الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

معرض استعادي في لندن لأعمال المصور البريطاني دون ماكالين يسجل لقطاته في فيتنام وبيروت والعراق

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
TT

الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)

المصوّر البريطاني سير دون ماكالين جاب أنحاء العالم حاملاً كاميرته العتيقة، والتقط آلاف الصور التي سجّلت فيما بينها أهم الصراعات السياسية في العام، استحق بجدارة أن تحتفل به بريطانيا بمعرض استعادي لصوره يقام حالياً بمتحف «تيت بريتان»، وببرنامج حافل يصاحبه يضمّ لقاءات مع المصوِّر الشهير وندوات حول عمله. وربما لأن المصور المخضرم استطاع بلقطات كاميرته نقل صراعات العالم وأمراضه لجمهور عريض تعدى بلده الأصلي بريطانيا، فمن الطبيعي أن يكون الإقبال على المعرض الضخم كثيفاً جداً، وأن تنفد كل تذاكر اللقاءات الخاصة معه.
في فيلم خاص أنتجته محطة «بي بي سي» الرابعة، خرج ماكالين من معطفه كمصور متخصص في الحروب، ليتجول بشوارع المدن البريطانية التي سجل مشاهد الحياة فيها في الستينات والسبعينات. خلال الفيلم رافقت الكاميرا المصور الشهير وهو يزور الحي الذي نشأ فيه، وهو فينزبري بارك بلندن، وسجلت انطباعاته على التغيرات التي شهدها الحي منذ أن تركه. كان لافتاً في الفيلم وأيضاً معبراً جداً طريقة ماكالين في التعامل مع الناس العاديين، فهو يتمتع بأدب إنجليزي جمّ، وفي الوقت ذاته هو سهل المعشر يعشق الناس ويتحدث مع كل من يراه في الشارع؛ يتحدث مع باعة ومع مشردين، ويجلس إلى جانب رجل عجوز يطعم الطيور ويتجاذب معه أطراف الحديث الذي يفضي لتكوين «بورتريه» سريع للشخصية الجالسة لجواره، لقطة حوارية تماثل تماماً اللقطة الفوتوغرافية التي يلتقطها على التوّ للرجل، وفي الحال نرى أن الصورة تعبّر عن كل الحديث الذي دار مسبقاً وتتضح لنا موهبة هذا المصور المخضرم في تركيز الحالة البشرية من خلال لقطة بالأبيض والأسود.
خلال الفيلم أيضاً يقول ماكالين إنه تعب من حياته كمصور للحروب، وإنه هرب منها ومن الحياة في لندن إلى الحياة في الريف، أصبح يهتم بتصوير مشاهد الطبيعة الريفية حوله، معتبراً ذلك بمثابة علاج لمشوار عمر حافل بالألم والحزن عاصرهما خلال تغطيته للحروب والنزاعات المسلحة. يقول: «للأسف دائماً ما يُطلق على (مصوّر الحروب) وهو أمر لا أحبه».
ويقول في تقديمه لمعرضه إن «الرؤية والنظر إلى ما لا يتحمل الآخرون رؤيته هما تعريف لحياة الصحافي الذي يغطي الحروب».
- البداية صورة لشباب في مبنى مهدم
بدأ ماكالين حياته مصوراً بالصدفة العابرة إذا التقط صورة لمجموعة من الشباب من زملائه في المدرسة وهم يقفون للتصوير مرتدين بدلاتهم على نوافذ مبنى مهدم. وتحولت الصورة إلى دليل على تورط أعضاء المجموعة في جريمة قتل، وهو ما لفت أنظار إحدى المجلات الأسبوعية لموهبته. ومن تلك الصورة انطلق المصوّر الشاب ليغطي بعدسته حرب فيتنام، وفترة التوتر بين ألمانيا الشرقية والغربية، وسجل بدايات إقامة الجدار الفاصل بينهما. كما ذهب لكمبوديا والكونغو وإثيوبيا وبنغلاديش وبيروت والعراق وسوريا.
- عشرة غرف وستين عاماً من التصوير
المعرض ضخم جداً وينقسم إلى عشرة غرف امتلأت بالزوار من مختلف الأعمار، الصمت كان مسيطراً على المعرض، فيما عدا همهمات بين الزوار أو أحاديث خافتة، بدا وكأن لقطات الحروب المختلفة قد تسللت إلى كل زائر، وألقت بظلالها القاتمة على الحاضرين، ولكن هناك ما هو أكثر من مناظر الحروب والتدمير والقتلى هنا، فعبر صور من حرب فيتنام تتجاور الصور التي تعبر عن فظاعة الحروب والعنف الذي يمارسه الجنود الأميركيون على ضحاياهم، نجد صورة لقسّ من الجيش وهو يحمل امرأة عجوزاً لينقذها من وابل النيران. الإنسان يتبدى هنا في مختلف جوانبه.
- تعاطف وحرفية
لقطات ماكالين كما يقول منسق المعرض «شجاعة وواثقة» أمام أصعب المواقف، ولكنها أيضاً تحمل تعاطفَ وإحساسَ المصوِّر بالموضوع أمامه. سُئِل ماكالين مرة لماذا اختار أن يصوّر أناساً قسَتْ عليهم ظروف الحياة؟ فأجاب قائلاً: «لأني أعرف أحاسيس هؤلاء الناس». التعاطف والتماثل مع الأشخاص أمامه أيضاً يظهر في لقطات لأشخاص مشردين في أحياء شرق لندن، فيها ينظرون إلى الكاميرا دون خوف، نظرات صريحة وقوية ومعبرة، وهو ما يقول عنه المصور إنه يعود إلى كونه ينظر لهؤلاء الناس مباشرة ويكسب ثقتهم بالنظرة المباشرة المتعاطفة التي تقول لهم: «أنا في صفكم».
يستعين العرض بجمل من ماكالين يشرح فيها خلفيات بعض الصور وفيها تتضح رؤيته في الحياة؛ فهو ضد الرأسمالية التي حرمت مرضى حي وايت تشابل في لندن من مستشفى للأمراض النفسية في السبعينات، لتتركهم مشردين في الشوارع، التقط صورهم وسجَّل باللقطات معاناتهم وأيضاً إهمال المجتمع لهم، في صورة معبرة بشكل جارح نرى مجموعة من هؤلاء المشردين وقد غلبهم التعب فناموا وقوفاً... صورة موجعة بحق.
- ما يفعله البشر بغيرهم
يقول علن رحلته للكونغو في عام 1964 حيث أرسلته مجلة ألمانية: «القتال الذي شهدته كان متوحشاً وقاسياً وعموماً انتصر الرجال الأشرار». في 1986، ذهب إلى بيافرا وهي جمهورية انفصالية سابقة استمرت من 30 مايو (أيار) 1967 حتى 15 يناير (كانون الثاني) 1970 نشأت عندما حاول سكان إقليم بيافرا الانفصال عن نيجيريا، وتكوين دولة مستقلة خاصة بعرقية الإيبو. يصف ما رآه هناك بقوله: «لم تكن حرباً، وتجاوزت الصحافة والتصوير... لا نستطيع ويجب ألا يُسمح لنا بأن ننسى الأشياء المقيتة التي نستطيع (كبشر) اقترافها في حق أناس مثلنا». غطَّى ماكالين الكارثة الإنسانية هناك لصالح مجلة «صنداي تايمز»، لقطاته من هناك صادمة ومحزنة ولكنها نجحت في نقل بشاعة الموقف للرأي العالمي، من المعروض صورة لجنود يعذبون بعض الانفصاليين قبل إعدامهم، النظرات على وجوه الضحايا لا يمكن تجاوزها بسرعة، وتحل محلها بعد ذلك صور لضحايا آخرين.
مهمة ماكالين في تصوير حرب فيتنام التي زارها 16 مرة خلال مشواره مصوراً، تعرض الغرفة الرابعة في المعرض مجموعة من الصور التي التقطها في عام 1986 حين كان ملحقاً بالجيش الأميركي. من الصور هنا صورة لجندي فيتنامي مقتول وحوله تناثرت أغراضه الخاصة، صور شخصية ربما لوالدته وأخته، علبة سجائره ملقاة ومبعثرة محتوياتها، تبدو الصورة وكأنها معدة مسبقاً، وهو ما يعترف به المصور قائلاً: «لم أعبث بالحقيقة سوى مرة واحدة، رأيت جنديين أميركيين يعبثان بأغراض جندي مقتول من شمال فيتنام، عندما انتهيا من فعلتهما، التي اعتبرتُها سرقةً وكنت مشمئزاً بالفعل من ذلك، كرهتهما، ومع ذلك فأنا كنتُ مثلهما، أشاركهما الطعام وأرتدى الزي العسكري نفسه... عبثا بممتلكاته وبعثرا صور أمه وأخته وأطفاله. كان يستحق أن يُسمع ولم يكن يستطيع الحديث فقررت أن أتحدث نيابة عنه وأن أنقل قصته للناس، قمت بجمع أغراضه ووضعتُها بجانبه والتقطتُ الصورة، وكانت هي الصورة الوحيدة التي أعددتها بنفسي».
صورة أخرى التقط فيها وجه جندي أميركي تبدو عليه معالم الصدمة، يقول ماكالين إن الجندي مصاب بصدمة أو ما يُطلق عليه «اضطراب ما بعد الصدمة»، وإنه التقط له كثيراً من الصور، ولكن الجندي لم «يرمش» ولم يتغير التعبير على وجهه، بشاعة الحرب كانت محفورة في كل نقطة على وجه الشاب المذعور.
- بيروت والعراق وسوريا
خلال مشواره الطويل مع الكاميرا، ذهب ماكالين إلى بيروت لتسجيل وقائع الحرب الأهلية، وبالفعل تمتد الصور التي تعكس الصراع والكراهية والعنف على جدران غرفة بأكملها؛ صورة لمجموعة من المراهقين الذين بدت عليهم السعادة يقفون في شارع متهدّم، أحدهم يحمل آلة عود يعزف عليها، وبدا رفاقه مبتهجين وكأنهم يحتفلون، بينما نرى أمامهم جثة لفتاة ميتة. يروى ماكالين شعوره بالخوف من التقاط صورة لما اعتبره مشهداً مروعاً، ولكن الصبية طلبوا منه التقاط الصورة فالتقط صورتين فقط وهو متعجل للابتعاد عنهم.
زار ماكالين العراق في عام 1991 في مهمة من صحيفة «إندبندنت» لتغطية نزوح الأكراد من العراق، والتقط صوراً عبَّر فيها عن الألم والمعاناة والشتات التي عانى منها المهجرون.
ورغم سنه المتقدمة (تعدى الثمانين من العمر) فقد ذهب ماكالين إلى سوريا لتصوير آثار تدمير «داعش» لآثار مدينة تدمر.
- البحث عن السلام في الطبيعة
في نهاية المعرض وفي الحجرة الأخيرة نرى صوراً وادعة للقطات من الريف الإنجليزي، هنا نرى ماكالين وقد قرر الابتعاد عن عالم الحرب المجنون، فهو ينشد «السلام في المناظر الطبيعية»، كما يقول. ويلخص بجملة مؤثرة ما عاناه خلال عمله مصوراً للحروب: «هناك إحساس بالذنب دائماً، الذنب لأنني مشيتُ بعيداً بينما كان هناك رجل يُحتضر من الجوع، أو لأن شخصاً آخر كان يمسك بمسدس ليقتله. تعبت من ذلك الإحساس وتعبت من القول لنفسي: (أنا لم أقتل ذلك الرجل الذي صورته، أنا لم أتسبب في جوع ذلك الطفل). لهذا أريد الآن أن أصور المناظر الطبيعية والأزهار، قررت أن أمنح نفسي السلام».



«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.


أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

TT

أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)
بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)

إذا كان تناولُها، خلال أيام السنة، ممكناً، فمن المستحسن تفاديها في شهر الصيام. ما تلك الأطعمة والمشروبات التي تثير الجوع والعطش؟ وهل هناك بدائل تمنح شعوراً بالارتواء والشبع؟

وفق حوار أجرته «الشرق الأوسط» مع خبيرة التغذية جويل نهرا، ثمّة خطّان أحمران في هذا المجال هما الملح والسكّر. يتسبّب الأول بالعطش، أما الثاني فيحفّز الشعور بالجوع. وتنضمّ إلى السكّر النشويّات، لذلك فإنّ التخفيف منها على الإفطار والسحور وما بين تلك الوجبتَين، يساعد في الوقاية من العطش والجوع خلال ساعات الصيام.

الملح مسؤول عن العطش والسكّر يتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالجوع

في طليعةِ ما تحذّر منه نهرا، الحلويات والنشويّات البيضاء مثل الخبز، والباستا، والمعجّنات، والأرز الأبيض؛ لأنها ترفع منسوب السكّر بالدم ثم تخفضه بسرعة، ما يتسبب بشعور الجوع. تقول خبيرة التغذية: «عندما يكون السحور عبارة عن نشويّات بيضاء فقط وخالياً من البروتين، سيُصيبنا الجوع حُكماً بعد ساعات قصيرة».

* الكرواسان والكيك وسائر الحلويات

لعلّ الحلويات هي أكثر ما ترغبه العين والمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أنها أكثر ما يتسبب بالجوع، بعد مرور وقتٍ قصير على تناولها. ربما يوحي الكرواسان مثلاً بالشبَع والامتلاء، لكن كل ما يحتوي من طحين أبيض ودهون غير صحية وسكّر يتسبب بردّ فعل عكسي.

السكّر الذي في الكيك والكنافة والبقلاوة وسائر الحلويات الشرقية والغربية، ينشّط مسارات المكافأة والشهية في الدماغ بطريقة مختلفة عن مصادر الطاقة الأخرى. ووفق دراسة أجرتها جامعة ييل، فإن جميع مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام تسترخي بعد الأكل. لكن عند تناول الحلويات، تبقى هذه المناطق نشطة وغير مكتفية.

الحلويات تنشّط مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام (بكسلز)

أما الدهون غير الصحية، كتلك الموجودة في المخبوزات، فتُظهر الأبحاث أن الجسم لا يتعرّف عليها فوراً كمصدر مفيد للطاقة. ما يحصل بعد تناولها هو أن الجسم يخزّن سُعراتها الحرارية بدل تشغيلها، ومن ثم لا تُرسل إشارة إلى الدماغ بأنّ الشعور بالجوع قد انتهى.

نصيحة

تنصح خبيرة التغذية هنا بالتخفيف من تناول الحلويات يومياً قدر المستطاع، والاستعاضة عنها بالفاكهة الغنية بالألياف مثل التفاح بقشره والجوافة، والتمر، والمكسّرات النيئة، والشوكولاته الداكنة.

الحلويات تتسبب بالجوع أما التمر والمكسرات النيئة فيمنحان شعوراً بالشبع (بكسلز)

* الخبز والأرز والباستا وسائر النشويّات البيضاء

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من طبق المعجّنات كالفطائر والرقائق والبيتزا. وهل يمكن تصوّر الطبق الرئيسي دون الأرز الأبيض المرافق له؟

لكنّ الخبر غير السار هو أنّ تلك النشويّات البيضاء كافةً ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة قياسية، ما يؤدي إلى الجوع من جديد. فعندما تفرط في تحميل جسمك بالكربوهيدرات البسيطة، يبدأ البنكرياس العمل بأقصى طاقته لإنتاج الإنسولين، ما يخفض مستويات السكر بالدم ويؤدّي إلى الشعور بجوع شديد.

النشويّات والمعجّنات ترفع منسوب السكّر بالدم وتخفضه بسرعة ما يؤدّي إلى الجوع (بكسلز)

نصيحة

استبدل بالخبز الأبيض ذلك المصنوع من طحين القمح الكامل. أما الأرز الأبيض فيمكن استبدال الأرز البسمتي أو الأسمر به. وهذا ينطبق على الباستا التي يمكن اختيار السمراء منها؛ أي المصنوعة من القمح الكامل. فالحبوب الكاملة تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية القادرة على منح شعورٍ بالشبع.

الأرز الأسمر هو البديل الصحي عن الأرز الأبيض (بكسلز)

* البطاطا المقليّة والتشيبس

تنتمي البطاطا المقليّة المثيرة للشهيّة إلى فئة النشويّات المشبعة بالدهون غير الصحية. وليس صدفةً أن تشعر برغبة في تناول الحلويات بعد إفراغك كيس التشيبس. فرقائق البطاطا وسائر الوجبات الخفيفة المالحة ليست سوى كربوهيدرات بسيطة سريعة الهضم، تتسبب بارتفاع مستويات الإنسولين ثم انخفاضها.

نصيحة

يمكن اعتماد البطاطا المشويّة في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والملح والبهار والأعشاب المعطّرة.

كلّما تَضاعفت الدهون غير الصحية والسكّر وبدائله في الطعام والشراب، زاد احتمال أن تتسبب بالجوع بعد وقت قصير على تناولها. وينضمّ إلى قائمة الأطعمة والمشروبات المؤدية إلى الجوع العناصر التالية:

- الوجبات السريعة (فاست فود)

- حبوب الفطور بالمُحلِّيات الصناعية (كورن فليكس)

- بياض البيض

- الزبادي قليل الدسم

- عصير الفاكهة المشبع بالسكّر

- المشروبات الغازية العادية وتلك الخالية من السكّر

على عكس ما هو شائع فإنّ المشروبات الغازية تتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالعطش

* الملح ومُلحقاته

كثيرة هي الأطعمة والمشروبات التي تتسبّب بالعطش، على رأسها كل ما هو مالح. فمن المعروف أن أحد الآثار الجانبية للصوديوم احتباس السوائل والتسبب بالجفاف والعطش. وتُحذّر خبيرة التغذية جويل نهرا، في هذا السياق، من المأكولات المملّحة، ولا سيّما رقائق البطاطا (التشيبس)، والمكسّرات المالحة، وسواها من وجبات خفيفة غنية بالملح. «خلال الصيام، ولا سيّما على وجبة السحور، من المستحسن الاستغناء عن الملح قدر المستطاع، بما أنّ المبالغة في تناوله سوف تتسبّب للصائم بالعطش طيلة ساعات النهار»، كما تقول نهرا. وتُضاف إلى لائحة الأطعمة المالحة: صلصة الصويا، والمخلّل أو الكبيس، والزيتون.

كل الأطعمة الغنية بالملح تتسبب بالعطش (بكسلز)

* الدهون والأطعمة المقليّة والمصنّعة

مِن بين الأطعمة المسببة للعطش كذلك، المأكولات المقليّة وتلك الغنية بالدهون غير الصحية مثل الوجبات السريعة واللحوم المصنّعة. وتوضح نهرا أن «هذا النوع من الأكل يبطئ عملية الهضم فينشغل الجسم بمعالجة الكمية الكبيرة من الدهون، وهذا يضاعف الشعور بالجفاف».

تُضاف إليها المشروبات المصنّعة كالعصائر المحلّاة ومشروبات الطاقة وتلك الغازيّة؛ «لأنها ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة فتخسر الخلايا المياه بسبب ذلك»، وفق نهرا.

تفادي الوجبات السريعة خلال الصيام لأنها تؤدي إلى العطش (بكسلز)

* القهوة

الفنجان الأحبّ إلى قلب الجميع فنجان القهوة الذي يفتتح به كثيرون الإفطار ويختمون السحور، هو في صدارة مسبّبات العطش. فالكافيين مادة مجفّفة بطبيعتها، ما يعني أنّ المشروبات الغنية بالكافيين، حتى وإن كانت ممزوجة بالماء، تسبب العطش. وتنضمّ إليها المشروبات الغازية الغنية هي الأخرى بالكافيين.

الكافيين مادة مسببة للجفاف والعطش (بكسلز)

نصائح لتفادي العطش في رمضان

تنصح نهرا بشُرب كمية كافية من المياه (بمعدّل 2 لتر) وتوزيعها على الساعات الممتدة ما بين الإفطار والسحور. كما تدعو الصائمين إلى التركيز على الخضراوات وإضافتها إلى كل وجبة لأنها غنية بالسوائل. أما القهوة فمن المفضّل اقتصارها على فنجان واحد بعد الإفطار وليس قبل السحور أو خلاله.


«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».