واشنطن تتوقع نهاية قريبة لحكم مادورو

لجوء عشرات العسكريين إلى كولومبيا والبرازيل... ومباحثات بين غوايدو وبنس في بوغوتا اليوم

جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تتوقع نهاية قريبة لحكم مادورو

جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)
جنود فنزويليون يتفقدون آثار الاشتباكات العنيفة أمس (أ.ف.ب)

أعرب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أمس، عن ثقته في أنّ «أيام» رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو «معدودة»، وسط الأزمة المتعلّقة بالمساعدات الإنسانية. وصرّح بومبيو لشبكة «سي إن إن» بأنّ «التوقّعات صعبة. وتحديد الأيام صعب... وأنا واثق أنّ الشعب الفنزويلي سيضمن أن تكون أيام مادورو معدودة».
وقبل ذلك بساعات، أعلن وزير الخارجية الأميركي في تغريدة، أن «الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات ضد هؤلاء الذين يعارضون إعادة الديمقراطية بشكل سلمي في فنزويلا. الآن هو وقت التحرك لدعم احتياجات الفنزويليين اليائسين». كما وصف بـ«العصابات» قوات الأمن الفنزويلية التي قمعت بشدة مظاهرات السبت، ما أوقع 4 قتلى وأكثر من 300 جريح من بينهم كولومبيون، وفق مصادر مختلفة.
وجاءت تصريحات بومبيو بعد أن خسرت المعارضة الفنزويلية رهانها على إدخال المساعدات الإنسانية المكدّسة على الحدود الكولومبية، وإحداث شرخ كبير في جبهة القوات المسلّحة التي ما زالت في غالبيتها الساحقة موالية للنظام.
وأدلى الرئيس بالوكالة خوان غوايدو بتصريحات أيقظت المخاوف من الخاتمة التي يخشاها متابعون لهذه الأزمة منذ بداية مرحلتها الراهنة أواخر الشهر الماضي، عندما أعلن غوايدو تولّيه الرئاسة بالوكالة مدعوماً بقوة من الولايات المتحدة التي حذّرت مراراً من استعدادها لحلها بالقوة إذا تعذّرت تسويتها بالطرق السلمية.
وفي نهاية مواجهات السبت، توجّه غوايدو إلى الهيئات والمؤسسات الدولية التي ساندته منذ بداية حركته بتصريحات أوحت كأنها تذهب أبعد من مجرد طلب الدعم المعنوي واللوجيستي. وقال في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقده مع الرئيس الكولومبي إيفان دوكي، والأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية لويس آلماغرو: «إن الأحداث التي شهدناها اليوم تلزمني أن أطرح رسميّاً على الأسرة الدولية إبقاء كل الخيارات مفتوحة لتحرير الوطن الذي يناضل وسيستمرّ في نضاله حتى النهاية». وأضاف أن «هذا الأمل لم يولد كي يموت».
واستدرك غوايدو بعد ساعات عبر تغريدة جاء فيها أن «خيارات الأسرة الدولية هي مواصلة الحصار الدبلوماسي الذي فرضته على النظام الذي يغتصب السلطة من أجل إسقاطه، وتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة».
وساد القلق في أوساط العواصم المتابعة للأزمة، وعبّر بعضها عن خشيتها من أن يكون الرئيس بالوكالة قد قرّر الانتقال إلى مرحلة المواجهة العسكرية التي لم تتوقّف واشنطن عن التلويح بها. وتحذّر مصادر أوروبية من أن غوايدو قد بدأ يتخلّى عن الخطاب الهادئ والرزين الذي اتبّعه منذ بداية الأزمة، والذي أتاح له أن يجمع شمل المعارضة التي تتعدّد مشاربها العقائدية وتتباين استراتيجياتها لإسقاط النظام. وتعزو ذلك إلى الإحباط الذي يشعر به إزاء عجزه عن تغيير الواقع السياسي في البلاد ويقينه من أن الحكومة ما زالت تسيطر بشكل كامل على أجهزة الدولة التنفيذية. وتميل مصادر أخرى إلى الاعتقاد بأن غوايدو يتحرّك وفقاً لمخطط أميركي بالتدخّل العسكري لإنهاء الأزمة، بعد فشل المحاولات لدفع القيادات المسلحة أو إغرائها بالتخلّي عن مادورو، رغم انشقاق عشرات الجنود في اليومين الماضيين وإعلان جنرال سابق ولاءه للشرعية الجديدة.
ومن المقرّر أن يجتمع غوايدو اليوم (الاثنين)، في بوغوتا مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس الذي يدير ملف الأزمة الفنزويلية، والذي سيشارك في الاجتماع الطارئ الذي تعقده «مجموعة ليما»، المنبثقة عن منظمة البلدان الأميركية وتضمّ دول أميركا اللاتينية المعارضة بشدة لنظام مادورو. ويعلّق المراقبون أهمية كبيرة على اللقاء الذي سيضمّ الرئيس الفنزويلي بالوكالة ونائب الرئيس الأميركي في العاصمة الكولومبية، التي انتقل إليها عدد كبير من قيادات المعارضة.
وكان غوايدو قد أعلن أنه يتوجّه إلى بوغوتا «لمواصلة الطريق والاجتماع مع الحلفاء في الأسرة الدولية لتحديد وتنظيم الخطوات المقبلة والتنسيق لإنهاء معاناة الشعب الفنزويلي». ومعروف أن أطرافاً عدة في المعارضة الفنزويلية تعتبر أن الحفاظ على التوازن بين الضغط الشعبي في الداخل، والضغوط السياسية الخارجية أساسي، لكنها ترى في أداء الإدارة الأميركية ما يقوّض صدقيّة التحرّك الذي تقوم به المعارضة ويحدّ من شرعيته.
وتعتبر هذه الأطراف أن الدعم الأميركي ما زال ضروريّاً وحيويّاً، لكنها تخشى أن «مجرّد التفكير بمواجهة مسلّحة سيؤدي إلى فقدان غوايدو قدراً كبيراً جداً من التأييد في الأوساط الشعبية». وتخشى أن جنوح غوايدو إلى الحل العسكري «مُحبطاً أو مدفوعاً من واشنطن، سيفقده كثيراً من الدعم الدولي، خصوصاً بين بلدان الاتحاد الأوروبي».
من جهتها، أمرت الحكومة الكولومبية طاقمها الدبلوماسي بمغادرة العاصمة الفنزويلية بعد إعلان مادورو قطع العلاقات مع بوغوتا. ومن واشنطن، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تأييده غوايدو، فيما كان مستشار الأمن القومي جون بولتون يلغي رحلة مهمة كانت مقرّرة إلى كوريا الجنوبية ليتفرّغ لمتابعة تطورات الأزمة الفنزويلية. وصرّح: «أمام القوّات المسلّحة الفنزويلية فرصة لحماية الشعب الفنزويلي ومساعدته، وليس لدعم نظام مادورو وعصابة اللصوص التي تحيط به... اختاروا طريق الديمقراطية».
من جانبه، دان الاتحاد الأوروبي الأحد، أعمال العنف واللجوء إلى مجموعات مسلحة من قبل النظام الحاكم في فنزويلا لمنع دخول المساعدة الإنسانية، مؤكداً استعداده لزيادة هذه المساعدات. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد، فيديريكا موغيريني، في بيان باسم الدول الـ28 الأعضاء: «نرفض استخدام مجموعات مسلحة غير نظامية لترهيب المدنيين والمشرعين الذين تحركوا لتوزيع المساعدة»، مؤكدة استعداد الاتحاد «لزيادة مساعداته والعمل من أجل آليات تنسيق أمتن وأشمل بإدارة المؤسسات المختصة في الأمم المتحدة». وروى إدينسون سيسنيروس، الذي جُرح في مواجهات على جسر حدودي قطعته قوات من الحرس الوطني البوليفاري بين أورينيا الفنزويلية وكوكوتا الكولومبية، متحدثاً لوكالة الصحافة الفرنسية: «أطلقوا غازات مسيلة للدموع، وكثيراً من الغازات، لم نتمكن من الصمود، كانت قوانا تضعف. وفيما كنا نحاول استعادة أنفاسنا، أطلقوا النار علينا». وأُحرقت شاحنتان مع حمولتهما من الأدوية بعد دخولهما فنزويلا من كولومبيا، بحسب ما أعلنت السلطات الكولومبية التي أمرت عندها شاحنات المساعدات الأخرى بالعودة إلى أدراجها. فيما عادت شاحنتا مساعدات أرسلتهما برازيليا أدراجهما. وأوضح مسؤول عن العمليات عبر مكبر الصوت: «أعطانا غوايدو الأمر بالحفاظ على المواد. نريد المرور بشكل سلمي». مضيفاً: «أثمن ما لدينا هو حياتنا، لا نريد قتلنا».
وقُتل 4 أشخاص، أحدهم فتى في الرابعة عشرة بالرصاص في صدامات وقعت على الحدود بين البرازيل وفنزويلا، بحسب منظمة «فورو بينال» الحقوقية، التي اتّهمت العسكريين الفنزويليين بفتح النار على الحشد.
من جهة أخرى، عادت سفينة أدراجها بعد إبحارها من بورتوريكو مُحمّلة بمساعدات، إثر «تلقيها تهديداً مباشراً بإطلاق النار» من البحرية الفنزويلية، على ما أعلن حاكم الجزيرة الأميركية ريكاردو روسيلو.
وكان زعيم المعارضة خوان غوايدو الذي اعترف به نحو 50 بلداً رئيساً بالوكالة، حدد أول من أمس، مهلة أخيرة لتسليم فنزويلا مساعدات من المواد الغذائية والأدوية مخزنة في كولومبيا والبرازيل.
وفي تحدٍ لمادورو، انتقل غوايدو الجمعة، إلى كولومبيا رغم أمر قضائي صادر بحقه يمنعه من مغادرة أراضي فنزويلا. وأكد أن الجيش الذي يشكل عماد النظام التشافي «شارك» في عملية خروجه. ودعا السبت من مدينة كوكوتا الكولومبية القريبة من الحدود، الأسرة الدولية إلى «درس كل الاحتمالات» لمواجهة مادورو.
في غضون ذلك، ندّدت الحكومة الكولومبية المؤيدة علناً لغوايدو بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان». وأعلن وزير الخارجية الكولومبي كارلوس هولمز تروخيلو أن «هذا العمل السلمي والإنساني تعطل انطلاقاً من فنزويلا في ظل نظام مادورو المغتصب، مع قمع عنيف وغير متناسب». وبينما دارت مواجهات على الحدود، جرت مظاهرتان متنافستان في كراكاس؛ الأولى بمشاركة محتجين ارتدوا ملابس بيضاء دعماً لغوايدو، والثانية بملابس حمراء دعماً لمادورو. وتجمع آلاف من أنصار غوايدو أمام المطار العسكري في لا كارلوتا لمناشدة الجيش السماح بمرور المساعدات.
وأعلن مادورو في خطاب ألقاه أمام آلاف من أنصاره قطع العلاقات الدبلوماسية مع بوغوتا، وأمهل الدبلوماسيين الكولومبيين 24 ساعة للمغادرة، معلناً: «اخرجوا أيها الأوليغارشيون».
غير أن رئيس كولومبيا إيفان دوكي الذي وصفه مادورو بـ«الشيطان»، يعتبر غوايدو الرئيس الوحيد في فنزويلا حالياً. وذكرت السلطات الكولومبية أن ما لا يقل عن 100 عسكري فنزويلي، بينهم عدد من الضباط فروا السبت، وانتقلوا دون أسلحتهم إلى كولومبيا حيث طلبوا اللجوء.
وعرف أحد العسكريين عن نفسه بأنه «الميغور هوغو بارا»، وهو يرتدي بدلة القوات المسلحة الوطنية البوليفارية. وقال للصحافة: «إنني أعترف برئيسنا خوان غوايدو، وسأكافح مع الشعب الفنزويلي في كل مرحلة».
إلى ذلك، لجأ عسكريان فنزويليان إلى البرازيل مساء السبت، بحسب ما صرّح لوكالة الصحافة الفرنسية الكولونيل البرازيلي جورج فارس كنعان، المسؤول في عملية «اوبيراسيون أكوجيدا» التي تستقبل المهاجرين القادمين من فنزويلا على الحدود بين البلدين.
وقال الضابط البرازيلي: «كنا هنا عند مركز المراقبة التابع لعملية استقبال» في باكارايما على حدود فنزويلا، «عندما جاء اثنان من أفراد الحرس الوطني الفنزويلي ليطلبا اللجوء».



شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
TT

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)

كشفت السلطات الأرجنتينية هوية ما يُعرف بـ«المريض صفر» في تفشي فيروس هانتا القاتل على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، وهو عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد، الذي يُرجّح أن شغفه بمراقبة الطيور قاده إلى العدوى التي أودت بحياته وحياة زوجته لاحقاً.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد كان شيلبيرورد، البالغ من العمر 70 عاماً، وزوجته ميريام (69 عاماً)، يقومان برحلة استمرت خمسة أشهر في أميركا الجنوبية، بدأت في الأرجنتين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أن يتنقلا بين تشيلي وأوروغواي ثم يعودا مجدداً إلى الأرجنتين في مارس (آذار)، حيث خاضا رحلة لمراقبة الطيور انتهت بمأساة.

وتم التعرف على هوية الزوجين، المتحدرين من قرية هاوليرويك الهولندية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، في نعي نُشر في مجلة قريتهما الشهرية.

وعُرف الزوجان بشغفهما الكبير بعالم الطيور، وسبق لهما نشر دراسة علمية عن الإوز ذي الأقدام الوردية نُشرت في مجلة علم الطيور الهولندية «هيت فوغلجار» عام 1984، وانطلقا في رحلات استكشافية حول العالم، من بينها رحلة خاصة لا تُنسى استغرقت 12 يوماً لمراقبة الطيور والحياة البرية في سريلانكا عام 2013، حيث أبدى الزوجان إعجابهما الشديد برؤية بومة سرنديب سكوبس النادرة.

وبحسب السلطات، زار الزوجان في 27 مارس مكب نفايات يقع قرب مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وهو مكان يقصده هواة مراقبة الطيور لرؤية طائر نادر يُعرف باسم «الكاراكارا أبيض الحنجرة»، رغم تحذيرات السكان المحليين من خطورته بسبب انتشار القوارض الحاملة لفيروس «هانتا».

وتشتبه السلطات الأرجنتينية في أن الزوجين الهولنديين استنشقا في مكب النفايات جزيئات من براز جرذان الأرز القزم طويل الذيل، التي تحمل سلالة الأنديز المخيفة من فيروس هانتا؛ وهي السلالة الوحيدة المعروفة بانتقالها من إنسان إلى آخر.

وفي الأول من أبريل (نيسان)، استقل الزوجان سفينة «إم في هونديوس» من أوشوايا، برفقة 112 شخصاً آخر، كان العديد منهم من هواة مراقبة الطيور أو العلماء.

وفي السادس من أبريل، ظهرت على ليو أعراض خطيرة شملت الحمى والصداع وآلام المعدة والإسهال، قبل أن يتوفى على متن السفينة بعد خمسة أيام.

أما زوجته ميريام، فقد غادرت السفينة مع جثمان زوجها، في 24 أبريل، خلال توقف مقرر في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، ثم سافرت إلى جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا لاستكمال رحلتها نحو هولندا، إلا أن حالتها الصحية تدهورت بشكل حاد، وتم إنزالها من الطائرة قبل الإقلاع بعدما بدت غير قادرة على السفر، لتنهار في المطار وتفارق الحياة في اليوم التالي.

وأعلنت منظمة ‌الصحة العالمية يوم الجمعة أن ثمانية أشخاص أصيبوا ‌بالمرض، من بينهم ثلاثة توفوا، هما الزوجان الهولنديان ‌ومواطن ألماني.

وأفادت المنظمة بأنه تم تأكيد إصابة ستة من الثمانية بالفيروس، مع وجود حالتين مشتبه فيهما.

وأعلن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن جميع ركاب السفينة السياحية التي شهدت تفشي الفيروس مصنفون على أنهم من المخالطين المعرضين لخطر كبير.

يأتي ذلك فيما رست السفينة اليوم الأحد قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية.

وقال المركز ‌أمس (السبت) إن الركاب ⁠الذين لا تظهر عليهم أعراض ستتم إعادتهم إلى بلدانهم للخضوع للحجر الصحي الذاتي عبر وسائل نقل مرتبة خصيصاً لهذا الغرض، وليس عبر الرحلات الجوية التجارية العادية.


العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
TT

العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

ظهرت فكرة العملات المستقرة تدريجياً مع تطوّر سوق العملات الرقمية، إلا أن انطلاقتها الفعلية حصلت في منتصف العقد الماضي. وكانت Tether أول عملة مستقرة تحظى بانتشار واسع، علماً أنها أُطلقت عام 2014 تحت اسم Realcoin.، ومع توسّع سوق العملات الرقمية، خاصة بعد الانتشار الكبير لـBitcoin، ظهرت مشاريع أخرى مثل Dai في عام 2017، وUSD Coin في عام 2018.

بشكل عام، أصبحت العملات المستقرة واقعاً راسخاً بين 2017 و2019، مع تزايد استخدامها في التداول، ومجالات التمويل اللامركزي، وهو نظام مالي يتيح القيام بتعاملات مباشرة من دون المرور بوسطاء مثل المصارف. وتعود أهمية هذه العملات إلى طبيعة السوق الرقمية نفسها، إذ تعاني عملات مثل Bitcoin وEthereum تقلبات سعرية حادة، بحيث تشهد ارتفاعات أو انخفاضات كبيرة خلال فترات قصيرة. وهذا ما جعل استخدامها في الحياة اليومية أمراً صعباً، إذ لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها وسيلة دفع مستقرة، كما يتردد التجار في قبولها بسبب التغير المستمر لقيمتها، وحتى المتداولون أنفسهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في السوق لحماية أموالهم من التقلبات.

عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

من هنا برزت العملات المستقرة على أنها حل عملي، فهي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، وغالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى منها الذهب. وتجمع هذه العملات بين مزايا الاستقرار الذي تتمتع به العملات التقليدية، والمرونة والسرعة اللتين توفرهما العملات الرقمية.

تعتمد العملات المستقرة على عدة آليات للحفاظ على استقرارها. فمنها ما هو مدعوم بعملات تقليدية (Fiat - backed)، فتُغطّى كل وحدة رقمية باحتياط حقيقي من عملة مثل الدولار، ومحفوظ في مؤسسات مالية، كما هو الحال في Tether وUSD Coin. وهناك أيضاً عملات مدعومة بأصول رقمية، أي تضمنها عملات مشفرة أخرى ضمن نظام ضمانات يهدف إلى الحفاظ على استقرار قيمتها، كما في Dai. وثمة عملات، منها Pax Gold، مدعومة بالذهب.

*تعزيز الهيمنة

استناداً إلى التطورات والتحليلات التي شهدتها الفترة 2025-2026، يُنظر إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي على نطاق واسع بوصفها أداة فعّالة لتعزيز الهيمنة المالية الأميركية في العصر الرقمي. ورغم أنها تجلب مخاطر جديدة إلى النظام المالي، فإنها تُساهم بشكل كبير في ترسيخ دور الدولار ليصبح عملة احتياط عالمية من خلال تعزيز استخدامه في المعاملات الرقمية. فللحفاظ على ربط العملات المستقرة بالدولار، يجب على الجهات المُصدِرة (مثل Tether وCircle) الاحتفاظ باحتياطات من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. وبذلك يُضيف نمو العملات المستقرة مليارات الدولارات إلى الطلب على الديون الأميركية، مما يُعزز الدولار، ويُساعد الولايات المتحدة على تمويل عجزها بأسعار فائدة أقل.

المستقبل لعملة Tether وسواها من العملات الرقمية المستقرة؟ (أرشيفية - رويترز)

وفي البلدان التي تشهد تضخماً مرتفعاً (مثل نيجيريا والأرجنتين)، يتزايد إقبال الأفراد على استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، والتي غالباً ما يكون الوصول إليها أسهل من الدولار التقليدي. ولا شك في أن هذه الديناميكية توسّع نطاق النفوذ النقدي الأميركي بشكل تلقائي. ومن خلال تبني العملات المستقرة المنظمة والمدعومة بالدولار (بدعم من قانون توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية GENIUS الذي أُقرّ في عام 2025)، تضمن الولايات المتحدة أن تعتمد التجارة الرقمية العالمية على الدولار في وجه بدائل مثل اليوان الرقمي الصيني الموجود، واليورو الرقمي الموعود (مبدئياً في 2029)، وسواهما.

لكن مقابل الهيمنة المالية الأميركية، تبرز «معضلة تريفين» (واضع النظرية هو الأميركي–البلجيكي روبرت تريفين) التي تعني حصول تضارب جوهري في المصالح بين أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية المحلية ومسؤولياتها الدولية بصفتها مُصدر العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم. فلكي تؤدي العملة وظيفتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، يجب أن تكون متاحة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وهذا يُشكل «فخاً» للدولار الأميركي، إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد العالم بما يكفي من الدولارات لتسهيل التجارة والاستثمار العالميين، وبالتالي تسجيل عجز تجاري مستمر في ظل الحاجة إلى استيراد واسع من الخارج يفوق التصدير بهدف ضخ الدولارات في النظام المالي العالمي.

مع ذلك، يبقى الهدف من رقمنة الدولار حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها المالية، مع محاولة إعادة بناء قاعدتها الصناعية المحلية.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي يدافع فيها بقوة عن قطاع العملات المشفرة، معلناً نيته جعل الولايات المتحدة عاصمة هذه العملات في العالم. وفي إطار هذا المسعى، أقرت الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025 قانون «جينيوس»، بهدف إنشاء بيئة تنظيمية للعملات المستقرة، وضمان تطورها السليم.

*القيمة السوقية

بلغة الأرقام، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة حتى نهاية مايو (أيار) الماضي نحو 230 مليار دولار، إلا أن هذه السوق تعد شبه احتكارية، إذ تستحوذ عملتان مستقرتان، هما Tether وUSD Coin، على معظم هذه القيمة (نحو 80 في المائة). والعملتان تصدَران في الولايات المتحدة، وتعتمد احتياطاتهما على الدولار الأميركي، أو سندات الخزانة الأميركية.

والواضح أن إدارة ترمب تسعى إلى استثمار هذه الهيمنة لجعل العملات المستقرة المقومة بالدولار معياراً عالمياً لإصدار العملات المشفّرة، وتداولها، وبالتالي الحفاظ على مكانة الدولار لتكون عملة احتياط عالمية بحكم الواقع. وبذلك تؤدي العملات المستقرة دوراً شبيهاً بدور الدولار في تجارة الطاقة العالمية منذ التخلي عن التغطية الذهبية للعملة الأميركية (نظام بريتون وودز) في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971.

متجر في شنغهاي الصينية يقبل اليوان الرقمي (رويترز)

من المؤكد أن التحكم في السيولة يجعل العملات المستقرة أداة لاستهداف تدفقات الأموال لجهات معينة، مثل محاولات تجفيف السيولة في مناطق الصراع لمنع تمويل حركات مسلحة، أو كيانات سياسية «معادية». ولكن في المقابل، قد تسمح هذه الأداة نفسها بتجاوز العقوبات عبر الالتفاف على القيود المالية الدولية، مما يحولها إلى سلاح جيوسياسي في الصراعات الدولية.

بطبيعة الحال، العمل جارٍ لتحصين هذه العملات، واستخدامها على نحو لا يفيد إلا القائمين عليها، وهذه طبعاً مهمة شاقة، لأن تأطير التكنولوجيا وسدّ الثغرات ومعالجة نقاط الضعف ليست أموراً سهلة على الإطلاق.

*بين أميركا والصين

المهم أنه مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي بفعل التفتّت الجيوسياسي، بدأت العملات المستقرة تكتسب مستوى جديداً من الأهمية. فهي لا تزال جزءاً من عالم الأصول الرقمية، لكن دورها لم يعد محصوراً داخل أسواق العملات المشفرة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

هكذا أصبحت هذه العملات تؤثر بشكل متزايد في المدفوعات عبر الحدود، وفي الدور الدولي للدولار، وفي متانة البنية التحتية المالية، وكذلك في قدرة الدول على صَون استقلال سياساتها النقدية. هذا التداخل جعل منها قضية ذات أبعاد جيوسياسية، إذ باتت تقع عند نقطة التقاء التكنولوجيا، والمال، والنفوذ.

لا بد من التسليم بالريادة الأميركية في هذا المجال، لكن الأمر قد يتغير إذا نجحت الصين في تسويق اليوان الرقمي على نطاق واسع، لأنها ستبدأ في هذه الحالة تقويض هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في آسيا، وأفريقيا، وأسواق «مبادرة الحزام والطريق» التي تسمح للصين بالسيطرة على قسط وافر من تدفقات التجارة. وسيغيّر تقديم بكين بديلاً رقمياً ناجحاً خاضعاً لسيطرة الدولة ومصمماً لترسيخ النفوذ داخل البنية التحتية المالية هيكل النظام المالي العالمي في شكله القائم منذ عقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى يساره وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال لقاء في لاس فيغاس حول السياسة الضريبية (رويترز)

في هذا السيناريو المستقبلي تستطيع بكين أن تشنّ هجوماً مضاداً استراتيجياً عبر تموضع هونغ كونغ باعتبار أنها مركز عالمي للتكنولوجيا المالية، وإطلاق عملات مستقرة متنوّعة مرتبطة باليوان -إلى جانب اليوان الرقمي الموجود حالياً- ومُحسِّنة للتسويات عبر الحدود في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. وقد تنجح أيضاً في إنشاء شبكة مالية بديلة بعيداً عن النفوذ الأميركي.

يبدو واضحاً أن السباق المالي بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، تماماً مثل السباقات الأخرى التي يخوضانها، سواء في حلبة التجارة الدولية، أو حول مصير تايوان، أو توترات بحر الصين الجنوبي، أو النفوذ في أفريقيا، وسوى ذلك... لكن الفريقين يدركان حتماً أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة «الدولرة» في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام نشاطات إجرامية، وفقاً لتحذيرات مسؤولين كبار في مصارف مركزية.

في هذا الإطار، قال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إن العملات المستقرة «تولّد مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، ويمكن أن تسهّل التحايل على القوانين التنظيمية». ورأى أن الارتفاع السريع في استخدام العملات المستقرة قد «يسهّل التهرب من ضوابط رأس المال» في الأسواق الناشئة، والدول النامية. وأضاف أن شعبيتها المتزايدة «تفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن «العملات المستقرة باتت تمثل معظم التعاملات غير المشروعة داخل منظومة العملات الرقمية».

الذهب يدعم بعض العملات المستقرة (رويترز)

في 14 و15 مايو يلتقي دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين، فهل سيشمل البحث العملات المستقرة؟ ربما، لكن المؤكد أن الرئيسين سيلعبان بضع أوراق في لعبة المواجهة الناعمة، ويحتفظان بأوراق كثيرة أخرى للمواجهات المقبلة التي لا يُستبعد أن يكون بعضها خشناً.

فلنراقب تطور اليوان الرقمي الذي خرج من مرحلته التجريبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026...

 

 


كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)

قالت الشرطة الكندية، يوم الجمعة، إنها اعتقلت شاباً (18 عاماً) لصلته بهجومين يشتبه أنهما وقعا بدافع الكراهية ضد الجالية اليهودية في مدينة تورونتو.

وقالت شرطة تورونتو إنه بعد تحقيق أجرته وحدة أمن مكافحة الإرهاب، تم توجيه أربعة اتهامات إلى الشاب بالاعتداء بسلاح وتهمتين بحيازة سلاح لغرض خطير، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويرتبط اعتقال الشاب بحادثتين وقعتا خلال ما يزيد قليلاً عن أسبوع.

ففي 30 أبريل (نيسان)، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «من أفراد الجالية اليهودية الذين يمكن التعرف عليهم بشكل واضح» باستخدام نسخة من سلاح ناري من شخص كان في سيارة بينما كانوا يسيرون في الشارع في منطقة شمال يورك في تورونتو، وفق الشرطة.

وأصيب الضحايا بجروح طفيفة.

وفي حادث آخر وقع في 7 مايو (أيار)، في شمال يورك أيضاً، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «يبدو أنهم أعضاء في الجالية اليهودية» بنسخة من سلاح ناري من سيارة بينما كانوا واقفين خارج كنيس يهودي في تورونتو. وأصيب أحد الضحايا بجروح طفيفة.

وقالت الشرطة إنه يجري التحقيق في الحوادث باعتبارها «جرائم كراهية».