الهند: تراجع شعبية الحزب الحاكم يهدد مصير مودي السياسي

التوجهات القومية ومعدلات البطالة كبّدته خسائر انتخابية

مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
TT

الهند: تراجع شعبية الحزب الحاكم يهدد مصير مودي السياسي

مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)
مودي يحيي ذكرى الهجوم الإرهابي على البرلمان في عام 2001 (أ.ف.ب)

في وقت تعرض حزب بهارتيا جاناتا الحاكم الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي لهزائم موجعة في الانتخابات المحلية داخل خمس ولايات، تراجعت شعبيته بشكل ملحوظ ومعها شعبية الحزب الذي يقوده.
ومنذ وقت قريب فقط، تمتع حزب بهارتيا جاناتا بزخم سياسي هائل. وفي 2014. فاز الحزب بأغلبية مقاعد المجلس الأدنى في البرلمان للمرة الأولى منذ 30 عاماً، ليطيح بحزب المؤتمر الوطني الهندي الذي ظل مهيمناً على الساحة السياسية الهندية منذ الاستقلال في عام 1947. وأعقب بهارتيا جاناتا هذا الإنجاز بفوزه بالسلطة داخل ولاية تلو الأخرى، ليسيطر في نهاية الأمر على المجالس المحلية في 21 من إجمالي 29 ولاية هندية بحلول مايو (أيار) 2018. أما اليوم، فقد تراجع هذا العدد إلى 16. الأمر الذي خلق فجوة كبيرة بين الواقع ومحاولة الحزب الحاكم رسم المشهد السياسي للهند باعتباره خاضعا تماماً لهيمنته وتحقيق هدفه المعلن بخلق «هند خالية من حزب المؤتمر».
داخل هذه الولايات، أدلى أكثر عن 100 مليون ناخب بصوتهم، وهي ولايات تشكل «القلب الهندي» للبلاد ويبلغ مجمل عدد سكانها نحو 475 مليون نسمة، ما يفوق عدد سكان الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مجتمعة. إلى جانب ذلك، تتركز القاعدة الرئيسية الداعمة لبهارتيا جاناتا اليميني داخل هذه الولايات ويعود لها الفضل في الدفع به إلى السلطة عام 2014. وتشير الأرقام إلى أنه من بين 282 مقعداً فاز بها بهارتيا جاناتا عام 2014، كان منها ما يقرب من 250 مقعداً في «القلب الهندي» والولايات الواقعة غرب البلاد.
وتحمل هذه الانتخابات الأخيرة في طياتها نذرا سلبية بالنسبة إلى الحزب الحاكم، في وقت من المحتمل أن يخوض مودي منافسة مباشرة أمام راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر. وقد أغلقت الانتخابات المحلية، التي عادة ما يجري النظر إليها باعتبارها دورا قبل النهائي بالنسبة إلى الانتخابات العامة، باب الجدال حول ما إذا كان راهول غاندي منافساً قوياً أمام مودي.
من جهتهم، أعرب مراقبون سياسيون عن اعتقادهم بأن موجة شعبية الحزب الحاكم ربما تكون في انحسار على مستوى البلاد، واعتبروا أن خسارة بهارتيا جاناتا الانتخابية تعكس في حقيقتها استياء من رئيس الوزراء. ومن المؤكد أن هذا الوضع سيثير قلقاً بالغاً في صفوف الحزب إذا ما استمر تدني شعبيته في عام 2019.
من جانبه، قال الصحافي نيلانجان موكهوبادهياي: «عكست الهزيمة أن الأرض تنزلق تحت أقدام مودي. ومحت هالة الصلابة التي لطالما أحاطت ببهارتيا جاناتا، وقلصت النفوذ الشخصي لزعيم الحزب. الأهم من ذلك هو أن نتائج الانتخابات المحلية رسمت علامة استفهام كبيرة حول مسألة إعادة انتخاب مودي رئيساً للوزراء، ولم يعد هذا الأمر شبه محسوم مثلما بدا منذ عام مضى».
ويوضح تحليل الأصوات أن الناخبين داخل المناطق الريفية والمزارعين وأبناء الطبقات الدنيا والمناطق القبلية والناخبين للمرة الأولى والعاطلين عن العمل، صوّتوا جميعاً لصالح حزب المؤتمر على نحو أكبر بكثير عنه بالنسبة إلى بهارتيا جاناتا، ما يوحي بأن السياسات التي اتخذتها حكومة مودي تركت أصداءً سلبية في صفوف الناخبين. وتوحي الخسائر في مناطق ريفية وحضرية من البلاد بأن ثمة استياء خطيرا يعاني منه بهارتيا جاناتا في الساحة السياسية.
من جهتها، رأت سودها باي المتخصصة في العلوم السياسية «إذا ما انعكست هذه النتائج الخاصة بالانتخابات المحلية على الانتخابات العامة، فإن هناك الكثير مما يستدعي قلق بهارتيا جاناتا. وإذا ظلت الميول الانتخابية دونما تغيير خلال عام 2019. فإن بهارتيا جاناتا سيكون بذلك على موعد مع خسارة أكثر من نصف مقاعده. أما حزب المؤتمر، فقد فاز لأن بهارتيا جاناتا خذل الاقتصاديات الزراعية للولايات الثلاث التي تشكل القلب الهندي للبلاد». وأضافت أنه «مع عودة حزب المؤتمر إلى السلطة في هذه الولايات الزراعية، فإنه سيتعين عليه إيجاد سبل لتخفيف حدة السخط السائد بها، وإنجاز ما وعد به من إسقاط لديون المزارعين وخلق فرص عمل... وذلك خلال الشهور الستة المقبلة لأن الناخب الهندي قليل الصبر».
انحسار شعبية مودي بين المزارعين
وكان من شأن عدد من المشكلات الاقتصادية وإهمال الأزمة المشتعلة في المناطق الزراعية والتخبط بخصوص بعض السياسات واتباع توجهات هندوسية قومية متشددة، ضمان فشل بهارتيا جاناتا في إنجاز الوعود التنموية التي سبق وأن أطلقها عام 2014. وربط محللون بين الانحسار الواضح في شعبية بهارتيا جاناتا وتنامي السخط داخل المناطق الريفية وارتفاع معدلات البطالة في البلاد.
وتزعم حكومة مودي أنها نجحت في توفير إدارة خالية من الفساد على المستويات العليا من الحكومة، وإن كان الفساد لا يزال متوطناً على المستوى المحلي. كما نجحت في توفير مستوى أعلى من مرافق الصرف الصحي والخدمات الكهربائية داخل المناطق الريفية، والتأمين الصحي، والبنية التحتية، وإصلاح قوانين الإفلاس، الفقراء عبر الرقمنة.
ومع ذلك، سقطت حكومة مودي في إخفاقات فادحة، خاصة فيما يتعلق بقطاع الزراعة، في وقت يعتمد قرابة 55 في المائة من سكان الهند البالغ إجمالي تعدادهم 1.25 مليار نسمة، على نحو مباشر أو غير مباشر على الزراعة. ويشكل المزارعون كتلة تصويتية مهمة، وقد نظم مزارعون مظاهرات في يونيو (حزيران) العام الماضي، سعياً لجذب أنظار الحكومة، مطالبين بإسقاط القروض وطرح أسعار مربحة للمحاصيل.
من ناحيته، قال أكاش ميهروترا، الباحث المعني بالعلوم الاجتماعية: «يعتبر السخط داخل المناطق الريفية من الحقائق المؤلمة، وهو نتاج لانكماش أسعار المحاصيل ونقص فرص العمل وجمود الأجور بالمناطق الريفية. وقد فاز حزب المؤتمر في الانتخابات المحلية بناءً على وعوده بإسقاط قروض المزارعين بصورة أساسية. وبالنسبة للحركات الداعمة للمزارعين، فقد رأت في التخفيضات التي عرضتها البنوك على الشركات العاملة بمجال الصناعة سبباً آخر يستدعي الغضب، فلماذا تسمح الحكومة بهذه المعاملة الكريمة لأصحاب الصناعات، بينما ترفض إسقاط القروض من على كاهل المزارعين الذين يواجهون ظروفاً عصيبة؟».
غضب المناطق الحضرية
علاوة على ذلك، ثمة مؤشرات توحي بتحول أبناء الطبقة الوسطى الحضرية والتجار بعيداً عن بهارتيا جاناتا. ومن بين النتائج المهمة التي كشفت عنها الانتخابات وجود سخط صامت وقوي إزاء بهارتيا جاناتا بين الناخبين بالمناطق الحضرية. وبينما كان السخط تجاه الحزب الحاكم داخل المناطق الزراعية واضحاً ونوقش كثيراً، كانت هناك موجة صامتة ضده داخل معاقله الحضرية. جدير بالذكر أن المناطق الحضرية عادة ما ينظر إليها باعتبارها معاقل دعم بهارتيا جاناتا، وتشكل طبقة الأعمال القاعدة المؤيدة للحزب.
وعليه، فإن انحسار هذه القاعدة قد يصبح المسمار الأخير في نعش بهارتيا جاناتا. ومن سحب العملة من التداول إلى التنفيذ الرديء لضريبة السلع والخدمات، تحطم العمود الفقري للشركات الصغيرة. ومن الممكن أن تكبد هذه القضايا الحزب في انتخابات عام 2019.
وتعتبر محاباة الأقارب واحدة من الاتهامات الأخرى الموجهة لحكومة مودي، والتي تحاول الحكومة جاهدة التخلص منها. ولسوء حظ رئيس الوزراء، فإن النموذج التنموي الذي روج له بنجاح شديد بدأ يفقد مصداقيته الآن. بدلاً من ذلك، يُنظر إلى مودي وبهارتيا جاناتا ككل، باعتبارهم يهتمون فقط بحماية مصالح كبار الرأسماليين، بينما يتركون الفقراء يعانون في مواجهة سحب العملة من التداول والجفاف وارتفاع الأسعار.
وبالنظر إلى آيديولوجيته القومية الهندوسية المتشددة، يمثل بهارتيا جاناتا الآن اليمين السياسي والحزب المحافظ الأساسي في الهند.
وقد أثار الحزب من جديد الدعوات لبناء معبد في موقع ديني هندي يعتبر محل خلاف كبير، حيث هدمت مجموعة من المتشددين الهندوس عام 1992 مسجداً يعود تاريخ إنشائه إلى القرن الـ16. ويرى نقاد أن سياسات بهارتيا جاناتا أججت الكراهية، وأثارت حالة انقسام عميقة على مستوى البلاد. وأشارت مصادر إلى أن الدعوات لبناء المعبد قد تعمق حالة الاستقطاب خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى اشتعال خلافات اجتماعية على مستوى البلاد. ورغم الانتكاسات التي مني بها الحزب داخل القلب الهندي من البلاد، تشير استطلاعات الرأي إلى أن مودي لا يزال يتمتع بشعبية عبر البلاد. وعلى مدار السنوات الأربع ونصف الماضية، طرح مودي نفسه باعتباره مخلص الفقراء ونفذ عدداً من الخطط التنموية المصممة خصيصاً لخدمة المحتاجين، ناهيك عن خطط أخرى لدعم النساء والشباب.
ورغم تباين التقييمات بخصوص مدى جودة تنفيذ هذه الخطط، تظل الحقيقة أن فترة حكم مودي كانت خالية من الفضائح ولا يزال يجري النظر إلى رئيس الوزراء على نطاق واسع باعتباره شخصا مخلصا ودؤوبا وأمينا. ولا تزال بلاغته والكاريزما التي يتمتع بها تخدمانه جيداً.
أما الأمر المؤكد، فهو أن انتخابات عام 2019 العامة ستكون شرسة وسترسم ملامح مستقبل البلاد السنوات المقبلة.



