موسكو تستهدف ثقة الأوروبيّين بمؤسساتهم الديمقراطية

موسكو تستهدف ثقة الأوروبيّين بمؤسساتهم الديمقراطية

بناءً على تقرير وضعه فريق التحليل الاستراتيجي التابع للمفوّضية
الجمعة - 2 رجب 1440 هـ - 08 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14710]

عندما ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فجأة في حفل زفاف وزيرة الخارجية النمساوية أواسط الصيف الماضي ورقص معها على أنغام موسيقى فرقة قوقازية جاء بها كهديّة لصديقته التي تمثّل اليمين المتطرف في حكومة البلد الذي كلّفه الاتحاد الأوروبي التوسّط في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، قامت زوبعة من الانتقادات في المحيط الأوروبي الذي كان قد فرض حزمة من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على موسكو في أعقاب الأزمة الأوكرانية وضمّ شبه جزيرة القرم، وقبلها حادثة الطائرة الهولندية. لكن بعد أيام قليلة على ظهور بوتين في ذلك العرس على الحدود النمساوية مع سلوفينيا، وهو في طريقه إلى برلين لمقابلة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، كان غبار الانتقادات يتساقط فوق الاحتجاجات الأوروبية العديدة على سلوك موسكو والتحذيرات من مرامي سياستها وتدخلّاتها في الشؤون الأوروبية.
سقطت الوساطة النمساوية في الأزمة الأوكرانية التي باتت طي النسيان، فيما كانت تتعاقب الأنباء عن تمدّد مجسّات الأخطبوط الروسي من تمويل الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وإيطاليا، وتدخّله في انتخابات الرئاسة الأميركية واستفتاء «بريكست» والأزمة الانفصالية في كاتالونيا، إلى استخدام الغازات السوفياتية السّامة لملاحقة عملائه المنشقّين في الأراضي البريطانية.
يدرك الأوروبيّون تماماً أن معاداة موسكو غير واردة في قاموسهم السياسي، لاعتبارات اقتصادية وأمنية لا تخفى على أحد. لكن قلقهم ما برح يزداد من سلوك الكرملين ومناوراته على الساحة الأوروبية، والتي تندرج ضمن استراتيجية واسعة وبعيدة المدى تهدف إلى أن «يفقد الأوروبيّون الثقة بمؤسساتهم الديمقراطية»، كما جاء في تقرير داخلي وضعه فريق التحليل الاستراتيجي التابع للمفوّضية الأوروبية واطّلعت عليه «الشرق الأوسط».
يشير التقرير إلى ما يسمّيها «مصانع الأخبار المزيّفة» التي تنشر معلومات مضلِّلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي «ليست تابعة لأجهزة المخابرات الروسية، مما يتيح لموسكو أن تنكر مسؤوليتها المباشرة عنها»، لكنها تحت إشراف أشخاص محسوبين على الحلقة القريبة من الكرملين. ويفيد التقرير بـ«أن غالبية المواطنين في روسيا فقدت ثقتها بالمؤسسات التشريعية وقادة المعارضة السياسية والصحافة، مما دفعها إلى تأييد صورة الرئيس القوي التي يجسّدها بوتين».
وبعد أن يتناول التقرير العلاقات الوطيدة التي تربط سيّد الكرملين بزعماء الأحزاب والتنظيمات اليمينية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي، والتدخّل الروسي في حملة الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد والاستفتاء الكاتالوني للانفصال عن إسبانيا، يتوقف عند تطورات ثلاثة ظهرت مؤخراً حول النشاط الروسي في الساحة الأوروبية: أوّلاً، التقرير الذي صدر عن الجامعة البريطانية المرموقة «كينغز كوليدج» والذي يفيد بأن اثنتين من وسائل الإعلام الرسمي الروسي، شبكة التلفزيون «RT» وصحيفة «Sputnik»، نشرتا 735 تحقيقاً تتضارب فيها المعلومات 138 مرة حول الاعتداء بغاز «نوفيشوك» الذي تعرّض له مواطنان روسيّان العام الماضي في المملكة المتحدة. ثانياً، اعتقال السلطات السويدية جاسوساً روسيّاً قيل إنه كان يشرف على شبكة واسعة من العلاقات العامة تطال عدداً كبيراً من المؤسسات السياسية والأجهزة الأمنية. وثالثاً، دخول متدرّبة روسية إلى البرلمان الأوروبي على يد أحد نوّاب حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، تشاء الصدف أنها كريمة ديميتري بيسكوف الناطق بلسان الكرملين وأقرب مساعدي فلاديمير بوتين.
ويفرد التقرير حيّزاً خاصاً لمشروع الأنبوب الضخم لمد الغاز إلى أوروبا «Nord Stream 2» الذي تهدف موسكو بواسطته إلى رفع منسوب الإمدادات المباشرة من الغاز الروسي إلى ألمانيا، من غير المرور عبر بلدان الشرق الأوروبي، وهو مشروع يلقى معارضة شديدة من عدد كبير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي يزداد اعتمادها على الغاز الروسي ويتنامى قلقها من لجوء موسكو إلى استخدامه كورقة ضغط سياسي تصعب مواجهتها. وكانت الدول والمؤسسات الأوروبية قد توصّلت إلى حل وسط، مؤقت، لبتّ مصير المشروع الذي لم يُعطَ الضوء الأخضر النهائي لتنفيذه حتى الآن، عندما وضعت القرار بيد المفوّضية وأجهزتها الفنّية. لكن، يلفت التقرير، إلى أن موسكو وبرلين ماضيتان في تنفيذ المشروع الذي يصبّ كلّياً في مصلحة روسيا التي ستمتلك، عند تنفيذه، «سلاحاً استراتيجيّاً بالغ الفعالية» بوجه أوروبا التي تستورد حالياً 40% من احتياجاتها من الغاز و28% من النفط من الاتحاد الروسي. ويتوقّف التقرير عند كون الدولة الأوروبية الأولى هي التي تضع كامل ثقلها للمضي في هذا المشروع، بينما تطالب دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا والنمسا والمجر برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو منذ الأزمة الأوكرانية.


روسيا الاتحاد الاوروبي أخبار روسيا الاتحاد الأوروبي

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة