توتنهام وتاريخ من المشكلات مع ملعب «وايت هارت لين»

تأجيل افتتاح الاستاد الجديد مرة جديدة ما هو إلا تكرار لأحداث فوضوية منذ 30 عاماً

ملعب «وايت هارت لين» وتاريخ طويل من المشكلات
ملعب «وايت هارت لين» وتاريخ طويل من المشكلات
TT

توتنهام وتاريخ من المشكلات مع ملعب «وايت هارت لين»

ملعب «وايت هارت لين» وتاريخ طويل من المشكلات
ملعب «وايت هارت لين» وتاريخ طويل من المشكلات

يبدو أن استضافة مباريات الكرة داخل ملعب «وايت هارت لين» ليست مشكلة حديثة بالنسبة لتوتنهام هوتسبر، وتأجيل افتتاح الاستاد الجديد مرة جديدة ما هو إلا تكرار لأحداث سبق أن حدثت قبل 30 عاماً.
وكان من المقرر افتتاح الاستاد الجديد الذي بني في مكان ملعب توتنهام القديم «وايت هارت لين» ويسع لنحو 62 ألف متفرج في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكن سلسلة من التأجيلات أخرت موعد الافتتاح عدة مرات.
في أغسطس (آب) 1988، أخفق النادي في إنجاز مباراة على أرضه خلال اليوم الافتتاحي للموسم. وكانت تلك بداية فوضوية للموسم الأول الكامل للمدرب تيري فينابلز مع النادي. في ذلك الصيف، كانت جنبات نادي توتنهام تفور بمشاعر إثارة كبرى مع الإعلان عن صفقات ضخمة تمثلت في ضم بول غاسكوين وبول ستيوارت. وساد شعور بالتفاؤل حول أن فينابلز في بداية بناء فريق قادر على المنافسة على البطولات. إلا أن الأمور نادراً ما تسير بسلاسة داخل توتنهام هوتسبر.
داخل أرض الملعب، سرعان ما بدا واضحاً أن إغداق الأموال على الصفقات الجديدة لن يوفر حلاً فورياً لمشكلات الفريق. وسقط توتنهام هوتسبر بأربعة أهداف دون مقابل أمام جاره وغريمه آرسنال خلال بطولة ماكيتا التي جرت قبل انطلاق الموسم على أرض استاد ويمبلي، الأمر الذي جاء بمثابة جرس إنذار. ومع أن النتائج خلال المباريات الودية لا تشكل مؤشراً موثوقاً به في تقييم إمكانات فريق ما، فإن توتنهام هوتسبر بدا هشاً مع انطلاق الموسم.
وانعكست مشاعر الريبة المحيطة بالفريق الذي تولى فينابلز قيادته على أحداث وقعت خارج الملعب. كانت جهود إصلاح الأرضية في «وايت هارت لين» قد بدأت في يونيو (حزيران)، بينما أبدى رئيس النادي إيرفينغ سكولار ثقته في أن هذا العمل سيجري إنجازه قبل بدء الموسم الموافق 27 أغسطس. ومع مرور الأسابيع واستمرار العمل، تحول الأمر إلى سباق مع الزمن للانتهاء من تجهيز الاستاد قبل مباراة النادي الافتتاحية أمام كوفنتري. وفي ظل توقعات بمشاركة غاسكوين في المباراة، كان من المتوقع تدفق الجماهير بأعداد غفيرة على الاستاد، ما زاد من إلحاحية الحاجة لإنجاز العمل في الاستاد.
في تمام الثامنة ونصف مساءً، من ليلة الجمعة، قبل المباراة الأولى، زار سكولار ملعب «وايت هارت لين»، ومن الواضح أنه تلقى تأكيدات بأن أرض الملعب ستكون جاهزة اليوم التالي. إلا أنه ببزوغ صباح اليوم التالي، بدا واضحاً أن الأمور بعيدة تماماً عن الوضع المأمول. ومع استمرار وجود ركام في أرض الاستاد بحاجة للتخلص منه، رفض مسؤولو الشرطة والسلطة المحلية إصدار شهادة سلامة للنادي.
في تمام التاسعة صباحاً، قبيل 6 ساعات فقط من انطلاق المباراة الافتتاحية، لم يجد توتنهام هوتسبر حلاً سوى إرجاء المباراة. ومع أن القرار أعلن قبل أنه يبدأ فريق كوفنتري والعاملون معه رحلتهم إلى لندن، فإن رئيس النادي، جون بوينتون، أبدى ضيقه من الموقف، وتساءل: «كيف يمكن لناد أن يستغرق فترة ما بين الموسمين بأكملها وحتى التاسعة من صباح يوم المباراة قبل أن يخطرنا بأنه ليس هناك شهادة سلامة... هذا أمر يتعذر تصديقه. لقد خيبوا أمل جماهيرهم وخيبوا أملنا نحن أيضاً. لقد كان توتنهام هوتسبر واحداً مما يطلق عليها الأندية الخمسة الكبرى، لكن يبدو أنهم عاجزون عن ترتيب أوضاعهم».
من جهته، وجه المتحدث الرسمي باسم بطولة الدوري، آندي سميث، انتقادات للنادي لا تقل حدة، وقال: «هذا الأمر لا يخدم مصداقية كرة القدم. لقد أعطونا انطباعاً واضحاً بأن العمل سيجري تنفيذه خلال الليل، بحيث يمكن عقد المباراة. بالتأكيد هذه ليست الطريقة الصائبة لبدء موسم».
وسرعان ما تحول الاهتمام نحو العقوبات المحتملة التي ربما يواجهها توتنهام هوتسبر. وجرت الإشارة بانتظام إلى القاعدة التنظيمية رقم 24 لبطولة الدوري والتي تنص على أن: «أي نادٍ يخفق في إنجاز التزاماته المتعلقة بالمباريات دون سبب وجيه سيصبح عرضة لخصم نقطتين من رصيده».
أيضاً، ذكرت القواعد إمكانية تغريم النادي كعقاب محتمل. في كل الأحوال، كان من المتوقع أن تنزل لجنة من المقرر أن تجتمع في 17 أكتوبر (تشرين الأول) عقاباً قاسياً بالنادي.
واستقر مصير توتنهام هوتسبر في يد مسؤول بطولة الدوري، فيل كارتر، ولجنته التي تضم العضوين رئيس نادي أولدهام إيان سكوت ورئيس بلاكبيرن بيل فوكس. جدير بالذكر أنه في الموسم السابق لذلك تعرض نادي ترانمير لخصم نقطتين من رصيده لفشله في استضافة مباراة الموسم الخاصة به، وكانت أمام بولتون، بسبب خلاف حول عدد أفراد قوة الشرطة. وفي وقت كان هذا العقاب لا يزال حياً في الأذهان، لم تشكل النتيجة التي خلصت إليها اللجنة مفاجأة تذكر. ورغم الطعون التي تقدم بها مسؤولون من توتنهام هوتسبر، عوقب النادي بخصم نقطتين من رصيده. وأعلن كارتر أنه: «تبعاً للقاعدة رقم 24، ليس أمامنا خيار سوى خصم نقطتين». وأضاف بوينتون: «لا أحمل ضغينة ضد توتنهام، لكن القواعد هي القواعد وقد خرقوها».
وعلى الفور، أعلن سكولار أن توتنهام سيتقدم بالتماس ضد العقوبة. وللوهلة الأولى، بدا عند النظر إلى جدول ترتيب أندية الدوري الممتاز أن باستطاعتهم استعادة النقطتين. إلا أنه على أرض الواقع فاز توتنهام هوتسبر بمباراة واحدة في الدوري الممتاز وسقط إلى منطقة الهبوط بعد جلسة الاستماع. وبعد خصم النقطتين، خسر الفريق المباريات الأربع التالية.
الغريب أن مدافع توتنهام هوتسبر تيري فينويك أبدى قلقه من أن يحول هذا العقاب بين توتنهام واللقب. وقال: «سيكون من العار أن نخسر البطولة نهاية الموسم بسبب فارق نقطتين». يمكنكم وضع مثل هذا التصريح في خانة التفاؤل الأعمى!
وأعرب فينابلز هو الآخر، الذي أصبح في تلك اللحظة تحت وطأة ضغوط أكبر، عن غضبه، وقال: «ليس هناك دولة أخرى بالعالم كانت لتصدر مثل هذا القرار. إنه عار. ما علاقة إخفاق مسؤولينا في تجهيز المدرجات لاستقبال الجماهير في مباراتنا أمام كوفنتري، بالفريق نفسه؟ هذا ظلم بين أن يتعرض اللاعبون للعقاب عن شيء خارج سيطرتهم تماماً».
وتحدد موعد النظر في الاستئناف الذي تقدم به النادي في 30 نوفمبر (تشرين الثاني). وبعد اجتماع استمر 4 ساعات، وافقت لجنة الدوري على تعديل العقوبة، وذلك باستعادة توتنهام نقطتيه، وتغريمه بدلاً من ذلك 150 ألف جنيه إسترليني. وقال متحدث رسمي باسم الدوري: «شعرنا ببعض الشكوك حول منطقية العقاب الأول».
وأقر سكولار بنبرة تشي بالارتياح بأن: «بهذا السعر، سنود لو أننا نشتري نقطتين كل أسبوع. لقد راودنا شعور قوي منذ البداية بأن العقوبة الأصلية خاطئة. وقد كلفنا الأمر غرامة كبيرة تبلغ 150 ألف جنيه إسترليني، لكن لا شيء يكافئ تبرئة اسم النادي».
أما فينابلز، فلم يستطع إخفاء فرحته بهذا التحول في مسار الأحداث، وقال: «لقد استعدنا ما كنا نملكه عن حق في المقام الأول. لقد كنا بحاجة لاستراحة كتلك وربما سيشكل ذلك نقطة تحول في مسار موسمنا. وربما تكون تلك الدفعة التي نحتاج إليها». وبالفعل، تمكن توتنهام هوتسبر من تحويل دفة مسار أدائه. ومع أنهم لم ينافسوا على البطولة مثلما توقع فينويك، فإنهم أنجزوا الموسم في المركز السادس. واللافت أنهم أنجزوا الموسم بفارق نقطتين تقدموا بهما على الفريق الآخر الطرف في مشكلة إرجاء مباراة الافتتاح.
في النهاية، لم يصب توتنهام هوتسبر سوءاً فيما عدا غرامة الـ150 ألف جنيه إسترليني الخفيفة. على الأقل، بمقدور النادي الاستفادة من هذا الموقف كدرس قيم والحرص على عدم تكراره مستقبلاً.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.