ترمب ينتقد الأنباء {السخيفة} عن إخفاء تفاصيل محادثاته مع بوتين

مجلس الشيوخ يستعد للمصادقة على تعيين وزير عدل جديد

ترمب يتحدث عن الإغلاق الحكومي الجزئي مع قادة الكونغرس الجمهوريين الأربعاء الماضي (أ.ب)
ترمب يتحدث عن الإغلاق الحكومي الجزئي مع قادة الكونغرس الجمهوريين الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

ترمب ينتقد الأنباء {السخيفة} عن إخفاء تفاصيل محادثاته مع بوتين

ترمب يتحدث عن الإغلاق الحكومي الجزئي مع قادة الكونغرس الجمهوريين الأربعاء الماضي (أ.ب)
ترمب يتحدث عن الإغلاق الحكومي الجزئي مع قادة الكونغرس الجمهوريين الأربعاء الماضي (أ.ب)

نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما أورده تقرير صحافي حول رفضه إطلاع كبار مسؤولي إدارته الأميركية على تفاصيل محادثاته مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وفي مقابلة أجرتها معه شبكة «فوكس نيوز» ليل أول من أمس، نفى ترمب ما أورده التقرير الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، ووصفه بـ«السخيف». وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأميركي سعى إلى كتمان ما تطرّق إليه خلال محادثاته مع بوتين، وأنه صادر الملاحظات التي دوّنتها مترجمة حضرت قمة هلسنكي، وأمر بعدم الإفصاح عمّا طرح خلال اللقاء.
وكان ترمب قد أعلن أنه أجرى «محادثات رائعة» مع بوتين في قمة جمعتهما بهلسنكي في يوليو (تموز) 2018. ولدى سؤاله عن سبب رفضه الإفصاح عن تفاصيل المحادثات التي دامت لنحو ساعتين، أجاب ترمب: «سأفعل ذلك». وتابع الرئيس الأميركي: «لقد أجريت محادثات مثل كل الرؤساء»، مضيفاً: «لقد تحدّثنا عن حماية أمن إسرائيل، وأمور أخرى عدة... أنا لا أخفي شيئاً، ولا أكترث البتة. الأمر سخيف جداً». وقال الرئيس الأميركي: «كان يمكن لأي كان أن يستمع لذلك الاجتماع، إنه متاح للجميع». وبحسب الصحيفة الأميركية، ليس هناك أي سجل مفصّل للمحادثات التي أجراها ترمب مع بوتين في 5 مناسبات خلال السنتين الماضيتين، حتى على شكل وثائق سرية. ويستند التقرير إلى معلومات تقول الصحيفة إنها حصلت عليها من مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأميركية.
وقال ترمب، خلال المقابلة مع «فوكس نيوز»، إنه لم يتم اكتشاف «أي تواطؤ» بين فريق حملته الانتخابية في 2016 وروسيا، وإنه (ترمب) كان أفضل من المرشّحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وإن الاقتصاد الأميركي «هو الأقوى في العالم»، وإن صحيفة «واشنطن بوست» هي «أساساً مجموعة ضغط لـ(شركة) أمازون». يشار إلى أن الملياردير الأميركي جيف بيزوس يملك كلاً من مجموعة «أمازون» وصحيفة «واشنطن بوست».
كذلك، هاجم الرئيس الأميركي تقريراً لصحيفة «نيويورك تايمز»، أفاد بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) فتح تحقيقاً غير معلن في عام 2017 لتحديد ما إذا كان ترمب يشكل تهديداً للأمن القومي، بالتزامن مع التحقيق في احتمال إعاقته سير العدالة. وقد دُمجت تحقيقات الـ«إف بي آي» لاحقاً في التحقيق الموسع الذي يقوده المحقق الخاص روبرت مولر حول تدخل روسيا في انتخابات 2016، واحتمال تواطؤ حملة ترمب معها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
ولدى سؤاله في المقابلة مع الشبكة الأميركية «فوكس نيوز» عمّا إذا كان قد عمل في السابق لمصلحة روسيا، اكتفى ترمب بالقول: «أعتقد أنه السؤال الأكثر إهانة الذي وجّه إلي». ووصف الرئيس الأميركي ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه «التقرير الأكثر إهانة الذي كتب عني، وإذا قرأتموه سوف ترون أنهم لم يكتشفوا شيئاً على الإطلاق».
ولم يُكشف علناً عن أي أدلة بأن ترمب تواصل سراً مع مسؤولين روس أو تلقى منهم تعليمات. واشتبه مكتب التحقيقات الفيدرالي بوجود روابط بين ترمب وروسيا خلال الحملة الانتخابية في 2016، لكنّ المكتب لم يفتح تحقيقاً في ذلك إلى أن أقال الرئيس مدير الـ«إف بي آي»، جيمس كومي، الذي رفض وقف التحقيق في تدخل روسيا بالانتخابات، بحسب «نيويورك تايمز».
وصدرت عن تحقيق مولر اتهامات بحق 33 شخصاً، بينهم 3 من كبار معاوني ترمب السابقين. وأقر مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي، مايكل فلين، بأنه أدلى بإفادات كاذبة خلال التحقيقات حول علاقاته بموسكو. كما حُكم على مايكل كوهين، محامي ترمب السابق، بالحبس 3 سنوات بعد إدانته بعدة جرائم، من بينها دفع مبالغ مالية لشراء صمت امرأتين زعمتا أن ترمب أقام علاقة معهما.
وأدين رئيس حملة ترمب الانتخابية السابق بول مانافورت في تهمة وجهها إليه مولر، بينما أقرّ بذنبه في قضية أخرى، تتعلق بجرائم مالية مرتبطة بعمله في أوكرانيا قبل حملة 2016، إضافة إلى التلاعب بالشهود.
وفي هذا الصدد، تناقش لجنة بمجلس النواب الأميركي ما جاء في تقرير «نيويورك تايمز»، حسبما قال رئيس اللجنة الذي ينتمي للحزب الديمقراطي يوم السبت. وقال جيرولد نادلر، رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب، إن لجنته «ستتخذ خطوات من أجل فهم كل من إجراءات الرئيس ورد مكتب التحقيقات الاتحادي على هذا السلوك بشكل أفضل خلال الأسابيع المقبلة»، وأضاف أن النواب سيسعون إلى حماية المحققين من «الهجمات المشوشة على نحو متزايد» للرئيس. وتابع نادلر في بيان: «ليس هناك ما يدعو للتشكيك في جدية أو مهنية مكتب التحقيقات الاتحادي، مثلما فعل الرئيس في رد فعله على هذه الرواية»، وقال: «لقد علمنا من هذا التقرير أنه حتى في بداية إدارة ترمب، كان سلوك الرئيس مثيراً للقلق إلى حد أن مكتب التحقيقات الاتحادي شعر بأنه مضطر للقيام بهذا الإجراء غير المسبوق، وهو فتح تحقيق في مجال مكافحة التجسس مع رئيس في أثناء وجوده بالسلطة».
في المقابل، رفض البيت الأبيض مقال الصحيفة في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، ووصفه بـ«السخيف»، واعتبرت الناطقة الإعلامية باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، أن ما جاء في التقرير لا يستحق رداً.
وعلى صعيد متصل، يبدأ مجلس الشيوخ، غداً (الثلاثاء)، إجراءات المصادقة على تعيين ويليام بار الذي اختاره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتولي منصب وزير العدل، مع جلسة استماع أمام أعضاء المجلس الذين ينوون الكشف عن نواياه بشأن التحقيق الروسي شديد الحساسية. ويجب، وفق الدستور، أن يصادق مجلس الشيوخ على تعيين بار (68 عاماً) وزيراً للعدل، بعدما كان قد تولى هذا المنصب مطلع تسعينات القرن الماضي خلال رئاسة جورج بوش الأب. ويتمتع الجمهوريون بأغلبية 53 مقعداً من أصل 100 مقعد، الأمر الذي يسهل المهمة.
ويتعين على ويليام بار، الذي يطلق عليه اسم بيل، تبديد الشكوك التي ولدها الكشف عن مذكرة يعارض فيها التحقيقات في صلات مفترضة بين فريق ترمب الانتخابي في 2016 وروسيا. وأعرب بار عن مخاوفه بشأن جزء من التحقيق في مذكرته التي أرسلها إلى وزارة العدل في يونيو (حزيران) الماضي، معتبراً أن تحقيق مولر «صمم بشكل لا يمكن إصلاحه، وغير مسؤول بشكل كبير»، حسبما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال».
وسيكون من مهام بار، بوصفه وزيراً للعدل، الإشراف على التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر، مما يثير حفيظة المعارضين الديمقراطيين الذين يخشون من أن يضعف ذلك التحقيق.
وتساءل السيناتور الديمقراطي تيم كين عما إذا كانت تلك المذكرة «تمهيداً لوقف التحقيق، أو محاولة لإخفاء استنتاجاته عن الرأي العام الأميركي»، فيما دعا زعيم الديمقراطيين في المجلس، تشاك شومر، الرئيس لسحب ترشيحه، إلا أن الجمهوريين اعترضوا على ذلك. وقال السيناتور ليندسي غراهام، الأربعاء، إن بار «لديه رأي جيد للغاية حول مولر، وهو مصمم على السماح له بإتمام عمله».
وويليام بار كان مسؤولاً عن مولر حين كان وزيراً للعدل خلال رئاسة جورج بوش الأب (من 1991 حتى 1993). وكان مولر يتولى آنذاك إدارة الشؤون الجنائية في الوزارة. وفي مايو (أيار)، حين كلف مولر بالتحقيق الروسي، أشاد بار بهذا الخيار، وقال في مقابلة إنه «واثق» بأن المدعي الخاص «لن يترك التحقيق ينجرّ إلى حملة مطاردة من دون نهاية».
وبار خريج جامعة كولومبيا العريقة، وقد عمل لحساب وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»، ولدى محاكم في العاصمة الفيدرالية ومكاتب قانون خاصة، قبل أن يُعيّن وزيراً للعدل في فريق الرئيس جورج بوش الأب. والتحق بار، بعد انتخاب بيل كلينتون، بالقطاع الخاص، وانضم للعمل في شركة «فيرايزون» للاتصالات، كما عمل مؤخراً في أحد أكبر مكاتب المحاماة في نيويورك.
وكان يعلق بانتظام على الأخبار، حيث أثارت بعض تصريحاته استغراب الديمقراطيين. وأيّد إقالة ترمب لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي في مايو 2017، وقال: «إنني أتفهم أن الإدارة لا ترغب في وجود مدير لمكتب التحقيقات الفيدرالي لا يحترم حدود سلطته».
كما دافع عن دعوة ترمب لإجراء تحقيق حول منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وأعلن أنه «ليس هناك أي خطأ جوهري في أن يطالب رئيس بإجراء تحقيق»، فيما يؤكد الدستور على الفصل الصارم بين السلطات التنفيذية والقضائية.
وفي حال صادق مجلس الشيوخ على تعيين بار، فسيخلف جيف سيشينز الذي أقاله ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد أن اتّهمه بالنأي بنفسه عن التحقيق الروسي، مما حرمه من جدار حماية. ويتولى ماثيو ويتاكر منذ شهر منصب وزير العدل بالوكالة.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».