غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية

من التالي على قائمة الرسائل بعد غسان كنفاني وأنسي الحاج؟

غادة السمان
غادة السمان
TT

غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية

غادة السمان
غادة السمان

ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة».
تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل...
قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه».
لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل».
تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود.
لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية.



ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.