جوسلين سوسيه تهجو المجتمعات المعاصرة وتحتفي بـ«الشيخوخة»

رواية عن «الحريق الكندي الكبير»

جوسلين سوسيه تهجو المجتمعات المعاصرة وتحتفي بـ«الشيخوخة»
TT

جوسلين سوسيه تهجو المجتمعات المعاصرة وتحتفي بـ«الشيخوخة»

جوسلين سوسيه تهجو المجتمعات المعاصرة وتحتفي بـ«الشيخوخة»

كان الروائي الإنجليزي جون جاردنر، قد نصح المؤلفين الشبان في كتابه «فن الأدب: ملحوظات حول الصنعة للكتاب الشبان» ألا يشذ موضوع أي رواية عن اثنين: «إما رحلة، وإما وصول غريب». وتتفق معه الكاتبة الكندية جوسلين سوسيه في روايتها «السماء أمطرت عصافير» التي تبدأ بوصول امرأتين معسكراً بدائياً اعتزل الحياة العصرية. وقد صدرت الترجمة العربية لهذه الرواية عن دار «صفصافة» في القاهرة (2018)، بترجمة ناهد عبد الحميد.
تقدِّم الرواية شخصياتها، الواحدة تلو الأخرى، بصوت راوٍ مختلف. ويحْمل عنوانُ كل فصل اسم الشخصية، لتسرد روايتها بصوتها الخاص وكأنها على خشبة مسرح. ومع ذلك، لا نستشعر تنافراً حاداً بين الأصوات، فالصورة الكلية للفن، وغواية الطبيعة، وقصة الحب، والقيمة الفطرية للحياة، تجتمع في النهاية باجتماع أجزاء الرواية.
وكانت المسابقة السنوية «كندا تقرأ» قد اختارت العمل أفضل كتاب عن موضوع «إزالة الحدود». الرواية قصيرة نسبياً، تتفوق شعريتُها على بنيتها السردية المعقدة، التي تتطلب جهداً منهجياً من القارئ، لتَتَبُع خيط منعطفاتها غير المنقطع، فيما تكْشف الشخصيات عن طبائعها وتواريخها ببطء، لكن بحس فكاهي طفيف يلِّون هذه التراجيديا التاريخية وتوابعها.
تُقدِّم سوسيه مصورة صحافية مخضرمة لتوثيق نيران غابات مسعورة، أتت على شمال مقاطعة أونتاريو الكندية بين عامي 1910 و1920. وفي مسعاها لاقتفاء آثار الناجين، لا تعير التقاط الصور انتباهاً بقدر ما تكترث لمِحَن هؤلاء الأحياء بالصدفة. تسمع عن شخص اسمه تيد، كان قد اندفع عبر ألسنة اللهب، لينقذ حيوات الآخرين، وقد انتابه عمى موقت، ثم هام على وجهه ستة أيام، وهو يحمل باقة من الزهور بحثاً عن أحبائه. تملص من الصحافيين سنوات طويلة، ودارت الشائعات أنه قرر ألا يتحمل عبء الحياة العصرية، وراح ليسكن كوخاً رثاً في غابة منعزلة تفتقر إلى كل وسائل الحياة الحديثة.
طاردت صور الطيور الميتة مخيلات الناجين بعد أن قضت النيران على الأخضر واليابس. استدعت طفلة المشهد، راوية أن السماء أمطرت عصافير تحت أقدامهم. عصفت الرياح، واحتجبت السماء بقبة من الدخان كالح السواد، فاستعصى على الناس والطيور استنشاق الهواء.
وعلى خلفية شمال كندا الوحشي العصي على الترويض، تُبدع المؤلفة في وصف الرياح والنيران ببلاغة متناهية، تسودها صورٌ شعرية، تجْمع بين الرقة والرعب. تستعين المؤلفة باستعارات حسية للضوء والظلمة وهي تصف ضوءاً ينعكس على وجه الحبيب، فتستحيل الدنيا ضياءً مبهراً. يتولاها العجب من نزوات النيران القادرة على تسلق أعلى القمم، لتنزع عن السماء لونها الأزرق، وتنشر وهجاً أحمر، ثم تتضخم مطلقة صفيراً رهيباً. تثب على أي كائن حي، وتهب من الشاطئ إلى الشاطئ، ثم تقفز على الوُهْدان المشبَّعة بالماء. تلتهم غثاء السيل، ومع ذلك تترك بقرة ترعى في دائرة من العشب! تقر المؤلفة ألا طائل من محاولة احتوائها، فإذ تمتلك تلك القوى المخيفة، لا تطيع إلا ذاتها.
يتضح أن الناجي الوحيد من النيران فارق الحياة غير أن المصورة تنتظرها الكثير من المفاجآت. تلتقي بعجوزين في العقد التاسع من العمر، هما أقرب إلى برية الحيوانات وعاداتها. في بلد ككندا قامت على مغامرة الاستيطان، وإزالة الحدود بين البشري والوحشي، يصطادان الحيوانات طلباً للطعام والفرو، ويعيشان حياة محفوفة بالاحتمالات، من بينها الموت المحلِّق فوقهما كل ليلة، في معيشة سمتها التسكع، تعوزها أبسط قواعد الاستقرار والأمان كما نعهدهما. تتساءل المؤلفة، أحياة البرية هي المتقلقلة أم أنها الحياة الخاملة في دور المسنين؟ لقد هجر توم وشارلي وسائل الراحة والتسلية، ولكليهما سببه الخاص للانزواء، ونبذا البشر إلا اثنين من زارعي الماريغوانا، جلبا لهما مؤناً تعذر توافرها في الغابة.
لم يدريا أن ظهور امرأتين سيبعثر تراب حياتهما المستقرة وروتينهما المطمئن. المصورة والعمة العجوز لأحد زارعي الماريغوانا التي وصفها السرد بفَرْخ صغير هش، قد تطيح به نسمة من عشه. صنَّفتها السلطات الطبية في خانة المختلة عقلياً منذ سن السادسة عشر. وبمجرد أن أنقذها ابن أخيها من المصحة، طفقت، في أول خيار واعٍ لها، ترافق الرجلين في الغابة لتشرع في حياة جديدة باسم جديد، ماري.
وذات يوم، عثر الثلاثة على ثلاثمائة لوحة رسمها البطل الأسطوري تيد، الذي نبش بفنه الانطباعي تاريخَ الحريق وما نسجه من خرافات. وعلى حين لم ير الرجلان إلا خربشات بالفرشاة، تمكنت ماري من تأويل اللوحات، فتبينت الصرخات، والجثث، والناجين وهم يرفعون أعناقهم من أسفل الرماد لتعيد الفرشاة الزيتية تشكيل مآلهم.
هنا تنتقد سوسيه المجتمعات العصرية التي تحتفي بالصبا والشباب الدائمين، وتجافي الشيخوخة كتجربة مريرة لما يلازمها من هَوَن وفقدان للذاكرة، لذا تحشر الطاعنين في السن في دور للمسنين. لقد رفع العجوزان شعار «الحرية هي القدرة على اختيار الحياة والممات»، وقررا قضاء بقية حياتهما بشروطهما ووفق معطياتهما، وفضلا الاستقلال بديلاً عن التواكل والتبعية للمجتمع وتصوراته عن حياة الشيوخ.
وبعدها تتطرق سوسيه إلى ما تعارف عليه من مفهومنا للحياة الجيدة والميتة الجيدة. ومهما اختلفت التعريفات والتصورات، نجدها تنحاز إلى الحق في تحديد المصير، والحق في الانطواء، والأهم، الحق في تحديد كيف وأين ومتى سنموت. وهكذا تحْضر في نهاية الرواية نظرة المجتمع إلى القتل الرحيم. ثمة علبة قصدير تحوي عقاراً ساماً في انتظار الاستخدام، ووعود متبادلة بين الأحباء بألا يتأخر الأجل. ولكن سوسيه تحوِّل الكآبة السوداء إلى دهشة ملؤها الأمل، وكأنها تقول طوبى لغرباء الأطوار، طوبى لمَن يعمِّرون الأرض دون مهابة الموت، مَن يؤمنون بحب لم يندفن بعد أسفل الرماد، وبأمل لم يزل نابضاً في الصدور.


مقالات ذات صلة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ثقافة وفنون الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني».

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

صدرت في برلين أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن دار EBverlag الألمانية للنشر العلمي.

إبراهيم اليوسف (برلين)
كتب «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي»، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية.

حمزة عليوي
كتب محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في الآداب والفنون البصرية»

يحضر التاريخ في «ثلاثية غرناطة» للكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، ليس بوصفه مجرد حدث يعتمد عليه السرد وينطلق منه مؤسساً عليه ومستعيناً به، بل بوصفه نقطةً...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

الذكاء الاصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحولات أخلاقية

صدر حديثاً عن دار نشر أمازون (Amazon Publishing) كتاب جديد للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي


سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة
TT

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، وعلى نحوٍ يجعل الروائي أكثر إغواءً باستعارة أدوات هذا الحكواتي، ليمنح اللغة بهاءها، ولينزع عن التاريخ سلطته، وباتجاهٍ يتحول فيه «الحكي» ذاته إلى خطاب تمثيلي، وإلى موقف من العالم ومن السلطة.

في رواية «ماء العروس» للروائي السوري خليل صويلح، الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، 2025) ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع، وإلى المكان الموازي، المكان الذي يقترحه المؤلف، حيث التوازي بين المكان البعيد/ الصحراء والمكان الدوستوبي، الذي يستغرقه العنف والقمع والقتل، حيث يشاهد الابن/ البطل الأضحوي إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.

في عالم البدو لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل من هذا العالم مجالاً سردياً ضاجَّاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال حكاياتها، فعمد إلى كسر الرتابة، عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدثٍ إطاري صادم، حيث يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مُهينة، بواسطة حبل طويل يجرّه حصان بتهمة «حيازة سلاح غير مُرخّص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة، وكأن الروائي أراد توظيف هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة، فالصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي قد يكون هو أنموذج السلطة، والسلاح قد يكون كناية عن الخطاب والموقف المعارض.

التصعيد الدرامي الذي أحاط بمشهد «السحل» بدا الأقرب إلى بناء مشهد ملحمي، يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي عبر الطفل إسماعيل، وللصراع الخارجي، حيث تمثلات العنف السلطوي، و«الاستغاثات» العائلية ونحيب الطفل، وإحالاتها الرمزية للضحايا، وللشخصيات التي اختارها الروائي من المكان المعزول والهامشي، والتي توحي بالعجز، وبالهامشية والدونية.

تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة، تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن إسماعيل من مشاعر الغضب والكراهية والسخط، وهو ما يتبدى من خلال لعبته في تمثيل سردية الاستعادة، حيث علاقاته الغريبة، وحيث تدوين «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، وعلى نحوٍ يُمكِّنَه من التصرف بمسار الحكاية، لتناسب مآلاتها، وتحويل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية الغائب، ذات الحمولة المثيولوجية، لكي يكتسب غيابه بعداً نفسياً، يسوِّغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة، وعن مواجهة الجرح النرجسي، وعلى نحوٍ يسمح للعبة السرد أن تُشكل لها مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن، مثلما تتغير معها مصائر شخصياته، وصولاً إلى التحكم بنهاية حكايته، لكي يجعل منها «مسودة» سردية أو مجموعة من التخطيطات السردية/ الاسكتشات التي تتناسب وصراعه الداخلي، وحيث انفتاحها على التغير والإضافة والحذف.

ما لا يشبه الواقع

خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم، لا يعني سوى أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لكي يتمكن من تتبع تحولات المجرى السردي، عبر وظيفة تقانة الاستعادة، وعبر الكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة حدث مشهد الأب المسحول، والمشاعر المضطربة التي ظلت تستثيره دائماً، وترافقه كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب، مع سنواته، ومع تحولاته، ومع استغراقات سردية لم يشأ أن يجعلها بعيدة عن تنامي الأحداث، وعن مخطوطة «مستودعه السردي» الذي جعله أكثر تمثيلاً لصوته الداخلي الذي لم يتركه، فهو صوت ذاته المستلبة، الذي يندمج عبر التصعيد الروائي مع أصوات الشخصيات الأخرى، ليصنع «ملفاً سردياً» تستغرقه كثير من الحكايات الغامضة والسحرية، والمفتوحة على اللانهائي.

فصول الرواية الثلاثون تقوم على أساس شروط لعبة الحكي، حيث تنامي الحدث، وحركة الشخصيات، وتعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية لتكون مدونته النرجسية، حيث الإشباع الرمزي، ومواجهة مأزقه الوجودي، إذ لا يمكنه التحرر منها إلا عبر الاعتراف، باعتباره تطهيراً موازياً، فتقوده الشفرة السحرية لـ«نهر الخابور» إلى ما يشبه فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»، وعلى نحوٍ تتحول فيه الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، حيث يعمد الروائي إلى تفكيك المتواري والمخفي، وإلى تحويل الرواية التي تخلو من العناوين إلى بنية إطارية مفتوحة، تتوالى حكايتها، عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، وبين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي.

ما يُثيره خليل صويلح في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته، وسط عالم مُشبَع بذاكرة فاجعة، وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق، حد أن زمن الرواية الموزع بين الحكايات، يدفع الروائي إلى تمثيل زمنه السردي، بوصفه زمناً ضدياً، يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا، أو عبر استعادة ما يشبه «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص، وحيث الإشباع والارتواء، وحيث تدوين العالم عبر مخطوطة تتضاد مع التاريخ، لتبدو وكأنها رواية سيرة الولد الذي يكره ذلك العالم عبر السلطة، ويبحث عن خلاصه عبر الكتابة.

التحول في تمثيل شخصية «الابن إسماعيل» يعكس علاقة هذا التمثيل عبر الكتابة، بوصفها صناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة، حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، وذاكرة المكان الديستيوبي، من خلال الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري موسى صبري التي يحملها، فيجعلها شفرة دالة على رفض ذاكرة المكان/ خيمة سحل الأب، مقابل الإيحاء بالرفض الداخلي لقانون الطوارئ وبيئة الفساد السياسي والإنساني.

تحول خوف الابن إسماعيل إلى كنايةٍ عن خوف جيل جعلته من السلطة محكوماً باللاوعي المُجهَض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» الذي بدا وكأنه الضد النوعي الرافض للخوف، والذي حمل معه أسئلة ضدية، حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرّف على أسرار القوة الغاشمة التي تملكها السلطة، والقائمة على أساس صناعة الخوف، أو القبول بالوظيفة «القربانية» التي تتحول إلى موقف سلبي، وإلى ممارسة نكوصية تجعل من النزع الأضحوي وكأنه دافع نفسي تطهيري للخلاص من الشر، أو الذهاب إلى السخرية، بوصفها سردية مضادة، ينزع فيها الروائي إلى الاستخدام الساخر لمفردات من التاريخ والحكاية والمثل الشعبي، وإلى ما تحمله من إحالات نفسية ورمزية، لتضعنا إزاء ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفجة» واقعية الفضح والإخفاء والزيف والإحساس بالإثم، حيث يقول بسخرية تُخفي مرارته العميقة بأنه يشبه «شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق».

التاريخ وسرديات الانقطاع

تقانة البناء الروائي عند صويلح لا تميل إلى الحكي التقليدي، ولا إلى صناعة الشخصية التقليدية، فبقدر ما يبدو الواقع حاضراً فيها بوصفه مجالاً سردياً، فإن الانقطاع التاريخي يتبدى وكأنه مفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه، أو التمرد عليه، وعلى أن يجعل من «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع الذي يتنامى، وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها، عبر توظيف سردية البناء الموازية، الذي يجعل منها الروائي تمثيلاً سيميائياً لتقابل الصراع الوجودي والصراع السياسي، مع الصراع النفسي الذي تعيشه شخصياته المأزومة.

هذا التقابل ينفتح على سلسلة من التشكّلات التي تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، وعبر ما تسوغه من تمثيل لفكرة الصراع الإطاري، وللشخصية التي تستدعي الزمن السردي، لمواجهة الزمن الواقعي، ولضبط إيقاع تنامي وظائفها في سياق تنامي وحدات السرد، وفي الكشف عن أزمة البطل الوجودي، أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان، ومع نفسها، وعبر الإحساس بتشظيها الداخلي، فروايته المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية، أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي ما تحمله من هواجس، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد، ومحنة العجز الثوري، والخوف السيميائي، فلا تجد تفريغاً له، سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية، وعبر الغوص في الكتابة بوصفها تفريغاً للمكبوت، وإشهاراً للصوت الداخلي الذي يشاطره الإنصات إلى المخفي خلف «ثقب» السرد بالتوصيف الباربوسي، توهماً بالامتلاء، وإحساساً بأن ما يستعيده، هو ما يكتبه، وما يجعله أكثر شغفاً بسردية الخلاص، وتطهير الجسد عبر تفريغ عذاباته النرجسية، وكابوس الموت الذي ظل يساكنه.


جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.