«ما يُرى وما لا يُرى»... لوحات تعيد تشكيل الدار البيضاء المغربية تكعيبياً

اعتمد فيها محمد السّالمي أسلوب التجزئة والتقطيع والتشويه

الدّار البيضاء مدينة حديثة بحمولتها الاقتصادية والاجتماعية وعماراتها وضجيجها وألوانها  -  محمد السالمي يحاول ملامسة «ما يُرى وما لا يُرى» في الدار البيضاء
الدّار البيضاء مدينة حديثة بحمولتها الاقتصادية والاجتماعية وعماراتها وضجيجها وألوانها - محمد السالمي يحاول ملامسة «ما يُرى وما لا يُرى» في الدار البيضاء
TT

«ما يُرى وما لا يُرى»... لوحات تعيد تشكيل الدار البيضاء المغربية تكعيبياً

الدّار البيضاء مدينة حديثة بحمولتها الاقتصادية والاجتماعية وعماراتها وضجيجها وألوانها  -  محمد السالمي يحاول ملامسة «ما يُرى وما لا يُرى» في الدار البيضاء
الدّار البيضاء مدينة حديثة بحمولتها الاقتصادية والاجتماعية وعماراتها وضجيجها وألوانها - محمد السالمي يحاول ملامسة «ما يُرى وما لا يُرى» في الدار البيضاء

الدار البيضاء، قلب المغرب ومركزه الاقتصادي النّابض. هي (كازابلانكا) أو (كازا)، لمن يرغب في اختصار المدينة حنيناً ومحبة. مدينة ألهمت المبدعين، على اختلاف طبقاتهم وجنسياتهم واختياراتهم، فحضرت في أعمال السينمائيين وكتابات الشعراء والروائيين، وغيرهم، من مغاربة وعرب وغربيين، بداية من فيلم «كازابلانكا» (1942)، لمخرجه الأميركي مايكل مورتيز، وصولاً إلى «الدار البيضاء بأي نايت» (2003)، و«الدار البيضاء داي لايت» (2005) للمغربي مصطفى الدرقاوي، و«فوق الدار البيضاء. الملائكة لا تحلّق» (2005) للمغربي محمد العسلي، أو «كازانيغرا» (2008)، للمغربي نور الدين الخماري. أفلام، وغيرها، حاولت أن ترصد التحولات وتقبض على المنفلت في مدينة لا تنام. مدينة ظلت تستعصي على الوصف، بقدر ما لخّصت لطموحات وتحولات البلد، بشكل لخصه الشاعر المغربي أحمد المجاطي، في قصيدة «الدار البيضاء»، حيث نقرأ: «وجهك لافتة في الشوارع، وصوتك كان الإشارة، وبيوتك ترحل من ذكرياتي، وأمُدّ سواد عيوني جسراً، وأنت على الضفة الألف، ومبحرة في السعال، وفي عثرات الرجال». أمّا الإعلاميون، فركزوا في متابعاتهم على مفارقات وتمظهرات التحول الذي تعيشه أكبر مدينة مغربية: «كازا يا كازا... لم يعد فيك اليوم غير هذا التناقض الذي يصيب بالجنون، وحذاء بدرهمين في سوق العفاريت، وحذاء بعشرة ملايين يشتريه العفاريت، وأيضاً هذا الصراع بين الوداد والرجاء، وخلفه صراع حقيقي ومخيف لا يراه أحد»، هكذا اختصر الإعلامي عبد الله الدامون الدار البيضاء التي يرى أنّها «لم تعد اليوم مدينة الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب، لم تعد مدينة الحي المحمدي بتاريخه الذي يشكل مدينة داخل مدينة، ولا بكل أحيائها ورموزها التاريخية الأخرى».
من جهته، اختار الفنان التشكيلي محمد السالمي، في أعماله الأخيرة، التي يعرض جانبا منها، حالياً، ضمن معرض بإحدى قاعات العرض بالدار البيضاء، أن يقدم كبرى مدن المغرب، عبر تشكيلة من اللوحات، حاول أن يلامس فيها «ما يُرى وما لا يُرى» في هذه المدينة، وذلك وفق الأسلوب التكعيبي، لكن ليس بالصيغة الحرفية لهذا الاتجاه الفني الذي ظهر على الساحة العالمية قبل نحو قرن من الزمن.
يرى السّالمي أنّ «الاتجاه التكعيبي من الأساليب الفنية التي تبحث في العلاقات التشكيلية بهدف إيجاد صياغات مبتكرة، تجعل القيم الفنية بعيدة عن سيطرة الرؤى العاطفية الذاتية، لتجعل منها علاقات تشكيلية تمتاز بنظام عقلي وجمالي». ومن هذا المنطلق يضيف السالمي: «حاولت استثمار الأسلوب التكعيبي في الاشتغال على مدينة الدار البيضاء كموضوع للوحاتي، وللتّعبير عن تصوراتي الفنية، وتوصيل مفاهيمي المرئية».
يبرّر السّالمي اشتغاله على الدار البيضاء، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأنّها «مدينة حديثة بحمولتها الاقتصادية والاجتماعية، بعماراتها ومعمارها وشوارعها. بضجيجها وألوانها، ليلاً ونهاراً»، قبل أن يستدرك، رابطاً بين اختياراته الفنية وتناوله للعاصمة الاقتصادية للمغرب: «وجدت في الدار البيضاء ذلك التجديد الذي كنت أبحث عنه في الأسلوب والرؤية الانطباعية. لم أطبق التكعيبية حرفياً، إذ حافظت على قواعد المنظور وعلى ألوان الواجهات والسيارات، وكل ما هو مرئي، وغيّرت في الشكل، حيث إن المدينة صارت أحياناً، كأنّها ترقص أو في حالة دوخة وجذبة، وبالتالي فنحن نراها في حركة دائمة، كما لو أنّها تريد أن تلفظ ما وصل إليه الإنسان، بفعل تدخله، بعد أن صار مسلوباً بشكل أثّر على سلوكه مع نفسه والآخرين ومع بيئته».
لكن، لماذا الدار البيضاء، دون غيرها؟ يجيب السالمي بأنّها مدينة يحبها على الرّغم من تناقضاتها، بل يحبها لتناقضاتها. وأنّها مدينة تغري بالإبداع، فيما تلهم المبدعين. ومع ذلك، يستدرك السّالمي، «أتمنى أن أشتغل على مدن أخرى مغربية كمراكش وطنجة، أو عربية كبعض المدن الخليجية التي تمتاز بعمران حديث يثير ملكة الإلهام ويفتح شهية الإبداع».
وعن اختيار «الدار البيضاء... ما يرى وما لا يرى» عنواناً للوحاته الأخيرة، وإن كان تناوله ينقل لإحساس بأن «الحقيقة شيء خفي يختبئ وراء الصور الظاهرية»، قال السالمي إنّه يفضل أن يترك للمتلقي متعة الاكتشاف والحلم، وبالتالي توريطه في المشاهدة، بشكل يضمن للعمل الفني قدرة على تعددية التلقي والقراءة.
لا ينسى السّالمي أن يبسّط طريقة اشتغاله الفني، فيقول: «في اللوحة يتحطّم الشّكل الخارجي للصورة المرئية، لأجعل منه شكلاً فنياً يتميز بمساحات هندسية وسطوح متساوية ومتماسكة تارة، ومتداخلة ومتقاطعة وشفافة تارة أخرى، تتحرك من خلالها الخطوط في اتجاهات مختلفة تخترق بعضها البعض»؛ فيما قال عن أسلوب تعاطيه مع الدار البيضاء كموضوع للوحاته الأخيرة: «اعتمد على أسلوب التجزئة والتقطيع والتشويه، كانعكاس للعالم الديناميكي الذي تشهده المدينة، إنّها رؤية بصرية تعتمد على تفكيك الأشكال إلى مكونات جزئية ليُعاد تركيبها بنمط أكثر حركية ودينامية، مع الاحتفاظ أحياناً على ثلاثية الأبعاد. إنه تشكيل قد يعمل على المحافظة على عناصر الفضاء الفني، وفي نفس الوقت يعمل على إضفاء الكثير من الغموض والإرباك في الإنشاء الفني وكيانه التركيبي. ورغم هذا الترتيب العشوائي وهذا التشويه والتداخل، فإنّ ذلك لا يلغي منطق مصدر الضوء، مع الاعتماد على اللون كأحد العناصر القوية المؤثرة في اللوحة».
يختم السّالمي وجهة نظره بالحديث عن الترتيب العشوائي والتشويه، الذي يعيد تشكيل فضاء المدينة، فيقول: «أقوم على احترام مقاسات الأشياء، وأحياناً أخرى أقوم على إدخال تشويهات عنيفة عليها، إنّه تشويه مقصود ومدروس لإضافة جرعة جمالية تشكيلية، وللتعبير عن الاستلاب وما أصاب الإنسان من تشويه، والتعبير عن الواقع المجزأ المنكسر».



7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
TT

7 عبارات تحذيرية يستخدمها المتلاعبون بشكل مستمر

يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)
يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع (بيكساباي)

تؤدي الكلمات دوراً حاسماً في توجيه الانطباعات، والتأثير في الآخرين، وهو ما يدفع بعض الأشخاص إلى استخدامها بمهارة لتحقيق أهدافهم الخاصة. إذ يحرص هؤلاء على انتقاء عبارات تبدو ودودة، وبريئة، وتوظيفها في التوقيت المناسب لإقناع الطرف الآخر بما يريدون.

ومع ذلك، فإن إدراك هذه الأساليب يسهّل كشفها، والتعامل معها بوعي أكبر. فقراءة ما بين السطور، والانتباه إلى الرسائل الضمنية يساعدان على تمييز العبارات التي قد تبدو لطيفة في ظاهرها، لكنها تحمل مقاصد مختلفة.

وفي هذا الإطار، هناك سبعة أنماط شائعة ينبغي الانتباه إليها، سواء في العلاقات العاطفية، أو في بيئات العمل، وفق ما أوردته شبكة «سي إن بي سي» الأميركية.

1. «أنا آسف لأنك منزعج»

هناك «لكن» قادمة، وهذه هي المشكلة. يستخدم المتلاعبون عبارات كهذه كاعتذار زائف، وعادةً ما يتبعونها بسرد أخطائك، أو أسباب خطأ تصوراتك.

إنه مزيج من الاستخفاف، والتلاعب النفسي. يُقال لك إن مشاعرك غير مهمة، بل وغير مبررة.

2. «أعلم أننا لم نعرف بعضنا إلا لفترة قصيرة، لكنني متأكد من صدق مشاعرنا»

لا يُصنّف هذا دائماً ضمن الرومانسية، فقد يكون ما يُعرف بـ«قصف الحب»، ويحدث هذا عندما يُغدق عليك أحدهم كلمات وأفعالاً عاطفية في بداية العلاقة لكسب نفوذه.

في البداية، قد يبدو الأمر جذاباً، لكن مع مرور الوقت، غالباً ما يتحول إلى سيطرة. فالشخص نفسه الذي يُبالغ في مدحك قد يستغل هذا الأسلوب لاحقاً لتقويض ثقتك بنفسك.

3. «لسنا بحاجة لأحدٍ سوانا»

بعد الإطراء الأول، يتحول الأسلوب إلى عباراتٍ تُشعرك بالعزلة. الهدف: جعلك مُعتمداً عليه فقط.

من خلال تصوير العلاقة على أنها حصرية، يُنشئ المُتلاعب مسافةً بينك وبين الأشخاص الذين قد يُقدمون لك وجهة نظرٍ مُختلفة، ويجعلك أكثر اعتماداً عليه.

4. «أقول هذا فقط لأنني أهتم بأمرك كثيراً»

هذا جانب آخر من جوانب التلاعب العاطفي. فبعد كل تلك التعليقات من نوع «أنت الشخص الوحيد المناسب لي»، يبدأ المتلاعب بانتقادك... لكنه يُظهر الأمر كأنه مجرد جانب آخر من جوانب الحب.

قد تظن أنك تحظى بالتقدير، لكنك في الحقيقة تُدفع للموافقة على كلام شخص يُدبّر لك مكيدة. ونتيجة لذلك، تبدأ ثقتك بنفسك بالتأثر سلباً.

5. «أنا قلق عليك. تبدو شارد الذهن»

عندما تسمع هذا، تظن أن أحدهم يهتم بأمرك. لكنه قد يكون جزءاً من عملية التلاعب النفسي. يحاول المتلاعبون النفسيون جعلك تشك في إدراكك للواقع. يبثون الشك في تفكيرك ويجعلونك تشعر بأنك لا تفكر بشكل سليم. إنه جانب أساسي من التلاعب، وغالباً ما يكون من أصعبها اكتشافاً.

وكما أوضح أحد الباحثين: يجعلك المتلاعبون النفسيون تشعر «بعجز معرفي»، وعدم القدرة على إدراك الحقيقة.

6. «لستُ متأكداً من أن (شخصاً آخر) يُراعي مصلحتك كما أفعل»

على غرار أسلوب العزلة المعروف، يُعدّ هذا جزءاً آخر من التلاعب النفسي. وهو مثال آخر على التلاعب المُقنّع بالاهتمام.

ما هدف المُتلاعب؟ أن يجعلك تتجاهل ما يقوله الآخرون، وتستمع إليه باعتباره الشخص الوحيد الذي يقول لك الحقيقة.

7. «إذا كان هذا ما تريد فعله، فافعل ما يحلو لك»

يبدو الأمر كأن شخصاً ما يريدك أن تتمتع بحرية اتخاذ قراراتك بنفسك، وأن تفعل ما يحلو لك، لكنّ العبارة التي تبدو بريئة قد تكون عكس ذلك تماماً، فغالباً ما يستخدم المتلاعبون هذه العبارات عندما لا يحصلون على ما يريدون، وعندما لا تسير في طريقهم.


لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.