صحافيات سوريا... مخاطر تغطية من الصفوف الأمامية وتحديات «جندرية»

قطعن الحواجز بهويات مزيفة بهدف التوثيق وتحقيق المساواة

صحافيات سوريا... مخاطر تغطية من الصفوف الأمامية وتحديات «جندرية»
TT

صحافيات سوريا... مخاطر تغطية من الصفوف الأمامية وتحديات «جندرية»

صحافيات سوريا... مخاطر تغطية من الصفوف الأمامية وتحديات «جندرية»

منذ بدء النزاع في عام 2011 قتل نحو 689 صحافياً في سوريا، ولا يزال نحو 418 صحافياً مفقوداً إلى اليوم، بحسب ما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان. الأرقام مؤشر للتحديات، لكنها لا تعطي التفاصيل حقها. الصحافيون في سوريا جزء كبير منهم من النساء، والضغوط عليهن مضاعفة.
وفي جلسة نسوية بامتياز نظّمتها وزارة الخارجية البريطانية بالتعاون مع حملة «من أجل سوريا» و«أمنيستي» في أسبوع يوم المرأة العالمي، روت 3 صحافيات قصصهن. وفي إحدى قاعات مبنى لانكاستر هاوس اللندني العريق، الذي يبعد خطوات معدودة عن قصر باكنغهام الملكي، تحدثت خلود حلمي عن ولادة صحيفة «عنب بلدي» من رحم حراك داريا، وروت زينة أرحيم تجربتها كصحافية حربية ميدانية تعبر الحواجز الأمنية بهوية مزيفة، واستذكرت سارة أفشر تجربة إخراج وثائقي عن «مغيبي سوريا» الذين قتلوا في سجون النظام.
وفقاً لتقرير لجنة حماية الصحافيين، الصادر العام الماضي، احتلت سوريا المركز الثاني على قائمة الدول الأكثر خطورة على الصحافيين. عن ذلك، قال أليستر بيرت، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، إنه «بعد مرور 8 أعوام على بدء النزاع السوري، أصبحت سوريا أحد أخطر البلاد التي يعمل بها الصحافيون». وأضاف: «تضررت النساء كثيراً جراء النزاع، ولعبت الصحافيات والصحافيات المواطنات دوراً محوراً في توثيق الوضع على الأرض والكشف عن الانتهاكات بحق الإنسانية في سوريا». واستطرد: «تُذكّرنا قصتا كلٍ من الصحافيتين ماري كولفين ورزان زيتونة بالمخاطر الجمة التي تواجهها أولئك النساء». وأكد بيرت على أنه تزامناً مع يوم المرأة العالمي، قررت الخارجية البريطانية تسليط الضوء على النساء الشجاعات القويات. وأضاف: «لن يتم إسكاتهن أو سلب حرية تعبيرهن من قبل أي من يحاول». وفيما يلي 3 قصص تؤكد على ذلك.

«عنب بلدي»
لم تفكر خلود حلمي، ابنة داريا، في خوض معترك الصحافة قبل عام 2012، لكنها انضمت إلى حراك الثورة في سوريا منذ بداياتها عام 2011. وبعد تدخل الجيش، رأت أنه حان الوقت لتروي قصتها، وقصص السوريين من حولها. وقالت: «القصة بدأت في شهر مارس (آذار) عام 2011 عندما كنت جزءاً من الحراك في داريا، أساعد على تنظيم المظاهرات والحراك السلمي». وأضافت في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «شعرنا وقتها أن الإعلام السوري هو ملك النظام، يغفل عمداً عن توثيق المظاهرات، بل ينقل المسيرات المؤيدة». ولمحاربة «البروباغاندا»، ولغياب الصحافة الأجنبية في حينها، قررت خلود مع مجموعة من الحراك إطلاق جريدة ورقية لتوثيق الأحداث تحت اسم «عنب بلدي». وجرت طباعة 300 عدد في المرة الأولى في 29 يناير (كانون الثاني) عام 2012، وشمل العدد أخباراً من داريا، ومن باقي أنحاء سوريا. الصحافي الوحيد المحترف ضمن الكادر كان نبيل، الذي قتل تحت التعذيب بعدها، أما الباقون فتعلموا أصول المهنة، وهم على رأس عملهم. ووزعوا الصحيفة بنشرها على البيوت، أو خلال المظاهرات. وساهمت نساء فريق العمل، اللواتي شكلن أكثر من 50 في المائة من الكادر، بحمل أعداد في ثيابهن وحقائبهن ونقلها بين المحافظات. وبعد الهجوم الكيماوي في عام 2014 فقدت خلود إيمانها بالإنسانية، لكنها لم تتوقف عن عملها كصحافية، ولم تتخلَّ عن نشر قصص المعاناة.
وحتى اليوم، لا تزال «عنب بلدي» تصدر بعددها الورقي كل يوم أحد، وتضاعفت أعداد النسخ. وأسّس الكادر مكتباً للصحيفة في إسطنبول بتركيا. وأصبحت مؤسسةً قائمةً تضم مشروعات عدة وموقعاً إخبارياً إلكترونياً. ومن أهم المشروعات هو «مارس» الذي يساهم في تدريب صحافيات سوريات.
خلود اضطرت إلى ترك سوريا في عام 2013، ولكنها لا تزال عنصراً مهماً في الصحيفة، تعمل من مكان إقامتها الجديد، بريطانيا. وحازت على جوائز دولية تقديراً لشجاعتها، بل نالت لقب «الصحافية الأكثر شجاعة في العالم» في عام 2016.
تستذكر تجربتها في سوريا، وتقول: «كامرأة صحافية في سوريا عند بداية الثورة والمظاهرات السلمية كان لدينا هامش حرية كبير جداً، لأن عناصر الأمن لم تتعرض لنا وتفتشنا، لكن ذلك لم يستمر طويلاً». وأضافت: «تنبهوا أننا عناصر فاعلة بالثورة آخر عام 2011، وزالت هذه الحرية عنا، وتعرضنا لكثير من التحديات». وأشارت إلى صعوبة إجراء المقابلات الصحافية مع الرجال، خصوصاً من انضم إلى الجيش الحر أو أصبحوا قياديين إعلاميين، لأسباب «العيب والحرام، ولأنهم لم يعتبرونا كفئاً لإجراء المقابلة، وطالبوا بصحافي رجل لتنفيذها».
الصحافيات السوريات عملن بالسر، وقررن إخفاء هوياتهن خوفاً من الاعتقال والاغتصاب. وعن ذلك قالت: «كثير من المعتقلات تعرضن للقتل بعد الإفراج عنهن بحجة الشرف». صعوبة التنقل تحدٍ واجه المراسلات السوريات أيضاً، خصوصاً بعد سيطرة المتطرفين على أجزاء من سوريا.
تقول خلود: «نحن الصحافيات السوريات نشنّ حروباً على جبهات عدة... حرباً لإثبات أنفسنا بصفتنا نساء وأخرى لإثبات إمكاناتنا بصفتنا صحافيات... وذلك إلى جانب الحرب الكبرى طلباً للحرية وتحقيق مطالب الثورة». وهي ترى أن المجتمع السوري حقق نقلة نوعية في السنوات الأخيرة في المعترك «الجندري»، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق المساواة.

حواجز وهويات مزيفة
النزاع السوري حوّل زينة أرحيم من كاتبة تحقيقات، إلى مراسلة أخبار حربية. اعتقلتها القوات الموالية للنظام في سبتمبر (أيلول) 2012، وذلك أثناء وجودها في مهمة ميدانية بريف إدلب. أضحت اليوم زينة لاجئة تعيش في بريطانيا، وتعمل كخبيرة إعلامية ومدربة لدى معهد صحافة الحرب والسلام. وحازت على عدة جوائز دولية لعملها في مهنة المتاعب.
استطاعت بناء على خبرتها في الميدان تدريب أكثر من 100 صحافي مواطن داخل سوريا على أساسيات الصحافة المكتوبة والمرئية، جزء كبير منهم من النساء.
3 مخاوف أساسية كانت تطارد زينة أثناء عملها؛ الأول القذائف والقصف اللذان يباغتان الصحافيين والمدنيين، والثاني الحواجز، وخصوصاً تلك التي يسيطر عليها المتطرفون الذين اضطرت زينة مراراً لعبورها بهويات مزيفة، أما الخوف الثالث فهو خطر الاغتيال.
وقالت: «كثير من السوريين لم يجربوا العمل في الإعلام، إلا أن الوضع اختلف بعد انطلاق الثورة». وأضافت: «الصحافي الأجنبي يأتي لتغطية النزاع، ومن ثم يعود إلى موطنه آمناً، أما الصحافي السوري فهو القاطن وسط الدمار، القصة قصتهم، والمصادر معارفهم، والضحايا أفراد من عائلتهم، هذه حياتهم».
ولهؤلاء، ترى زينة أن الهجوم الكيماوي في سوريا كان مفترق الطرق، الذي غيّر طبيعة عملهم حيث أضحوا فعلياً من دون دعم أو حماية. ولذلك، اختار معظمهم أن يرتبط بفئات مقاتلة أو يطلب الحماية من إحدى الجهات المتنازعة ما أفقدهم جزءاً من استقلاليتهم.
الصحافيون الذين صمموا على حماية صوتهم المستقل، تعرض أكثرهم إلى الخطف والاعتقالات والتعذيب. وأضافت: «يتأكد الصحافي أن صوته حر مستقل عندما يتعرض للهجوم من جميع الجهات».
وبالنسبة للصحافيات النساء، المعادلة أصعب. فهن تحت المجهر، يتعرضن للتنمر والانتقادات. الأمر الذي عانت منه حتى على شبكات التواصل الاجتماعي. ولذلك طالبت أرحيم بدعم للأصوات المستقلة، بمنحهن منبراً ودخلاً وأماناً لمواصلة عملهن الصحافي بموضوعية.

عندما رفض الأسد التعليق
في عام 2014، اطلعت المخرجة البريطانية سارة أفشر على صور لجثث مشوهة لمعتقلين في سجون النظام. الصور التي هرّبها معارض سوري إلى خارج البلاد أصابت سارة بالذعر، لكنها أيقنت أن تلك اللقطات الوحشية ستحرك المجتمع الدولي، لكن ذلك لم يحدث بالقدر المطلوب. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها رأت حاجة ملحة للتعرف على هويات تلك الجثث، من هي عائلاتهم، وقصصهم. والسؤال الأهم لها كان؛ «لماذا يتم التغاضي عن تلك الجرائم ضد الإنسانية؟».
حاولت سارة في حينها مقابلة الرئيس السوري بشار الأسد بحثاً عن إجابة لها، لكنه رفض، ما زاد من إرادتها إخراج فيلم وثائقي، تحت عنوان «مغيبو سوريا».
وعن ذلك قالت: «أولويتي كانت قصصهم وشهادات عائلاتهم. وكل شهادة كانت دليلاً لجريمة ضد الإنسانية». وأضافت: «تجربة مؤلمة وقوية عشتها أثناء التصوير، وشعرت بالأسى جراء الصعوبات والمحن التي تعرض لها من قابلتهم».
ورغم أن الوثائقي حاز على انتباه العالم، فإنه لم يؤدِ إلى تغييرات في سياسة التعامل مع الملف السوري. تقول سارة. وتضيف: «لقد تم عرض الوثائقي في عام 2017. ومنذ ذلك الحين أشارك في حملة لنشره؛ لزيادة التوعية وإحداث التغيير، حتى إننا عرضناه في وزارة الخارجية البريطانية، لكن المعتقلين لا يزالوا قابعين هناك».
تجربة سارة كإعلامية قد تختلف عن تجربتي خلود وزينة، والأسباب قد تتعدد، فهي لم تواجه صعوبات الميدان، ولا قيود المجتمع، لكنها تؤكد أن مقابلاتها مع أمهات الضحايا كانت الأكثر صعوبة لها. وتكشف: «قابلتهن ولم أستطع إلا البكاء خلال اللقاء، لكنهن أبقين على صمودهن... تذكرن أولادهن الذين رحلوا لأسباب أكبر منهم».



مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات