يوفال هاراري يحذر من سقوط الليبرالية... وهيمنة الذكاء الصناعي

الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
TT

يوفال هاراري يحذر من سقوط الليبرالية... وهيمنة الذكاء الصناعي

الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟

لمع اسم يوفال هاراري في السنوات الأخيرة كثيراً، بسبب نشره كتباً مؤثرة وإشكالية بمواضيعها التي أثارت صدى عالمياً. وبات ينتظر صدور كتبه جمهور عريض من القراء النوعيين، منهم رؤساء دول من أمثال أوباما وكلينتون، وشخصيات نافذة كمارك زوكيربيرغ الذي تم التطرق لاسمه كثيراً في هذا الكتاب، أو مثل بيل غيتس الذي نشر عرضاً عن هذا الكتاب ذاته في «نيويورك تايمز»، معتبراً إياه من أهم الكتب التي قرأها في سنة 2018، ونصح بضرورة قراءتها الآن.
ويتوزع الكتاب على خمسة أقسام رئيسية، هي على التوالي: التحدي التكنولوجي، والتحدي السياسي، والحقيقة، وما بعد الحقيقة، والقسم الأخير عن الأمل واليأس. وقد اشتمل كل قسم من الأقسام الخمسة على مواضيع كثيرة، نوه الكاتب إلى راهنتيها وأهميتها الملحة في الوقت الحاضر. ويتحدث يوفال هاراري في القسم الأول، المتعلق بالتحدي التكنولوجي، عما سماه «الخديعة البشرية»، ممثلة بالسرديات التاريخية الأساسية التي وسمت القرن العشرين، أي الشيوعية والرأسمالية والليبرالية، وكانت نقاطه الأساسية متمثلة بالآتي:
> تجاوز الليبرالية لهزات كثيرة، مع أن مفهومها قد لا ينسجم مع وقائعنا الحالية.
> تعديل نموذج الليبرالية عبر قادة دول مختلفة.
> الاضطراب التكنولوجي داهم، وقد لا تستطيع البشرية التحكم به.
وفي نهاية القسم، نقرأ: «بعد أن تجاوزت الليبرالية محن الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، تواجه الآن صعود ترمب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً بروز ثورة التقانة والهندسة الحيوية». ويتوقع الكاتب أفول النموذج الليبرالي بشكل مؤلم «حين تسيطر التكنولوجيا على كل شيء، وتخسر البشرية فرص عملها، وترتفع البطالة بسرعات صاروخية».
مشكلة العمل هذه خصص الكاتب لها الفصل الثاني، محذراً من إمكانية تفوق الذكاء الصناعي على قدرات العقل البشري، خصوصاً فيما يتعلق بسوق العمل، لكن دون أن يتجاهل فوائد هذا الذكاء في قطاع حيوي كقطاع الصحة، فيما يخص الاكتشافات الطبية والعلاج وخدمات المرضى... إلخ.
في عالم سوف تصبح فيه الروبوتات شبيهة بالطبقة العاملة العالمية، يكون محتماً على البشر -في نظر الكاتب- أن يمتلكوا القدرة على الإتقان العالي، لكي يستطيعوا التحكم بمصيرهم، بدلاً من الروبوتات.
وفي السياق هذا، ينتقل الكاتب في الفصل الثالث للحديث عن علاقة حرية البشر بالتحديات الخطيرة التي تفرضها التقانة، وطرائق الاستجابة التي يستطيع البشر اجتراحها.
وهنا، يرى هاراري أننا كبشر نشعر أكثر مما نفكر، وقريباً ستتطور التقانة لدرجة يمكنها أن تعكس كمرآة الأفكار البشرية بوضوح، كما يكرر التذكير، في محلات متفرقة في كتابه، بضرورة وأهمية التحكم بموضوع الذكاء الصنعي من قبل الأشخاص الأكفاء لهذه المهمة لضمان أمان المستقبل البشري. فالآلات والذكاء الصنعي تحل المشاكل بذكائها، وليس بالمشاعر والتلقي. وعليه، فهذه الروبوتات من الممكن أن تعتمد بشدة على الوعي البشري، ومن الممكن جداً أن تعمل ما يظنه البشر أو يفكرون به لأنها برمجت على ذلك النحو.
وبناء على ما تقدم، يتوجب علينا أن نسخر الجهود في فهم وتطوير الوعي البشري، عوضاً عن احتمال اندثاره تحت جبال المعلومات.
أما الفصل الرابع، فقد تناول موضوع المساواة، كمفهوم لا ينسجم مع واقعنا الحالي الذي يتميز بوفرة كميات هائلة من المعلومات في المواقع الخاطئة، حيث تصبح المساواة وغيرها من المفاهيم خارج نطاق سيطرتنا. وأدناه أقتبس قوله: «ظننا جميعاً أننا سنكون متساوين يوماً ما. أعتذر عن ثقب هذه البالونة، فمع وجود هذا الكم من المعلومات والتكنولوجيا، فإننا ننحرف عن ذاك المسار. في الحقيقة، سوف تتوسع الفروق الاقتصادية تحديداً، حيث تمتلك نخبة قليلة زمام المال عبر العالم».
فمع مجيء التكنولوجيا، سيشتري الأغنياء الروبوتات والذكاء الصناعي، وسيتمكنون من الحصول على أفضل الأشياء في الحياة، وأهمها التقنية البيولوجية والمعلوماتية، بحيث يزداد نفوذهم، وتتعمق الهوة بينهم وبين سواهم.
وخصص الكاتب القسم الثاني للتحدي السياسي، متناولاً نقاطاً كثيرة أيضاً، بتسلسل معين. فعند حديثه عن الجماعة والحس الجمعي، استخدم مثال «الفيسبوك»، في حيويته وتأثيره الهائل على حياة البشر في السنوات الأخيرة، منوهاً بأن مشاكل العالم لن يحلها «الفيسبوك» وزوكيربيرغ، دون إغفال دورها كـأهم أدوات ثورة الاتصالات في تقريب البشر.
ولم يهمل الكاتب تفصيل مشكلة «الفيسبوك» مع مؤسسة «كامبريدج أناليتكا»، التي شغلت الرأي العالمي لفترة، حول سوء استخدام شركات أخرى، شريكة لـ«الفيسبوك»، المعلومات الشخصية لمستخدمي «الفيسبوك»، من دون مراعاة الخصوصية. وقد كانت تلك فضيحة أحرجت زوكيربيرغ، داخل وخارج أميركا، وكلفته ملايين الدولارات. ورغم حساسية الخرق، فإنه لم يقلل من دور «السوشيال ميديا» في هدم الحدود بين البشر، بعد حل إشكالية خصوصية المعلومات طبعاً.
ومن مفارقات الوفرة التقنية، خصوصاً في مجال الاتصالات، أن العلاقات البشرية تواجه بسببها انهياراً غير مسبوق، حيث يعاني الناس من الوحدة أكثر من أي وقت سابق، حتى لو امتلك الفرد أكثر من ملايين المتابعين على «إنستغرام»، ومئات الآلاف من الأصدقاء والمتابعين على «الفيسبوك».
ومع أن «الفيسبوك» تعهد بتحسين شكل علاقات المستخدمين، عبر إنشاء مجموعات التواصل، فإن نموذج «البيزنس» الحالي يدفع هؤلاء لقضاء وقت افتراضي بعيداً عن واقعهم الفعلي والملموس. وعند هذه النقطة الحساسة، يقترح الكاتب فكرة بناء نموذج تواصلي مقنن على الشبكة، يساعد المستخدمين على التواصل والاتصال لأغراض محددة.
ومع الحديث عن ثورة المعلومات والتطور التقني المستمر، لا يمكننا عدم التطرق للحضارة، وقد خصص لها الكاتب فصلاً من القسم الثاني. ويعبر هاراري في هذا الفصل عن عدم إيمانه بوجود حضارة متفوقة على أخرى، نظراً لطبيعة التشابك بين الحضارات، ولأن البشر يملكون الخيار بكيفية تطبيق حضارتهم؛ وهذا سيفضي تلقائياً لتأسيس حضارة عالمية. وبناء على ذلك، فإن الادعاء بوجود حضارة منجزة ذاتياً هو محض افتراء.
وانتقل الكاتب في الفصل السابع لمعالجة المسألة القومية، حيث كثف رأيه في مجموعة النقاط التالية:
> البلدان هي أنوية «مغرورة» ترغب غالباً بأن تكون مستقلة.
> لا تسمح المشاكل العالمية للبلدان بأن تكون انعزالية، فهناك حاجة لتحديد ما يجمعنا كبشر معاً.
> تتسبب التحديات الكبرى التي يخلقها الخوف المتزايد من حرب نووية، مترافقة مع التراجع البيئي والتشويش المعلوماتي، في كسر الروابط القومية التقليدية، وخلق روابط إنسانية جديدة معولمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الولاء القومي لا يعني عدم الولاء للبشرية.
وخصص المؤلف فصلاً كاملاً، هو الفصل التاسع، لموضوع الهجرة، التي أشعلت -وما تزال- جدلاً حول الموقف الأوروبي المناسب مع موجات اللاجئين المتزايدة، وهو يرى أن «الهجرة موضوع شائك، ولا يمكن البت فيه ببساطة. فعلى أوروبا أن تجد مكاناً مركزياً تستطيع فيه إيواء المهاجرين، دون إغراق نظامها بسبب أعبائهم. فإذا تمت معالجة المعضلة بطريقة ناجحة، سيكون ذلك خطوة تقرب البشر أكثر، في مواجهة المشاكل الأعمق والأكثر تعقيداً. لكن إن فشلت أوروبا في صيانة نظامها، جراء هذه المناقصة لاحتواء اللاجئين، فستكون في ورطة. وهنا، لا بد من ذكر أخطر عوامل تعطيل قابلية أوروبا لاحتواء الغرباء، ألا وهو: الإرهاب».

- الخيار بين اليأس والأمل
ويتضمن الجزء الثالث من الكتاب أربعة فصول، خصص واحد منها للإرهاب، ويعتبر فيه هاراري أن الإرهابين دُمى يتم تحريكها بخيوط يتلاعب بها آخرون.
ويشدد هنا على أهمية سلوك الحكومات والأفراد، وضرورة عدم الانجرار لمصائد الإرهابيين، عبر المبالغة بردات الفعل. لكنه في الوقت نفسه، لا يخفي مخاوفه من إمكانية حصول الإرهابيين على وسائل أكثر فتكاً بسبب توفر التكنولوجيا. وهو في الوقت نفسه يعترف بهشاشة الأمان العالمي، ليس فقط بسبب بالإرهاب، وإنما أيضاً بسبب الحرب بأشكالها المختلفة، التي يبدو تفاديها غير ممكن، في ضوء الاتجاهات السياسية العالمية الجارية، إلا أنه من الصعب -كما يضيف- شن حرب ناجحة في القرن الحادي والعشرين، لأن الزمن قد تغير.
وهناك، برأي الكاتب، أسباب كانت تقف خلف نجاح الحروب في الماضي، وأخرى تقف اليوم أمام عدم نجاحها في العصر الراهن. أحدها، وقد يكون أهمها، هو الانزياح المالي عبر السنوات، حيث ارتبط نجاح أي حرب في الماضي بسهولة السيطرة على الغنائم مادياً. أما الآن، فأقصى نصر يمكن تحقيقه هو توجيه الرأي الجمعي نحو فكرة أن احتلال بلد آخر سوف يكون في صالح المنفعة العامة، اقتصادياً. وفي الأحوال كافة، مع توفر الأسلحة المدمرة، يصبح من الحماقة التورط في مواجهات عالمية تافهة. عموماً، يمكن اعتبار هاراري، في كتابه هذا في الأقل، متشائماً كبيراً، فهو يرى أننا لم نخرج من الغابة بعد، لأننا كائنات بشرية لا تزال ميالة لاتخاذ قرارات غير عقلانية.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».