من طلب الوجبات على الإنترنت إلى الخيارات الصحية

المطاعم تتفاعل مع توجهات السوق في 2019

من طلب الوجبات على الإنترنت إلى الخيارات الصحية
TT

من طلب الوجبات على الإنترنت إلى الخيارات الصحية

من طلب الوجبات على الإنترنت إلى الخيارات الصحية

لم يعد كافياً أن تعتني المطاعم بوجباتها اليومية، من حيث النوعية والتنوع، كما لم يعد كافياً أن تضيف لقائمتها أنواعاً جديدة من الطعام، فالاهتمام يجب أن يشمل أيضاً ماذا يحدث في الصناعة، خصوصاً في جوانب تحولات الطلب من الزبائن، وطرق طلب الوجبات، وأساليب تناول الوجبات، سواء داخل المطاعم أو خارجها.
وهناك كثير من التوجهات التي ظهرت في عام 2019، والتي من شأنها تغيير أسلوب التفاعل بين المطاعم وزبائنها، تبدأ من نقطة طلب الطعام وتنتهي بأسلوب الدفع المفضل من الزبائن. ومن أهم التوجهات التي تبلورت هذا العام ارتفاع نسبة الزبائن الذين يطلبون الوجبات من قوائم الطعام المنشورة على الإنترنت، وطلب توصيلها إلى المنازل أو تسلمها من المطاعم. وبلغت نسبة الزبائن الذين يفضلون طلب الوجبات لتناولها خارج المطعم ذروة جديدة هذا العام، تمثل الأغلبية بنسبة 3 من كل 5 زبائن. ويطلب هؤلاء وجبات على الإنترنت مرة واحدة على الأقل أسبوعياً.
وفي دراسة ميدانية لبنك الاتحاد السويسري، جاء أن حجم صناعة توصيل طلبات الوجبات إلى المنازل سوف يرتفع إلى معدل سنوي لا يقل عن 365 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنة بحجم 30 مليار دولار هذا العام. وفي دراسة أخرى، توقعت مؤسسة اسمها «سي إتش دي» أن المطاعم حول العالم سوف ترى زيادات في مداخليها هذا العام، تصل إلى 124 مليار دولار من الوجبات التي يطلبها الزبائن، ثم يتسلمونها بأنفسهم، وإلى 32 مليار دولار من الوجبات التي تسلمها المطاعم، و13 مليار دولار من الوجبات التي تقوم بتسليمها شركات ثالثة، مثل ديلفرو.
وعلى الرغم من أن التيار السائد حالياً هو أن تقوم المطاعم نفسها بتسليم الأطعمة إلى الزبائن، فإن وجود شركات ثالثة سوف يسيطر على السوق في السنوات المقبلة، خصوصاً مع وصول كثير من الابتكارات في أساليب التوصيل السريع ونماذج الدفع السهل. وبدلاً من فرض تكلفة على المستهلك في كل مرة يطلب فيها طعاماً من منافذ بيعه، تعرض بعض شركات التوزيع حالياً إمكانية الاشتراك السنوي أو الشهري لتوصيل جميع الطلبات مجاناً. ويجذب أسلوب الاشتراك المزيد من الزبائن مع مرور الوقت.
- توجهات أخرى تشهدها المطاعم هذا العام:
> تقديم وجبات جديدة: تكررت لسنوات طويلة وعود المطاعم بتقديم نوعية متميزة من الوجبات، إلى درجة أنها لم تعد تجذب الزبائن، خصوصاً أن آلاف المطاعم تقدم الأفكار نفسها. كذلك لم تعد تجذب الزبائن تجارب تقديم وجبتين بثمن وجبة واحدة، أو فكرة «الساعات السعيدة» لتقديم الطعام والشراب بأسعار رخيصة. وفي عام 2019، تحاول بعض المطاعم تقديم أفكار غير معتادة لجذب الزبائن، من بينها تقديم وجبات جديدة غير متاحة على قائمة الطعام لنخبة من الزبائن، يمكنهم طلبها للتوصيل المنزلي أو تناولها في المطعم نفسه. وقد تم تطبيق الفكرة بنجاح هذا العام في 6 مدن أميركية رئيسية لمدة أسبوع واحد.
> الإنفاق بشفافية: وهو مطلب جديد لزبائن المطاعم لم يكن منتشراً في السنوات الماضية. فلم تعد الشفافية تقتصر على مصادر الطعام العضوي من المزارع المحلية، وإنما تمدد لكي يشمل الشفافية في التسعير، والعدالة في التجارة البيئية وأجور العمال ومكاسب أصحاب الأعمال، والانعكاسات البيئية على مصادر الطعام التي يجب أن تكون مستدامة، وأيضاً مسألة الرفق بالحيوان. وكان أحد الجوانب الظاهرة لهذا التوجه التخلص من المصاصات والزجاجات البلاستيكية. وتتوقع المطاعم أن يزيد الإقبال على من يراعي الجوانب البيئية، بالتركيز أكثر على المحتويات النباتية في الوجبات، وإلغاء مسألة الفوائض الهالكة من الطعام. وترى المطاعم أن تبادل أفكار الزبائن إلى هذه الجوانب سوف يدفعهم إلى التعامل مع المطاعم التي تتبنى الأفكار نفسها.
> الفوائد الصحية: يبحث زبائن المطاعم في توجهات عام 2019 عن الفوائد الصحية المكتسبة من أنواع الأطعمة المختلفة. وزادت نسبة هؤلاء الذين يبحثون عن هذا الفوائد هذا العام بنسبة 149 في المائة. ومن الأنواع الجديدة التي يطلبها زبائن المطاعم مشروب اسمه «كومبوتشا»، يحتوي على «بروبايوتيكس» مفيدة للأمعاء. ويتم تقديم المشروب الجديد في صيغة شاي أخضر من نوع جديد له فوائده المعروفة. وتوجد الآن شركات متخصصة تورد أنواعاً جديدة من الأطعمة الصحية إلى المطاعم وإلى الزبائن مباشرة. وتواجه بعض هذه الأطعمة عدم معرفة المستهلك بها. ومع ذلك، فهي مستمرة في النمو.
> رعاية العمال: بمواكبة حملة مماثلة في عالم الفن، عن مكافحة التحرش بالنساء، بدأت في عالم المطاعم معالم حملة أخرى لمكافحة سوء معاملة عمال المطابخ التي كان البعض يعدها من الأشياء الطبيعية. وكان من تغلغل سوء المعاملة في مطابخ المطاعم أن بعض البرامج التلفزيونية كانت تعرض نماذج لهذه المعاملة الرديئة من بعض مشاهير الطباخين لعمال المطابخ والمتدربين فيها، وكان بعضها يفخر بالألفاظ الجارحة والمهينة التي يتلفظ بها هؤلاء المشاهير. الآن، أصبحت هذه الممارسات من الأمور المسيئة للمطاعم التي يمتنع الزبائن عن التعامل معها كمسألة مبدأ. وتدخل المعاملة الجيدة ضمن مناهج تأهيل الطباخين الجدد، كمسألة يجب مكافحتها والإبلاغ عنها. وتقدم كثير من المطاعم برامج دعم وتوعية لجميع فئات العمال الذين يخدمون فيها. كما تعلن المطاعم أنها توفر كثيراً من المزايا وفرص الترقية للعاملين فيها.
> تكنولوجيا المطاعم: مع حاجة إدارات المطاعم المتزايدة للتركيز على خدمة الزبائن، ومراقبة التوجهات الجديدة في السوق، دخلت شركات التكنولوجيا لكي تخفف من أعباء إدارة المطاعم، بتقديم برامج متكاملة تشمل تحليل الإيرادات، وأوامر طلبات مكونات الوجبات، وإدارة المخزون، وأوامر توصيل الطلبات للمنازل، وغيرها. ومن أمثلة البرامج المتاحة في السوق برنامج «ابسيرف» الذي يوفر خدمات إدارة المبيعات والمخزون وطلبات الإنترنت، وبرنامج الولاء للمطعم، وتوفير تطبيق على الهاتف لطلب الوجبات، بالإضافة إلى إدارة المدفوعات الإلكترونية. ولكن مثل هذه التقنيات التي تزيد من كفاءة التشغيل تضيف أيضاً إلى التكاليف، ولكنه استثمار ضروري في إدارة المطاعم الحديثة حالياً.
وهناك أيضاً العشرات من تطورات الصناعة هذا العام، امتداداً لتوجهات تبلورت في العام الماضي، منها فتح أبواب المطاعم طوال اليوم، بدلاً من ساعات معينة لتناول الإفطار والغداء والعشاء. وقد تطور هذا النمط من ساعات عمل المطاعم بعد توجه المكاتب إلى ساعات عمل مرنة لا تتقيد بالذهاب والعودة في ساعات معينة.
أيضاً تغير نمط ساعات الغداء الطويلة في منتصف النهار إلى وجبات سريعة، خصوصاً في موعد الإفطار الذي يبدو الإقبال عليه متزايداً. ويزداد الإقبال أيضاً على نمط تقديم الطعام في صيغة «بوفيه»، بحيث يقبل الزبائن على تناول ما يفضلونه من الأطباق التي يتناولونها بسرعة.
ومن التوجهات المتزايدة في الصناعة أيضاً وجود المزيد من النساء في مواقع ريادية في المطابخ، بدلاً من وجود شيف رجالي. وترى المطاعم في النساء عناصر عمل جادة خبيرة، مع التخلص من حالات التحرش التي ظهرت في السنوات الأخيرة.
وترى معظم المطاعم أن الوجبات النباتية أصبحت الآن من العناصر المهمة في قوائم الطعام، وأنها سوف تبقى كذلك في المدى الطويل. وتقول الإحصاءات إن عدد النباتيين زاد 3 أضعاف في بريطانيا خلال السنوات العشر الأخيرة.
-- كيف تتعرف المطاعم على توجهات الصناعة؟
مع المشاغل اليومية لإدارة المطاعم، قد يكون من الصعب متابعة تطورات السوق، والتعرف على توجهات الصناعة، ولكن هناك بعض الوسائل التي يمكن بها رصد تحولات السوق، والتوجهات الناشئة التي تتيح للمطاعم فرصة التفوق في جذب المزيد من الزبائن. ومن أهم هذه الوسائل:
- متابعة تعليقات الزبائن، وقراءة مدونات الصناعة حول أساليب الإدارة الحديثة وتطورات السوق. ومن هذه المدونات ما يعرف باسم «الإدارة الحديثة للمطاعم»، وهي مدونة تعنى بنصائح تحسين كفاءة إدارة المطاعم، بداية من التسويق إلى تحديث أدوات المطبخ. ومن المدونات الأخرى ما يعرض مزايا قوائم الطعام الإلكترونية، وتنظيم تلبية الطلبات عبر الإنترنت، وتحسين تجربة تناول الوجبات في المطاعم.
- الاطلاع على وسائل التواصل الاجتماعي للتعرف على ما يساهم به الزبائن من أفكار، وأصحاب المطاعم من ردود. ولا تقتصر هذه المعلومات على مناطق جغرافية معينة، بل تمتد حول العالم. وهناك ملايين التجارب الجديدة التي يمكن الاستفادة منها حول توجهات السوق في مجال المطاعم.
- بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن الحصول على أفضل المعلومات حول تحولات السوق من أصحاب المطاعم الأخرى، خصوصاً المطاعم المحلية. وهناك مجتمعات على الإنترنت لأصحاب المهن المتشابهة لتبادل الآراء والأفكار. والتواصل مع هذه المجتمعات هو الخطوة الأولى لمعرفة ما يجري في أوساط الصناعة.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».