عاصفة إقالات «تاريخية» تعصف بـ15 مدرباً في الدوري السعودي

عاصفة إقالات «تاريخية» تعصف بـ15 مدرباً في الدوري السعودي

الأندية المحلية عاشت هزات فنية كبيرة في موسم 2018 و 2019
الثلاثاء - 21 جمادى الآخرة 1440 هـ - 26 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14700]

باتت عاصفة الإقالات سمة بارزة تميز الدوري السعودي عن غيره من الدوريات العربية والعالمية، فيما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن أكثر من 260 مديراً فنياً دربوا نحو 26 نادياً ممتازاً تم التعاقد معهم منذ عام 2009 وحتى اللحظة، وتمت إقالتهم بسهولة من مناصبهم الفنية.

وفي فبراير (شباط) من عام 2017، أجرت «الشرق الأوسط» إحصائية رسمية كشفت عن أن 23 نادياً سعودياً لعبوا في دوري المحترفين السعودي، تعاقدوا مع 234 مدرباً منذ 2009 وحتى فبراير 2017، لتتوالى الإقالات التي قام بها نحو 26 نادياً إلى أكثر من 260 مديراً فنياً.

لا شك أن سلسلة هذه الإقالات الخرافية ينتج عنها دفع شروط جزائية باهظة للمدربين، فضلاً عن سمعة سيئة تلحق بكرة القدم السعودية في المحافل الدولية، إذ بات المدربون يعتبرون محطة اللعب في الدوري السعودي بمثابة «جمع أموال»، ولا يهم وضعها في مسيرته التدريبية، كون الأندية الأوروبية والآسيوية المحترفة لا تحاسب المدربين على تلك الحقبة أياً كانت مدتها.

الحقيقة تقول إن الدوري السعودي للمحترفين في نسخته الحالية شهد حتى الآن إقالة 15 مديراً فنياً لـ11 نادياً ممتازاً، فيما تتمسك 5 أندية بمدربيها حتى الجولة الـ21، التي ستعقبها 9 جولات متتالية هي كامل منافسات الدوري، ولا أحد يضمن استمرار هذا الرقم في التزايد، في ظل أن الشماعة الأولى في الكرة السعودية لا تتجاوز المدربين، تليها أخطاء الحكام، في حين أن الإدارات تسلم بنسبة 95 في المائة من مآزق أخطائها التي ترتكبها مع غالبية اللاعبين الذين يواصلون البقاء دون محاسبة.

وسجل الدوري حتى اللحظة رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ الدوري السعودي، حيث شهد إقالة 15 مدرباً، بينما لا يزال 5 مدربين فقط خارج مقصلة الإقالات حتى الآن.

وكان الأرجنتيني رامون دياز أول ضحايا الإقالة، عندما قررت إدارة نادي الاتحاد الاستغناء عنه بعد مرحلتين فقط من البداية، ليبدأ مسلسل تساقط الرؤوس التدريبية، حيث تلاه إعلان نادي الفيصلي إقالة الروماني مريشيا ريدنك بعد نهاية المرحلة الخامسة لسوء النتائج.

وبعدها أقيل البلجيكي فرانك فيروكاترين من تدريب الباطن قبل ساعات من انطلاقة الجولة الثامنة، ليتوالى انفراط عقد الاستقرار الفني بشكل كبير مع اشتداد المنافسة، ويقرر بعدها نادي القادسية فسخ عقد المدرب الصربي ألكسندر ستانوجيفتش.

وأقال نادي النصر المدرب الأوروغوياني دانيال كارينو، وتبعته أندية الاتفاق بإقالة الأوروغوياني ليناردو راموس، ونادي الوحدة بإقالة البرازيلي فابيو كاريلي، ونادي الأهلي بإقالة الأرجنتيني بابلو جودي، ونادي الفيحاء بإقالة الأرجنتيني جوستافو كوستاس، ونادي أحد بإقالة الأوروغوياني فرانسيسكو أرسي.

ولم ينج من المقصلة، البرتغالي جورجي جيسوس الذي أعلنت إدارة الهلال إقالته في الوقت الذي كان فيه الفريق يتصدر الدوري برصيد 40 نقطة.

ومع احتدام المنافسات بشكل أكبر، عادت بعض الأندية للتضحية مرة أخرى بالمدربين الجدد، فقد عاد نادي أحد بإعلان التغيير التدريبي الثاني بإقالة البرتغالي باولو ألفيس، ليتبعه نادي الفيحاء بإقالة الصربي سلافيوليوب موسيلين، ويختتم نادي الاتحاد المشهد الحالي بإقالة مدربه الكرواتي سلافن بيليتش، مستعيناً بمدربه السابق التشيلي خوسيه سييرا، فيما فضل السعودي يوسف الغدير الانفصال بالتراضي عن قيادة نادي الباطن.

ونجح الروماني سومديكا مدرب نادي الشباب، والبلجيكي بيسنيك هاسي مدرب نادي الرائد، والروماني دانيال إيسالا مدرب نادي الحزم، والتونسي فتحي الجبال مدرب نادي الفتح، والبرتغالي بيدرو إيمانويل مدرب نادي التعاون، في الصمود أمام مسلسل الإقالات، حيث يقودون فرقهم منذ انطلاقة الموسم.

ويبدو فتحي الجبال ونادي الفتح أنموذجين غير مسبوقين على الصعيد العربي في قدرتهما على الثبات والصبر على بعضهما، رغم أخطاء الثلاثي الإدارة والمدرب واللاعبين في كل موسم تقريباً، ويحسب للإدارة صبرها الدائم على فتحي الجبال الذي درب الفريق على مرحلتين؛ الأولى كانت في الفترة ما بين 2008 وحتى 2014، إذ استمر مدرباً وحصد خلالها مع الفتح لقب الدوري السعودي للمحترفين عام 2013، ثم كأس السوبر السعودي في موسم 2014 ليقال في نهاية الموسم، لكن الإدارة أعادته من جديد في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 ليستمر للسنة الثالثة حتى اللحظة، علماً بأنه أقدم مدير فني في السعودية حالياً خلال فترته الثانية في التدريب.

وقال الخبير الفني محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي السابق والمحاضر الآسيوي حالياً، إنه كان يتوقع إقالة خمسة أو ستة مدربين هذا الموسم، مبدياً دهشته من وصول العدد إلى رقم كبير وغير مسبوق.

وأضاف في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: «دعني أكون صريحاً للغاية، نحن الآن نعاني من اتساع الصورة السلبية للكرة السعودية في الخارج، فهذا العدد من المدربين المغادرين يؤكد أن هناك خللاً خطيراً بإدارة منظومة كرة القدم في الأندية وعشوائية في اختيار المدربين وهدراً مالياً متزايداً بشكل يدعو للوقوف بجدية لإغلاقه فوراً».

وتابع: «أسباب كثيرة لهذه الأرقام المرعبة، منها توغل السماسرة في الأندية السعودية، وطريقتهم المضللة في تسويق المدربين بأموال مبالغ فيها، وكذلك سوء اختيار إدارات الأندية للأسماء التدريبية المناسبة لواقع أنديتهم، فهم يفضلون الاسم على المزامنة، وهو أمر خطير جعل تلك الأندية جهاز صرافة مالية يقف عندها المدرب بعض الوقت ليغادر محملاً بمقدم العقد والرواتب والشرط الجزائي».

وانتقد الخراشي ظاهرة التضخم بأعداد المساعدين والأجهزة المعاونة التي تأتي مع المدربين، قائلاً: «لاحظنا في السنوات الأخيرة تضخماً رقمياً في عدد المعاونين الذي يأتون مع المدربين، لذلك تعتقد أنهم جاءوا للسعودية كسياحة مؤقتة، فلا فائدة منهم سوى أنهم أقرباء أو أصدقاء للمدرب الذي يفرض وجودهم، فيما تقف الأندية عاجزة عن رفضهم».

وحول الحلول التي يراها لوقف مسلسل الإقالات، قال الخراشي «لا بد من وضع استراتيجية كاملة لموضوع مدربي الأندية، فتركها بهذا الشكل يعني نزيفاً حاداً بالهدر المالي وكذلك ضياعاً للجهد والطموح وابتعاداً عن الاحترافية، وهو ما يعني أن تتدخل الهيئة العامة للرياضة في وضع اشتراطات خاصة ومعايير لوقف ظاهرة الإقالات، منها ألا يسمح لأي ناد بإلغاء عقد أي مدرب سوى بعد الدور الأول من الدوري، ولمرة واحدة فقط، لأن النادي هو من اختار، وعليه أن يتحمل قراره أمام جماهيره والإعلام، والأمر الآخر أن يتم دراسة إجبار الأندية على تعيين مدربين سعوديين في حالة إلغاء عقود مدربيهم الأجانب، ففي السعودية يوجد عشرات المدربين المتمكنين، لكنهم لا يحصلون على الفرصة».

وأضاف: «على اتحاد الكرة ألا يسمح باستقدام أي مدرب إلا بعد التأكد من المخالصة المالية مع المدرب السابق لأي ناد، ووجود إثباتات رسمية على ذلك، فالقضايا التي تصل للفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) تدمر سمعة الكرة السعودية أيضاً».

وانتقد الخراشي بحث المدربين الأجانب عن المال في السعودية، قائلاً «أغلب المدربين يأتون ولا طموح لهم، فالإغراء المادي هو ما يسيل لعابهم للحضور، وهم مدركون أنهم لا يعرفون شيئاً عن الكرة السعودية ولا اللاعب السعودي، لذلك يفشلون ويغادرون محملين بالأموال وهكذا كل موسم».

وحول مستقبل المدرب الوطني السعودي، قال الخراشي: «بصراحة، إدارات الأندية تخاف من التعاقد مع المدربين الوطنيين هرباً من الجمهور والإعلام والضغوط، فالأجنبي لديهم هو المفضل، رغم أن 70 في المائة من الأجانب، وبتأكيد الأرقام، فاشلون بدرجة امتياز».

وأضاف: «تفعيل قرار دعم الأندية التي تتعاقد مع مدربين سعوديين سيظل أحد أهم مرتكزات دعم الكوادر الوطنية وتشجيع الأندية على التوطين التدريبي».

وأجرت «الشرق الأوسط» إحصاءً من جانبها لأعظم دوريات العالم، حيث إنجلترا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا، وكذلك في اليابان وكوريا الجنوبية، فكانت الإحصائيات الخاصة تشير إلى أن الدوري الإنجليزي، وهو المسابقة الأهم في العالم، واجه 5 إقالات لمدربي أندية فولهام وهيدرسفيلد ومانشستر يونايتد وساثمبتون وأخيراً ليستر سيتي، وذلك حتى انتهاء الجولة الأخيرة، فيما حافظ 15 نادياً على مدربيهم.

أما الدوري الإسباني، فطالت الإقالات 6 أندية، إذ تعاقدت قبل وأثناء المنافسات مع 12 مديراً فنياً، فيما حافظ 14 نادياً على مدربيهم حتى اللحظة.

وفيما يخص الدوري الألماني، الذي يبلغ عدد أنديته 18 نادياً، فقد حافظ 14 نادياً على مدربيهم مقابل تفريط 4 أندية في مديريها الفنيين، وهي نورنبيرغ وهانوفر وبايرن ليفركوزن وشتوتغارت، إذ قامت جميعها بالتعاقد حتى الآن مع 8 مدربين.

وأجرت 6 أندية، وهي بولونيا وفيرونا وإمبولي وجنوا وأودينيزي وفروسنسي، في الدوري الإيطالي، استبدالات لمدربيها من أصل 20 نادياً، إذ قامت بالتعاقد قبل وأثناء المنافسات مع 12 مديراً فنياً. في المقابل قامت 5 أندية تنافس في الدوري الفرنسي، وهي نانت وموناكو وجانجان ورينز وديغون بالتعاقد مع 11 مديراً فنياً، فيما أبقى 15 نادياً أجهزتهم الفنية حتى الجولة الأخيرة.

على صعيد الدوريات الآسيوية، نشير إلى أن الدوري الياباني شهدت أنديته الستة: غامبا أوساكا، وساقان توزو، وكاشيول ريسول، وفارين ناقازاكي، وأوروا، وفيسيل كوبي، تغييراً لـ12 مدرباً من أصل 18 نادياً، فيما حافظ 12 نادياً على مقاعد مدربيهم.

أما الدوري الكوري الجنوبي، الذي ينافس فيه 12 نادياً ممتازاً، فنجد أن 5 أندية أجرت تغييرات لمدربيها بالتعاقد مع 10 مديرين فنيين، فيما حافظت 7 أندية على أجهزتها الفنية.

وتظهر الأرقام والمعدل المتوسط أن الأندية السعودية التي تنتمي لدوري بلادها المحترف مفرطة جداً في تعاقداتها، واستبدال مدربيها الدائم مع أي خسارة أو حالة سيئة تعيشها مقابل ثبات وثقة وصبر من جانب الدوريات المذكورة، فيما يعتبر الدوري الكوري هو الأقرب للدوري السعودي في عدم صبره على المدربين.


السعودية الدوري السعودي

اختيارات المحرر

فيديو