جادة الشانزليزيه تستعجل محو آثار التخريب والعنف

رئيس الحكومة يعرض سلسلة من الإجراءات الجديدة لكبح المشاغبين

محال جادة الشانزيليزيه المخرّبة أمس (رويترز)
محال جادة الشانزيليزيه المخرّبة أمس (رويترز)
TT

جادة الشانزليزيه تستعجل محو آثار التخريب والعنف

محال جادة الشانزيليزيه المخرّبة أمس (رويترز)
محال جادة الشانزيليزيه المخرّبة أمس (رويترز)

منظر جادة الشانزليزيه كان حزيناً يوم أمس، رغم أن بلدية باريس جهدت لمحو آثار العنف الأعمى الذي ضرب هذه الجادة التي توصف بأنها «الأجمل في العالم». فمن ساحة الإتوال، حيث قوس النصر الذي يخلد انتصارات الإمبراطور نابليون الأول، نزولاً نحو ساحة الكونكورد حيث المسلّة الفرعونية، لا يقع الزائر إلا على محلات غالبيتها مقفلة. أكشاك الجرائد ترمدت. واجهات زجاجية مهشمة تدأب فرق العمال في إزالتها ووضع ألواح خشبية مكانها. محل المجوهرات «ألباني» وجاره «سواروفسكي» نُهبا تماماً وسدت واجهاتهما، ولن يعود النشاط إليهما إلا بعد أسابيع. الحال نفسها ألمت بمقهى «فوكيه» الذي أحرق وبعثرت محتوياته. محل ومقهى «نسبريسو» الشهير الواقع يمين الجادة نزولاً اختفى عن الوجود وسدت واجهاته بالعرائض الخشبية. محل «سامسونغ» للحواسيب والهواتف النقالة الذي افتتح منذ شهور قليلة عرف المصير نفسه وهكذا دواليك.
ثمة سياحة جديدة تعرفها جادة الشانزليزيه، مختلفة تماماً عن التسوق أو الجلوس في مقاهيها والاستمتاع بمناظرها. إنها سياحة التقاط صور الدمار الذي حل بها طيلة يوم كامل، عجزت فيه الأجهزة الأمنية عن احتواء وجبة موجة المواجهات التي حولت الشانزليزيه لساحة حرب بين مجموعات بالغة التنظيم والحركية أهمها المسماة «بلاك بلوكس» والقوى الأمنية.
ورغم حشد ما لا يقل عن 5 آلاف رجل أمن، فإن الوضع أفلت من أيديهم تماماً، الأمر الذي يفسر الدمار الكبير وعمليات التخريب والنهب والتحطيم التي قامت بها هذه المجموعات المنتمية إلى اليسار المتطرف الخارج عن أي تنظيم. ومرة أخرى، يجد الرئيس إيمانويل ماكرون ومعه حكومة إدوار فيليب ووزير داخليته كريستوف كاستانير في موضع الاتهام، لـ«عجزهم» عن كف يد المندسين والمخربين الذين قدر الأخير عددهم بـ1500 شخص.
كذلك، فإن صورة ماكرون يتزلج في محطة جبلية في سلسلة جبال البيرينيه بينما جادة الشانزليزيه تحترق كان لها أسوأ الأثر على الفرنسيين الذين أغاظتهم قبل أسبوع مقاطع فيديو لوزير الداخلية راقصاً في أحد المرابع الليلية في باريس بعد يوم من المظاهرات والعنف.
إزاء هذه الأوضاع، لم تكف عودة ماكرون من منتجعه الجبلي المتعجلة مساء السبت وعقده اجتماعات متلاحقة بحثاً عن رد «مناسب» لطمأنة الفرنسيين لجهة سيطرة الحكومة على الوضع. لذا، فقد طلب من رئيس الحكومة والوزراء المعنيين أن يقدموا إليه سريعاً اقتراحات جديدة تتناسب مع ما عرفته العاصمة وأيضاً لدرء الانتقادات التي انصبت على أدائه وأداء حكومته من اليمين واليسار على السواء.
وذهبت بعض الأصوات مثل الناطقة باسم حزب «الجمهوريون» اليميني، لورانس ساييه، للمطالبة باستقالة وزير الداخلية لفشله في التعامل مع العنف، خصوصاً أن ما حصل يوم السبت كان منتظراً وأن المظاهرات وما يرافقها دخلت في شهرها الرابع. وفي تغريدة على «فيسبوك»، اتهم رئيس الحزب لوران فوكييه الرئيس ماكرون بـ«العجز» وبأنه «لم يكن بمستوى التحدي»، والفشل في إيجاد الردود المناسبة على تفجر العنف. أما أخطر اتهام من اليمين فقد جاء على لسان برونو روتيو، رئيس مجموعة أعضاء مجلس الشيوخ من «الجمهوريون»، الذي اعتبر ما حصل يوم السبت بأنه «إجازة أعطيت للتخريب» للمشاغبين الذين اندسوا في صفوف السترات الصفراء كما كل يوم سبت. ولم يسلم ماكرون ولا حكومته من سهام اليسار الاشتراكي ولا من انتقادات رئيسة بلدية باريس، آن هيدالغو، ولا من انتقادات عامة الناس وعلى الأخص أصحاب المصالح وسكان هذه الجادة ومتفرعاتها الذين سئموا تكرار مشاهد العنف منذ 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تاريخ انطلاقة الحركة الاحتجاجية.
في مواجهة هذا الفيض من الانتقادات، لم يتردد رئيس الحكومة إدوار فيليب في الاعتراف بوجود «اختلالات» في عمل الأجهزة الأمنية، بينما رأى وزير الأمن لوران نوناس أنها وصلت إلى حد «الفشل» ولمح إلى الرغبة في إحداث تغييرات على رأس مديرية الشرطة في باريس، المسؤولة عن أمن العاصمة. ونقل عن رئيس الجمهورية قوله إن طريقة التعامل الوحيدة مع العنف هو «الرد الأمني» وأنه «لا مجال بتاتاً للحوار مع النواة الصلبة المتطرفة» من المحتجين الذين سبق له أن وصفهم بأبشع النعوت. واستدعى مجلس الشيوخ وزيري الداخلية والاقتصاد لجلسة استماع اليوم فيما تكاثرت الدعوات لمنع مظاهرات «السترات الصفراء» في كل أنحاء فرنسا.
كان على الحكومة أن تتحرك بسرعة وأن تستجيب من غير تأخير لما طلبه ماكرون من إجراءات جديدة تمنع تكرار ما حصل السبت الماضي. وبعد اجتماعات مطولة شارك فيها وزراء الداخلية والعدل والأمن الداخلي وقادة الأجهزة الأمنية، بلور رئيس الحكومة مجموعة تدابير عرضها عصراً في مقر رئاسة الحكومة. وأولى التدابير إزاحة مدير شرطة العاصمة «الشبيه بالمحافظ» ميشال دلبويش، واستبداله بمحافظ منطقة أكيتانيا «جنوب غربي فرنسا» ديديه لالمون، مما يعني أن الحكومة تحمل الأول مسؤولية العجز عن التعامل مع المتظاهرين.
كذلك أعلن فيليب عن استعداد الحكومة لمنع مظاهرات «السترات الصفراء» في الشانزيليزيه وفي مدن فرنسية أخرى «منذ أن تتوفر لدينا معلومات عن وجود عناصر متطرفة، وعن عزمها على اللجوء إلى التحطيم». وإضافة إلى الشانزليزيه، ذكر فيليب منطقتين إضافيتين هما حي بي بيرلاند في مدينة بوردو، وحي الكابيتول في مدينة تولوز.
إضافة إلى ذلك، أعلن رئيس الحكومة زيادة الغرامة المفروضة على كل من يشارك في مظاهرة غير مرخص لها كما كان الحال السبت الماضي، بحيث ترتفع من 38 يورو إلى 135 يورو. ومن جملة ما أعلنه عزم وزارة الداخلية على طلب تدخل القضاء عند صدور دعوات من قادة السترات الصفراء للجوء إلى العنف. وميدانياً، حث فيليب القوى الأمنية على مزيد من الاعتقالات في صفوف المحتجين واللجوء إلى الطائرات المسيرة (درون) لمتابعة المظاهرات وإعادة السماح باستخدام الرصاص المطاطي ضد من يرتكب أعمال عنف.
ويبقى السؤال المطروح هو: هل ستكفي هذه الإجراءات؟ وكثيرون يشككون بفعاليتها. وفي أي حال، فإن الأنظار تتجه منذ اليوم إلى ما سيستخلصه الرئيس ماكرون من «الحوار الوطني الكبير» الذي أطلقه والذي انتهى رسمياً في 15 من الشهر الجاري. ويتخوف كثيرون من أن تكون «الأجوبة» الرئاسية على ما طرحه المواطنون خلال مئات الاجتماعات ومن آلاف المقترحات دون المستوى المطلوب، مما سيسبب خيبة كبيرة ويقود إلى موجات جديدة من الاحتجاجات.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended