واشنطن تتوقع نهاية قريبة لحكم مادورو

لجوء عشرات العسكريين إلى كولومبيا والبرازيل... ومباحثات بين غوايدو وبنس في بوغوتا اليوم

جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تتوقع نهاية قريبة لحكم مادورو

جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)

أعرب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أمس، عن ثقته في أنّ «أيام» رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو «معدودة»، وسط الأزمة المتعلّقة بالمساعدات الإنسانية. وصرّح بومبيو لشبكة «سي إن إن» بأنّ «التوقّعات صعبة. وتحديد الأيام صعب... وأنا واثق أنّ الشعب الفنزويلي سيضمن أن تكون أيام مادورو معدودة».
وقبل ذلك بساعات، أعلن وزير الخارجية الأميركي في تغريدة، أن «الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات ضد هؤلاء الذين يعارضون إعادة الديمقراطية بشكل سلمي في فنزويلا. الآن هو وقت التحرك لدعم احتياجات الفنزويليين اليائسين». كما وصف بـ«العصابات» قوات الأمن الفنزويلية التي قمعت بشدة مظاهرات السبت، ما أوقع 4 قتلى وأكثر من 300 جريح من بينهم كولومبيون، وفق مصادر مختلفة.
وجاءت تصريحات بومبيو بعد أن خسرت المعارضة الفنزويلية رهانها على إدخال المساعدات الإنسانية المكدّسة على الحدود الكولومبية، وإحداث شرخ كبير في جبهة القوات المسلّحة التي ما زالت في غالبيتها الساحقة موالية للنظام.
وأدلى الرئيس بالوكالة خوان غوايدو بتصريحات أيقظت المخاوف من الخاتمة التي يخشاها متابعون لهذه الأزمة منذ بداية مرحلتها الراهنة أواخر الشهر الماضي، عندما أعلن غوايدو تولّيه الرئاسة بالوكالة مدعوماً بقوة من الولايات المتحدة التي حذّرت مراراً من استعدادها لحلها بالقوة إذا تعذّرت تسويتها بالطرق السلمية.
وفي نهاية مواجهات السبت، توجّه غوايدو إلى الهيئات والمؤسسات الدولية التي ساندته منذ بداية حركته بتصريحات أوحت كأنها تذهب أبعد من مجرد طلب الدعم المعنوي واللوجيستي. وقال في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقده مع الرئيس الكولومبي إيفان دوكي، والأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية لويس آلماغرو: «إن الأحداث التي شهدناها اليوم تلزمني أن أطرح رسميّاً على الأسرة الدولية إبقاء كل الخيارات مفتوحة لتحرير الوطن الذي يناضل وسيستمرّ في نضاله حتى النهاية». وأضاف أن «هذا الأمل لم يولد كي يموت».
واستدرك غوايدو بعد ساعات عبر تغريدة جاء فيها أن «خيارات الأسرة الدولية هي مواصلة الحصار الدبلوماسي الذي فرضته على النظام الذي يغتصب السلطة من أجل إسقاطه، وتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة».
وساد القلق في أوساط العواصم المتابعة للأزمة، وعبّر بعضها عن خشيتها من أن يكون الرئيس بالوكالة قد قرّر الانتقال إلى مرحلة المواجهة العسكرية التي لم تتوقّف واشنطن عن التلويح بها. وتحذّر مصادر أوروبية من أن غوايدو قد بدأ يتخلّى عن الخطاب الهادئ والرزين الذي اتبّعه منذ بداية الأزمة، والذي أتاح له أن يجمع شمل المعارضة التي تتعدّد مشاربها العقائدية وتتباين استراتيجياتها لإسقاط النظام. وتعزو ذلك إلى الإحباط الذي يشعر به إزاء عجزه عن تغيير الواقع السياسي في البلاد ويقينه من أن الحكومة ما زالت تسيطر بشكل كامل على أجهزة الدولة التنفيذية. وتميل مصادر أخرى إلى الاعتقاد بأن غوايدو يتحرّك وفقاً لمخطط أميركي بالتدخّل العسكري لإنهاء الأزمة، بعد فشل المحاولات لدفع القيادات المسلحة أو إغرائها بالتخلّي عن مادورو، رغم انشقاق عشرات الجنود في اليومين الماضيين وإعلان جنرال سابق ولاءه للشرعية الجديدة.
ومن المقرّر أن يجتمع غوايدو اليوم (الاثنين)، في بوغوتا مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس الذي يدير ملف الأزمة الفنزويلية، والذي سيشارك في الاجتماع الطارئ الذي تعقده «مجموعة ليما»، المنبثقة عن منظمة البلدان الأميركية وتضمّ دول أميركا اللاتينية المعارضة بشدة لنظام مادورو. ويعلّق المراقبون أهمية كبيرة على اللقاء الذي سيضمّ الرئيس الفنزويلي بالوكالة ونائب الرئيس الأميركي في العاصمة الكولومبية، التي انتقل إليها عدد كبير من قيادات المعارضة.
وكان غوايدو قد أعلن أنه يتوجّه إلى بوغوتا «لمواصلة الطريق والاجتماع مع الحلفاء في الأسرة الدولية لتحديد وتنظيم الخطوات المقبلة والتنسيق لإنهاء معاناة الشعب الفنزويلي». ومعروف أن أطرافاً عدة في المعارضة الفنزويلية تعتبر أن الحفاظ على التوازن بين الضغط الشعبي في الداخل، والضغوط السياسية الخارجية أساسي، لكنها ترى في أداء الإدارة الأميركية ما يقوّض صدقيّة التحرّك الذي تقوم به المعارضة ويحدّ من شرعيته.
وتعتبر هذه الأطراف أن الدعم الأميركي ما زال ضروريّاً وحيويّاً، لكنها تخشى أن «مجرّد التفكير بمواجهة مسلّحة سيؤدي إلى فقدان غوايدو قدراً كبيراً جداً من التأييد في الأوساط الشعبية». وتخشى أن جنوح غوايدو إلى الحل العسكري «مُحبطاً أو مدفوعاً من واشنطن، سيفقده كثيراً من الدعم الدولي، خصوصاً بين بلدان الاتحاد الأوروبي».
من جهتها، أمرت الحكومة الكولومبية طاقمها الدبلوماسي بمغادرة العاصمة الفنزويلية بعد إعلان مادورو قطع العلاقات مع بوغوتا. ومن واشنطن، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تأييده غوايدو، فيما كان مستشار الأمن القومي جون بولتون يلغي رحلة مهمة كانت مقرّرة إلى كوريا الجنوبية ليتفرّغ لمتابعة تطورات الأزمة الفنزويلية. وصرّح: «أمام القوّات المسلّحة الفنزويلية فرصة لحماية الشعب الفنزويلي ومساعدته، وليس لدعم نظام مادورو وعصابة اللصوص التي تحيط به... اختاروا طريق الديمقراطية».
من جانبه، دان الاتحاد الأوروبي الأحد، أعمال العنف واللجوء إلى مجموعات مسلحة من قبل النظام الحاكم في فنزويلا لمنع دخول المساعدة الإنسانية، مؤكداً استعداده لزيادة هذه المساعدات. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد، فيديريكا موغيريني، في بيان باسم الدول الـ28 الأعضاء: «نرفض استخدام مجموعات مسلحة غير نظامية لترهيب المدنيين والمشرعين الذين تحركوا لتوزيع المساعدة»، مؤكدة استعداد الاتحاد «لزيادة مساعداته والعمل من أجل آليات تنسيق أمتن وأشمل بإدارة المؤسسات المختصة في الأمم المتحدة». وروى إدينسون سيسنيروس، الذي جُرح في مواجهات على جسر حدودي قطعته قوات من الحرس الوطني البوليفاري بين أورينيا الفنزويلية وكوكوتا الكولومبية، متحدثاً لوكالة الصحافة الفرنسية: «أطلقوا غازات مسيلة للدموع، وكثيراً من الغازات، لم نتمكن من الصمود، كانت قوانا تضعف. وفيما كنا نحاول استعادة أنفاسنا، أطلقوا النار علينا». وأُحرقت شاحنتان مع حمولتهما من الأدوية بعد دخولهما فنزويلا من كولومبيا، بحسب ما أعلنت السلطات الكولومبية التي أمرت عندها شاحنات المساعدات الأخرى بالعودة إلى أدراجها. فيما عادت شاحنتا مساعدات أرسلتهما برازيليا أدراجهما. وأوضح مسؤول عن العمليات عبر مكبر الصوت: «أعطانا غوايدو الأمر بالحفاظ على المواد. نريد المرور بشكل سلمي». مضيفاً: «أثمن ما لدينا هو حياتنا، لا نريد قتلنا».
وقُتل 4 أشخاص، أحدهم فتى في الرابعة عشرة بالرصاص في صدامات وقعت على الحدود بين البرازيل وفنزويلا، بحسب منظمة «فورو بينال» الحقوقية، التي اتّهمت العسكريين الفنزويليين بفتح النار على الحشد.
من جهة أخرى، عادت سفينة أدراجها بعد إبحارها من بورتوريكو مُحمّلة بمساعدات، إثر «تلقيها تهديداً مباشراً بإطلاق النار» من البحرية الفنزويلية، على ما أعلن حاكم الجزيرة الأميركية ريكاردو روسيلو.
وكان زعيم المعارضة خوان غوايدو الذي اعترف به نحو 50 بلداً رئيساً بالوكالة، حدد أول من أمس، مهلة أخيرة لتسليم فنزويلا مساعدات من المواد الغذائية والأدوية مخزنة في كولومبيا والبرازيل.
وفي تحدٍ لمادورو، انتقل غوايدو الجمعة، إلى كولومبيا رغم أمر قضائي صادر بحقه يمنعه من مغادرة أراضي فنزويلا. وأكد أن الجيش الذي يشكل عماد النظام التشافي «شارك» في عملية خروجه. ودعا السبت من مدينة كوكوتا الكولومبية القريبة من الحدود، الأسرة الدولية إلى «درس كل الاحتمالات» لمواجهة مادورو.
في غضون ذلك، ندّدت الحكومة الكولومبية المؤيدة علناً لغوايدو بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان». وأعلن وزير الخارجية الكولومبي كارلوس هولمز تروخيلو أن «هذا العمل السلمي والإنساني تعطل انطلاقاً من فنزويلا في ظل نظام مادورو المغتصب، مع قمع عنيف وغير متناسب». وبينما دارت مواجهات على الحدود، جرت مظاهرتان متنافستان في كراكاس؛ الأولى بمشاركة محتجين ارتدوا ملابس بيضاء دعماً لغوايدو، والثانية بملابس حمراء دعماً لمادورو. وتجمع آلاف من أنصار غوايدو أمام المطار العسكري في لا كارلوتا لمناشدة الجيش السماح بمرور المساعدات.
وأعلن مادورو في خطاب ألقاه أمام آلاف من أنصاره قطع العلاقات الدبلوماسية مع بوغوتا، وأمهل الدبلوماسيين الكولومبيين 24 ساعة للمغادرة، معلناً: «اخرجوا أيها الأوليغارشيون».
غير أن رئيس كولومبيا إيفان دوكي الذي وصفه مادورو بـ«الشيطان»، يعتبر غوايدو الرئيس الوحيد في فنزويلا حالياً. وذكرت السلطات الكولومبية أن ما لا يقل عن 100 عسكري فنزويلي، بينهم عدد من الضباط فروا السبت، وانتقلوا دون أسلحتهم إلى كولومبيا حيث طلبوا اللجوء.
وعرف أحد العسكريين عن نفسه بأنه «الميغور هوغو بارا»، وهو يرتدي بدلة القوات المسلحة الوطنية البوليفارية. وقال للصحافة: «إنني أعترف برئيسنا خوان غوايدو، وسأكافح مع الشعب الفنزويلي في كل مرحلة».
إلى ذلك، لجأ عسكريان فنزويليان إلى البرازيل مساء السبت، بحسب ما صرّح لوكالة الصحافة الفرنسية الكولونيل البرازيلي جورج فارس كنعان، المسؤول في عملية «اوبيراسيون أكوجيدا» التي تستقبل المهاجرين القادمين من فنزويلا على الحدود بين البلدين.
وقال الضابط البرازيلي: «كنا هنا عند مركز المراقبة التابع لعملية استقبال» في باكارايما على حدود فنزويلا، «عندما جاء اثنان من أفراد الحرس الوطني الفنزويلي ليطلبا اللجوء».



النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
TT

النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)

لم يعد الحديث عن «نظام عالمي جديد» مجرد كلام تنظيري، فالفعل الملموس وردود الفعل تنبئ بأن «الصفائح التكتونية» في المشهد السياسي تتحرك بسرعة وبمنحى «زلزالي». وكان الجو العام في منتدى دافوس الاقتصادي أخيراً مثالاً حياً على ذلك، فقد خرج القلق من أروقة الاجتماعات إلى الواجهة، متأثراً على نحو مباشر بالخطاب السياسي الأميركي وتجسيده على الأرض.

لقد قرر الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته الثانية اعتماد مقاربة «استثمار القوة» لتحقيق مصالح بلاده في كل زوايا الأرض، وتعظيم الاستفادة من عوامل التفوق على الخصوم والحلفاء والأصدقاء من غير تردد. ومن هنا رأينا تجدد المطالبة بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وتهديد الحلفاء بسلاح الرسوم الجمركية، والانسحاب من منظمات ومعاهدات واتفاقات دولية لأن مبادئها وأساليبها لا تتفق والأهداف الاستراتيجية التي تعمل واشنطن على تحقيقها، وسوى ذلك من مواقف وأفعال تبدو للوهلة الأولى صادمة لكنها تغدو «منطقية» متى وضعناها في إطار النظام العالمي الجديد.

في مثال على ردود الفعل التي يولّدها الفعل الملموس، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات جعلت المفاوضات تطول أكثر من 20 عاماً لعقد صفقة تجارية ضخمة بين اثنين من أكبر أسواق العالم ضماناً لبعض الاستقرار بعد تعرض الجانبين لنيران الرسوم الأميركية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا في نيودلهي (أ.ب)

وألقت تصريحات القيادتين الهندية والأوروبية الضوء على المشهد الجيوسياسي الأوسع المحيط بالاتفاق الذي يُفترض إنجاز صياغته النهائية في الأشهر القليلة المقبلة. فقد قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «إنها حكاية عملاقين، ثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم. عملاقان اختارا الشراكة بصيغة ربح حقيقية. إنها رسالة قوية مفادها أن التعاون هو الردّ الأفضل على التحديات العالمية».

ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أكبر اتفاق للتجارة الحرة في التاريخ». وأضاف: «يشهد النظام العالمي اليوم حالة اضطراب عميقة. في سياق كهذا، ستساهم الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي في تعزيز الاستقرار داخل النظام الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوقيع أعقب اتفاقاً تجارياً بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور بدوله الأربع: البرازيل، والأرجنتين، وباراغواي وأوروغواي.

لكن هل كل هذا هو «تعزيز» أم محاولة لوقف تداعي البنيان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حرب أوكرانيا في ظل الواقع الجديد

في الشهر الأول من 2026، وفي ظل استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا واستعجال ترمب التوصل إلى تسوية سلمية، اجتمع قادة أكثر من عشرين دولة أوروبية إلى جانب كندا في باريس لتحديد الضمانات الأمنية المطلوبة والكافية لكييف. ورغم إشادة القادة الأوروبيين بقمة «تحالف الراغبين» ووصفها بأنها اختراق مهم، فإن نتائجها المعلنة جاءت تكراراً مألوفاً لالتزامات سبق الإعلان عنها ولم تتحقق إلا جزئياً.

يريد «الراغبون» إنشاء قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا، تُنشر في أوكرانيا متى تمّ التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدأت أعمال التخطيط لهذه القوة، التي ستضم أجنحة برية وبحرية وجوية، بين الجيوش ووزارات الدفاع الأوروبية، مع إنشاء مقر قيادة لها قرب باريس. وتتمثل مهمة هذه القوة في شقّين: «دعم إعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية، وتعزيز الردع».

ويجري الأوروبيون مناقشات لما سيكون مطلوباً لردع روسيا وإقناع الأوكرانيين المنهكين من الحرب بأن وقف إطلاق النار سيكون دائماً وسيقود إلى حل يوفر الاستقرار. غير أن الضمانات المقترَحة لأوكرانيا تعتمد على عاملين لا تملك أوروبا السيطرة عليهما: استمرار الدعم الأميركي، وموافقة روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

العامل الأول هو في يد دونالد ترمب الذي لم يخفِ رغبته في طي صفحة الحرب الروسية - الأوكرانية ولا إعجابه بفلاديمير بوتين، داعياً فولوديمير زيلينسكي إلى التحلي بالواقعية وتقديم التنازلات المطلوبة التي تعني في المقام الأول ضم مناطق في شرق أوكرانيا إلى روسيا.

أما العامل الثاني فهو في يد بوتين الذي يُستبعد أن يقبل بوجود عسكري دولي في أوكرانيا إلا إذا أُرغم على ذلك ميدانياً - والتطورات لا توحي بذلك - أو اقتنع بأن الوجود العسكري الدولي سيكون أيضاً «ضمانة» لروسيا أقل خطراً من إعادة بناء الجيش الأوكراني وتسليحه، خصوصاً أن الدول الأوروبية التي ستشارك في التشكيل العسكري لن تجازف بالانجرار إلى مواجهة مع موسكو.

السيادة الهشّة

ينبع التركيز على واقع ما يجري في أوكرانيا من كونها أكبر مثال على إعادة رسم لوحة النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر يالطا في فبراير (شباط) 1945، حين رسم فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين مستقبل أوروبا بعد مرحلة أدولف هتلر، بهدف إعادة صوغ مفهوم السيادة وربما تجديد روح اتفاقات وستفاليا والاعتراف بحق الشعوب الأوروبية في تقرير المصير.

أركان مؤتمر يالطا 1945 من اليمين: جوزيف ستالين وفرانكلين د. روزفلت ونستون تشرشل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولعل هذه المدينة الصغيرة التي أسسها الإغريق (اسمها مشتق من كلمة يالوس اليونانية وتعني الشاطئ أو الساحل) والتي يبلغ عدد سكانها نحو 75 ألفاً، تجسّد نهاية نظام ما بعد الحرب الثانية. فهي تقع في جنوب شبه جزيرة القرم على البحر الأسود، ولطالما كانت مقصد النخب الروسية الثرية قبل أن يعلنها فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية، وجهة سياحية للبروليتاريا، أي الطبقة العمالية الكادحة... وفي عهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، انتقلت منطقة القرم من جغرافيا الجمهورية الروسية إلى جغرافيا الجمهورية الأوكرانية، إنما ضمن العائلة السوفياتية الواحدة.

في فبراير 2014 قرر فلاديمير بوتين استعادة القرم بعد سقوط حليفه الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش على وقع احتجاجات شعبية وفراره من كييف، لتندلع بعد شهرين الحرب في شرق أوكرانيا بين الانفصاليين الروس في حوض الدونباس والقوات الأوكرانية.

كان ذلك محطة مهمة في مسار اهتزاز النظام العالمي، وتسارعت بعدها التطورات وصولاً إلى الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير 2022.

النافر في هذه البيئة السياسية العالمية أن العولمة التي استبشر بها البشر تحوّلت من اقتصادية إلى سياسية، بل إلى جيوسياسية. وهو ما بدأ يطيح مفهوم السيادة القائم على الهويات والحدود، فالعولمة الاقتصادية تجاوزت عوائق الحدود بالمعنى الإيجابي عموماً، بينما العولمة الجيوسياسية تقوّض الهويات والسيادات، كما سمعنا ونسمع ونرى ما يدور حول غرينلاند وبنما وفنزويلا وأوكرانيا وتايوان وبالطبع غزة.

والخطير في هذه البيئة السياسية، أن العالم يديره خبراء تكتيكيون لا خبراء استراتيجيون. لذا نرى سعياً محموماً إلى الربح والسيطرة على المقدرات والموارد الاقتصادية وكسب الحروب التجارية.

من أين سيأتي القادة الرؤيويون الذين يُخرجون القطار العالمي من مسار فخ الكسب الفوري ويعيدونه إلى سكة السلام والاستقرار؟


غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
TT

غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت رسالة اطلعت عليها «رويترز»، الجمعة، أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبلغ الدول الأعضاء بأن المنظمة تواجه خطر «انهيار مالي وشيك»، عازياً ذلك إلى رسوم غير مدفوعة وقاعدة في الميزانية تُلزم الهيئة العالمية بإعادة الأموال غير المنفقة.

وكتب غوتيريش في رسالة إلى السفراء مؤرخة في 28 يناير (كانون الثاني): «تتفاقم الأزمة، ما يهدد تنفيذ البرامج ويعرّضنا لخطر الانهيار المالي. وستتدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب».

وتواجه الأمم المتحدة أزمة سيولة حادة، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مساهم في المنظمة، تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة، ورفضت سداد المدفوعات الإلزامية لميزانيات الأمم المتحدة العادية وميزانيات حفظ السلام.

وفي الرسالة، قال غوتيريش: «تم الإعلان رسمياً عن قرارات عدم الوفاء بالاشتراكات المقررة التي تموّل جزءاً كبيراً من الميزانية العادية المعتمدة».

لم يتضح على الفور أي دولة أو دول كان يشير إليها، ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من متحدث باسم الأمم المتحدة.

وقال: «إما أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها بالدفع كاملاً وفي الوقت المحدد، أو أن تُجري الدول الأعضاء إصلاحاً جذرياً لقواعدنا المالية لتجنب انهيار مالي وشيك»، محذراً من احتمال نفاد السيولة بحلول شهر يوليو (تموز).


«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
TT

«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)

كشف بنك «سيتي» في مذكرة أنه يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراءات محدودة ضد إيران في المدى القريب تجنباً لتصعيد الرد، وأن ​تلك الإجراءات هدفها دفع طهران إلى إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي.

وذكر البنك في المذكرة أمس الخميس أن الإجراءات صغيرة النطاق ستشمل على الأرجح ضربات عسكرية أميركية محدودة ومصادرة ناقلات نفط، وهو ما من شأنه أن يبقي علاوة المخاطر في أسواق النفط مرتفعة، خصوصاً بسبب المخاوف من أن تغلق إيران مضيق هرمز، الممر البحري ‌الحيوي. وارتفعت أسعار ‌النفط ثلاثة في المائة إلى أعلى مستوى ‌لها ⁠في ​خمسة أشهر، أمس ‌الخميس، بسبب تزايد القلق من احتمال اضطراب الإمدادات العالمية إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، أحد أكبر منتجي النفط الخام في منظمة أوبك.

وقالت مصادر متعددة إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خيارات للتعامل مع إيران تشمل ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لتشجيع المتظاهرين على الخروج إلى ⁠الشوارع، على الرغم من قول مسؤولين إسرائيليين وعرب إن القصف الجوي وحده ‌لن يطيح بحكام البلاد.

وأشار البنك إلى أن التصور ‍الأساسي للإجراءات المحدودة، الذي ‍يرجح حدوثها بنسبة 70 في المائة، «يعكس حساسية الولايات المتحدة ‍تجاه ارتفاع أسعار الطاقة» بسبب اعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية، «وتفضيل الرئيس ترمب تجنب الحرب واحتمال أن تؤدي الضغوط الداخلية المستمرة داخل إيران إلى تغييرات قد تؤدي إلى التوصل إلى اتفاق».

ويستبعد ​«سيتي» رداً كبيراً من إيران «لأنها لا تريد الحرب أيضاً، في ظل اقتصاد متعثر واضطرابات ⁠داخلية». ويتوقع البنك بنسبة 30 في المائة حدوث صراع متصاعد ولكن محدود وعدم استقرار سياسي داخل إيران مما قد يتسبب في اضطرابات متقطعة في إنتاج النفط وصادراته، ويرى احتمالاً 10 في المائة بحدوث خسائر كبيرة في الإمدادات الإقليمية بسبب الاضطرابات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي تصوره الأساسي، يتوقع «سيتي» إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع التوتر في وقت ما في عام 2026، مما سيقلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية المتعلقة بإيران، التي تبلغ حالياً سبعة إلى عشرة دولارات للبرميل مع اقتراب ‌سعر برنت من 70 دولاراً. وسجلت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية أمس الخميس 70.71 دولار للبرميل.