باريس متمسكة بالحذر في التعاطي مع الملف الجزائري

باريس متمسكة بالحذر في التعاطي مع الملف الجزائري

الاثنين - 5 رجب 1440 هـ - 11 مارس 2019 مـ

تمسكت باريس بالحذر المطلق في تعاطيها مع الأزمة الجزائرية، وعينها على ما سيقرره المجلس الدستوري بشأن ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة غداً الأربعاء. وحتى اليوم، بقي الخطاب الرسمي الفرنسي «حيادياً» إزاء ملف حساس لا تستطيع باريس الخروج بشأنه عن تحفظها رغم التحديات المرتبطة به، أكان ذلك فيما يخص العلاقات الثنائية، أو ملف الإرهاب، إضافة إلى استقرار بلدان المغرب والساحل، وأخيراً الهجرات.

وأمس، عاد الناطق باسم الحكومة الوزير بنجامين غريفو، لتأكيد المبادئ الثلاثة التي يقوم على أساسها الموقف الفرنسي من الجزائر، وما يدور فيها من احتجاجات شعبية، وأولها أن الجزائر «بلد يتمتع بالسيادة، ويعود للشعب الجزائري وحده أمر اختيار قادته ومستقبلهّ». إلا أن غريفو، وكما عمدت إلى ذلك وزارة الخارجية، لم تفته الإشارة إلى أن المسار الانتخابي يجب أن يتسم بالشفافية وحرية الاختيار، ما يشكل رسائل ضمنية للسلطات الجزائرية، من غير أن يعني تدخلاً في شؤونها، بل من باب التأكيد على مبدأ بديهي في العملية الانتخابية. لكنه يسمح لباريس بالقوة بأنها «تتابع» تطورات الوضع هناك. أما المبدآن الآخران فهما من جهة أن الجزائر «بلد صديق لفرنسا»، ومن جهة ثانية أن الجزائر «بلد محوري في أفريقيا ومنطقة المتوسط، ولذا فإن استقرارها وأمنها وتنميتها أمور أساسية» بالنسبة لفرنسا. ولم يفت الوزير الفرنسي كذلك أن يشيد بسلمية المظاهرات وهدوئها، وبتعامل القوى الأمنية الجزائرية معها، التي تحلت بـ«ضبط النفس». وإذا كان التركيز على أهمية الاستقرار يمكن فهمه على أنه «دعم» للسلطات القائمة، إلا أن المصادر الفرنسية لا تتردد في التشديد على «ضرورة استجابة السلطات لمطالب الشعب الجزائري وطموحاته في التغيير والتجديد».

واضح أن السلطات الفرنسية كمن يسير على بيض، وأي خطوة «ناقصة» من شأنها إثارة حفيظة الجزائريين، أكانوا من السلطة أو من المعارضة أو من المجتمع المدني. ولذا، فإن الكلام الرسمي لا يعكس إلا جزئياً حقيقة الموقف الفرنسي ومشاغل باريس. والسؤال الأول الملح هو معرفة ما سيخرج به المجلس الدستوري، غداً الأربعاء، بالنسبة لمصير ترشح بوتفليقة ولانعكاسات قراره على تصرف الشارع. ويرجح المراقبون في باريس أن ينظر إلى موافقة المجلس الدستوري على ترشحه لولاية خامسة على أنها «استفزاز» من شأنه إثارة مزيد من المظاهرات، وربما الذهاب إلى أعمال احتجاجية مختلفة الأشكال. وتتعاقب الاجتماعات للنظر في السيناريوهات الممكنة والمحتملة، ومن أهمها ما سيكون عليه موقف القوات المسلحة الجزائرية، حيث لم تعد ملتزمة بوضع «الصامت الأكبر» التقليدي، بل إن نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان أكثر من خطبه في الأيام القليلة الماضية. كذلك، فإن الدوائر المعنية في باريس تتابع تطور الاصطفافات السياسية وبداية تفكك حلقات الداعمين لترشح الرئيس المنتهية ولايته، خصوصاً على مستوى «المنظمة الوطنية للمجاهدين»، التي كانت من أكثر الجهات ثباتاً في الوقوف إلى جانب «المجاهد» بوتفليقة.

خلال لقاء مع مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في باريس، الأسبوع الماضي، حرص الأخير على إيصال رسالة فحواها التركيز على «صلابة وثبات» المؤسسات الجزائرية، وعلى استبعاد أي مقارنة بين ما تعرفه الجزائر حالياً، وما عرفته تونس قبل ثماني سنوات، وبالتالي «استبعاد المخاوف من حصول تجاوزات أو انهيار السلطات وبنى الدولة» الجزائرية. كذلك، فإن هذه المصادر لفتت الانتباه إلى أهمية ما عرضه بوتفليقة من وعود إصلاحية، وتأكيده العزم على حصول انتخابات رئاسية جديدة بعد عام من الانتخابات المقبلة. وخلال المدة المشار إليها، يمكن للجزائريين أن يتفاهموا على صيغة ما للانتقال السياسي. وجاءت المظاهرات الجزائرية التي شهدتها باريس ومرسيليا، أول من أمس، لتذكر الفرنسيين بواقع أن ما يحصل على الضفة الأخرى للمتوسط في المستعمرة السابقة له ترجيعاته وانعكاساته في فرنسا. ولا يتردد بعض السياسيين من التلويح بوصول آلاف الجزائريين إلى أوروبا، خصوصاً إلى فرنسا، إذا ساءت الأوضاع هناك، وما سيكون لذلك من انعكاسات سياسية قبل استحقاق الانتخابات الأوروبية، حيث موضوع الهجرات يشكل أحد محاورها الرئيسية. وقال جوردان بارديلا، الذي يرأس لائحة «التجمع الوطني»، (اليمين المتطرف) للانتخابات الأوروبية، أن «ضرب الاستقرار في الجزائر سيؤدي إلى إغراق أوروبا بموجات من الهجرة لا سابق لها، وهذه مسألة تهم فرنسا». ويقيم في فرنسا نحو مليوني جزائري أو من أصول جزائرية، غالبيتهم يحملون الجنسية الفرنسية.

بيد أن مشاغل تتناول أيضاً انعكاسات عدم الاستقرار في الجزائر على الأوضاع الأمنية في بلدان الساحل وشمال أفريقيا. ويقوم بين الطرفين تعاون أمني في محاربة الإرهاب الذي يشكل الشغل الشاغل لفرنسا في كامل منطقة الساحل التي لفرنسا نفوذ تقليدي فيها، وقد عمدت إلى إعادة انتشار قواتها فيها لغرض أساسي هو محاربة الإرهاب. وترى باريس في الجزائر ركناً صلباً في محاربة الإرهاب في منطقة تنخرها «المجموعات الجهادية». ورغم الجهود التي تبذلها باريس لتدعيم القوة الأفريقية المسماة «جي 5»، والمشكلة من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، فإنها لم تصبح بعد قادرة على الوقوف على قدميها. وتتشارك الجزائر في الحدود جنوباً مع ثلاث منها، وهي موريتانيا ومالي والنيجر، إضافة إلى حدودها الطويلة مع ليبيا. ولكل هذه الأسباب، فإن مصلحة فرنسا تكمن في استقرار الجزائر، وفي وجود دولة قوية وقوى أمنية فاعلة.

يبقى أن بين البلدين علاقات اقتصادية متشابكة ومبادلات تجارية تزيد على 5 مليارات يورو سنوياً. وتمثل باريس أول مستثمر ومشغل أجنبي في الجزائر، التي توفر 10 في المائة من حاجاتها من الغاز.


فرنسا أخبار الجزائر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة