آلاف المدنيين يغادرون الباغوز مع اشتداد المعارك ضد «داعش»

«الشرق الأوسط» ترصد خروجهم إلى مناطق آمنة

نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
TT

آلاف المدنيين يغادرون الباغوز مع اشتداد المعارك ضد «داعش»

نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)

بوجوههم المتعبة، وملابسهم المهترئة، وحقائب شبه خاوية وُضّبت على عجل، احتوت على قليل من اللوازم الشخصية وكثير من القهر والحزن والانكسار، يروي سكان قرية الباغوز الواقعة أقصى شرق سوريا أيامهم الأخيرة على وقع اشتداد المعارك العنيفة، المترافقة بقصف الطيران الحربي وسقوط قذائف الهاون والمدفعية.
ذاك النزوح الصعب، حيث لم يتوقع سكان تلك القرية المحاصرة من جهاتها الأربع، «النجاة»، وتمنوا لو أنه كان مجرد كابوس شتوي سيمر عليهم؛ دون أن ينخر البرد عظامهم في الواقع ويجبرهم على المبيت في العراء، ولم يسلم الذين فروا من الباغوز من قسوة الشتاء؛ إذ فتكت كثبان الرمال والرياح الشديدة الممتزجة بغبار الصحراء، بأجسادهم النحيلة وبنيتهم الهزيلة وأطرافهم المشدوّدة من البرد، وكانت بشرتهم الجافة الشاحبة تروي تفاصيل فرارهم من قبضة تنظيم داعش الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تقول فاطمة (45 سنة) المتحدرة من مدينة البوكمال التابعة لمحافظة دير الزور وتقع أقصى شرق سوريا، حيث وصلت للتو إلى نقط آمنة تقع على بعد ثلاثة كيلومترات شمال شرقي الباغوز: «حقيقة كان كابوساً مخيفاً، عندما خرج مئات الناس كان أشبه بيوم الحشر، فالرصاص كان فوق رؤوسنا والطائرات كانت تحلق بالسماء، كان الموت بيننا وفوقنا وبكل مكان».
التفتت حولها لتتفقد بناتها وطفلها الرضيع وجارتها العراقية شيماء، وكانت تبلغ من العمر خمسين عاماً، والتي أوصتها الاهتمام بها طوال رحلة العبور، لتقول: «من يومين ما عرفنا طعم النوم والراحة»، طلبت المياه للشرب ثم رفعت نقابها الأسود ليظهر وجهها الشاحب الممتلئ بالتجاعيد من قسوة الظروف، وعند حديثها اغرورقت عيونها بالدموع، لتضيف: «حرمنا من مياه الشرب لأيام بسبب القتال وخوفنا من قناصة (داعش)».
وفرَ المئات ليل الاثنين - الثلاثاء الماضي من الأمتار الأخيرة المتبقية تحت سيطرة تنظيم داعش، وتواصل: «قوات سوريا الديمقراطية» المرحلة الأخيرة من هجومها الهادف لإنهاء وجود التنظيم.
ونقلت عتاب، وهي سيدة في بداية عقدها الرابع، المتحدرة من مدينة الأنبار العراقية، كيف تمكنت من الفرار رفقة زوجها وأطفالها الخمسة، وقالت: «زوجي يعمل في تجارة المواد الغذائية وقرر المجيء إلى سوريا، افتتح محلاً في بلدة الشعفة، وبعد اندلاع المعارك هناك، نزحنا للباغوز، خفنا نهرب لأن الدواعش قالوا إن الطريق مزروعة بالألغام».
توقفت عن الكلام، نظرت إلى أطفالها وتابعت حديثها بصوت ممزوج بالقهر والحزن لتقول: «خوفي على أطفالي دفعني للهروب، لم أتمكن من اصطحاب أي شيء معنا، حتى ثيابهم التي يحبونها لم أجلبها معي، تركنا كل شيء خلفنا ونجونا بأرواحنا».
وتمكن البعض من الفرار إما سيراً على الأقدام قاصدين المنطقة المحرمة بين سوريا والعراق المجاور، أو نحو الممر الآمن الذي تمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» من فتحه بداية معركة الباغوز المستمرة منذ 9 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مصطفى بالي، مسؤول المكتب الإعلامي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، إنهم تمكنوا من فتح ممر آمن لإجلاء المدنيين من الباغوز، والمعبر يقع على بعد 3 كيلومترات شمال شرقي قرية الباغوز بمحاذاة المنطقة المحرمة بين سوريا والعراق، «يومياً هناك مدنيون يعبرون ومنذ فتحه خرج أكثر من 30 ألفاً، لكن اللافت خروج نحو 1500 مدني»، مشيراً إنّ الفارين يتحدثون عن وجود الآلاف من المدنيين محاصرين جراء المعارك المستعرة، وأضاف: «سيؤثر هذا بشكل مباشر على سير المعركة وحسمها، قواتنا ملتزمة أخلاقياً بعزل المدنيين عن الاشتباكات، وتتعاطى بحذر مع هذه المعركة، ونعلم أن (داعش) يحتمي بالمدنيين ويتخذهم دروعاً بشرياً»، على حد تعبير مصطفى بالي. ويقول عبد الجبار، الرجل الأربعيني المتحدر من حلب شمالي سوريا، كيف أجبر على ترك مدينته بداية عام 2014 بعد اشتداد المعارك وانقسامها بين شطر خاضع للقوات الحكومية الموالية للأسد، وآخر تسيطر عليه فصائل الجيش السوري الحر وتنظيمات إسلامية، وقال: «قصدت بلدة هجين وبعد اشتداد المعارك فيها، نزحت إلى الباغوز، أنا أعمل في مجال تصليح الدراجات النارية والهوائية، كنت مطلوباً للنظام وأجبرت على ترك مدينتي».
ويروي عبد الجبار الصور المثقلة التي رافقت فراره من الباغوز والمشي وسط الانفجارات الشديدة، وعن طريق رحلته المحفوفة بالمخاطر يقول: «بالبداية الدواعش أرعبونا، قالوا لنا إن كل الطرق مفخخة والطيران يقصف بشدة، خرج مئات المدنيين وقررنا المسير معهم، وين ما يروحوا نروح معهم، والحمد لله نجونا ولم يصب أحد بأذى».
وكشف مصدر مطلع، أن وجهاء عشائر من أبناء الباغوز وناحية السوسة، عرضوا وساطة بين الطرفين للتوصل إلى هدنة، تفضي بتحييد المدنيين من المعارك العنيفة والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين لدى «داعش»، إلا أن عناصر التنظيم طلبوا ممراً أمناً لنقل مقاتليه إلى مدينة إدلب غربي سوريا والخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام – جبهة النصر سابقاً – وتعد الفرع السوري لتنظيم القاعدة المحظور.
وبحسب المصدر، كانت طلبات «قوات سوريا الديمقراطية» الإفراج عن كافة الأسرى والرهائن والسماح للمدنيين الراغبين في الخروج بالعبور نحو مناطقهم، وقال: «سيما مقاتليه الذي سقطوا خلال المعارك الأخيرة، وجميع المختطفين والرهائن الذين في قبضة التنظيم ولا يزالون على قيد الحياة، وطلبوا الكشف عن أسمائهم ومصيرهم»، مشيراً إلى أن عناصر التنظيم أصروا على فتح طريق إلى إدلب: «لكن (قسد) رفضت ذلك، وفي الجولة الثانية تنازل التنظيم عن شروطه وطلب الطعام ومياه الشرب فقط، لكن (قسد) أعلنت استئناف القتال وقررت المضي في المعركة».
وقال ياسر (35 سنة) ويعمل سائق سيارة نقل، إن أكثر من 20 سيارة قامت بإجلاء المدنيين.
وقالت ليلوى العبد الله المتحدثة باسم حملة «عاصفة الجزيرة» للقضاء على آخر جيب خاضع لسيطرة التنظيم، إن معركة «دحر الإرهاب» باتت قاب قوسين لحسمها، وأوضحت أن اشتباكات مباشرة تدور بين قواتها وعناصر «داعش» في شوارع الباغوز، وعن المساحة الخاضعة لسيطرة عناصر التنظيم، قالت: «لا توجد مساحة محددة لديه، الاشتباكات تدور في الجهة الشرقية ولا تفصلنا سوى أمتار قليلة»، وكشفت أنّ جنسيات هؤلاء المقاتلين من الأجانب ولديهم خبرة كافية في قتال الشوارع والمناورة لكسب عامل الزمن،. وقال سعدون المتحدر من مدينة القائمة العراقية المواجهة لقرية الباغوز: «هربنا من الحشد الشعبي الشيعي إلى بلدة السوسة، وبعد اشتداد المعارك واقتراب قوات قسد أجبرنا التنظيم تحت قوة السلاح الخروج إلى الباغوز وكانوا يقول لنا إن الكفار سيقتلون الجميع»، وفي نقطة قريبة من خطوط الجبهة تبعد نحو 3 كيلومترات شمال الباغوز، قال عمر المكنى بـ«أبو زهرة»، وهو قيادي عسكري ميداني من «قوات سوريا الديمقراطية» إنّ الهجوم المضاد مستمر منذ إعلان استئناف الحملة السبت الماضي، «تدور اشتباكات عنيفة شرقي الباغوز ونحن حالياً نتقدم لتمشيط آخر الأمتار الخاضعة لسيطرتهم»، مشيراً إلى أن أقل من ربع القرية لا تزال تحت سيطرة المتشددين، لافتاً: «يصدون الهجمات بالقناصة وعبر التنقل بين الأنفاق التي حفروها، كما عمدوا إلى زرع الألغام والمفخخات والتي تبطئ من حسم المعركة».
وتستغرق رحلة العبور من قرية الباغوز حتى مخيم الهول التابع لمدينة الحسكة أكثر من 48 ساعة، بسبب إجراءات التفتيش والتدقيق في هويات الأشخاص الفارين خشية من تسلّل المقاتلين المتطرفين بين المدنيين.
وفي نقطة بالجانب الحدودي السوري، تبعد أمتار قليلة عن ساتر ترابي بالمنطقة الفاصلة بين سوريا والعراق المجاور، يقف مجموعة من الجنود الأميركيين ومسؤولين من قوات التحالف الدولي وقادة عسكريين من «قوات سوريا الديمقراطية»، يبدو أنها نقطة تفتيش.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.