«مدن تقنية» تزدهر في أميركا... وتفرز مخاوف من خرق الخصوصية

شركات تضع مشاريع متقدمة وتحصل على بيانات السكان

TT

«مدن تقنية» تزدهر في أميركا... وتفرز مخاوف من خرق الخصوصية

طوّر خبراء في مدينة كنساس الأميركية خوارزمية تتوقع مكان بروز الحفر على الطرقات، وتبعاً لأوامرها تتحرّك فرق الصيانة لتجديد أسطح الشوارع قبل ظهور التشققات؛ بينما يعمل جهاز استشعار يوضع في الشارع الرئيسي لتنبيه الشرطة عندما يركن سائق سيارته لمدّة طويلة، وعندها تصدر بحقه مخالفة مرورية.
في الأشهر الأخيرة، تحولت مدينة كنساس إلى وجهة غير متوقعة لشركات التقنية التي تبحث عن أماكن لاختبار أفكارها. والهدف: أن تتحوّل المدينة إلى ما يعرف بالمختبر الحيّ.

- مدن تقنية
تبنّت مئات المدن، الكبيرة والصغيرة، أو بدأت بالتخطيط، لتطبيق مشاريع المدن الذكية. ولكنّ المخاطر كبيرة، إذ يقول الخبراء إنّ المدن تفتقر غالباً إلى خبرة فهم الخصوصية والأمن وتكاليف هذه الترتيبات. يعترف بعض حكام المدن بأنهم يحتاجون إلى إتقان المسؤوليات التي تترافق مع جمع مليارات البيانات من السكان.
زادت هذه المخاوف مع تحضير مدينة كنساس لتوسيع تجربتها التقنية من وسط المدينة إلى الأحياء الفقيرة في الجهة الشرقية منها. وسيؤدي هذا التوسّع إلى تزويد المنازل بالاتصال اللا سلكي المجاني وعشرات كاميرات المراقبة وأنظمة لرصد إطلاق الرصاص. ولكن يشعر بعض السكان بالقلق المسبق من إمكانية تسليم زمام السيطرة على المدينة للشركات الخاصة وتعريض السكان لعواقب لا يفهمونها بشكل كامل.
في مدينة سياتل، بدأ المسؤولون هذا العام بتفكيك شبكة كاميرات مراقبة وأجهزة لا سلكية اعتبرتها الشرطة ضرورية لمحاربة الجريمة، ولكنّها أثارت الكثير من الشكاوى حول قدرة الشبكة على تعقّب الهواتف الخلوية. كما تمّ طرد عدد من المسؤولين في مدينة تورونتو الكندية الشهر الفائت لأنهم حاولوا الاستعجال في تنفيذ مشروع تقني كبير تقدّمت به شركة تابعة لـ«غوغل».
وفي مدينة أتلانتا، يتسبب المجرمون التقنيون المهرة في مشكلات كبيرة، حيث اخترق القراصنة شبكة «سيتي هول» هذا العام وطلبوا فدية لفكّ ترميزها.
ويقول داعمو فكرة «المدن الذكية» إن الفائدة كبيرة وإنّ بعض المدن قد تعزز قدرتها لإنقاذ حياة الناس. وتتضمّن الخطط التي لا تزال قيد التطوير بعض برامج الواقع المعزز التي من شأنها أن تساعد الإطفائيين في العثور على الأشخاص العالقين في المباني المحترقة، وتوظيف الروبوتات لجمع عينات الصرف الصحي لرصد استخدام الأفيون وتوجيه الخدمات المدنية إلى الأحياء التي تحتاج إليها.

- مخاطر واضحة
ولكنّ المخاطر واضحة أيضاً، فقد قال لي تيين، المحامي في منظمة «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن» غير الربحية التي يركز عملها على حماية الحقوق الرقمية: «المدن لا تملك المعرفة الكافية حول البيانات أو الخصوصية أو الأمن. تحمل الحكومات المحلية العبء الأكبر في الكثير من الواجبات، وفي حالات كثيرة تكون هذه الحكومات أشدّ غباءً أو كسلاً من أن تتحدث مع الأشخاص الذين يملكون المعرفة».
هذا الأمر ترك العاصمة واشنطن وعشرات المدن الأخرى في مرحلة اختبار السيارات الذاتية القيادة بينما تسعى مدينة أورلاندو إلى الاستفادة من طاقة الشمس لتزويد سياراتها الكهربائية بالطاقة الكهربائية. وتملك مدينة سان فرانسيسكو نظاماً يتعقب ازدحام الدراجات الهوائية، بينما تستخدم بالم بيتش بيانات ركوب الدراجة لتقرر أين ترسل عمّال كنس الشوارع، وتراقب منطقة بويز في أيداهو مكبات القمامة بواسطة طائرات الدرون. وأخيراً، تسعى مدينة أرلينغتون في تكساس إلى بناء نظام ترانزيت بناءً على البيانات التي تتلقاها من تطبيقات مشاركة وسائل النقل.

- أذكى مدينة
بدورها، تحاول مدينة كنساس تحديد مكانة لنفسها كأكثر مدينة متقدّمة في مجال التطور التقني. فقد روّجت لاستخدامها للتكنولوجيا بدعاية قوية، مدّعية أنّها «المدينة الأذكى» في البلاد. كما استضافت مؤتمرات دولية وقدّمت النصائح لمدن أخرى، وأصبح ابنها بوب بينيت، عملاق التقنية، الوجه العام لتحركها كمدينة ذكية.
وقال بينيت: «المدن التي تفشل في تقبل التكنولوجيا اليوم، وفي تقبل المقاربات المدعومة بالبيانات، ستبقى في حزام الصدأ بعد 20 عاماً من اليوم».
ينبع الكثير من تقدّم مدينة كنساس التقني من اختيارها عام 2011 كأول عاصمة إقليمية تحصل على «غوغل فايبر»، وهي خدمة إنترنت وتلفزة فائقة السرعة، وبدء تعاونها مع شركة «سيسكو سيستمز» (أنظمة سيسكو) عملاق التقنية في عام 2017.
في ذلك الوقت، كانت مدينة كنساس تحفر خندقاً أسفل الشارع الرئيسي «مين ستريت» لبناء خطّ سكة ترامواي. عندها، اقترحت شركة «سيسكو» على المسؤولين تمديد كابل للألياف الضوئية وأجهزة استشعار إلكترونية لمراقبة زحمة السير على اعتبار أن حفرة ستُحفر في الشارع بجميع الأحوال.
وحاججت «سيسكو» بأن أجهزة الاستشعار ستساعد شبكة «سيتي هول» في فهم سلوك المدينة بطريقة غير بارزة وبكلفة منخفضة نسبياً. كما بنت المدينة 25 كشكاً على طول خط ترامواي (3.5 كلم) لتأمين معلومات للسياح، ومددت شبكة واي - فاي عامة، كما ركّبت كاميرات مراقبة وأضواء ليد للشوارع مجهّزة بكاميرات أيضاً.
اقترضت المدينة جزءاً كبيراً من كلفة هذا المشروع التي بلغت 3.7 مليون دولار. وساهمت شركة «سبرينت» التي تدير شبكة الواي - فاي، بنحو 7 ملايين دولار، في حين بلغ استثمار «سيسكو» 5 مليارات دولار.
يراقب دهليز أسفل وسط المدينة اليوم كلّ ما يحصل على الطرقات التي تمتدّ فوقه على مستوى السيارات والمشاة ومساحات الركن، أمّا النظام اللا سلكي، فقد استخدمه نحو 2.7 مليون شخص.
ولكنّ بعض النتائج كانت متواضعة. فعلى الرغم من أن أجهزة الاستشعار متصلة بإشارات السير، فإنّ السائقين وفّروا ما يقارب 37 ثانية فقط من وقت سيرهم، حسب بيانات المدينة.
ومن المنتظر أيضاً أن يساهم جهاز لتوقع مواقع الجريمة مزود بخوارزمية تأخذ بعين الاعتبار كلّ العوامل من الاتصالات الواردة لقسم الطوارئ إلى أنماط الأحوال الجوية، في تراجع الاعتداءات في القسم الترفيهي من المدينة.
وتجمع شركة «سبرينت» البيانات من المستخدمين الذين يسجلون دخولهم في الشبكات اللا سلكية، وتضمّ هذه البيانات رموز البريد ونتائج البحث عبر شبكة الإنترنت والموقع. وكشف مسؤولو المدينة وخبراء البيانات أن بعض المعلومات كأرقام الهاتف وغيرها من البيانات التي قد تسهم في تعريف الهوية، تتوفر حتى إن لم يسجّل المستخدم دخوله في الشبكات اللا سلكية.
وبينما ترفض «سبرينت» مناقشة مسألة البيانات التي تجمعها وكيفية استخدامها، فإنها تقول إن عملها ضروري في مدن ككنساس، حيث يريد الناس الحصول على أحدث التقنيات.


مقالات ذات صلة

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

«مايكروسوفت» تطلق «Copilot Cowork» لتنفيذ مهام متعددة الخطوات في تحول نحو ذكاء اصطناعي يشارك فعلياً في إنجاز العمل داخل المؤسسات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

تُظهر دراسة أن الروبوتات يمكنها تعلم مهارات حركية معقدة من بيانات غير مكتملة ما يفتح آفاقاً جديدة لتدريب الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
TT

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية، خصوصاً المالية، مع توسع الأنظمة الرقمية التي باتت تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية. دراسة حديثة منشورة في «Electronic Government: An International Journal» تسلط الضوء على التحديات المتزايدة في هذا المجال، مشيرة إلى أن تعقيد البيئة الرقمية يجعل من الصعب الاعتماد على حل واحد لضمان الأمان.

توضح الدراسة أن الأنظمة المالية الرقمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدمين والمؤسسات والتشريعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاختراق نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، ما يجعل الحماية أكثر تعقيداً.

تركّز الدراسة على ثلاثة عناصر أساسية تشكل أساس أي نظام آمن وهي السرية وسلامة البيانات وإمكانية الوصول. فالسرية تعني حماية المعلومات الحساسة بحيث لا يتم الوصول إليها إلا من قبل المستخدمين المصرح لهم. أما سلامة البيانات تتعلق بالحفاظ على دقة المعلومات ومنع التلاعب بها. كما أن إمكانية الوصول تضمن أن يتمكن المستخدم الشرعي من الوصول إلى بياناته دون عوائق.

وتشير الدراسة إلى أن أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، أو إلى تراجع الثقة في الأنظمة الرقمية بشكل عام.

تهديدات تتطور بسرعة

تواجه الأنظمة المالية اليوم مجموعة متزايدة من التهديدات، أبرزها «التصيد الاحتيالي» (Phishing)، الذي يعتمد على خداع المستخدم للحصول على بياناته، إضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الأجهزة بشكل مباشر. كما تشير الدراسة إلى خطر «التهديدات الداخلية» حيث قد يأتي الاختراق من داخل المؤسسات نفسها، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء استخدام الصلاحيات. وتضيف أن الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف قواعد بيانات كاملة، أصبحت أكثر شيوعاً، مع وجود أسواق سوداء لبيع البيانات المسروقة. هذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل تتطور باستمرار لتتجاوز أنظمة الحماية المعروفة، ما يجعل من الصعب الاعتماد على أساليب الدفاع التقليدية فقط.

تتطور التهديدات السيبرانية بسرعة وتشمل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة والاختراقات واسعة النطاق (شاتوستوك)

الأنظمة التنظيمية... ضرورة وليست كافية

في مواجهة هذه المخاطر، تعمل المؤسسات المالية ضمن أطر تنظيمية صارمة تشمل التشفير والمصادقة متعددة العوامل والتدقيق المستمر. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توفر حماية كاملة.

فالقوانين والتقنيات يمكن أن تقلل من المخاطر، لكنها لا تلغيها. إذ تبقى هناك فجوة بين ما يمكن للنظام التقني تحقيقه، وما يمكن أن يحدث نتيجة سلوك المستخدم أو تطور الهجمات.

العامل البشري... الحلقة الأضعف

من أبرز ما تؤكد عليه الدراسة أن المستخدم نفسه يمثل أحد أهم نقاط الضعف في النظام. فحتى مع وجود أنظمة حماية متقدمة، يمكن لخطأ بسيط مثل الضغط على رابط مزيف أو استخدام كلمة مرور ضعيفة أن يؤدي إلى اختراق كامل. وتشير النتائج إلى أن التوعية تلعب دوراً محورياً في تقليل هذه المخاطر. فتعليم المستخدمين كيفية التعرف على محاولات الاحتيال، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم إعادة استخدامها عبر منصات مختلفة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستوى الأمان.

بناءً على ذلك، تقترح الدراسة أن حماية البيانات المالية يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التكنولوجيا، والتنظيم، والسلوك البشري.

فبدلاً من التركيز على أداة واحدة، يجب بناء نظام متكامل يأخذ في الاعتبار جميع نقاط الضعف المحتملة. وهذا يشمل تطوير تقنيات أكثر ذكاءً، وتحديث التشريعات بشكل مستمر، وتعزيز وعي المستخدمين.

الثقة عامل حاسم

لا تتعلق المسألة فقط بحماية البيانات، بل بالحفاظ على الثقة في النظام الرقمي ككل. فكل اختراق لا يؤثر فقط على المستخدم المتضرر، بل ينعكس على ثقة المستخدمين الآخرين في الخدمات الرقمية.

وتحذر الدراسة من أن فقدان هذه الثقة قد يكون له تأثير أوسع على الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي اليوم على التعاملات الإلكترونية.

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي في حماية البيانات المالية لا يكمن في تطوير تقنيات جديدة فقط، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومة أوسع تشمل الإنسان والتنظيم.


«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.


وداعاً لكلمات المرور... جمجمتك قد تفتح حساباتك

يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
TT

وداعاً لكلمات المرور... جمجمتك قد تفتح حساباتك

يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)

في خطوة قد تُنهي معاناة تذكّر كلمات المرور، طوّر باحثون أميركيون نظاماً أمنياً مبتكراً يعتمد على اهتزازات الجمجمة الناتجة عن التنفس ونبضات القلب بوصفها وسيلة فريدة لتسجيل الدخول دون الحاجة إلى كلمات مرور.

وحسب مجلة «نيوزويك»، يحمل النظام، الذي طوره باحثون من جامعة روتجرز، اسم «فايتال آي دي VitalID»، ويعمل من خلال التقاط اهتزازات منخفضة التردد تنتج طبيعياً عن التنفس ودقات القلب، تنتقل عبر الرقبة إلى الجمجمة، حيث تتأثر بشكلها وسمكها، وكذلك بالعضلات والدهون في الوجه، ما يخلق نمطاً فريداً لكل شخص، ويجعلها بصمة حيوية يصعب تقليدها.

وفي حال اعتماد هذه التقنية تجارياً، فستُمكّن التقنية مستخدمي أجهزة الواقع الممتد (XR) من الوصول إلى المنصات المالية والسجلات الطبية وغيرها من الأنظمة دون الحاجة إلى تسجيل الدخول فعلياً.

والواقع الممتدّ (XR) هو مصطلح شامل يدمج العوالم الحقيقية والافتراضية عبر التكنولوجيا، ويضم تقنيات الواقع (المعزز، والافتراضي، والمختلط).

وقالت مؤلفة الدراسة وأستاذة الهندسة يينغ تشين في بيان: «في هذا العمل، نقدم أول نظام تحقق وسهل الاستخدام ومدمج في تقنية الواقع الممتد يعتمد على توافقيات الاهتزازات الناتجة عن العلامات الحيوية للمستخدمين، وهو نظام لا يتطلب أي جهد من المستخدم».

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 52 مستخدماً ارتدوا نظارات واقع ممتد على مدار 10 أشهر، حيث أظهرت النتائج قدرة النظام على التعرف على المستخدمين بدقة تتجاوز 95 في المائة.

وتأتي هذه التقنية في وقت يتوسع فيه استخدام تقنيات الواقع الممتد في مجالات متعددة مثل الطب والتعليم والعمل عن بُعد، ما يزيد الحاجة إلى حلول أمنية متطورة.

وتتجاوز أنظمة الواقع الممتد نطاق الألعاب لتشمل قطاعات أخرى متنوعة، مثل التمويل والطب والتعليم والعمل عن بُعد، حيث بات الأمن ذا أهمية بالغة.

وقالت تشين: «سيلعب الواقع الممتد دوراً محورياً في مستقبلنا. وإذا أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، فلا بد أن يكون نظام التحقق آمناً وسهل الاستخدام».