إبراهيم القاضي... ابن عنيزة السعودية وأبو المسرح الهندي

إبراهيم القاضي... ابن عنيزة السعودية وأبو المسرح الهندي

وزير الثقافة يكرم في نيودلهي أحد أبرز رواد الفن في العالم تقديراً لإسهاماته الفنية والإبداعية
الجمعة - 17 جمادى الآخرة 1440 هـ - 22 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14696]
الرياض: بدر الخريف - نيودلهي: براكريتي غوبتا
كرم الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي في الهند أحد أبرز الرواد الذين حققوا حضوراً في المشهد الفني الهندي، وخصوصاً في مجال المسرح، وقدم أعمالاً رائدة فتحت آفاقاً واسعة في المسرح والفنون، مما دفع النقاد هناك إلى تسميته «أبو المسرح الهندي»، وجاء هذا التكريم على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لنيودلهي.

وزار وزير الثقافة السعودي الفنان إبراهيم القاضي، المقيم في الهند، الذي هاجر والده حمد العلي القاضي من عنيزة وسط السعودية إلى هناك قبل عقود، حيث ولد ابنه الفنان قبل 94 عاماً، وأصبح رائداً في المسرح، وقاده تميزه وتفرده في المجالات المختلفة إلى منحه جوائز محلية وعالمية من مؤسسات وجهات ذات اعتبار.

وأعلن الأمير بدر، خلال زيارته أول من أمس للفنان القاضي في نيودلهي، عن تأسيس «كرسي إبراهيم القاضي»، احتفاءً وتقديراً لإسهامات الفنان إبراهيم القاضي الفنية والإبداعية، الذي يعد أحد أهم رواد المسرح في الهند، إذ تبوأ مكانة عالية في المشهد الفني الهندي.

وقال وزير الثقافة خلال زيارته للفنان القاضي، إن «الأعمال الرائدة التي قدمها إبراهيم القاضي فتحت آفاقاً واسعة في مجالات المسرح والفنون في دولة الهند، وأنجبت جيلاً مميزاً من الفنانين»، مضيفاً أن القيم الشخصية التي حققها الفنان في المشهد الفني الهندي، إضافة إلى التزامه المستمر في تعليم الآخرين وتنمية مهاراتهم الثقافية، تجد تقديراً بالغاً في السعودية، وقال: «نفخر ونعتز بالفنان إبراهيم القاضي، الملقب بـ(أبو المسرح في الهند). وسعدتُ اليوم بتكريمه؛ وتأسيس (كرسي إبراهيم القاضي)، لتعزيز المشهد الثقافي السعودي محلياً ودولياً».

وأكد الأمير بدر بن فرحان، أن الوزارة لا تتوانى عن تكريم الفنانين والمبدعين يما يحقق التبادل الثقافي والفني، ويثري الساحة الثقافية والفنية، سواء محلياً أو دولياً، فالفنان إبراهيم القاضي، رمز للشراكة الثقافية بين المملكة والهند.

وإبراهيم القاضي الذي ينحدر من أصول سعودية من جهة والده حمد العلي القاضي، جمع صفات المخرج والممثل والرسام والمصور والشاعر والأديب، وكان له اهتمام بالتراث والثقافة والمقتنيات النادرة، وأطلقت عليه صفات وألقاب متعددة، فهو مؤسس الفنون، ورائد الإنتاج المسرحي وعملاق الأدب الهندي، وألف وأخرج أكثر من 50 مسرحية، وعد أول من قام بتنفيذ مسرحياته في الهواء الطلق، كما أقام وأسس منظمات تعنى بالفنون وتنمية المواهب، وسجل عنه أنه أشرك كبار الممثلين الهنود في مسرحياته، وبعضهم بدأ مسيرته معه عبر مسرحه. تلقى إبراهيم القاضي تعليمه في مدينة بونا، ثم انخرط بجامعة سينت خافير في بومبي، ثم التحق بالأكاديمية الملكية المرموقة لفنون الدراما في لندن، ومنح كثير من الجوائز، منها جائزة بادما ثلاث مرات، وجائزة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وعمل القاضي مديراً للمدرسة الوطنية للدراما في نيودلهي لمدة 15 عاماً، وخلال هذه الفترة جعل الإنتاج جزءا من التدريب، لضمان اطلاع الممثل على جميع جوانب الأداء - التمثيل، والأزياء، وتصميم الديكور وحتى التعامل مع شباك التذاكر.

وبصفته عميدا للكلية أحدث القاضي ثورة في المسرح الهندي بسمو رؤيته، ودقة انضباطه الفني، وشارك في تدريب كثير من الممثلين والمخرجين السينمائيين والمخرجين المعروفين. ويعرف عن القاضي مهارته في توظيف الموسيقى والممثلين والإضاءة المبتكرة لترك أثر دائم على الجمهور بعد إسدال الستار. ولعل تعليمه في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية الشهيرة في لندن أعطاه منظورا دوليا مكنه من دمج مختلف التخصصات في المسرح الهندي المعاصر. يقول أحد طلابه وهو ممثل بوليوود الشهير ناصر الدين شاه: «كانت مسرحياته المذهلة والمدروسة بدقة فريدة وجميلة بصورة اتحد فيها الموسيقى والنص والزي دون عناء. وقد ظهر هذا جليا في هذا جميع الأدب الدرامي، من اليونانيين إلى [صموئيل] بيكيت».

نيلام مانسينغ شودري، ممثلة مسرحية في شانديغار، لخصت خبرتها مع القاضي خلال عمله عميدا لكلية الدراما الهندية، قائلة: «انضممت إلى كلية الدراما الوطنية دون أن أعرف ما تعنيه كلمة (الدراما). علمني القاضي أن المسرح ليس هواية ولكنه مهنة، مهنة تتطلب التفاني مثلها مثل أي مهنة أخرى.

بعد الانتهاء من أداء دوري في المسرحية كنت أنزع عني ملابسي الشخصية وأندفع لمشاهدة بقية المسرحية. في الفضاء الخالي الهائل خلف الجمهور، وجدت القاضي يذرع المسرح ذهابا وإيابا من القلق. في كلية الدراما الوطنية كان القاضي يرفض أي نوع من التملق، وعدم لمس القدمين قبل المعرض، على سبيل المثال». وأضافت: «لقد تغلغل نفوذه حتى في الحياة اليومية لطلابه. في مكان إقامتنا كنت ترى الطلاب ممددين على المروج أيام العطلة الأسبوعية وكان القاضي يصل في السادسة صباحاً ويحثنا على القيام ببعض التمارين. في بعض الأحيان كان يدخل غرفنا بهدوء، يتفحص الملابس المتناثرة وأرف الكتب التي علاها الغبار، ويخرج بهدوء أيضا. كانت كراهية الفوضى، التي هي أمر طبيعي للغاية بالنسبة لنا، تبرز فجأة في عيون القاضي. وكانت زياراته تجعلنا دائما في نوبة من التنظيف». في عام 2006 أسس القاضي مؤسسة تحمل اسم عائلته السعودية، (مؤسسة القاضي)، التي تعنى بدراسة تاريخ الثقافة الهندية والحفاظ على إرثها، يقود أبناء إبراهيم القاضي جهودا حثيثة للحفاظ على أعماله الكاملة، إذ تشير ابنته أمل إلى أن «هذه الأشياء سريعة الزوال، لذا فإن الصور ومقاطع الفيديو ضئيلة. لا يتم تخزين المعلومات بشكل منهجي ولا توجد أرشيفات مناسبة للعروض التقديمية المهمة. عندما لم يتمكن أحد من العثور على أي شيء خاص به. أخذنا على عاتقنا جمعها».

وتضيف أمل: «ستفيد هذه المواد (الآن ضمن مؤسسة القاضي)، الطلاب والباحثين وكذلك الأشخاص المهتمين بالمسرح، وتعطي صورة لما كان عليه المسرح في السابق، والفنانون وكثير من الأشياء المتعلقة بالمسرح». هذه الأشياء ستحول إلى مكتبة نهرو، وستتضمن مؤسسة القاضي أيضاً مواد ومقالات وتقارير وصورا وكتيبات وأفلاما ومقاطع فيديو لتعليم الطلاب.

فاز القاضي بكثير من الجوائز الأكثر شهرة في الهند، مما خلق وعيا بأهمية المسرح والتعبير العصري المختلط بنجاح مع التقاليد الهندية. حصل على جوائز من بينها بادما شري (1966)، وبادما بوشان (1991)، وبادما فيوشوهان ثاني أعلى جائزة مدنية للهند في عام 2010. وقد منح مرتين جائزة أكاديمية سانجيت ناتاك، وأكاديمية الوطنية الهندية للموسيقى والرقص والدراما، كما حصل على جائزة أكاديمية سانجيت ناتاك للإخراج عام 1962، ثم حصل على أرفع جائزة أكاديمية، وهي زمالة أكاديمية سانجيت ناتاك لمساهمته في المسرح.

الأكاديمي والمسرحي وعضو اتحاد المسرحيين العرب، السعودي عبد الإله السناني، وصف الفنان القاضي بأحد أهم رواد المسرح الهندي بل والعالمي، معتبراً أن تكريمه وتأسيس كرسي باسمه من قبل بلاده التي ينحدر منها، هو إنصاف للمبدع السعودي وغيره، وتقدير لعطاءاته وأعماله التي أوصلها إلى العالمية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القاضي الذي يعد أهم رواد المسرح وحققت أعماله وأبحاثه نتائج لافتة وانعكس صداها في مجالات التصميم والإخراج المسرحي، يعد كنزا سعوديا في أرض الهند، لافتاً إلى أنه رجل متعدد المواهب فهو مخرج وممثل ورسام ومصور، سجل اسمه بصفته أحد الكبار في هذه الأعمال، وأكثرهم تأثيراً خلال القرن العشرين في شبه القارة الهندية.
الهند السعودية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة