خرج مجدداً أصحاب «السترات الصفراء» إلى شوارع العاصمة باريس وفي المدن الرئيسية كمرسيليا، وليون، وبوردو، وكان، وميتز، وأميان، وروان، للتعبير عن رفضهم للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون. لكن «السبت السابع» للحركة الاحتجاجية، التي انطلقت في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدا أمس خافتاً ولا يشبه الأيام السابقة، التي تميزت بالعنف وعمليات الكر والفر بين المحتجين وقوات الأمن، التي عبأتها وزارة الداخلية، لكن بأعداد أقل مما عرفته فرنسا في الأسابيع السابقة.
وشهدت احتجاجات أمس، التي غاب عنها المندسون والمستفيدون، بعض المناوشات في باريس، حيث تجمع عدة مئات من أصحاب «السترات الصفراء» للمرة الأولى أمام مقر القناة الإخبارية «بي إف إم تي في»، التي اتهموها بالتحيز وبث أخبار كاذبة، والعمل لمصلحة الحكومة. وفي الشارع الذي يقع فيه مقر القناة، رميت الزجاجات والحجارة، ووقعت بعض الاشتباكات مع قوات الأمن، التي لجأت إلى الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، الذين انتقلوا من هناك للاحتجاج أمام مقر التلفزيون الرسمي (القناة الثانية) الواقع على بعد عدة مئات من مقر «بي إف إم تي في».
كما شهد كثير من المدن مظاهرات ومسيرات، أبرزها في مدن مرسيليا وميتز وبوردو وروان وغيرها. وسمعت في كثير منها أصوات تدعو إلى استقالة الرئيس ماكرون، وأخرى تندد بالحكومة وبالقوى الأمنية. أما في مدينة روان الواقعة شمال غربي باريس، فقد أحرق المحتجون الباب الخارجي لفرع البنك المركزي.
وشهدت جادة الشانزليزيه، التي عرفت سابقاً أعنف المواجهات بين المحتجين والقوى الأمنية، تجمعات محدودة. ومنذ الصباح، عمدت مديرية شرطة باريس ووزارة الداخلية إلى تحشيد المئات من قوى الأمن المجهزة بكل الوسائل، التي تمكنها من قمع أعمال الشغب واحتواء غضب المتظاهرين والمحتجين. وكدليل على تراجع التوتر، بقيت المطاعم والمقاهي والمحلات مفتوحة الأبواب، ولم ينقطع السير في الجادة المذكورة، أو في الطرقات المفضية إليها. ومع حلول المساء، بدت ملامح التوتر بين الطرفين، وسمعت شتائم انطلقت من صفوف «السترات الصفراء» باتجاه قوات مكافحة الشغب، التي رصت صفوفها، وتوجهت نزولاً نحو ساحة الكونكورد لتفريق المحتجين، الذين عمدوا هذه المرة للتظاهر، لكن دون ستراتهم الصفراء حتى لا يكونوا هدفاً للتوقيف أو المضايقة. وكان لافتاً أن شرطة العاصمة عمدت إلى تصوير المسيرات والمظاهرات. وهي تستخدم الأفلام لاحقاً لتوقيف من يعتبر أنه قام بأعمال مخلة للأمن.
لكن مخاوف السلطات الأمنية تتجه أكثر نحو ليلة رأس السنة، التي تشهد تجمع مئات الآلاف من الأشخاص تقليدياً في جادة الشانزليزيه. وقد أعلنت رئاسة بلدية العاصمة أن الاحتفالات التقليدية لن تلغى. ومصدر الخوف أن أصحاب «السترات الصفراء» أعلنوا أنهم سيكونون حاضرين في الجادة المذكورة. وفي الساعات الماضية، تكاثرت الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للتجمع في الليلة المذكورة، فيما كشفت مديرية شرطة العاصمة عن إجراءات أمنية مشددة، ليس فقط بسبب «السترات الصفراء»، ولكن بسبب التهديدات الأمنية. وكانت آخر عملية إرهابية شهدتها فرنسا في مدينة ستراسبورغ، واستهدفت السوق الميلادية، وأسفرت تلك العملية التي قام بها الفرنسي الجزائري شريف شيكات في 11 من ديسمبر (كانون الأول) عن مقتل 5 أشخاص وجرح 11 آخرين. وجاء في بيان لشرطة العاصمة أنه بسبب التهديدات الإرهابية، فإن «طوقاً أمنياً سيفرض حول المنطقة الواقعة حول الشانزليزيه وساحة الإيتوال».
وأضاف البيان أنه سيجري داخل المنطقة المذكورة تفتيش الحقائب والسيارات والتدقيق فيما ينقله المشاركون في هذه المناسبة. كما أفاد البيان بأن إدخال الكحول والألعاب النارية سيكون محظوراً تماماً، وسيقفل كل هذا القطاع من العاصمة أمام السيارات من الساعة الرابعة من يوم غد (الاثنين)، وحتى الساعة الرابعة صباح الثلاثاء.
ورغم التراجع في التعبئة، فإن الحركة الاحتجاجية، وفق الناطقين باسم «السترات الصفراء» سوف تعبر عام 2018 لتتواصل في عام 2019. ويعترف المنظمون بأن حركتهم تراجعت بسبب أعياد نهاية العام. لكنهم بالمقابل يؤكدون أن جذوتها ما زالت مشتعلة لأن الدولة لم تعطهم سوى «الفتات». جدير بالذكر أن الحكومة تراجعت عن زيادات الرسوم على المحروقات، كما قررت رفع الحد الأدنى للأجور، والتخلي عن الزيادات الضريبية على المتقاعدين الأكثر هشاشة، فيما تعمل لإطلاق «حوار وطني» موسع وشامل، سيتناول 4 محاور رئيسية، بينها ملف الضرائب.
ويريد المحتجون سياسة ضريبية واجتماعية أكثر عدلاً، ويتهمون ماكرون والحكومة بتغليب مصالح الأكثر ثروة على حساب الطبقات الضعيفة.
وأمس، كان الرئيس الفرنسي وزوجته غائبين عن باريس. وأفادت تقارير صحافية بأنهما يمضيان عطلة الميلاد ورأس السنة في منتجع سان تروبيه الراقي على الشاطئ الفرنسي، وهو معروف بكونه «ملجأ» كبار الثروات ومشاهير فرنسا والعالم. وقد أشارت بعض التعليقات إلى أن اختيار سان تروبيه يمكن اعتباره «استفزازاً»، لأنه يأتي في وقت يتظاهر فيه آلاف الأشخاص لتحسين ظروف حياتهم.
ولا تتوقف متاعب ماكرون عند هذا الحد، بل تتواصل بسبب تفاعل قضية مسؤول أمنه الشخصي السابق ألكسندر بنعالا، الذي صرف من الخدمة نهاية يوليو (تموز) الماضي بسبب لجوئه إلى العنف بمناسبة مظاهرات عيد العمال في 1 مايو (أيار) الماضي. وجديد قضيته أنه رغم التخلي عنه، فقد استمر في استخدام جوازي سفر دبلوماسيين حصل عليهما من وزارة الخارجية، التي قدمت أول من أمس دعوى بحقه.
«السترات الصفراء» تغطي شوارع فرنسا... ومخاوف من تهديدات خلال احتفالات رأس السنة
وسط دعوات لتواصل الحركات الاحتجاجية في 2019
جانب من احتجاجات «السترات الصفراء» في مدينة ليل أمس (أ.ف.ب)
«السترات الصفراء» تغطي شوارع فرنسا... ومخاوف من تهديدات خلال احتفالات رأس السنة
جانب من احتجاجات «السترات الصفراء» في مدينة ليل أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




