنائهن في حرب مستقبلية، الأمر الذي تسبب بموجة من المخاوف في البلاد. وبحسب ماندون، فإن ما قد يدفع روسيا لمواجهة من هذا النوع مرده نظرتها لأوروبا التي ترى فيها قارة «ضعيفة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (وسط) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في صورة جماعية بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ف.ب)

قلق أوروبا

ما تنبه منه باريس، يشغل أيضاً ألمانيا التي تعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا. ففي 13 أكتوبر، أعلن مارتان جايغر، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، أمام البرلمان أن روسيا قد تكون مستعدة للدخول في نزاع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبل عام 2029، وأنه لا ينبغي اعتبار ذلك احتمالاً بعيداً، بل سيعد خطراً حقيقياً. وأكد أن أوروبا تعيش في «سلام بارد قد يتدهور في أي لحظة»، ودعا إلى زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد.

وثمة مصدر ثان للمخاوف الأوروبية، عنوانه انعدام اليقين داخل القارة القديمة لجهة التزام واشنطن بالحلف الأطلسي وبالمادة الخامسة منه، التي تنص على أن أي اعتداء على أي عضو في التكتل الأطلسي يعد اعتداء على جميع أعضائه. وخلال السنوات التي تلت قيام الحلف، عاش الغرب في مأمن؛ لكونه يحظى بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. والحال أن الأوضاع تغيرت اليوم مع عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. فالأوروبيون - الأطلسيون فقدوا ثقتهم بالحليف الأميركي. وجاءت خطط ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التي تعود السيادة عليها للدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لتقوض الثقة القديمة، التي لن تنجح «تطمينات» وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي أغدقها على القادة المجتمعين في مؤتمر ميونيخ للأمن، في ردم الهوة السحيقة التي قامت بين الطرفين.

نووي القارة القديمة

وما يزيد الطين بلة أن الأوروبيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في حرب «كلاسيكية» تدار بأسلحة «تقليدية». ولكن الجهة التي تخيفهم تمتلك السلاح النووي. ولم يتردد المسؤولون الروس في السنوات الأربع التي انقضت على الحرب في أوكرانيا في التلويح عن استعدادهم للجوء إلى السلاح النووي التكتيكي أو ما يسمى «القنبلة الميدانية». وفي حال انحسار المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، يدور البحث عن مظلة بديلة.

والحال أن فرنسا وحدها، داخل الاتحاد الأوروبي، تمتلك السلاح النووي، بحيث إنها تتمتع بقوة ردعية مستقلة وكافية. وخارج الاتحاد، هناك بريطانيا الدولة النووية الثانية في أوروبا.

رئيس أركان الدفاع الفرنسي فابيان ماندون يشارك في اجتماع عبر الفيديو لتحالف المتطوعين الداعم لأوكرانيا بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 نوفمبر 2025 (رويترز)

تفيد المعلومات المتوافرة بأن القوة الفرنسية تتشكل من 290 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها باريس من طراز «تريونفان»، وأيضاً من طائراتها الاستراتيجية من طراز «رافال» القادرة على إطلاق صواريخ «آي إس إم بي» المجهزة برؤوس نووية. أما الضغط على الزر النووي فيعود لرئيس الجمهورية و«الحقيبة النووية» التي تواكبه في تنقلاته. أما القوة النووية البريطانية فبحرية فقط، وتتشكل من 225 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها المملكة المتحدة. القاعدة المعمول بها من على جانبي بحر المانش تقول بضرورة وجود دائم لغواصة نووية في أعماق البحار باعتبارها قوة ردع دائمة للرد على أي اعتداء نووي.

لكن ما يميز البلدين أن الصواريخ البريطانية نتيجة إنتاج مشترك أميركي – بريطاني؛ ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي. بالمقابل، فإن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ مجهزة برؤوس نووية «ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، وتركيا» مخزنة في خمس قواعد جوية أوروبية، وهي تخضع للرقابة الأميركية، ولا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك. وتشير معلومات متوافرة إلى أن عدد هذه الصواريخ يتراوح ما بين 80 و100 صاروخ.

المظلة البديلة

خلال مؤتمر ميونيخ، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس أول من كشف عن وجود «محادثات سرية» بين باريس وبرلين بشأن قيام ردع نووي أوروبي، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقال ميرتس ما حرفيته: «لقد بدأت محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي بشأن الردع النووي الأوروبي. نحن الألمان نلتزم بالتزاماتنا القانونية. ونرى أن هذا الأمر يندرج حصراً ضمن ترتيبات المشاركة النووية في حلف شمال الأطلسي. ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمن مختلفة في أوروبا».

بيد أن ماكرون لم يربط ذلك بالحلف الأطلسي كما فعل ميرتس، ما يعكس وجود تباينات في وجهات النظر بين البلدين اللذين يشكلان، منذ البداية، الدينامو الأول للاتحاد الأوروبي. لكن من المفيد انتظار يوم 27 فبراير الجاري حيث من المقرر أن يلقي ماكرون خطاباً مخصصاً للقوة النووية. علماً بأن باريس، منذ تملكها للسلاح النووي، تعتبر أن استخدامه، من جهة، ردعياً وليس «هجومياً»، ومن جهة ثانية للدفاع عن «المصالح الحيوية» الفرنسية. غير أن فرنسا لم تفسر ولم تحدد معنى المصالح الحيوية، متبنية بذلك مبدأ «الغموض الاستراتيجي». بيد أن باريس ترى أيضاً أن لقوتها الردعية «بعداً أوروبياً»، وهو ما أشار إليه ماكرون في عدة مناسبات، وسبقه إليه الرؤساء شيراك وساركوزي وهولند.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية وطنية جديدة أثناء حديثه للجيش في القاعدة العسكرية في فارس بجبال الألب الفرنسية يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ب)

تتمثل الصعوبة الكبرى التي تواجهها فرنسا بوجود تيار متأصل يرفض «التشارك» في استخدام الدرع النووية الفرنسية. وبكلام آخر، فإنه في حال التوصل إلى تفاهمات مع ألمانيا أو مع غيرها من دول الاتحاد، فإن باريس متمسكة بأن يبقى «الزر النووي» في يدي الرئيس الفرنسي بلا شريك. كذلك، ثمة إشكالية أخرى تثار وتتناول الدول التي تريد فرنسا نشر مظلتها فوقها. ولا أحد في باريس يتوقع أن تشمل جميع الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي، علماً بأن المناقشات النووية ليست محصورة ببرلين وحدها.

لم تتأخر ردة الفعل الأطلسية التي وردت السبت الماضي على لسان الأمين العام للحلف الأطلسي، مارك روته، الذي أعلن من ميونيخ أن لا أحد في أوروبا يسعى لاستبدال المظلة الأطلسية بمظلة أوروبية. وقال روته بمناسبة مؤتمر صحافي: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي هو أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية». وأضاف: «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». ومن جانبها، لم تبق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر محدودة، إذ اكتفى بالقول إن لندن «تعزز تعاونها النووي مع فرنسا». لكن لا شيء يدل على أن بريطانيا تريد القيام بخطوة منفصلة عن الحلف الأطلسي، باعتبار أن قوتها النووية «مندمجة» تماماً في البنى الأطلسية.

بناء على ما سبق، لا يبدو أن الأوروبيين، رغم قلقهم من «الاستدارة» الأميركية، جاهزون لاستبدال المظلة الأميركية - الأطلسية بمظلة أوروبية غير موجودة؛ ما يعني أن «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يدعو إليها ماكرون منذ عام 2017 لا تزال سراباً طالما بقيت أوروبا قوة اقتصادية كبيرة، وليست قوة عسكرية استراتيجية، وهو ما تسعى إليه.


الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
TT

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

قال أحد كبار رجال الدين في الفاتيكان، الاثنين، إن الفاتيكان سيعزز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب في الآونة الأخيرة، لكنه يريد تجنّب «عسكرة» واحدة من أكثر الكنائس جذباً للزوار في العالم.

وذكر الكاردينال ماورو غامبيتي أن أكثر من 20 مليون شخص زاروا الكاتدرائية العام الماضي، وأن تلك الوقائع في الآونة الأخيرة كانت «محدودة للغاية» مقارنة بإجمالي عدد الزوار.

وقال غامبيتي، في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الـ400 لتكريس الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات في العالم المسيحي: «نحن نفكر، وسنقوم الآن بشيء ما، من أجل توفير مزيد من الحماية لبعض الأماكن»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيس كهنة كاتدرائية القديس بطرس البابوية الكاردينال ماورو غامبيتي يتحدث إلى الصحافيين في الفاتيكان 16 فبراير 2026 (أ.ب)

ويخضع الزوار حالياً للتفتيش قبل الدخول، في حين يوجد ما بين 40 و60 فرد أمن غير ظاهرين بشكل لافت داخل الكاتدرائية. وأشار جامبيتي إلى أن الإجراءات الجديدة ستكون بسيطة.

وقال: «سألنا أنفسنا عن الحد الذي يجب أن نذهب إليه في الحماية أو في العسكرة... لإدارة كل شيء والتحكم في كل شيء».

وأضاف «نعتقد أنه يجب أن يظل مكاناً يمنح الأشخاص الذين يدخلون الكاتدرائية لمحة من الحرية، لذلك لا يمكن تجاوز حدود معينة».

وحثّ غامبيتي الصحافيين على تجنّب تشجيع سلوك التقليد، قائلاً إن التقليد أصبح أسهل في مجتمع تشكله وسائل التواصل الاجتماعي و«الدروس التعليمية» عبر الإنترنت.

وأوضح: «نعتقد أننا نستخدم التكنولوجيا، ولكن في الواقع التكنولوجيا هي التي تستخدمنا»، داعياً إلى بذل جهود أوسع من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام لتثقيف الناس والمساعدة في منع وقوع المزيد من الحوادث.

وتخضع الإجراءات الأمنية للمراقبة منذ وقوع سلسلة من الحوادث حول المذبح الرئيسي للكاتدرائية.

مشاركون يؤدون صلاة التبشير الملائكي بساحة القديس بطرس في الفاتيكان 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُبض على رجل مجهول الهوية بعد أن تسلّق المذبح وتبوّل عليه، في حين خلال فبراير (شباط) 2025، تسلّق رجل المذبح وأسقط عدة شمعدانات على الأرض، مما أدى إلى إتلافها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، خلع رجل من أصل بولندي ملابسه، وتسلق على المذبح نفسه احتجاجاً على الحرب في أوكرانيا.

وقال غامبيتي إن الفاتيكان يدرك أن بعض المسؤولين عن مثل هذه الأفعال قد يكونون في غاية الضعف، وأن هناك حاجة إلى فهم ومعالجة نقاط الضعف الموجودة في المجتمع.

وتابع قائلاً: «هناك نقاط ضعف اليوم تتجاوز ما كنا نتخيله قبل 20 عاماً فقط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended