تقرير إخباري: ماكي سال... حفيد جنرال قلب موازين القوى في السنغال

ماكي سال يحيي أنصاره في فعالية انتخابية بداكار في 22 فبراير الماضي (رويترز)
ماكي سال يحيي أنصاره في فعالية انتخابية بداكار في 22 فبراير الماضي (رويترز)
TT

تقرير إخباري: ماكي سال... حفيد جنرال قلب موازين القوى في السنغال

ماكي سال يحيي أنصاره في فعالية انتخابية بداكار في 22 فبراير الماضي (رويترز)
ماكي سال يحيي أنصاره في فعالية انتخابية بداكار في 22 فبراير الماضي (رويترز)

قبل نحو قرنين من الزمن، كان قائد الدولة الإمامية التي حكمت أجزاء مهمة من غرب أفريقيا يستند في معاركه المستمرة إلى جنرال حرب اشتهر بانتصاراته، فالسلطة كانت آنذاك في يد مَن يكسب المعارك الهجومية، وليس من يكتفي بالدفاع عن حدوده.
الجنرال هو حسن ساديو دياللو، الذي كان يحكم جيشاً مكوناً من آلاف الرجال، استطاع من خلاله حفظ السلطة الروحية والزمنية للإمام عبد القادر كان، ولهذه المنطقة التي تجذر فيها الإسلام، وقويت فيها الثقافة العربية قبل أن يدخلها الاستعمار الأوروبي على يد الفرنسيين.
بقيت «فوتا»، وهي كامل المنطقة الممتدة على مساحة تعادل فرنسا، من الشرق السنغالي وصولاً إلى أجزاء من الجنوب الموريتاني، رغم الاستعمار عصية على التخلي عن تقاليدها الإسلامية الراسخة وحبها للثقافة العربية، ولا تزال حتى اليوم محافظة ومتدينة من دون غلوّ أو تطرف.
كما بقيت تقاليد أسرة ساديو دياللو في الإدارة والحكم، جزءاً من إرث يتنقل بين أجيال هذه الأسرة، ولو أن هذه التقاليد مورست بدرجات أقل ومستويات أدنى بعد ظهور الدولة الوطنية الحديثة في السنغال، قبل أن يرثها كاملة حفيدٌ استعملها بحصافة في معاركه السياسية، كما يقول مطرب الأسرة وراوي أمجادها.
هذا الحفيد ليس إلا ماكي سال، الرئيس الرابع للسنغال منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، والفائز للتو بولاية رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات، بعد معركة سياسية أثبت فيها قدرة على المناورة والإقناع، وضرب خصومه السياسيين في نقاط ضعفهم، وخاطب السنغاليين بلغة يفهمونها تتجاوز اللغة الخشبية المستهلكة.
قبل سبع سنوات، أي في عام 2012، خلق سال المفاجأة حين تفوق على أقرانه السياسيين، ومن بينهم من هم أكثر خبرة في دهاليز الممارسة السياسية في السنغال، وهي دهاليز ثرية ومتنوعة حد التعقيد، في ظل وجود فسيفساء من مختلف الحركات السياسية والفكرية.
استطاع سال أن يستخدم إرث جده الأكبر ساديو دياللو في التخطيط والإدارة، كسلاح في تدبير حروبه السياسية، حين وضع خطة محكمة «تجعل الانتخابات معركة تُبنى خطتها وتدقق وتنفذ في مسار زمني متدرج، تتم خلاله الاستفادة من كل الأخطاء التي يرتكبها خصومه»، كما يقول عليو سال، وهو كاتب صحافي وصديق شخصي للرئيس ماكي سال.
ولعل هذا البعد هو الذي خلق نوعاً من الاستقطاب العرقي الكبير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد نجح ماكي سال في نيل ثقة نسبة كبيرة من أبناء المجموعات العرقية الأخرى التي شكلت في الماضي جزءًا من الدولة الإمامية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حين يسير الحفيد على خطا جده، وتتحول المعارك العسكرية الطاحنة إلى حروب سياسية شرسة، ويعيد الحفيد إلى هذه القبائل شيئاً من تاريخها المجيد.
ورغم أن الدعم الذي تلقاه ماكي سال في الانتخابات الأخيرة شكل فسيفساء ضمت كل المجموعات العرقية والطوائف الدينية والجماعات الصوفية، فإن المسكوت عنه من تمايز سياسي على أساس عرقي قد برز بوضوح في نتائج الانتخابات، فقد صوتت منطقة الكازامانس، في أقصى الجنوب السنغالي، لابنها عثمان سونكو الذي يصف نفسه بأنه الرجل الذي يدعو إلى الوقوف ضد الرأسمالية وتغوُّل القوى الاستعمارية، إلا أن حصيلة من صوتوا له كانوا في الغالب أبناء عرقية الديولا، التي ينحدر منها، في حين دعم أبناء الطريقة المريدية - مع بعض الاستثناءات - المرشح «إدريسا سيك»، وهو ينتمي إلى العرقية الولفية التي شكلت في الغالب جزءاً مهماً من النخبة التي حكمت السنغال في الدولة الحديثة.
سونكو الذي قدم خطاباً حاداً يصل إلى التطرف في بعض الأحيان، حاول استمالة الشباب بالحديث عن «الفرنك الغرب أفريقي» الذي وصفه بأنه بقية من نفايات الاستعمار الفرنسي ويجب التخلي عنه، في محاولة لاستغلال حراك سياسي متصاعد بقوة في غرب أفريقيا، رافضاً لـ«التحكم» الفرنسي في مفاصل اقتصاد هذه الدول الأفريقية الطامحة للسير في طريق النمو، ولكن هذا الخطاب الشعبوي لم يخرج سونكو من دائرة الانتماء العرقي، فلم يحقق النصر إلا في معاقل عرقيته الديولا. ولكن سال الذي استخدم إرث جده في التدبير والإدارة لم يكن نظره مقتصراً على الماضي وأمجاده، فالرجل الذي يصفه السنغاليون بأنه «صاحب الوجه الحاد» رسم هدفاً يريد للسنغال أن يحققه عام 2034، وهو أن يتحول إلى «قوة اقتصادية» في المنطقة. وقد بدأ بالفعل العمل على ذلك منذ 2014، أي بعد عامين فقط من وصوله إلى الحكم، حين أطلق المرحلة الأولى من مشروع «السنغال الناهض»، وهو المشروع الذي يحظى بثقة الممولين الدوليين، ويثير فخر قطاعات واسعة من السنغاليين، ويستعد سال لإطلاق المرحلة الثانية منه هذا العام (2019).
النجاحات التنموية والاقتصادية التي حققتها دولة السنغال خلال الولاية الأولى من حكم سال، والتي استند عليها في حملته الانتخابية الأخيرة، رافقتها نجاحات سياسية.
ويقول أنصار سال إن سنوات حكمه السبع كُنَّ عجافاً على المعارضة التي تكبدت خسائر كبيرة، بعد ترهل طبقتها الأولى وشيخوختها، وتورط نخبتها الشابة في عمليات فساد ونهب للمال العام، أمرٌ لا يتسامح معه الرأي العام في السنغال، وكان القضاء السنغالي صارماً في التعاطي معه.
غاب عن هذه الانتخابات اليسار السياسي في السنغال، ممثلاً في «الحزب الاشتراكي السنغالي» الذي اكتفى بدعم سال، وهو أمر غير مألوف ولم يسبق أن حدث، كما قاطعها أيضاً «الحزب الديمقراطي السنغالي» الذي يقوده الرئيس السابق عبد الله واد، وهو الحزب الذي لم يسبق أن قاطع أي انتخابات في السنغال، ورئيسه البالغ من العمر 93 عاماً كان يطمح لترشيح ابنه كريم واد المُدان من طرف القضاء السنغالي في قضايا «فساد»، ورفضت المحكمة ملف ترشحه للرئاسيات.
أعاد ماكي سال رسم المشهد السياسي في السنغال، فتغيرت موازين القوى فيه، وأصبح حزبه الذي تأسس قبل عشر سنوات واحداً من أكبر الأحزاب في البلاد، بعد أن استقطب رموز الأحزاب التقليدية المتمسكة بممارسة السياسة بأساليب تقليدية لم تعد تمس وجدان المواطن في السنغال، البلد الذي يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكانه ويطمحون لدخول سوق العمل، ويتطلعون لثروة كبيرة من النفط والغاز تثير شهية الشركات المتعددة الجنسيات التي بنت محطاتها على بُعد أميال من الشاطئ السنغالي استعداداً لاستغلال أكبر احتياطات النفط والغاز في أفريقيا.



الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.