الملك سلمان يعيد تشكيل مجلس الوزراء

العساف للخارجية والشبانة للإعلام وهيئة جديدة للفضاء

خادم الحرمين الشريفين (واس)
خادم الحرمين الشريفين (واس)
TT

الملك سلمان يعيد تشكيل مجلس الوزراء

خادم الحرمين الشريفين (واس)
خادم الحرمين الشريفين (واس)

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اليوم (الخميس)، عدداً من الأوامر الملكية، أعاد فيها تشكيل مجلس الوزراء، وتشكيل مجلس الشؤون السياسية والأمنية، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
كما تضمنت الأوامر الملكية تعيين إبراهيم العساف وزيراً للخارجية، وعادل الجبير وزير دولة للشؤون الخارجية، و تم تعيين عبد الله بن بندر بن عبد العزيز وزيراً للحرس الوطني، وتركي الشبانة وزيراً للإعلام، بينما تم تعيين حمد آل الشيخ وزيراً للتعليم.
وأعفي فيصل بن خالد، وتم تعيين تركي بن طلال أميراً لمنطقة عسير.
وتضمنت الأوامر الملكية تعيين الأمير الدكتور منصور بن متعب بن عبد العزيز وزير دولة، والأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير دولة، والأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز وزيراً للداخلية، والأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز وزيراً للحرس الوطني، والأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود وزيراً للثقافة، والشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ وزير دولة، والدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز بن عبدالرحمن آل الشيخ وزيراً للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، والدكتور وليد بن محمد بن صالح الصمعاني وزيراً للعدل، والدكتور مطلب بن عبد الله النفيسة وزير دولة، والدكتور مساعد بن محمد العيبان وزير دولة، والدكتور توفيق بن فوزان بن محمد الربيعة وزيراً للصحة، ومحمد بن فيصل بن جابر أبوساق وزير دولة لشؤون مجلس الشورى.
كما تضمنت الأوامر الملكية
تعيين الدكتور عصام بن سعد بن سعيد وزير دولة، الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي وزيراً للتجارة والاستثمار.
الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي وزيراً مكلفاً للشؤون البلدية والقروية.
محمد بن عبد الملك آل الشيخ وزير دولة.
عبد الرحمن بن عبد المحسن الفضلي وزيراً للبيئة والمياه والزراعة.
خالد بن عبدالرحمن العيسى وزير دولة.
عادل بن أحمد الجبير وزير دولة للشؤون الخارجية.
المهندس خالد بن عبد العزيز الفالح وزيراً للطاقة والصناعة والثروة المعدنية.
ماجد بن عبد الله بن حمد الحقيل وزيراً للإسكان.
سليمان بن عبد الله الحمدان وزيراً للخدمة المدنية.
الدكتور محمد صالح بن طاهر بنتن وزيراً للحج والعمرة.
محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الجدعان وزيراً للمالية.
المهندس عبد الله بن عامر السواحة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات.
الدكتور نبيل بن محمد العامودي وزيراً للنقل.
محمد بن مزيد التويجري وزيراً للاقتصاد والتخطيط.
المهندس أحمد بن سليمان بن عبد العزيز الراجحي وزيراً للعمل والتنمية الاجتماعية.
الدكتور فهد بن عبد الله بن عبداللطيف المبارك وزير دولة.
الدكتور حمد بن محمد بن حمد آل الشيخ وزيراً للتعليم.
تركي بن عبد الله الشبانة وزيراً للإعلام.
كما صدر أمر ملكي : أولاً: إعادة تشكيل مجلس الشؤون السياسية والأمنية على النحو الآتي:
ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيساً
وزير الداخلية عضواً
الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
الدكتور مساعد بن محمد العيبان وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
وزير الخارجية عضواً
خالد بن عبد الرحمن العيسى وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
عادل بن أحمد الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية وعضو مجلس الوزراء عضواً
وزير الإعلام عضواً
رئيس الاستخبارات العامة عضواً
رئيس أمن الدولة عضواً
مستشار الأمن الوطني عضواً ومشرفاً على أمانة المجلس.
كما صدر أمر خادم الحرمين بإعادة تشكيل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية على النحو الآتي:
ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيساً
وزير الثقافة عضواً
وزير العدل عضواً
الدكتور مساعد بن محمد العيبان وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
الدكتور  إبراهيم بن عبد العزيز العساف عضواً
وزير الصحة عضواً
الدكتور عصام بن سعد بن سعيد وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
وزير التجارة والاستثمار عضواً
وزير الشؤون البلدية والقروية عضواً
محمد بن عبد الملك آل الشيخ وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء عضواً
وزير البيئة والمياه والزراعة عضواً
وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية عضواً
وزير الإسكان عضواً
وزير الخدمة المدنية عضواً
وزير الحج والعمرة عضواً
وزير المالية عضواً
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عضواً
وزير النقل عضواً
وزير الاقتصاد والتخطيط عضواً
وزير العمل والتنمية الاجتماعية عضواً
وزير التعليم عضواً
وزير الإعلام عضواً
أحمد بن عقيل الخطيب عضواً
رئيس هيئة الخبراء بمجلس الوزراء عضواً
الدكتور غسان بن عبد الرحمن الشبل عضواً
 أمين اللجنة المالية بالديوان الملكي عضو
كما صدر الأمر الملكي بتعديل المادة (30) من نظام مجلس الوزراء لتصبح بالنص الآتي: "يبين النظام الداخلي لمجلس الوزراء تشكيلاته الإدارية واختصاصاتها وكيفية قيامها بأعمالها".
ثانياً : ينشأ جهاز باسم "ديوان مجلس الوزراء"، يتولى المهمات ذوات الصلة بممارسة مجلس الوزراء ورئاسته اختصاصاتهما.
ثالثاً: تلحق بديوان مجلس الوزراء الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء، والأجهزة المرتبطة بالديوان الملكي وإداراته ذوات الصلة بمهمات ديوان مجلس الوزراء.
رابعاً: تستمر الأجهزة والإدارات المشار إليها في البند (ثالثاً) من أمرنا هذا في ممارسة اختصاصاتها إلى حين مباشرة ديوان مجلس الوزراء مهماته.
خامساً : تشكل لجنة من الديوان الملكي، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء، تتولى حصر الأجهزة والإدارات ذوات الصلة بمهمات ديوان مجلس الوزراء، وإعداد الترتيبات اللازمة والبرنامج الزمني لمباشرة ديوان مجلس الوزراء مهماته، ورفع ما يتم التوصل إليه خلال العام المالي ( 1440 / 1441هـ ).
سادساً: ضم المراسم الملكية إلى الديوان الملكي، وتُشكل لجنة من الديوان الملكي والمراسم الملكية لوضع الترتيبات اللازمة والبرنامج الزمني لإنفاذ ذلك خلال العام المالي ( 1440 / 1441هـ )، وتستمر المراسم الملكية في ممارسة مهماتها خلال تلك المدة.
سابعاً: تتولى هيئة الخبراء بمجلس الوزراء - بالاشتراك مع من تراه من الأجهزة ذوات العلاقة - مراجعة الأنظمة والأوامر والمراسيم الملكية والتنظيمات والقرارات التي تأثرت بما قضى به أمرنا هذا واقتراح ما يلزم بشأنها، وذلك لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة.
ثامناً : يبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.
وتضمنت الأوامر الملكية الصادرة اليوم ما يلي : اعفاء الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز سفير خادم الحرمين الشريفين في لندن من منصبه، ويعين مستشاراً لخادم الحرمين الشريفين بمرتبة وزير، يعفى الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز أمير منطقة عسير من منصبه بناءً على طلبه، ويعين الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز أميراً لمنطقة عسير بمرتبة وزير، يعين الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز آل سعود مستشاراً لخادم الحرمين الشريفين بمرتبة وزير،  يعفى الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني من منصبه، وتنشأ هيئة باسم "الهيئة السعودية للفضاء"، ويكون للهيئة مجلس إدارة ويُعين الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيساً لمجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء بمرتبة وزير، ويتولى القيام بأعمال المجلس وإدارة الهيئة إلى حين تشكيل مجلس الإدارة، ويعين الأمير الدكتور تركي بن سعود بن محمد بن عبد العزيز مستشاراً بالديوان الملكي بمرتبة وزير.
كما تضمنت الأوامر الملكية،  إعفاء الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة الجوف من منصبه، وتعيين الأمير فيصل بن نواف بن عبد العزيز أميراً لمنطقة الجوف بمرتبة وزير، وتعيين الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز نائباً لأمير منطقة مكة المكرمة بمرتبة وزير، وتعيين الأمير منصور بن محمد بن سعد محافظاً لحفر الباطن بالمرتبة الممتازة، ويُعفى محمد بن صالح الغفيلي مستشار الأمن الوطني من منصبه، ويعين الدكتور مساعد بن محمد العيبان مستشاراً للأمن الوطني بالإضافة إلى عمله، ويُكلف الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي برئاسة مجلس إدارة الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات ويتولى القيام بأعمال مجلس إدارة الهيئة وإدارتها إلى حين تشكيل مجلس الإدارة.
وجاء في الأوامر الملكية، اعفاء تركي بن عبد المحسن آل الشيخ من رئاسة مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة، وتعيين الأمير عبد العزيز بن تركي بن فيصل بن عبد العزيز رئيساً لمجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة بمرتبة وزير، ويعين رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بأمر ملكي، ويكون للهيئة رئيس يعين ويعفى من منصبه بقرار من مجلس إدارتها، ويحدد القرار أجره ومزاياه المالية الأخرى، وتقوم هيئة الخبراء بمجلس الوزراء ـ بالتنسيق مع من تراه من الجهات ذوات العلاقة ـ وخلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخه بإعداد ما يلزم لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، ويعين أحمد بن عقيل الخطيب رئيساً لمجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.  يعفى الدكتور سليمان بن عبد الله بن حمود أبا الخيل مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من منصبه، ويعين الدكتور أحمد بن محمد بن أحمد العيسى مستشاراً بالديوان الملكي بمرتبة وزير، ويعين الدكتور أحمد بن محمد بن أحمد العيسى رئيساً لمجلس إدارة هيئة تقويم التعليم والتدريب، و يعين الدكتور عواد بن صالح بن عبد الله العواد مستشاراً بالديوان الملكي بمرتبة وزير، ويعين الدكتور فهد بن عبد الله تونسي مستشاراً بالديوان الملكي بمرتبة وزير، ويعفى الفريق سعود بن عبد العزيز هلال من منصب مدير الأمن العام، ويعين الفريق الأول  خالد بن قرار الحربي مديراً للأمن العام، ويعين الفريق سعود بن عبد العزيز هلال مستشاراً في وزارة الداخلية، ويعفى فهد بن محمد السكيت المستشار بالأمانة العامة لمجلس الوزراء من منصبه.
وتضمنت الأوامر الملكية إنشاء هيئة باسم "هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية"، ويكون للهيئة مجلس إدارة يُعين رئيسه بأمر ملكي، وتقوم هيئة الخبراء بمجلس الوزراء ـ بالتنسيق مع من تراه من الجهات ذوات العلاقة ـ وخلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخه بإعداد ما يلزم لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، ويعين الدكتور غسان بن عبد الرحمن الشبل رئيساً لمجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، ويتولى القيام بأعمال المجلس وإدارة الهيئة إلى حين تشكيل مجلس الإدارة. يعفى محمد بن حمود المزيد مساعد وزير المالية من منصبه، ويعين هندي بن عبد الله بن حميدان السحيمي مساعداً لوزير المالية بالمرتبة الممتازة، ويعين الدكتور يوسف بن محمد بن عبد العزيز بن سعيد نائباً لوزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمرتبة الممتازة.
وتعين الدكتورة  إيمان بنت هباس بن سلطان المطيري مساعداً لوزير التجارة والاستثمار بالمرتبة الممتازة، وتعين إحسان بن عباس بن حمزة بافقيه محافظاً للهيئة العامة لعقارات الدولة بالمرتبة الممتازة، وتعين المهندس آنف بن أحمد بن عبد المحسن أبانمي رئيساً لمؤسسة البريد السعودي بالمرتبة الممتازة، وتعيين عبد الإله بن سعد بن عبد الله بن دلاك مساعداً لرئيس الهيئة العامة للرياضة بالمرتبة الممتازة، وتعين الدكتور عبد الله بن فخري بن محمود الأنصاري مستشاراً في وزارة الداخلية بالمرتبة الممتازة، وتعيين التالية أسماؤهم أعضاء في مجلس الشورى، محمد بن حمود المزيد، وهزاع بن بكر بن ملوح القحطاني، وبندر بن محمد بن سلطان عسيري، وإعفاء الشيخ علي بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الحماد من منصب نائب رئيس ديوان المظالم، وتعيين الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز المطرودي الذي يشغل درجة (رئيس محكمة استئناف) نائباً لرئيس ديوان المظالم للشؤون التنفيذية.



ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
TT

ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)

أكد الدكتور فارس بن متعب المشرافي، رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود، أنه في يوم التأسيس لا تقتصر الكتابة التاريخية الرصينة على استعادة الحدث أو تمجيد البدايات، بل تتجه إلى تفكيك أدوات الدولة؛ تلك العلامات الصغيرة التي تكشف كيف فكَّرت السلطة، وكيف عرَّفت نفسها، وكيف مارست حضورها السياسي والإداري. ومن بين هذه الأدوات، يبرز الخَتْم بوصفه وثيقة مادية مكثّفة الدلالة، تختصر مفهوم الدولة في أثر واحد.

وأوضح المشرافي لـ«الشرق الأوسط» بالقول: ولأن الختم لا يُقرأ بمعزل عن سياقه السياسي والإداري، فإن الوقوف عند بنيته وصيغته يفتح باباً لفهم أعمق لطبيعة الدولة التي تنتجه. الختم المنسوب إلى الإمام سعود بن عبد العزيز (ت. 1229هـ/1814م)، ثالث أئمة الدولة السعودية الأولى، استُخدم لتوثيق المكاتبات الرسمية، ومنها رسالة موجّهة إلى والي الشام في العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري. يحمل الختم نصّاً مركزياً هو: «عبده سعود بن عبد العزيز»، ويتضمّن تاريخاً (1223هـ)، مع صياغة كتابية محاطة بإطار دائري يوحي بالاكتمال والضبط، كما لا يُنشأ الختم للزينة، بل للاعتراف الرسمي، فوجوده يعني أن هناك سلطة مركزية تحتاج إلى توثيق قراراتها ومراسلاتها، وإدارة واعية بالتمثيل؛ إذ إن كل رسالة مختومة تقول ضمناً: هذه دولة تتكلم باسمها، ونظام للشرعية؛ فلا تُكتسب الرسالة قوتها من مضمونها فقط، بل من الأثر المطبوع عليها.

طغراء السلطان سليمان القانوني (حكم 1520 - 1566) مكتوبة بالحبرين الذهبي والأزرق

وأشار إلى أن صيغة «عبده سعود» تتجاوز بُعدها الشخصي لتدخل في لغة الشرعية السياسية، فاختيار لفظ «عبده» يعكس تصوراً للسلطة لا ينفصل عن المرجعية الدينية؛ حيث تُقدَّم القيادة بوصفها تكليفاً أخلاقياً قبل أن تكون امتيازاً سياسياً. هذه اللغة ليست عفوية، بل تعبير عن نموذج حكم يرى أن القوة السياسية لا تكتمل إلا بشرعية قيمية، وأن الدولة لا تعلو على منظومة الاعتقاد، بل تعمل داخلها.

الختم ووظائف الدولة: الداخل والخارج

يشدد رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود على أن أهمية الختم تتضاعف حين نعلم أنه استُخدم في مراسلة خارج المجال المحلي؛ إلى والي الشام. هنا يُصبح الختم أداة علاقات سياسية خارجية، يعبّر عن وعي الدولة السعودية الأولى بنفسها بوصفها فاعلاً سياسياً يتواصل، ويخاطب، ويُعرّف ذاته بلغة رسمية معترف بها في عالم المكاتبات السياسية آنذاك. وبذلك، لم يكن الختم موجّهاً للداخل فقط، بل أدّى وظيفة سيادية تجاه الخارج.

وفي الوقت نفسه، فإن وجود التاريخ الهجري على الختم ليس تفصيلاً شكلياً، بل مؤشر على «زمننة» العمل الإداري، فالدولة التي تؤرّخ وثائقها دولة تدرك أهمية التسلسل، والأسبقية، والحجّة، وتعي أن الفعل السياسي لا يكتمل دون ضبطه في الزمن. وهنا تبرز ملامح مبكرة لما يمكن تسميته بالعقل الإداري للدولة السعودية الأولى.

وتحدّث المشرافي عن الختم في سياقه الإقليمي المعاصر، موضحاً أن دلالة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز تتضح على نحو أدق عند مقارنته بأختام دول إسلامية معاصرة له في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ففي الدولة العثمانية، كانت الطغراء السلطانية تُستخدم بوصفها توقيعاً سيادياً مركّباً، يحمل اسم السلطان وألقابه بصياغة بصرية كثيفة، ويؤدي وظيفة رمزية عالية تُبرز المقام الإمبراطوري والتراتبية السلطانية قبل أي بُعد إجرائي، بحيث يغدو الختم بيان سيادة بصرياً - بلغة ذلك العصر - بقدر ما هو أداة توثيق. كذلك في إيران القاجارية، تظهر الأختام الرسمية مرتبطة باسم الشاه وألقابه، مع حضور واضح للوسم الشخصي والشرعية الملكية، بما يجعل الختم امتداداً لهيبة الحاكم وتمثيله الرمزي للدولة، أكثر من كونه أداة ضبط إداري محايدة.

وفي مصر في عهد محمد علي باشا، ورغم ملامح التحديث الإداري المبكر، ظل الختم الرسمي يعمل داخل لغة سلطة ومقام لا تُستمد من صيغة الختم وحدها، بل من البنية السيادية التي ينتمي إليها الحاكم بوصفه والياً عثمانياً. فحتى حين استخدم محمد علي صيغة «عبده محمد علي»، فإن هذه العبارة لا تؤدي وظيفة تعريف تأسيسي للشرعية، بل تعمل بوصفها صيغة تهذيب إجرائية ضمن تقاليد الكتابة العثمانية، تُخفَّف بها نبرة المقام داخل الختم، على أن تُستعاد كاملة خارجه عبر منظومة الألقاب والرتب الرسمية التي تُحدد موقع الحاكم ووظيفته، من قبيل لقبه «باشا» بوصفه رتبة عليا في الهرم الإداري والعسكري العثماني، و«والي مصر» باعتباره اللقب القانوني والسيادي المعترف به، إضافة إلى الصياغات البروتوكولية من نوع «والي مصر المحروسة». وعليه، فإن الختم في الحالة المصرية يظل إعلاناً للمقام السياسي بقدر ما هو أداة توثيق، ولا ينفصل عن منظومة سلطة أعلى يتحدد داخلها موقع الحاكم ووظيفته.

وشدد بالقول في مقابل هذه النماذج، يقدّم الختم السعودي صيغة مختلفة؛ إذ تكتفي عبارة «عبده سعود بن عبد العزيز» المقترنة بالتأريخ الهجري بأداء وظيفة الاعتراف الرسمي والتوثيق الإداري، دون استعراض رمزي أو تضخيم للألقاب، ودون إحالة إلى سيادة أعلى خارج إطار الدولة نفسها. هنا تتقدّم وظيفة الختم بوصفه أداة دولة على كونه بيان مقام، ويبرز نموذج سيادي يقوم على الاقتصاد في الرموز، والوضوح في التمثيل، والضبط الإداري، وهو فارق دالّ في فهم طبيعة الدولة السعودية الأولى ومنطق تشكّلها المبكر، بوصفها دولة تُعرّف نفسها من خلال وظيفتها وممارستها، لا عبر فخامة الرمز وحدها.

طغراء السلطان عبد العزيز (حكم 1861 - 1978)

الختم ووظيفة الدولة السعودية الناشئة

يُشير المشرافي إلى أنه، وفي ضوء هذه المقارنة الإقليمية، لا يمكن قراءة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز بوصفه مجرد أداة توثيق إدارية معزولة، بل ينبغي فهمه في سياق وظيفة الدولة السعودية الناشئة آنذاك. فهذه دولة لم تتشكّل بوصفها كياناً احتفالياً أو رمزياً، بل بوصفها سلطة معنية بالضبط، وتنفيذ الأحكام، وتأمين المجال، وتنظيم العلاقة بين الداخل والخارج. وفي هذا السياق، يغدو الختم انعكاساً مباشراً لوظيفة الدولة نفسها: أداة لإقرار القرار، وتثبيت المراسلة، وضبط الفعل السياسي ضمن إطار شرعي واضح.

إن بساطة صيغة الختم، واقتصاده في الألقاب، وحضوره المقترن بالتأريخ الهجري، كلها عناصر تُشير إلى دولة ترى في السلطة ممارسة مسؤولة قبل أن تكون استعراضاً سيادياً. فالدولة التي تُكثّف رموزها إلى الحد الأدنى هي دولة تُقدّم الفعل على الخطاب، والتنظيم على الزخرفة، والوظيفة على التمثيل. ومن هنا، لا يُقرأ الختم بوصفه علامة شخص الإمام، بقدر ما يُقرأ بوصفه أداة دولة تعمل، وتخاطب، وتُلزم، وتُؤرّخ.

بهذا المعنى، يُصبح ختم الإمام سعود بن عبد العزيز شاهداً على طبيعة الدولة السعودية الأولى بوصفها دولة ممارسة، تُعرّف نفسها من خلال ما تنفّذه، لا من خلال ما تستعرضه، وتُثبّت حضورها عبر الضبط الإداري والشرعي، لا عبر الفخامة الرمزية وحدها.

وخلص المشرافي إلى القول: يعلّمنا ختم الإمام سعود بن عبد العزيز أن الدولة لا تُقرأ فقط في المعارك أو الاتفاقيات الكبرى، بل في تفاصيلها الصامتة: ختم، وتوقيع، وصيغة لغوية. وفي يوم التأسيس، فإن استحضار هذا الختم ليس احتفاءً بأثر قديم، بل قراءة واعية للحظة تُشكّل الدولة السعودية بوصفها كياناً منظماً، ذا شرعية ووعي بالتمثيل السياسي. هكذا، يصبح الختم شهادة تاريخية تقول: هنا دولة، وهنا سلطة تعرف نفسها، وتعرف كيف تُثبت حضورها.


الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
TT

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)

أكدت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمين العام للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها، لافتة إلى أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.

وقالت المطيري لـ«الشرق الأوسط»، قامت الدولة السعودية الأولى في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الدولة تعاني من التفكّك السياسيّ وتعدّد الكيانات المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامّة. وقد أدّى هذا الوضع غير المستقرّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضرّرت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جعل القوافل التجارية عُرضة للخطر، كما أضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، متّسماً آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أيّ تنظيم اقتصاديّ شامل.

وأضافت: عندما تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أنّ بناء دولة قوية مستقرّة لا يتحقّق إلّا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُعدّ الأساس الذي تقوم عليه أيّ نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية، بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع التّجار على معاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية.

الازدهار وليد الاستقرار

كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعاً ملحوظاً في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها، وتحسين أساليب الريّ والزراعة، فتحقّق قَدْرٌ من الاكتفاء الذاتي، وقَلّ الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة. وأسهم الفائض الزراعي في دعْم الأسواق المحلّية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن، الأمر الذي عزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.

الدكتورة هالة المطيري

وفي ظِلّ هذا النشاط الزراعيّ المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شهدت ازدهاراً كبيراً، حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التّجار من مختلف المناطق، ووفّرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات. وتنوّعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلّية، والحِرَف اليدويّة، والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحِرَف والمِهَن، مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية، فتوفّرت فرصُ عملٍ جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان.

ولم يقتصر دور الأسواق على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت -أيضاً- مراكز للتفاعل الاجتماعيّ وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزّز من مكانة الدرعية بصفتها مركزاً حضاريّاً واقتصاديّاً مهمّاً.

ورأت أن النظام الماليّ في الدولة السعودية الأولى، تميّز بالبساطة والتنظيم، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع، دون إثقال كاهل التجّار أو السّكان. كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية، ودعْم الأمْن، وتحقيق قدْرٍ من الاستقرار الماليّ، فتعزّزت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.

خفض النزاعات

شددت هالة المطيري على أن الاستقرار الماليّ أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعّمت البنية التحتية، مثل تحسين الطرق وتأمينها، وتطوير الأسواق، ودعْم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع. كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسّع السياسيّ والحفاظ على قوة الاقتصاد المحليّ، دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي، إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل النزاعات على الموارد، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية. كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية، حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة، وتوسيع نفوذها تدريجياً، دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسيّ والاجتماعيّ.

ورأت أن تجربة الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق. فكلّما ازدهرت الزراعة وتوسّعت الأسواق، تحسّن مستوى المعيشة، وازدادت الروابط الاجتماعية قوةً، مما عزّز الولاء للدولة، وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد مكّن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسّسات الدولة وتوسيع نفوذها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تُبرِز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية، على وادي حنيفة، حيث استُخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعْم النشاطَين الزراعيّ والتجاريّ، وربْط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية. وقد أسهم ذلك في تدفّق السلع ورؤوس الأموال، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، فتعزّزت مكانة الدرعية بصفتها مركزاً اقتصاديّاً حيويّاً في شبه الجزيرة العربية.

الثقة بين الدولة والمجتمع

تقول الدكتورة هالة المطيري، إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ الاقتصاد كان عنصراً أساسياً في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن، وتنشيط الزراعة، وازدهار الأسواق، وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجاً مبكراً لإدارة الموارد الاقتصادية بوعْي وحِكمة. وتُعدّ هذه التجربة مصدراً مهماً للدراسة والبحث، لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة، حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحدّيات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- على خلْق حالة من الاستقرار طويل المدى، إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية، بل سعى إلى وضْع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصاديّ. فقد شجّع ترسيخ قِيَم العمل والإنتاج، وربَط الاستقرار الاقتصادي بالعاملَيْن الدينيّ والأخلاقيّ، فانضبطت المعاملات التجارية، وقلّ الغش والاحتكار، و بُنِيت ثقةٌ متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة. كما أدّى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوْع من التكافل الاجتماعيّ، فقد دعَمت الفئاتُ القادرةُ الفقراءَ والمحتاجين، فقلّت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع. وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة، وجعل السكان أكثر استعداداً لدعمها والمحافظة على استقرارها. بالإضافة إلى ذلك، فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجّعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسّف أو الظلم، فتوسّعت القاعدة الاقتصادية للدولة.

وشددت على أنه يمكن القول إنّ هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرّد وسائل لزيادة الموارد، بل أدوات فعّالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكّل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.


التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
TT

التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

يضع الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تجربة تأسيس الدولة السعودية داخل إطار تفسيري غير مسبوق، إذ يتعامل مع التاريخ بوصفه نظاماً تحكمه علاقات معقدة قابلة للقياس بين السكان والموارد والنخب، بعد أن كان يدرس بوصفه سلسلة وقائع معزولة، موضحاً أن هذا المنظور يعتمد على مقاربات علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس (قوانين التاريخ)، لفهم كيف تتولّد الدول وتنمو ثم تدخل مراحل الضغط بسبب تضخم النخب، ما يولد الأزمة فالذروة، ثم تبرز شخصية قيادية تُعيد إنتاج الاستقرار.

وأوضح الشقير لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذا الإطار نفهم أن الدرعية قبل الإمام محمد بن سعود كانت نظاماً محلياً بلغ حد التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، فتُفسر لحظة صعود الإمام محمد بن سعود بوصفها لحظة إعادة ضبط تاريخية، أعادت تشكيل مركز الحكم، وأطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد

وذكر الشقير أن علم التعقيد، وهو دراسة الأنظمة التي تتكون من أجزاء كثيرة مترابطة، مثل المجتمعات أو الاقتصاد؛ حيث يؤثر كل جزء صغير في الآخر، وتنتج من كثافة التفاعل أنماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بمجرد دراسة كل جزء وحده، ومن ثم فهو يهتم بكيفية نشوء الاستقرار أو الفوضى أو التغير الكبير نتيجة تراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

الدورة الخماسية لتحول الدول

وعرج الشقير إلى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، موضحاً أن تحولات الدول تخضع لديناميات يمكن قياسها وتوقع اتجاهاتها العامة؛ إذ تتحرك المجتمعات في هذا الإطار عبر دورة خماسية تتشكل كما يلي:

  • مرحلة النمو، وهي طور تتسع فيه الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية والتنبؤ بها وفق مؤشرات، دون الحاجة إلى نصوص مؤرخين.
  • مرحلة الضغط حين تتراجع وفرة الموارد نسبياً، ويزداد عدد الطامحين إلى المناصب وتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع؛ وذلك لأن زيادة السكان تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب أكثر من المناصب المتاحة.
  • مرحلة الأزمة التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدأ فيها الصراعات الكامنة بالتحول إلى مواجهات مفتوحة.
  • مرحلة الذروة، وهي قمة الأزمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الإقصاءات والانشقاقات.
  • مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة أو منظومة حكم معدّلة من إعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد؛ حيث تبدأ دورة جديدة أشد تماسكاً من سابقتها.

تنافس غير قابل للاحتواء

ذكر الشقير أن مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب حالات إمارة لمدد قصيرة لبعض الشخصيات، وتقلّبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على إدارة التوازن الداخلي. وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حدَّه الأقصى؛ إذ أصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الإمارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهّد لظهور قيادة قادرة على إعادة التأسيس.

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

جاء صعود محمد بن سعود بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدّاً أعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائداً يقرأ ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسّد انتقال السلطة إليه إعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

بناء مركز الحكم

تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد أن كان أمراء الدرعية يقيمون في غصيبة أو المليبيد، وأعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة. وأسفر هذا الضبط البنيوي عن استعادة قدرة الإمارة على إدارة السكان والموارد والنخب ضمن إطار موحد، الأمر الذي مهّد لانطلاق دورة تأسيس جديدة أصبحت نواة الدولة السعودية الأولى.

وعدّ الشقير بأن هذه القراءة الجديدة تفتح أفقاً بحثياً يفسر نشأة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين آليات الضبط تبعاً لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء إحصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلاً لازماً لتحويل التاريخ إلى مادة قابلة للاختبار والمقارنة، ما يتطلب ضرورة تجميع البيانات وتوليد فرضيات قابلة للفحص عن تاريخ المنطقة، بما يدعم بناء نموذج تفسيري عربي طويل المدى أعلى دقة وأشد استقلالاً عن السرديات الجزئية.

وتظهر الكتابة عن الإمام محمد بن سعود محدودة في بُعدها السردي التحليلي؛ حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التأسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يُسهم في معرفة ما حدث قبل وأثناء التأسيس؛ لذا تفرض هذه الفجوة مساراً بحثياً يعيد تركيب حياة الإمام من داخل بنية الأحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاماً دلالياً يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيراً لمسار المشروع السياسي.