رواية منطقة الجنوب السعودية.. مجرد سير ذاتية ومذكرات؟

روائيون يتحدثون عن ملامحها المميزة وخصوصياتها

مشهد من مدينة عسير
مشهد من مدينة عسير
TT
20

رواية منطقة الجنوب السعودية.. مجرد سير ذاتية ومذكرات؟

مشهد من مدينة عسير
مشهد من مدينة عسير

هل يمكن الحديث عن سياق موضوعي للرواية السعودية التي أنتجها روائيون ينتمون لمنطقة الجنوب السعودية؟ وتبعا لذلك؛ هل يمكن تصنيف السمات الفنية لهذه النوعية من الروايات؟ وكيف تحضر البيئة الجنوبية في الأعمال السردية السعودية خاصة أن هناك عددا كبيرا من هذه الأعمال كتبها أبناء هذه المنطقة؟ في هذا الاستطلاع، يتحدث عدد من الكتاب عن ملامح هذه الرواية وسماتها وما يميزها عن «رواية المدينة».
في البدء، يقول الروائي أحمد الدويحي: «إنني ضد تصنيف الرواية ما بين جنوبية وغير جنوبية وضد تجنيس الرواية عربية وسعودية، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك سمات تجسدت في الرواية الجنوبية التي كان من أول كتابها عبد العزيز مشري الذي جسد القرية الجنوبية في رواياته وأعماله، واستحضر في أعماله القرية بشكل حميمي، وقدم نموذج القرية في مواجهة الحضارة وجدران الإسمنت مقارنا بين الحجر الجنوبي ومعتقدات أهل الجنوب في أن الإنسان لا يبني بيته إلا من حجارة أرضه، متناولا دور البيوت الشعبية في التأثير على العلاقات الإنسانية».
ويضيف الدويحي: «كما قدم يحيى سبعي من جازان في روايته (ساق الغراب) سردا عن المنطقة الجنوبية ودلالات ذكية نقل من خلالها التكنيك الفني في روايته إلى معنى آخر أكثر عمقا مما أراد أن يجسده عبد العزيز مشري، إذ تحدث عن الصدام الحضاري ومقارنة بين الإنساني والأفكار المتشددة. في حين قدم علي الشدوي في روايته (شرقيون في جنوب الجزيرة العربية) ذات التكنيك والسياق وفلسفة عميقة استحضر فيها المنطقة وشواهدها الحضارية، كما قدم خالد المروي في روايته (مصابيح القرى) استحضارا تاريخيا عن الاستعمار التركي للجزيرة العربية، وكذلك طاهر الزهراني في روايته (نحو الجنوب) التي تأثر فيها بالطيب الصالح في روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) وفيها يدعو الإنسان الجنوبي للعودة إلى الجنوب. والتكنيك الروائي لدى الشدوي بتناول المجتمع الجنوبي بطريقة أكثر شمولية وعمقا ووعيا بالرواية. وكذلك ظهر الكثير من كتاب الرواية في المنطقة الجنوبية، ومنهم إبراهيم شحبي وإبراهيم مضواح وعلي شدوي وكم هائل من كتاب القصة وكاتبات مثل نورة الغامدي وعبير العلي وغيرهن، حيث كان الجميع يدور في فلك واحد هو تلمس ملامح القرية الجنوبية ومعاناة إنسانها».
وعن نتاجه الروائي، يقول: «بالنسبة لي، قدمت سبع روايات كنت أولها (ريحانه بحس الاغتراب) ثم (أوان الورد)، وثلاثية (المكتوب)، و(وحي الآخرة) و(مدن الدخان) و(غيوم امرأة استثنائية).. ملامح المكان ومعاناة الإنسان والشواهد التاريخية من أهم سمات الرواية الجنوبية».

* حين يطغى المكان
من جهتها، قالت الروائية عبير العلي إن «الجنوب جهة شاسعة من وطن الروح وعسير قلبها النابض وتعمدت أن أنكه به روايتي (الباب الطارف) وأعمدها ملامح عسير وبعضا من ناسها بلكنتهم وحياتهم وتفاوت طباعهم، وإبراز المكان كان هدفا اعتنيت به، بدءا من تفاصيل غرفة منزوية في منزل قديم حتى فضاء أبها الحالم. ولأنني ابنة هذا المكان ومن أحبته، فحتما سيكون للجنوب بمختلف اتجاهاته ورسمه نصيبا مما أكتب».
بينما يقول الروائي إبراهيم شحبي: «لا نستطيع أن نقول إن لدينا رواية بالمعني الحقيقي فالروايات الموجودة قليلة إذا استثنينا روايات عبد العزيز مشري، فلدينا شح في الروايات»، مبينا أن المكان حاضر بقوة في كل الروايات الجنوبية، بدءا بروايات مشري ونهاية بالروايات التي لم تكتب.
لكنه يستدرك بقوله: «أعتقد أن لدينا فقرا في الأرضية الثقافية بشكل عام. وأن القصور في الثقافة الروائية مؤثر في توجه كتاب الرواية للمكان، فالمكان أشبع في جل الروايات تقريبا. أما بالنسبة لي، فقد كتبت ثلاث روايات واعتبرتها فاشلة، فأنا أعتبر أن النجاح ليس بحجم الحضور وإنما بحجم الانتشار مقارنة بالروايات في البلاد العربية وحجم النقد. فنجاح رواية (الحزام) لأحمد أبو دهمان، مثلا، سببه وجود الكاتب في مكان مثل فرنسا، على الرغم من أنه كتب عن المنطقة الجنوبية».
ويضيف: «لدي إحساس أن صاحب الموهبة سيكتب، ويجب أن يتسلح بالتاريخ المعرفي الثري الذي سيعزز نجاح روايته؛ فوجود المساحات المعرفية والتاريخ الثقافي والأسطوري للأرض يفتح آفاقا جديدة. وبالطبع، الرواية الجنوبية ليست في معزل عن الرواية السعودية، لكن أغلبها يتسم بالمناطقية والسير الذاتية، ولا بد من خطوة نحو الأمام للتغيير والابتكار في العمل الروائي التقليدي».

* الرواية القروية
بينما أكد الروائي خالد المرضى أن لكل منطقة جغرافية سماتها الخاصة، ولذلك فالروايات التي كتبت في المنطقة الجنوبية لها سمات خاصة أيضا، حيث كتب عن القرية بشكل تفصيلي، وقد ظهرت بوادر هذا الأمر في روايات عبد العزيز مشري، الذي يعد رائدا في الحديث عن القرية.
وقال: «أتحفظ على تصنيف الرواية بالجنوبية فهي (الرواية القروية)، إذ إن الرواية هي بنت المدينة، لكن الروايات الجنوبية التي ظهرت غيرت النظرة نحو القرية، وأفرزت خيوطا لحبكات روائية وتجارب روائية تعد نقلة في عالم الرواية».
وتابع المرضي: «كتاب المنطقة الجنوبية اتفقوا في الحديث عن القرية والكتابة عنها، واختلفوا في الأفكار والشخصيات وطريقة الطرح. فكتاب الجنوب هم من أول كتاب المملكة في عالم الرواية، حيث الرواية عمل وليست مجرد حكاية، وهي عمل يتناول الشخصيات والعمق الفلسفي؛ سواء أكان في القرية أو المدينة، وخبرات الكتاب السعوديين في الرواية لا تتجاوز الـ50 سنة، بينما كتبت الرواية في الغرب منذ أكثر من 250 عاما، ولكن الرواية في السعودية وصلت إلى مواقع مميزة، فهي موجودة وبعمق، وهذا ما لمسناه في روايات عبده خال ورجاء عالم وغيرها من الروايات التي تصدرت في أفكارها وطريقة طرحها».
بينما يضيف الدكتور عبد الرحمن بن حسن المحسني، وهو ناقد من جامعة الملك خالد في عسير جنوب المملكة، بالقول: «لا أعتقد أن الطبيعة وحدها هي ما يميز الحكي هنا، فهناك معطيات تبدو في بعض ما يكتب، حيث الخط السياسي الآيديولوجي كان حاضرا بقوة عند عبد الله ثابت في (الإرهابي 20).. والخط الاجتماعي الحداثي في الكتابة حضر في (جبل حالية) لإبراهيم مضواح الألمعي مثلا».
ويضيف: «المكان في ظني لم يتشكل في كتابة الروائيين الجنوبيين، وعلى خلاف مدينة كالرياض التي حضرت في (بنات الرياض) لرجاء الصانع، ومكة التي حضرت تفاصيلها عن رجاء عالم وعبد الله التعزي.. وجدة التي حضرت بقوة في روايات ليلى الجهني.. على خلاف هذا الحضور المكاني لم تكتب أبها في عمل روائي يكشف عمقها المتخفي في تسميات مستفزة للبعد الكتابي مثل (حي النصب) و(حي المنسك) مثلا.. وأتمنى أن لا تبقى طويلا بعيدة عن عمل روائي حفري يفجر طاقات المكان الروائية».
ويضيف: «يحتاج الروائي السعودي بنحو عام وفي الجنوب خاصة، أن يفقه مفهوم العمل الروائي الذي يتباين عن القصة الطويلة، ويبنى على رؤية استراتيجية تحرك مسار الرواية، وهو ما تفتقده جل الروايات السعودية». مبينا أن أزمة الرواية السعودية تكمن في المضامين، التي ما زالت تئن تحت وطأة القضايا الاجتماعية التي جعلت كثيرا من الروايات السعودية نسخا مطورة عن بعضها.

* الطبيعة والأرض
ويرى الأديب والكاتب يحيى العلكمي أن ما يميز الرواية الجنوبية هو التصاقها بالأرض، وتعلق الروائي بالطبيعة الاجتماعية وآمالها وآلامها فشخوص الروائي الجنوبي حميمة ووادعة، وقلما يكتب الروائي في الجنوب رواية عنيفة أو تكثر فيها الصراعات، فهي تتماهى مع الطبيعة ومع الناس وحياتهم اليومية، ولديها حنين إلى الماضي، وتكريسه بأخطائه ونجاحاته، كما أن نظرتها إلى المستقبل نظرة ليست بعيدة؛ فلا تستشرف المستقبل وتكتفي بالواقع.
ويعتقد العلكمي أن معظم الروايات الجنوبية عبارة عن سير ذاتية ومذكرات، ولكن الاختلاف والتميز برز في روايات محمد حسن علوان في خروجه عن المألوف إلى مقاربات اجتماعية وسياسية واقتصادية خارج نطاق اليوم المعتاد.
أما الأديب أحمد التيهاني فيقول: «لم أعثر على روايات مبكرة تمثل طور نشأة هذا الفن بهذه المنطقة, وتكون موازية - زمنيا - للروايات السعودية الأولى, وذلك أمر بديهي إذا نظرنا إلى أدب هذه الجهة بوصفِه جزءا من الأدب السعودي؛ إذ كان رواد الأدب في المملكة العربية السعودية ينتمون إلى مناطق أخرى هي أكثر قدرة على تقبل هذا الفن الجديد، وذلك لما تهيأ لأدبائها من أسباب الاطلاع على تجارب نظرائهم في البلاد العربية المجاورة, ولأن أدباء الحجاز - على وجه الخصوص - كانوا أقرب إلى الانفتاح على الفنون الجديدة، ذلك أن الفن الروائي مرتبط بالتطور الاجتماعي الذي كانت الحجاز أسبق إليه لأسباب معلومة، وهو - كالفنون الأدبية الأخرى - يرتبط بالتحولات الاجتماعية السريعة، والاضطرابات غير المألوفة, وقد كانت الحجاز الأسرع نموا، وتطورا، ولذا بادر الحجازيون إلى الأنواع الأدبية الجديدة قاصدين ذلك, فقد كان هناك نوع من الرفض لهذا الفن في بدئه الأول، ولذلك أسباب تتعلق بكون الرواية تعتمد على تعقيدات العلاقة بين الجنسين التي يرفضها المجتمع السعودي ولعلاقتها - في تاريخها - بنقد الثابت الاجتماعي والعقدي, فضلا عن كونها فنا دخيلا على العربية يحتاج إلى التمكن, والوعي, قبل ممارسة الكتابة».
ويضيف: «الحق أن تأخر ظهور الرواية عند أدباء عسير كان سببا في حرق المراحل, وهي سمة إيجابية حين ينظر إلى الأعمال الروائية من ناحية النضج الفني، لا من ناحية الريادة التاريخية, ولذا لم تمر الرواية في عسير - عند النظر إليها بوصفها جزءا من الفن الروائي السعودي - بما سماه البعض (المعيار الزمني) ، ويقصد به أولية الإنتاج وريادته, ولم تشهد الرواية في عسير مراحل الإرهاصات الأولى التي لا تكون على درجة عالية من النضج, كما أنها لم تشهد ما يتبع البدايات من التراخي, والانحسار, اللذين قد يحدثان نتيجة عدم مواءمة الجنس الأدبي للواقع الاجتماعي, وإنما ظهرت ناضجة بوصفها حلقة في سلسلة مراحل نشأة الرواية السعودية».



مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
TT
20

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من إمارة الشارقة، ويمتدّ على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة. بدأ استكشاف مليحة في عام 1986، وخرجت حملات التنقيب فيه بمجموعة كبيرة من اللقى الأثرية تشهد لتعدديّة مثيرة في الأساليب الفنية المتبّعة، منها مبخرة من الحجر الجيري لا تشبه المجامر الأثرية التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الخاصة بالإمارات.

تعود هذه المبخرة إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويبلغ طولها 30 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وهي مكونة من قاعدة أسطوانية عريضة يعلوها عنق طويل يحمل الإناء المخصص لاحتواء الجمر والبخور وما شابه من الطيوب. تنتصب هذه القاعدة على ثلاثة قوائم مقوّسة بشكل طفيف، وتشكّل نصف فلكة تمتدّ قمّتها أفقياً، مشكّلةً مجسّماً مستطيلاً تحيط به ثلاثة تماثيل أنثوية متجانسة. يعلو هذا العنق حوض أصغر حجماً يتّصل بإناء تحيط به كذلك ثلاث هامات أنثوية. تزيّن هذه المبخرة حلّة لونية صبغت بالأحمر القاني، تتمثّل في سلسلة من العقود الزخرفية. تؤلّف هذه العقود شبكة تتكون تباعاً من دوائر تنعقد أفقياً حول الكتل التي تتكوّن منها المبخرة.

تزيّن القاعدة ستة عقود متناغمة. تحضر الدائرة الأولى على شكل خط رفيع. وتحضر الثانية على شكل شريط تعلوه شبكة من الخطوط العمودية المرصوفة كأسنان المشط. وتحضر الثالثة على شكل شريط تعلوه شبكة من المثلّثات. وتحضر الرابعة على شكل مماثل للثانية، وتعلوها دائرتان متشابهتان، تتكوّن كلٌّ منهما من عقد تزيّنه سلسلة من الخطوط اللولبية. في المقابل، تزيّن العنق حلّة مماثلة انمحت وبقي منها أثر طفيف، ويزيّن الحوض شريط من المثلّثات يعلوه شريط من الخطوط اللولبية، وتزيّن الإناء كما يبدو شبكة من الدوائر المجردة بقي منها طيفها.

تتماثل المجسّمات الأنثوية التي تحيط بعنق قاعدة المبخرة، وتحضر كلّ منها على شكل امرأة جاثية على ركبتيها. يتميّز الرأس بحجمه الكبير قياساً إلى الصدر، وتتكوّن ملامحه من عينين لوزيتين ضخمتين، وأنف عريض ينساب من أعلى الجبين، وثغر صغير يفصل بين شفتيه شقّ بسيط. تعلو هذا الوجه كتلة مقوسة تزيّنها سلسلة من الخصل الناتئة، مع فارق في الوسط الأعلى يرسم تسريحة الشعر. يستقرّ هذا الرأس فوق عنق عريض يعلو صدراً ناتئاً غاب تكوينه تحت رداء عريض. الذراعان مسدولتان وملتصقتان بالصدر، واليدان معقودتان عند حدود الركبتين، والساقان غائبتان وذائبتان في كتلة القاعدة. تتماثل كذلك الهامات التي تحيط بأعلى المبخرة، وتشابه وجوه القامات التي تحيط بقاعدتها إلى حد التطابق.

تزيّن كلًّا من هذه المجسمات الأنثوية الستة حلّةٌ لونية بالأحمر القاني المعتمد في هذه الصياغة، وتتمثّل هذه الحلّة في خطوط تحدّ العينين، وخطوط تنعقد حول العنق، وخطوط ترتسم عمودياً فوق الرداء الذي يكسو الصدر العارم. تتآلف هذه الخيوط مع تلك التي تؤلف الحلة الزخرفية، وتشكّل معها حلّة واحدة متناغمة تسبغ على هذه القطعة طابعاً خاصاً.

خرجت من مواقع الإمارات الأثرية مجموعة من المجامر والمباخر، تقابلها مجموعة أخرى خرجت من مواقع سلطنة عُمان التي شكّلت مع الإمارات في الماضي وحدة جغرافية وثقافية. واتبعت هذه القطع الأنماط والأساليب المحلية التي سادت في نواحي الجزيرة العربية. في هذا الميدان الثري، تخرج مبخرة مليحة الأنثوية بمكوناتها عن هذا السياق، وتبدو فريدة من نوعها. تتبع هذه القطعة الجميلة كما يبدو أسلوباً خاصاً مصدره بلوشستان، أي بلاد البلوش التي تقع في جنوب غربي آسيا، على طرف الهضبة الإيرانية. تمتد هذه البلاد بشكلٍ أساسي في مناطق واسعة تشمل اليوم أقصى الجنوب الشرقي من إيران، والجزء الجنوبي الغربي من باكستان، وفي جزء من جنوب أفغانستان، وهي في الميراث الأدبي بلاد مكران المطلّة على بحر العرب، ذكرها الإصطخري في «المسالك والممالك»، وقال إنها إقليم واسع من أعمال السند، ولسانها الفارسية.

تحتلّ مليحة مكانة خاصة في خريطة مواقع الإمارات الأثرية، وتكمن هذه الخصوصيّة في تعدّديتها الثقافية التي تشهد لها اللقى الأثرية المتنوعة التي خرجت منها منذ انطلاق أعمال المسح المتواصلة فيها في عام 1986. تعكس مجموعة كبيرة من هذه القطع طابع جنوب الجزيرة العربية، وتعكس مجموعة أخرى الأثر الهلنستي الذي بلغ هذه الناحية من شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، ونقع على مجموعة مغايرة تحمل طابع بلاد الهند والسند بشكل جليّ، وتعود مبخرة مليحة بمجسماتها الأنثوية إلى هذه المجموعة بشكل لا لبس فيه.

شكّلت الإمارات وسلطنة عُمان في الماضي السحيق قطباً من أقطاب بلاد ماجان التي ورد ذكرها في نقوش بلاد ما بين النهرين الكتابية، وضمّت هذه البلاد مكران. شكّل إقليم عمان الجزء الغربي من مجان، وشكّلت مكران الجزء الشرقي، ومع مرور الزمن اندثرت ماجان، غير أن التواصل بين جزأيها ظلّ حياً على مدى قرون، وشواهده الفنية عديدة في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، وتُعدّ مبخرة مليحة الأنثوية من أجمل هذه الشواهد وأبلغها.