كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

استلهمها الكتّاب شرقاً وغرباً عبر العصور

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
TT

كتّاب مصريون: «ألف ليلة وليلة» لا تزال مخزننا السردي الكبير

بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»
بساط الريح من حكايات «ألف ليلة وليلة»

لا يزال كتاب «ألف ليلة وليلة»، بعد قرون، يشكل مخزناً لا ينضب للسرد، بكل أشكاله الواقعية والخرافية، ولا يزال الكتّاب في الشرق والغرب ينهلون من هذا المخزن. ومن المعروف، أن الليالي أثارت فضول المستشرقين الذين وجدوا فيها مادة خصبة للتعرف على عوالم الشرق وثقافاته، بعد أن ترجمها أنطوان جالان، للمرة الأولى إلى اللغة الفرنسية (1704 - 1717)، ومن بعدها تُرجمت الليالي إلى معظم لغات العالم، وذُكرت ضمن قائمة أكثر مائة كتاب تأثيراً على مر العصور.
ويعد فولتير من أبرز الأدباء الغربيين الذين تأثروا بحكايات ومغامرات ألف ليلة وليلة كما في رواياته «صادق»، «سميراميس»، و«أميرة بابل»، وكذلك أنطوني هاملتون، الذي استوحى شخصيات روايتيه «حكاية الحمل»، و«قصة زهرة الشوك» من مغامرات «ألف ليلة وليلة»، وأيضاً باولو كويلو، الذي استمد روايته «الخيميائي»، من الليالي، وتحديداً الليلة الحادية والخمسين بعد الثلاثمائة. وعلى مستوى العالم العربي، استقى الكثيرون من عوالم «ألف ليلة وليلة» السحرية كالأديب السوداني الطيب صالح، في روايته «بندر شاه»، والمغربي مبارك ربيع في روايته «بدر زمانه»، ونجيب محفوظ في «ليالي ألف ليلة». وقبل هؤلاء الكتاب، كتب طه حسين «أحلام شهرزاد»، وتوفيق الحكيم «شهرزاد»، ثم كتب الاثنان معاً «القصر المسحور» عام 1936. وفي الآونة الأخيرة، صدرت روايات عدة، استوحت مناخات الليالي، منها «جبل الزمرد»، لمنصورة عز الدين، و«الوصفة رقم7» لأحمد مجدي همام، و«مدينة الحوائط اللانهائية»، لطارق إمام، وروايتا «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، لإبراهيم فرغلي، و«عائلة جادو» لأحمد الفخراني.
هذا التحقيق محاولة للوقوف على أبعاد هذا التأثر بكتاب «ألف ليلة وليلة» ودلالته على المستويين الفني والنفسي.
- منصورة عز الدين: سردية مضادة
في البداية، تقول الكاتبة منصورة عز الدين، صاحب رواية «جبل الزمرد»: «لم أرغب في تقليد (ألف ليلة وليلة)، ولا محاكاة لغتها أو نمط تخييلها، بل طمحت إلى تفكيكها وخلخلة بنيتها وكشف ما قد يكون فيها من ثغرات يمكن اللعب بها ومعها لطرح أسئلة تخصني وتنبع من انشغالاتي ككاتبة.
أتعامل بحذر مع النصوص التي تحاكي لغة (ألف ليلة وليلة)، أو تستعير بنيتها من دون محاولة للتمرد عليها، أو تلك التي تمتثل لمنطق الحدوتة التجريدية، ظناً من كُتابها أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لمقاربة هذا العمل الإشكالي الحافل بالصراعات والتناقضات والتركيب».
ووفق هذه الرؤية، تؤكد الروائية، أن «جبل الزمرد»، سردية مضادة لـ«ألف ليلة وليلة»؛ فهي لها «أسئلتها الخاصة، ولغتها المختلفة وحتى نمط تخييلها المغاير عن مخيلة الليالي. كنت أرغب في تفحص العلاقة بين الشفاهي والكتابي انطلاقاً من أفكار جاك دريدا، وأفكار سقراط الواردة في «محاورة فايدروس» لأفلاطون، ولم أجد أفضل من درة النصوص الشفاهية المتوارثة كي يكون تكئة لهذا التفحص. أردتُ أيضاً التوقف أمام مفهوم التحريف والعلاقة بين الأصل المفترض وصوره المختلفة وكانت «الليالي» نقطة انطلاق مثالية لهذا الغرض أيضاً. لقد أعدت قراءة «ألف ليلة» بالورقة والقلم، واهتممت على وجه خاص بحكايات «الحسن البصري»، «رحلات السندباد»، و«حاسب كريم الدين». حكاية زمردة مخترَعة وتخييل جبل قاف وبنيته وتزلزله يخصني، وإن كنت قد انطلقت من رؤية «ابن زيد وعكرمة والضحاك له، الواردة في تفسير القرطبي».
- فرغلي: بنية حكائية مقاربة
أما الروائي إبراهيم فرغلي، فنلحظ تأثره بـ«ألف ليلة» عند تأمل نتاجاته، التي تسير وفق خط سردي يقارب بنية «ألف ليلة»، ليس هذا فحسب، بل نجد أيضا أن الفانتازي والخيالي يطغيان في روايتيه «معبد أنامل الحرير»، و«أبناء الجبلاوي»، وهذا ما يؤكده بنفسه: «في تأمل البناء الأساسي لـ(ألف ليلة) يكتشف المرء أن ميله للـ(ميتافكشن)، أي وضع روايات متداخلة في نص واحد، وجعل السرد نفسه جزءاً من موضوع الحكاية، وهذا نسق سردي أحافظ عليه على امتداد مشروعي السردي عموماً، يعود في أساسه لنص (ألف ليلة)؛ فهناك الحكاية الإطارية عن شهريار، وما ينشطر عنها من حكايات فرعية تحكيها له شهرزاد على مدى ألف ليلة متتالية، وهي تكوّن المتن الحكائي للنص، وهذه الحكايات تتضمن بالإضافة للفانتازيا والغرائبية، أدب الجريمة، وأدب الخيال العلمي، ونوادر الشعوب وجانباً من الرواية التاريخية».
ويرجع فرغلي تأثره بـ«ألف ليلة وليلة»، إلى قراءته لها منذ الطفولة، حتى صارت تربة خصبة لنمو خياله: «هي بالتأكيد نص ملهم بالنسبة لي شخصياً، أولاً من حيث تأثيرها على الخيال الطفولي بداية من القراءات الأولى لمختصرات قصص مستلهمة منها، مثل حكايات السندباد، وعلي بابا، ثم لاحقاً بعد قراءة النص الأصلي، أو أجزاء كبيرة منه، واكتشاف فكرة قوة السرد، أو قوة الحكاية في تأثير حكايات شهرزاد على شهريار بتحويله من قاتل إلى إنسان منصت للحكايات؛ وهو ما أثر في أفكاري عن أهمية الرواية بشكل عام».
- همام: تلاعب واشتباك
الروائي أحمد مجدي همام، يحكي تجربته في كتابة روايته «الوصفة رقم7»، وكيف اشتبك بها مع التراث السردي العربي، ولا سيما «ألف ليلة» قائلاً: «الرواية بشكل أو بآخر تلاعب السردية العربية الكبرى (ألف ليلة وليلة) من جهة العجائبية والفانتازيا أولاً، ومن جهة التقنية أحياناً، تلك الحكايات التي تتناسل وتتكاثر انشطارياً وتتفرّع كروافد كثيرة لنهر واحد، حبكة تسلمك إلى حبكة».
ويشير همام إلى أن الليالي لم تكن المرجع الوحيد الذي استلهم منه روايته، «هناك مرجع رئيسي أيضاً استوحيت منه ملامح بعض الشعوب التي كوّنت عوالم قارّة (أرض اللابوريا) المفقودة، وهذا المرجع هو (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للقزويني، ومن أقصى غرب العالم العربي، من الأندلس، أزعم أن (الوصفة رقم7) نهلت من رسالة (الزوابع والتوابع) لابن شُهَيد الأندلسي، ورحلة بطله إلى وادي عبقر وعوالم الجن الفصيح وقرناء الشعراء والكتاب الذين مر بهم. وتناولت أيضاً بعض المخلوقات العجائبية الواردة في التراث الإسلامية مثل (الجسّاسة) و(يأجوج ومأجوج)».
ويتابع: «الوصفة رقم7» تحاول – ضمن حزمة محاولات متنوعة – أن تستفيد من الخام السردي والخيال العربي الجامح المتعلق ثقافياً بخوارق الطبيعة وبشكل لا يحتاج إلى بذل جهد كبير لنستخرج منه حكايات وتقنيات وأبعاداً خيالية وزوايا عجيبة للرؤية، ويكفينا هنا الإشارة إلى الافتتاحيات الرائعة المتناثرة في السرديات العربية، مثل «يُحكى أن» و«بلغني أيها الملك السعيد» و«قال الراوي» و«زعموا أن»... لذلك؛ ربما لم أتعجب عندما نوّهت بعض القراءات النقدية في الرواية لهذا التشابك بين «الوصفة» و«ألف ليلة وليلة» وغيرها من كتب التراث.
يرى همّام، أن تأثير «ألف ليلة وليلة» على روايته الأخيرة، وعلى وعيه الأدبي تأثير حتمي، قائلاً: «عندما تكون قادماً من ثقافة مثل ثقافتنا حجر عمود خيمة السرد فيه نص عجائبي مثل (ألف ليلة وليلة) ستصبح احتمالية أن تكتب الفانتازيا أكبر بكثير... هذا بالضبط تأثير (ألف ليلة وليلة) على وعيي... هذا العالم بقصصه العجائبية على مستوى شخصوها أو مساراتها ترك بصمة بشكل أو بآخر على جزء من أفقي السردي».
- الشحات: زاوية نقدية
ومن جهة النظر النقدية، يقول الناقد محمد الشحات: إن «(ألف ليلة وليلة) نص محوري في الثقافة العربية، وفي صناعة الوعي الثقافي، ويمكن النظر إليه من زوايا كثيرة، سواء التاريخية، أو الأدبية، والسردية، والإنسانية دون تمييز لا من ناحية الأعراق أو الأجناس، ولا الديانات؛ ولهذا السبب فقد التفت إليها المستشرقون، وأعطوها ما تستحقه من اهتمام ودراسة أتاحت لهم التعرف على الشرق».
وهو يرى أن أثر «ألف ليلة وليلة» على الأدب، بدأ منذ أول رواية عربية لمحمد حسين هيكل عام 1912، «ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن لم تنقطع المخيلة العربية عن استلهام (ألف ليلة)، أو التأثر بها، وتجلى ذلك في نصوص طه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، والطيب صالح، ونجيب محفوظ، وحتى الآن، ولم يقف تأثيرها على العالم العربي فحسب، بل تأثر بها الكُتاب على مستوى العالم، ولا سيما كُتاب أميركا اللاتينية». ويُرجع الشحات سر بقاء «ألف ليلة»، وتأثيرها على الأدب حتى الآن إلى أنها نص مركزي في تأسيس الثقافة، يقدم عوالم مُدهشة، ويصفها بأنها: «نص متعدد ومتنوع متسامح يستوعب الجميع دون إقصاء، ويقدم تصورات مختلفة عن اللغة، وعن المدينة العربية، وبعض مدن الهند وأفريقيا».
في الوقت نفسه، يرى الشحات أن الأعمال التي تستلهم «ألف ليلة» على كثرتها، ليست بالضرورة كلها أعمالاً جيدة: «فكثير من الأعمال التي تتقاطع مع (ألف ليلة) تقف عند حد الاستلهام فقط، من دون أن تنبش فيها أو تقدم إضافة قيمة أدبية أخرى». وهو يعتقد أن رواية «جبل الزمرد» لمنصورة عز الدين من أفضل النصوص التي استفادت من «ألف ليلة».
- أبو الليل: وجهة النظر الشعبية
أما من وجهة النظر الشعبية، فيرجع الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، سر استمرارية «ألف ليلة» نصاً مُلهماً حتى الآن إلى أنها نص إنساني عابر للحدود والأزمنة؛ فهو نص يتحدث عن القيم التي تنادي بها شعوب الإنسانية دون التحيز إلى عرق أو دين أو لون.
ويشير أبو الليل، إلى أن «ألف ليلة وليلة»، كانت نصاً مهملاً يحتقره العرب؛ لأسباب في ظاهرها أخلاقية، أما في حقيقتها فهي سياسية، ويُرجع الفضل للمستشرقين في رفع الغبن عنها. يقول: «كان النص يُعامل باحتقار في المنطقة العربية، حتى ترجمه أنطوان جالان إلى الفرنسية لأول مرة، ثم إلى اللغات كافة تقريباً، ومن هنا عرف العالم أهمية هذا النص، وكانت بمثابة عين للعالم الغربي على العالم الشرقي، حتى بدأ الغرب يوجه أنظاره إلى منطقة الشرق، ويقوم برحلات إليه».


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.