الحوثيون يهاجمون استعراضاً للجيش اليمني بطائرة إيرانية مفخخة

تنديد دولي وغضب حكومي يلوح باستخدام كافة الخيارات... والسعودية تتهم طهران بنشر الإرهاب

TT

الحوثيون يهاجمون استعراضاً للجيش اليمني بطائرة إيرانية مفخخة

في تصعيد جديد للميليشيات الحوثية هاجمت الجماعة أمس استعراضا عسكريا للجيش اليمني في «قاعدة العند العسكرية» (50 كيلومترا شمال عدن) كان يحضره كبار قادة الجيش، وذلك بتفجير طائرة مسيرة مفخخة يرجح أنها إيرانية الصنع بحسب ما أفادت به أمس لـ«الشرق الأوسط» مصادر ميدانية.
وأدى الهجوم الذي نفذ أثناء الاستعراض بحضور رئيس هيئة الأركان في الجيش اليمني عبد الله النخغي إلى مقتل أربعة جنود وإصابة 20 آخرين بينهم قيادات عسكرية بارزة، وفقا لمصادر طبية في عدن تحدثت إلى «الشرق الأوسط». وذكرت المصادر أن «إصابات عدد من قيادات الجيش بمن فيهم رئيس الأركان ونائبه وقائد المنطقة العسكرية الرابعة كلها طفيفة وأنه لا خطر على حياتهم».
وفيما توالت ردود الأفعال الغاضبة على الهجوم الحوثي الذي أكدته الجماعة زاعمة أنه تم بجيل جديد من طائرات الدرونز المطورة، أكدت الحكومة اليمنية أن جميع الخيارات السياسية والعسكرية مفتوحة للرد على قيام الميليشيات الحوثية يوم أمس باستهداف الاستعراض العسكري. ووصف راجح بادي المتحدث باسم الحكومة اليمنية ما حدث بأنه يهدد بنسف عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة والدول الراعية، مبيناً أن اتفاقية استوكهولم باتت في منعطف خطير.
وقال بادي لـ«الشرق الأوسط» إن ما حدث أمس جاء بعد ساعات من جلسة مجلس الأمن وحديث المبعوث الأممي لليمن مارتن غريفيث عن أجواء إيجابية نحو السلام وحديثه عن التزام الحوثي وحرصه على اتفاقية استوكهولم يمثل منعطفا خطيرا يهدد عملية السلام برمتها». وطالب المتحدث باسم الحكومة اليمنية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بموقف حازم وواضح تجاه ما حصل لا سيما أن ذلك كان في عمل تدريبي وليس في جبهات القتال، وقال «على المجتمع الدولي والأمم المتحدة اتخاذ موقف حازم تجاه ما حصل، ونؤكد أن خياراتنا سياسيا عسكرياً مفتوحة».
وتابع «هذا يجعل الحديث عن رغبة الحوثيين في إنجاح تفاهمات استوكهولم وتسوية شاملة مجرد وهم وسراب، إذ يحاول البعض خداع المجتمع الدولي بهذا السلام، كما يؤكد أننا أمام جماعة إرهابية لا تفهم إلا لغة واحدة هي لغة السلاح وما سوى ذلك هو مضيعة للوقت، واستهتار بمعاناة ودماء الشعب اليمني».
ويأتي الهجوم بعد يوم على مطالبة موفد الأمم المتحدة إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث الأربعاء طرفي النزاع في اليمن، بالدفع لتحقيق «تقدم كبير» بعد الاتفاقات التي تم التوصل إليها في ديسمبر (كانون الأول) في السويد. وقال غريفيث أمام مجلس الأمن عبر الدائرة المغلقة إنه لا بد من إحراز «تقدم كبير» قبل جولة مفاوضات جديدة.
ووثقت عدسات التلفزيون اليمني الحكومي لحظة انفجار الطائرة أمام المنصة الرئيسية للاحتفال في قاعدة العند، حيث كان يوجد رئيس هيئة الأركان اللواء بحري عبد الله النخعي، ونائبه اللواء صالح الزنداني، ومحافظ لحج اللواء أحمد التركي، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء فضل حسن، بالإضافة إلى قيادات عسكرية أخرى.
ووصف السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، العملية الحوثية بـ«الإرهابية»، وقال في تغريدة على «تويتر» إن العملية الإرهابية التي نفذتها ميليشيات الحوثي، أكدت أن إيران مستمرة في نقل المعرفة التي تمتلكها الدول إلى الميليشيات الإرهابية في المنطقة والعالم، وهو مؤشر خطير لتنامي قدرات الجماعات الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني التي يتمدد إرهابها من المنطقة إلى أوروبا.
وتواصلا لردود الفعل الحكومية، دانت اللجنة الأمنية العليا اليمنية في اجتماع استثنائي ترأسه في عدن أمس رئيس مجلس الوزراء الدكتور معين عبد الملك، الهجوم الحوثي.
وقالت في بيان رسمي «إن تصعيد ميليشيات الحوثي الانقلابية، الأخير، باستهداف قاعدة العند الجوية بمحافظة لحج، وتكرار انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة، والتنصل عن تطبيق ما تم الاتفاق عليه في السويد برعاية الأمم المتحدة، هي رسائل تحدٍ سافرة للمجتمع الدولي وقراراته الملزمة، ومؤشر واضح على رفضها الصريح لجهود السلام، والمضي في تنفيذ أجندة داعميها في طهران».
وفي بيان صحافي لمجلس الوزراء اليمني اعتبرت الحكومة اليمنية «أن صمت الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي وتساهلها مع هذه الميليشيات المتمردة وعدم الجدية والحزم في تنفيذ قراراتها الملزمة، هو ما شجعها على التمادي في نهجها العدواني والوحشي وتهديدها للأمن الإقليمي».
وقالت الحكومة في بيانها «إن تزامن تكثيف إطلاق الطائرات الإيرانية المسيرة والمفخخة منذ اتفاق السويد عمل مخطط وممنهج يهدف إلى إفشال جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه إلى اليمن، لتحقيق اختراق في مسار إنهاء الحرب التي أشعلتها وتشير بوضوح إلى تورط طهران في توجيه أفعالها بما يخدم مصالحها.
وطالبت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي «باتخاذ أفعال جادة وليس إدانات كلامية أو تلميحات تهدئة، يجري تفسيرها بشكل خاطئ من قبل الميليشيات الانقلابية، مؤكدة أن الحكومة الشرعية والتحالف العربي الداعم لها لن تقف مكتوفة الأيدي في حالة استمرار هذا التمادي والمساعي الحوثية لإطالة أمد الحرب».
وقالت إنها «تضع المجتمع الدولي مجددا أمام مسؤولياته، لتحديد المعرقلين للسلام» مستنكرة ما وصفته بـ«تمرد إيران على القرارات الأممية الملزمة واستمرارها في انتهاك حظر تسليح الحوثيين وتزويدهم بالطائرات المسيرة وتهريب الصواريخ والأسلحة إليهم».
وفي أول إدانة دولية ندد السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون بالهجوم الحوثي وذلك في تغريدة تابعتها «الشرق الأوسط» على صفحته في «تويتر».
وقال آرون «أدين الاعتداء لطائرة بدون طيار على قاعدة العند التي أدت إلى خسائر في أرواح اليمنيين». وأضاف «تصعيد النزاع في أي مكان في اليمن يتعارض مع روح اتفاق استوكهولم حيث اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار في الحديدة كخطوة أولى نحو السلام. يجب على جميع الأطراف إظهار ضبط النفس وتجنب الأعمال الاستفزازية».
من جهته أجرى نائب الرئيس اليمني الفريق الركن علي محسن الأحمر اتصالاً هاتفياً برئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن عبد الله النخعي للاطلاع على المستجدات وتفاصيل الهجوم الحوثي الذي أدى إلى مقتل أربعة جنود وإصابة آخرين. وطبقا لما أوردته وكالة «سبأ» ترحم الفريق الأحمر على أرواح القتلى داعيا بالشفاء للجرحى والمصابين وقال: «إن هدف استعادة الدولة والشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية والحفاظ على الجمهورية والمكتسبات الوطنية وإحلال السلام الدائم هدفٌ لا رجوع عنه مهما كانت الصعاب باعتباره الطريق الأمثل لأمن اليمن واستقرار المنطقة ووقف تدخلات إيران ودعمها المسلح للميليشيات الطائفية والعنصرية».
وأشار إلى «أن مثل هذه الحوادث وغيرها التي تستهدف أبناء الشعب وتهدد الأمن والسلم الدولي تمنح اليمنيين والأشقاء والأصدقاء القناعة والإصرار بضرورة العزم على قطع دابر ميليشيات الإرهاب الحوثي وإخضاعها لقوة الدولة وسلطة النظام والقانون».
وفي تغريدات لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني تابعتها «الشرق الأوسط»، دان الوزير «بشدة الهجوم الإرهابي الذي نفذته الميليشيات على عرض عسكري في قاعدة العند بمحافظة لحج بواسطة طائرة إيرانية مفخخة واستهدفت به قيادات وضباطا وأفرادا من الجيش الوطني خارج مناطق المواجهات العسكرية وبعيدا عن مناطق التماس.
وقال «إن توقيت هذا العمل الإرهابي يمثل ضربة قوية لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص لليمن لحل الأزمة اليمنية، وتأكيدا على أن هذه الميليشيات الحوثية لا تؤمن بلغة السلام ولا تجيد إلا القتل والإرهاب ولا تفهم إلا لغة السلاح، ودليلا قاطعا على استمرار الدعم الذي يقدمه نظام طهران لها».
وتوعد الإرياني الجماعة الحوثية وقال: «جريمة استهداف قاعدة العند بلحج لن تمر مرور الكرام وسيكون للحكومة موقف قوي وحازم». داعيا «المجتمع الدولي لدعم الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس هادي لإسقاط انقلاب الميليشيات الحوثية وبسط نفوذ الدولة على كامل التراب الوطني».
وطالب الوزير اليمني المجتمع الدولي وفي مقدمته الأمم المتحدة ومجلس الأمن بإدانة هذه العملية الإرهابية واتخاذ الإجراءات الرادعة بحق الميليشيات التي قال إنها «باتت تمثل تهديدا حقيقيا للأمن الإقليمي والدولي وحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر، خاصة وقد باتت الصورة واضحة حول الطرف المعرقل للسلام».
ووصف وزير الشباب والرياضة في الحكومة اليمنية نايف البكري هجوم الميليشيات بأنه «يمثل دق المسمار الأخير في نعش المفاوضات السلمية».
وقال في تغريدة على «تويتر» «أفاعيل هذه الجماعة المعتدية على الدولة وقياداتها وعلى الشعب يشكل إرهابا جلياً، والإرهاب لا يواجه إلا بالحديد والنار». على حد قوله.
في السياق ذاته قال محافظ المحويت صالح سميع في تغريدة له على «تويتر» إن الهجوم يضع الدولة اليمنية وحلفاءها أمام طريقين لا ثالث لهما، وهما الاستمرار في مجاراة لعبة الأمم وعبثيتها (...) والدخول في متاهات لا بوصلة لنا فيها فنضلّ ونخزى، أو نمتلك بعضا من جرأة القيادة الصومالية فنحسم الأمر حربا، فنستريح ونريح».
ودان الناشطون اليمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي الهجوم الحوثي المسير، وقال بعضهم «يبدو أن الجماعة الحوثية تريد أن تفتح أبواب الجحيم على نفسها، بخاصة أن قوات الجيش اليمني والتحالف الداعم لها لم تقم بمهاجمة أي استعراض عسكري حوثي مماثل حتى الآن».


مقالات ذات صلة

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.