«صندانس» بين السياسة والترفيه

«صندانس» بين السياسة والترفيه

‫يعرض فيلماً عن غزة وآخر عن تحقيقات 2001
الأحد - 28 جمادى الأولى 1440 هـ - 03 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14677]
صندانس: محمد رُضـا
لم تبق سوى ساعات على نهاية الدورة الخامسة والثلاثين من مهرجان «صندانس»، حيث ستوزّع جوائز المسابقات الرئيسية الأربع هذا المساء (الأحد).‬

«صندانس» الدولي يحمل وجهين متلازمين: السينما الجادة والسينما الترفيهية لكن ما يجمعهما هو المضمون، بينما المعالجات في غالبها فنية متدرجة بين المقبول والممتاز. على ذلك، وبالمقارنة مع الأعوام القليلة السابقة، هناك عدد أقل من الأفلام التي تتصدى للمشاكل المحيطة بالعالم، بيئية أو أمنية أو كحروب. ‬

الأكثر تداولاً هذا العام هو الأفلام التي توجه اهتمامها لما يشغل بال المرء على أصعدة اجتماعية بحتة أو عاطفية وبأسلوبي السينما الدرامية والسينما الكوميدية.‬

تلتقي أيضاً في أن معظم هذه الأفلام يقصد مهرجان «صندانس» في جبال ولاية يوتا الشمالية لأنها سوق أول للسينما المستقلة والبديلة والمختلفة يقبل عليها الشاري والبائع في الوقت ذاته.

الحال هنا هو أن العديد من الأفلام غير الأميركية ما زالت تتعرض لما يدور في العالم، لكن غالبية الأفلام الأميركية تبتعد عن متابعة القضايا الصعبة والكبيرة وتعاود الركون إلى ما هو خفيف.

المشترون هم عادة شركات هوليوود ويضاف لها هذه السنة شركات البث المباشر مثل «أمازون» و«نتفلكس» و«هولو»، التي حضرت بشكل أقوى هذه السنة مما كان عليه حال السنوات القليلة الماضية.

- تجاوب

لكن ما سبق ليس للقول إن معظم الأفلام فارغة من مضامين سياسية. اترك للأميركيين مكانتهم في مزج السياسي الصارم بالترفيه الجيد كحال فيلم «نائب»Vice) ) لأدام مكاي وفيلم «بلاكككلانسمان» لسبايك لي المتنافسين على أوسكار هذه السنة. هذا المزج يستمر عبر فيلم «التقرير» الذي يقود بطولته كل من أدام درايفر وأنيت بانينغ، ويدور حول أساليب التحقيق مع المشتبه بهم إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001.

ويتميز أيضاً فيلم «كليمنسي» للمخرجة الشابة شينوني شوكوا التي أسندت للممثلة الأفرو - أميركية ألفري وودارد دوراً صعباً أدته هذه بمهارتها وقدراتها المعهودة حيث تقوم بدور مديرة سجن في ولاية لا تزال تنفذ أحكام الإعدام. موقع المديرة يفرض عليها مراقبة تنفيذ حكم الإعدام دوماً. الصور التي تأتيها عبر شاشات الكاميرا الموزعة في غرفة الإعدام تؤثر فيها وتدفعها لحسر نشاطاتها الأخرى والانزواء بنفسها.

هذان الفيلمان يتجاوبان مع النفس الشبابي السائد بين السينمائيين الموجودين في صندانس. وفي الواقع فإن الكثير مما عرض في «صندانس» عبر تاريخه وإلى اليوم يتوجه صوب جمهور ما دون الثلاثين وهو الجمهور ذاته الذي يشكل، لأسباب أخرى، النسبة الأعلى بين مرتادي السينما التجارية أيضاً. إلى حد بعيد، معظم ما يتم إنتاجه هذه الأيام يقصد تلك الفئة حتى عندما تحاول السينما أن تعرض وضعاً سياسياً بالكامل.

مثال هذا الوضع فيلم «غزة» للأميركيين غاري كين وأندرو مكونال الذي عرض قبل يومين ضمن اهتمام إعلامي شمل، بين من شملهم، صحافيين آتين من إسرائيل لمشاهدته والكتابة حوله لصحفهم. معظم من قرأنا لهم من هؤلاء اعتبر أن الفيلم اختطف الوهج الأكبر من الاهتمام الإعلامي في «صندانس»، ومن المرجح له أن يختطف الجائزة الأولى في مسابقة الأفلام التسجيلية الأميركية.

- غزة الأخرى

«غزة» يدور حول الحياة اليومية لمليوني فلسطيني يعيشون في تلك الرقعة من فلسطين. وبما أنه عن الحياة اليومية بمسرّاتها القليلة وأسباب أحزانها القائمة دوماً، فإنه من الطبيعي أن تحتوي هذه الحياة على مشاهد الغارات الإسرائيلية والهلع الذي تسببه. وعلى مشاهد من التصدي الفردي والجماعي. العفوي والمنظم. المنتمي إلى الشعب والمنتمي إلى حماس.

على كل ذلك ليس فيلم بروباغاندا وليس فيلماً خطابياً. وبين كل ما تمّـت مشاهدته، عبر السنين، من أفلام تتناول غزة وأوضاعها فإن هذا الفيلم كفيل بتلخيص ما ورد فيها متميّـزاً بأنه يبتعد عن التقليد، حيث يعمد إلى تصنيف وتوليف الأشرطة المصوّرة في مونتاج معبّـر عن الواقع المعاش من كافة وجوهه.

لا يخفي المخرجان تعاطفهما مع غزة لكنهما لا يلجآن إلى توزيع التهم. حماس، كما يراها الفيلم، مشاركة في نوعية الحياة الصعبة لكنها غير متهمة بذلك علناً. إسرائيل سبب أول في حرمان الغزاويين من الحياة السعيدة، والفيلم يذكر دوماً بالحصار المفروض عليها، لكنه لا يوزع اتهاماته على نحو متكرر أو بصورة آلية. يكتفي بالوقائع التي تجسدها الصور الماثلة لأناس يتطلعون لحياة عادية. إحدى الفتيات تقول: «شعوب العالم لا ترى غزة إلا من خلال حروبها المتواصلة. يرون الجانب الذي يريدون مشاهدته. لكن عليهم أن ينظروا عميقاً».

يتعمد الفيلم استخراج بعض الواقع من خلال مقابلات مع أطفال وراشدين مختلفين. سنتلقف مشاهد رومانسية مصدرها علاقة الناس بالبحر وعبارات مثل «أنا ولدت جانب البحر وأعيش جانب البحر وسأموت جانب البحر». لكن المشاهد سيتلقف أيضاً مشاهد مرّت عليها نشرات الأخبار: المظاهرات العارمة. المسلحون. الغارات. النساء اللواتي يولولن، مناشدات العالم أن يتدخل.

- كوميديا وعواطف

مستقبل «غزة» التجاري لا يزال موضع نقاش بين شركات عدة. ليس أن كل هوليوود تريده فهناك فرق ماثل بين فيلم تسجيلي عن الحرب السورية (مثل «آخر رجال حلب» الذي تم عرضه في نسخة العام الماضي من هذا المهرجان وفيلم «عن الآباء والأبناء» للمخرج السوري طلال ديركي المرشح للقائمة النهائية للأوسكار في فئة أفضل فيلم وثائقي طويل هذا العام) وبين فيلم يتناول موضوعاً فلسطينياً كون الأخيرة طرقت الأبواب منذ السبعينات ولا تزال.

لكن من الصعب تجاهل الإنجاز الفني والتأثير القوي لمضمون الفيلم الناتج عن ذلك الإنجاز أساساً. ما هو قوي الدلالة كمضمون سوف يسقط أرضاً إذا ما لم يعرف المخرج كيف يوظفه في خامة مصقولة جيداً. وهذا ما يفعله «غزة» وهو ليس ما تتلهف شركات البث الإلكتروني لاحتوائه.

شركات البث المباشر اشترت عدداً من الأفلام المناسبة للجمهور العريض هذا العام، فمثلا شركة أمازون دفعت 14 مليون دولار ثمناً لفيلم «بريتني تركض الماراثون» عن فتاة (جيليان بل) تتدرب للاشتراك في الماراثون. شركة هولو ابتاعت فيلماً تسجيليا بعنوانUntitled Amazing Johnathan Documentary الفيلم التسجيلي الرائع غير المعنون لجوناثان).

و«نتفلكس» استحوذت على فيلم تسجيلي بعنوان «أميركان فاكتوري» ولو أنها تبحث عما هو أفضل بعد كل هذا النجاح الذي تحققه عبر فيلم «روما» لألفونسو كوارون.

لكن رغم كل ما سبق، فإن «صندانس» ليس المهرجان الذي يحدد ما يعرضه تبعاً لغايات أخرى غير تشجيعه المواهب الشابة (وهناك المئات منها حضوراً وأفلاماً). لذلك فإن المساحة التي تنطلق فوقها هذه الأفلام عريضة تنضح بالأعمال المختلفة.

بعض هذه الأعمال كوميديات مرهفة وجيدة الصنع (ولو إلى حد) مثل «ليل متأخر» (Late Night) ) الذي تقوم ببطولته البريطانية إيما تومسون في دور مضيفة برنامج لقاءات (العنوان يعود إلى الأسماء المتداولة في البرامج التلفزيونية الأميركية مثل The Night Show وThe Late Show إلخ…).

لكن في الوقت ذاته تمر أفلام كوميدية شبابية تتمنى لو بقيت في غرف أصحابها. أحد هذه الأفلام «هالا» حول فتاة مسلمة في الغرب تبحث عن هويتها الشخصية. مثل هذه الأفلام ليست غريبة في أتون هذا المهرجان الذي يميل لعرض هذه الكوميديات والأفلام الرومانسية الشبابية لعلها تلطف مناخ الطروحات السياسية المصاحبة ويجب القول بأنها تحقق بعض التوازن في هذا المجال.
أميركا سينما مهرجان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة