الهند: تراجع شعبية الحزب الحاكم يهدد مصير مودي السياسي

التوجهات القومية ومعدلات البطالة كبّدته خسائر انتخابية

مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
TT

الهند: تراجع شعبية الحزب الحاكم يهدد مصير مودي السياسي

مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)

في وقت تعرض حزب بهارتيا جاناتا الحاكم الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي لهزائم موجعة في الانتخابات المحلية داخل خمس ولايات، تراجعت شعبيته بشكل ملحوظ ومعها شعبية الحزب الذي يقوده.
ومنذ وقت قريب فقط، تمتع حزب بهارتيا جاناتا بزخم سياسي هائل. وفي 2014. فاز الحزب بأغلبية مقاعد المجلس الأدنى في البرلمان للمرة الأولى منذ 30 عاماً، ليطيح بحزب المؤتمر الوطني الهندي الذي ظل مهيمناً على الساحة السياسية الهندية منذ الاستقلال في عام 1947. وأعقب بهارتيا جاناتا هذا الإنجاز بفوزه بالسلطة داخل ولاية تلو الأخرى، ليسيطر في نهاية الأمر على المجالس المحلية في 21 من إجمالي 29 ولاية هندية بحلول مايو (أيار) 2018. أما اليوم، فقد تراجع هذا العدد إلى 16. الأمر الذي خلق فجوة كبيرة بين الواقع ومحاولة الحزب الحاكم رسم المشهد السياسي للهند باعتباره خاضعا تماماً لهيمنته وتحقيق هدفه المعلن بخلق «هند خالية من حزب المؤتمر».
داخل هذه الولايات، أدلى أكثر عن 100 مليون ناخب بصوتهم، وهي ولايات تشكل «القلب الهندي» للبلاد ويبلغ مجمل عدد سكانها نحو 475 مليون نسمة، ما يفوق عدد سكان الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مجتمعة. إلى جانب ذلك، تتركز القاعدة الرئيسية الداعمة لبهارتيا جاناتا اليميني داخل هذه الولايات ويعود لها الفضل في الدفع به إلى السلطة عام 2014. وتشير الأرقام إلى أنه من بين 282 مقعداً فاز بها بهارتيا جاناتا عام 2014، كان منها ما يقرب من 250 مقعداً في «القلب الهندي» والولايات الواقعة غرب البلاد.
وتحمل هذه الانتخابات الأخيرة في طياتها نذرا سلبية بالنسبة إلى الحزب الحاكم، في وقت من المحتمل أن يخوض مودي منافسة مباشرة أمام راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر. وقد أغلقت الانتخابات المحلية، التي عادة ما يجري النظر إليها باعتبارها دورا قبل النهائي بالنسبة إلى الانتخابات العامة، باب الجدال حول ما إذا كان راهول غاندي منافساً قوياً أمام مودي.
من جهتهم، أعرب مراقبون سياسيون عن اعتقادهم بأن موجة شعبية الحزب الحاكم ربما تكون في انحسار على مستوى البلاد، واعتبروا أن خسارة بهارتيا جاناتا الانتخابية تعكس في حقيقتها استياء من رئيس الوزراء. ومن المؤكد أن هذا الوضع سيثير قلقاً بالغاً في صفوف الحزب إذا ما استمر تدني شعبيته في عام 2019.
من جانبه، قال الصحافي نيلانجان موكهوبادهياي: «عكست الهزيمة أن الأرض تنزلق تحت أقدام مودي. ومحت هالة الصلابة التي لطالما أحاطت ببهارتيا جاناتا، وقلصت النفوذ الشخصي لزعيم الحزب. الأهم من ذلك هو أن نتائج الانتخابات المحلية رسمت علامة استفهام كبيرة حول مسألة إعادة انتخاب مودي رئيساً للوزراء، ولم يعد هذا الأمر شبه محسوم مثلما بدا منذ عام مضى».
ويوضح تحليل الأصوات أن الناخبين داخل المناطق الريفية والمزارعين وأبناء الطبقات الدنيا والمناطق القبلية والناخبين للمرة الأولى والعاطلين عن العمل، صوّتوا جميعاً لصالح حزب المؤتمر على نحو أكبر بكثير عنه بالنسبة إلى بهارتيا جاناتا، ما يوحي بأن السياسات التي اتخذتها حكومة مودي تركت أصداءً سلبية في صفوف الناخبين. وتوحي الخسائر في مناطق ريفية وحضرية من البلاد بأن ثمة استياء خطيرا يعاني منه بهارتيا جاناتا في الساحة السياسية.
من جهتها، رأت سودها باي المتخصصة في العلوم السياسية «إذا ما انعكست هذه النتائج الخاصة بالانتخابات المحلية على الانتخابات العامة، فإن هناك الكثير مما يستدعي قلق بهارتيا جاناتا. وإذا ظلت الميول الانتخابية دونما تغيير خلال عام 2019. فإن بهارتيا جاناتا سيكون بذلك على موعد مع خسارة أكثر من نصف مقاعده. أما حزب المؤتمر، فقد فاز لأن بهارتيا جاناتا خذل الاقتصاديات الزراعية للولايات الثلاث التي تشكل القلب الهندي للبلاد». وأضافت أنه «مع عودة حزب المؤتمر إلى السلطة في هذه الولايات الزراعية، فإنه سيتعين عليه إيجاد سبل لتخفيف حدة السخط السائد بها، وإنجاز ما وعد به من إسقاط لديون المزارعين وخلق فرص عمل... وذلك خلال الشهور الستة المقبلة لأن الناخب الهندي قليل الصبر».
انحسار شعبية مودي بين المزارعين
وكان من شأن عدد من المشكلات الاقتصادية وإهمال الأزمة المشتعلة في المناطق الزراعية والتخبط بخصوص بعض السياسات واتباع توجهات هندوسية قومية متشددة، ضمان فشل بهارتيا جاناتا في إنجاز الوعود التنموية التي سبق وأن أطلقها عام 2014. وربط محللون بين الانحسار الواضح في شعبية بهارتيا جاناتا وتنامي السخط داخل المناطق الريفية وارتفاع معدلات البطالة في البلاد.
وتزعم حكومة مودي أنها نجحت في توفير إدارة خالية من الفساد على المستويات العليا من الحكومة، وإن كان الفساد لا يزال متوطناً على المستوى المحلي. كما نجحت في توفير مستوى أعلى من مرافق الصرف الصحي والخدمات الكهربائية داخل المناطق الريفية، والتأمين الصحي، والبنية التحتية، وإصلاح قوانين الإفلاس، الفقراء عبر الرقمنة.
ومع ذلك، سقطت حكومة مودي في إخفاقات فادحة، خاصة فيما يتعلق بقطاع الزراعة، في وقت يعتمد قرابة 55 في المائة من سكان الهند البالغ إجمالي تعدادهم 1.25 مليار نسمة، على نحو مباشر أو غير مباشر على الزراعة. ويشكل المزارعون كتلة تصويتية مهمة، وقد نظم مزارعون مظاهرات في يونيو (حزيران) العام الماضي، سعياً لجذب أنظار الحكومة، مطالبين بإسقاط القروض وطرح أسعار مربحة للمحاصيل.
من ناحيته، قال أكاش ميهروترا، الباحث المعني بالعلوم الاجتماعية: «يعتبر السخط داخل المناطق الريفية من الحقائق المؤلمة، وهو نتاج لانكماش أسعار المحاصيل ونقص فرص العمل وجمود الأجور بالمناطق الريفية. وقد فاز حزب المؤتمر في الانتخابات المحلية بناءً على وعوده بإسقاط قروض المزارعين بصورة أساسية. وبالنسبة للحركات الداعمة للمزارعين، فقد رأت في التخفيضات التي عرضتها البنوك على الشركات العاملة بمجال الصناعة سبباً آخر يستدعي الغضب، فلماذا تسمح الحكومة بهذه المعاملة الكريمة لأصحاب الصناعات، بينما ترفض إسقاط القروض من على كاهل المزارعين الذين يواجهون ظروفاً عصيبة؟».
غضب المناطق الحضرية
علاوة على ذلك، ثمة مؤشرات توحي بتحول أبناء الطبقة الوسطى الحضرية والتجار بعيداً عن بهارتيا جاناتا. ومن بين النتائج المهمة التي كشفت عنها الانتخابات وجود سخط صامت وقوي إزاء بهارتيا جاناتا بين الناخبين بالمناطق الحضرية. وبينما كان السخط تجاه الحزب الحاكم داخل المناطق الزراعية واضحاً ونوقش كثيراً، كانت هناك موجة صامتة ضده داخل معاقله الحضرية. جدير بالذكر أن المناطق الحضرية عادة ما ينظر إليها باعتبارها معاقل دعم بهارتيا جاناتا، وتشكل طبقة الأعمال القاعدة المؤيدة للحزب.
وعليه، فإن انحسار هذه القاعدة قد يصبح المسمار الأخير في نعش بهارتيا جاناتا. ومن سحب العملة من التداول إلى التنفيذ الرديء لضريبة السلع والخدمات، تحطم العمود الفقري للشركات الصغيرة. ومن الممكن أن تكبد هذه القضايا الحزب في انتخابات عام 2019.
وتعتبر محاباة الأقارب واحدة من الاتهامات الأخرى الموجهة لحكومة مودي، والتي تحاول الحكومة جاهدة التخلص منها. ولسوء حظ رئيس الوزراء، فإن النموذج التنموي الذي روج له بنجاح شديد بدأ يفقد مصداقيته الآن. بدلاً من ذلك، يُنظر إلى مودي وبهارتيا جاناتا ككل، باعتبارهم يهتمون فقط بحماية مصالح كبار الرأسماليين، بينما يتركون الفقراء يعانون في مواجهة سحب العملة من التداول والجفاف وارتفاع الأسعار.
وبالنظر إلى آيديولوجيته القومية الهندوسية المتشددة، يمثل بهارتيا جاناتا الآن اليمين السياسي والحزب المحافظ الأساسي في الهند.
وقد أثار الحزب من جديد الدعوات لبناء معبد في موقع ديني هندي يعتبر محل خلاف كبير، حيث هدمت مجموعة من المتشددين الهندوس عام 1992 مسجداً يعود تاريخ إنشائه إلى القرن الـ16. ويرى نقاد أن سياسات بهارتيا جاناتا أججت الكراهية، وأثارت حالة انقسام عميقة على مستوى البلاد. وأشارت مصادر إلى أن الدعوات لبناء المعبد قد تعمق حالة الاستقطاب خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى اشتعال خلافات اجتماعية على مستوى البلاد. ورغم الانتكاسات التي مني بها الحزب داخل القلب الهندي من البلاد، تشير استطلاعات الرأي إلى أن مودي لا يزال يتمتع بشعبية عبر البلاد. وعلى مدار السنوات الأربع ونصف الماضية، طرح مودي نفسه باعتباره مخلص الفقراء ونفذ عدداً من الخطط التنموية المصممة خصيصاً لخدمة المحتاجين، ناهيك عن خطط أخرى لدعم النساء والشباب.
ورغم تباين التقييمات بخصوص مدى جودة تنفيذ هذه الخطط، تظل الحقيقة أن فترة حكم مودي كانت خالية من الفضائح ولا يزال يجري النظر إلى رئيس الوزراء على نطاق واسع باعتباره شخصا مخلصا ودؤوبا وأمينا. ولا تزال بلاغته والكاريزما التي يتمتع بها تخدمانه جيداً.
أما الأمر المؤكد، فهو أن انتخابات عام 2019 العامة ستكون شرسة وسترسم ملامح مستقبل البلاد السنوات المقبلة.



إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.