كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

استلهمها الكتّاب شرقاً وغرباً عبر العصور

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
TT

كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»

لا يزال كتاب «ألف ليلة وليلة»، بعد قرون، يشكل مخزناً لا ينضب للسرد، بكل أشكاله الواقعية والخرافية، ولا يزال الكتّاب في الشرق والغرب ينهلون من هذا المخزن. ومن المعروف، أن الليالي أثارت فضول المستشرقين الذين وجدوا فيها مادة خصبة للتعرف على عوالم الشرق وثقافاته، بعد أن ترجمها أنطوان جالان، للمرة الأولى إلى اللغة الفرنسية (1704 - 1717)، ومن بعدها تُرجمت الليالي إلى معظم لغات العالم، وذُكرت ضمن قائمة أكثر مائة كتاب تأثيراً على مر العصور.
ويعد فولتير من أبرز الأدباء الغربيين الذين تأثروا بحكايات ومغامرات ألف ليلة وليلة كما في رواياته «صادق»، «سميراميس»، و«أميرة بابل»، وكذلك أنطوني هاملتون، الذي استوحى شخصيات روايتيه «حكاية الحمل»، و«قصة زهرة الشوك» من مغامرات «ألف ليلة وليلة»، وأيضاً باولو كويلو، الذي استمد روايته «الخيميائي»، من الليالي، وتحديداً الليلة الحادية والخمسين بعد الثلاثمائة. وعلى مستوى العالم العربي، استقى الكثيرون من عوالم «ألف ليلة وليلة» السحرية كالأديب السوداني الطيب صالح، في روايته «بندر شاه»، والمغربي مبارك ربيع في روايته «بدر زمانه»، ونجيب محفوظ في «ليالي ألف ليلة». وقبل هؤلاء الكتاب، كتب طه حسين «أحلام شهرزاد»، وتوفيق الحكيم «شهرزاد»، ثم كتب الاثنان معاً «القصر المسحور» عام 1936. وفي الآونة الأخيرة، صدرت روايات عدة، استوحت مناخات الليالي، منها «جبل الزمرد»، لمنصورة عز الدين، و«الوصفة رقم7» لأحمد مجدي همام، و«مدينة الحوائط اللانهائية»، لطارق إمام، وروايتا «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، لإبراهيم فرغلي، و«عائلة جادو» لأحمد الفخراني.
هذا التحقيق محاولة للوقوف على أبعاد هذا التأثر بكتاب «ألف ليلة وليلة» ودلالته على المستويين الفني والنفسي.
- منصورة عز الدين: سردية مضادة
في البداية، تقول الكاتبة منصورة عز الدين، صاحب رواية «جبل الزمرد»: «لم أرغب في تقليد (ألف ليلة وليلة)، ولا محاكاة لغتها أو نمط تخييلها، بل طمحت إلى تفكيكها وخلخلة بنيتها وكشف ما قد يكون فيها من ثغرات يمكن اللعب بها ومعها لطرح أسئلة تخصني وتنبع من انشغالاتي ككاتبة.
أتعامل بحذر مع النصوص التي تحاكي لغة (ألف ليلة وليلة)، أو تستعير بنيتها من دون محاولة للتمرد عليها، أو تلك التي تمتثل لمنطق الحدوتة التجريدية، ظناً من كُتابها أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لمقاربة هذا العمل الإشكالي الحافل بالصراعات والتناقضات والتركيب».
ووفق هذه الرؤية، تؤكد الروائية، أن «جبل الزمرد»، سردية مضادة لـ«ألف ليلة وليلة»؛ فهي لها «أسئلتها الخاصة، ولغتها المختلفة وحتى نمط تخييلها المغاير عن مخيلة الليالي. كنت أرغب في تفحص العلاقة بين الشفاهي والكتابي انطلاقاً من أفكار جاك دريدا، وأفكار سقراط الواردة في «محاورة فايدروس» لأفلاطون، ولم أجد أفضل من درة النصوص الشفاهية المتوارثة كي يكون تكئة لهذا التفحص. أردتُ أيضاً التوقف أمام مفهوم التحريف والعلاقة بين الأصل المفترض وصوره المختلفة وكانت «الليالي» نقطة انطلاق مثالية لهذا الغرض أيضاً. لقد أعدت قراءة «ألف ليلة» بالورقة والقلم، واهتممت على وجه خاص بحكايات «الحسن البصري»، «رحلات السندباد»، و«حاسب كريم الدين». حكاية زمردة مخترَعة وتخييل جبل قاف وبنيته وتزلزله يخصني، وإن كنت قد انطلقت من رؤية «ابن زيد وعكرمة والضحاك له، الواردة في تفسير القرطبي».
- فرغلي: بنية حكائية مقاربة
أما الروائي إبراهيم فرغلي، فنلحظ تأثره بـ«ألف ليلة» عند تأمل نتاجاته، التي تسير وفق خط سردي يقارب بنية «ألف ليلة»، ليس هذا فحسب، بل نجد أيضا أن الفانتازي والخيالي يطغيان في روايتيه «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، وهذا ما يؤكده بنفسه: «في تأمل البناء الأساسي لـ(ألف ليلة) يكتشف المرء أن ميله للـ(ميتافكشن)، أي وضع روايات متداخلة في نص واحد، وجعل السرد نفسه جزءاً من موضوع الحكاية، وهذا نسق سردي أحافظ عليه على امتداد مشروعي السردي عموماً، يعود في أساسه لنص (ألف ليلة)؛ فهناك الحكاية الإطارية عن شهريار، وما ينشطر عنها من حكايات فرعية تحكيها له شهرزاد على مدى ألف ليلة متتالية، وهي تكوّن المتن الحكائي للنص، وهذه الحكايات تتضمن بالإضافة للفانتازيا والغرائبية، أدب الجريمة، وأدب الخيال العلمي، ونوادر الشعوب وجانباً من الرواية التاريخية».
ويرجع فرغلي تأثره بـ«ألف ليلة وليلة»، إلى قراءته لها منذ الطفولة، حتى صارت تربة خصبة لنمو خياله: «هي بالتأكيد نص ملهم بالنسبة لي شخصياً، أولاً من حيث تأثيرها على الخيال الطفولي بداية من القراءات الأولى لمختصرات قصص مستلهمة منها، مثل حكايات السندباد، وعلي بابا، ثم لاحقاً بعد قراءة النص الأصلي، أو أجزاء كبيرة منه، واكتشاف فكرة قوة السرد، أو قوة الحكاية في تأثير حكايات شهرزاد على شهريار بتحويله من قاتل إلى إنسان منصت للحكايات؛ وهو ما أثر في أفكاري عن أهمية الرواية بشكل عام».
- همام: تلاعب واشتباك
الروائي أحمد مجدي همام، يحكي تجربته في كتابة روايته «الوصفة رقم7»، وكيف اشتبك بها مع التراث السردي العربي، ولا سيما «ألف ليلة» قائلاً: «الرواية بشكل أو بآخر تلاعب السردية العربية الكبرى (ألف ليلة وليلة) من جهة العجائبية والفانتازيا أولاً، ومن جهة التقنية أحياناً، تلك الحكايات التي تتناسل وتتكاثر انشطارياً وتتفرّع كروافد كثيرة لنهر واحد، حبكة تسلمك إلى حبكة».
ويشير همام إلى أن الليالي لم تكن المرجع الوحيد الذي استلهم منه روايته، «هناك مرجع رئيسي أيضاً استوحيت منه ملامح بعض الشعوب التي كوّنت عوالم قارّة (أرض اللابوريا) المفقودة، وهذا المرجع هو (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للقزويني، ومن أقصى غرب العالم العربي، من الأندلس، أزعم أن (الوصفة رقم7) نهلت من رسالة (الزوابع والتوابع) لابن شُهَيد الأندلسي، ورحلة بطله إلى وادي عبقر وعوالم الجن الفصيح وقرناء الشعراء والكتاب الذين مر بهم. وتناولت أيضاً بعض المخلوقات العجائبية الواردة في التراث الإسلامية مثل (الجسّاسة) و(يأجوج ومأجوج)».
ويتابع: «الوصفة رقم7» تحاول – ضمن حزمة محاولات متنوعة – أن تستفيد من الخام السردي والخيال العربي الجامح المتعلق ثقافياً بخوارق الطبيعة وبشكل لا يحتاج إلى بذل جهد كبير لنستخرج منه حكايات وتقنيات وأبعاداً خيالية وزوايا عجيبة للرؤية، ويكفينا هنا الإشارة إلى الافتتاحيات الرائعة المتناثرة في السرديات العربية، مثل «يُحكى أن» و«بلغني أيها الملك السعيد» و«قال الراوي» و«زعموا أن»... لذلك؛ ربما لم أتعجب عندما نوّهت بعض القراءات النقدية في الرواية لهذا التشابك بين «الوصفة» و«ألف ليلة وليلة» وغيرها من كتب التراث.
يرى همّام، أن تأثير «ألف ليلة وليلة» على روايته الأخيرة، وعلى وعيه الأدبي تأثير حتمي، قائلاً: «عندما تكون قادماً من ثقافة مثل ثقافتنا حجر عمود خيمة السرد فيه نص عجائبي مثل (ألف ليلة وليلة) ستصبح احتمالية أن تكتب الفانتازيا أكبر بكثير... هذا بالضبط تأثير (ألف ليلة وليلة) على وعيي... هذا العالم بقصصه العجائبية على مستوى شخصوها أو مساراتها ترك بصمة بشكل أو بآخر على جزء من أفقي السردي».
- الشحات: زاوية نقدية
ومن جهة النظر النقدية، يقول الناقد محمد الشحات: إن «(ألف ليلة وليلة) نص محوري في الثقافة العربية، وفي صناعة الوعي الثقافي، ويمكن النظر إليه من زوايا كثيرة، سواء التاريخية، أو الأدبية، والسردية، والإنسانية دون تمييز لا من ناحية الأعراق أو الأجناس، ولا الديانات؛ ولهذا السبب فقد التفت إليها المستشرقون، وأعطوها ما تستحقه من اهتمام ودراسة أتاحت لهم التعرف على الشرق».
وهو يرى أن أثر «ألف ليلة وليلة» على الأدب، بدأ منذ أول رواية عربية لمحمد حسين هيكل عام 1912، «ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن لم تنقطع المخيلة العربية عن استلهام (ألف ليلة)، أو التأثر بها، وتجلى ذلك في نصوص طه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، والطيب صالح، ونجيب محفوظ، وحتى الآن، ولم يقف تأثيرها على العالم العربي فحسب، بل تأثر بها الكُتاب على مستوى العالم، ولا سيما كُتاب أميركا اللاتينية». ويُرجع الشحات سر بقاء «ألف ليلة»، وتأثيرها على الأدب حتى الآن إلى أنها نص مركزي في تأسيس الثقافة، يقدم عوالم مُدهشة، ويصفها بأنها: «نص متعدد ومتنوع متسامح يستوعب الجميع دون إقصاء، ويقدم تصورات مختلفة عن اللغة، وعن المدينة العربية، وبعض مدن الهند وأفريقيا».
في الوقت نفسه، يرى الشحات أن الأعمال التي تستلهم «ألف ليلة» على كثرتها، ليست بالضرورة كلها أعمالاً جيدة: «فكثير من الأعمال التي تتقاطع مع (ألف ليلة) تقف عند حد الاستلهام فقط، من دون أن تنبش فيها أو تقدم إضافة قيمة أدبية أخرى». وهو يعتقد أن رواية «جبل الزمرد» لمنصورة عز الدين من أفضل النصوص التي استفادت من «ألف ليلة».
- أبو الليل: وجهة النظر الشعبية
أما من وجهة النظر الشعبية، فيرجع الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، سر استمرارية «ألف ليلة» نصاً مُلهماً حتى الآن إلى أنها نص إنساني عابر للحدود والأزمنة؛ فهو نص يتحدث عن القيم التي تنادي بها شعوب الإنسانية دون التحيز إلى عرق أو دين أو لون.
ويشير أبو الليل، إلى أن «ألف ليلة وليلة»، كانت نصاً مهملاً يحتقره العرب؛ لأسباب في ظاهرها أخلاقية، أما في حقيقتها فهي سياسية، ويُرجع الفضل للمستشرقين في رفع الغبن عنها. يقول: «كان النص يُعامل باحتقار في المنطقة العربية، حتى ترجمه أنطوان جالان إلى الفرنسية لأول مرة، ثم إلى اللغات كافة تقريباً، ومن هنا عرف العالم أهمية هذا النص، وكانت بمثابة عين للعالم الغربي على العالم الشرقي، حتى بدأ الغرب يوجه أنظاره إلى منطقة الشرق، ويقوم برحلات إليه».


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»