من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
TT

من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق

حذّرت الصين من تصاعد ما وصفته بـ«حرب سرية غير مرئية» تدور في البحار المحيطة بها، مشيرةً إلى أن جهات استخباراتية أجنبية تلجأ إلى وسائل غير تقليدية لجمع معلومات حساسة من المياه الصينية، من بينها استخدام حيوانات بحرية مزوّدة بأجهزة استشعار متطورة، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وقالت وزارة أمن الدولة الصينية، في منشور نشرته عبر منصة «ويتشات»، إن أجهزة استخبارات أجنبية باتت تعتمد أساليب مبتكرة لمراقبة البيئة البحرية الصينية، تشمل ما أطلقت عليه «سلاحف التجسس» و«أسماك التجسس»، في إطار جهود تستهدف جمع بيانات استراتيجية عن البحار والمناطق الساحلية.

ووفقاً للوزارة، فإن تلك الجهات تجهز حيوانات بحرية كبيرة، من بينها السلاحف والأسماك، بأجهزة استشعار متقدمة قادرة على رصد مجموعة واسعة من المعلومات المتعلقة بالبيئة البحرية، بما في ذلك درجات حرارة المياه، ومستويات الملوحة، واتجاهات التيارات البحرية، قبل إرسالها بشكل فوري إلى جهات خارجية عبر الأقمار الاصطناعية.

وأضافت الوزارة أن هذه البيانات تُستخدم في إعداد خرائط تفصيلية لقاع البحار، الأمر الذي عدّته تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني، نظراً لما قد توفره من معلومات ذات أهمية عسكرية واستراتيجية.

ورغم خطورة المزاعم التي طرحتها بكين، فإن الوزارة لم تكشف المواقع التي عُثر فيها على تلك الحيوانات، ولم تُحدد الجهات أو الدول التي تقف وراء تجهيزها وتشغيلها.

الدلفين حيوان مائي ذكيّ (أ.ف.ب)

وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها ملف استخدام الحيوانات في مهام ذات طابع أمني أو استخباراتي، ففي عام 2023، أشارت تقارير استخباراتية بريطانية إلى أن روسيا عززت إجراءات الحماية في قاعدة أسطولها بمدينة سيفاستوبول على البحر الأسود عبر نشر دلافين مدربة لرصد الغواصين المعادين والتعامل معهم. وذكرت التقارير أن تلك الدلافين من نوع «قاروري الأنف» كانت تُحتجز داخل أحواض عائمة في الميناء وتُستخدم لأغراض أمنية.

وفي سياق متصل، قالت وزارة أمن الدولة الصينية إنها ضبطت عوامات بحرية نشرتها، حسب وصفها، مؤسسة أجنبية للأبحاث البحرية، وكانت مزوّدة بمجموعة من أجهزة الاستشعار الجوية والبحرية المتطورة. وأوضحت أن تلك العوامات قادرة على تتبع البصمات الصوتية للغواصات الصينية في الوقت الحقيقي، ما يمنح مشغليها قدرة كبيرة على مراقبة التحركات البحرية.

كما لفتت الوزارة إلى ما يُعرف بـ«الطائرة الشراعية الموجية» (Wave Glider)، وهي مركبة بحرية غير مأهولة تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الأمواج، مؤكدةً أن جهات أجنبية تستخدم هذه التقنية لجمع ونقل معلومات بحرية ذات طبيعة عسكرية، إضافة إلى بيانات مرتبطة بحركة السفن والأنشطة البحرية المختلفة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواصل فيه بكين التعبير عن مخاوفها إزاء الأنشطة الاستخباراتية في مناطق بحرية حساسة، تشمل بحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، وهي مناطق تشهد تنافساً استراتيجياً متصاعداً ونزاعات إقليمية مستمرة.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت خلال عام 2024 عن اكتشاف ما وصفته بـ«منارات بحرية» مخفية في قاع المحيط، قالت إنها قد تُستخدم لتوجيه الغواصات الأجنبية أثناء تنقلها، وربما للمساعدة في تهيئة مسرح العمليات لأي مواجهة عسكرية محتملة.

وفي إطار تعزيز الرقابة على المياه الإقليمية، تقدم الحكومة الصينية مكافآت مالية للصيادين الذين يعثرون على معدات أو أجهزة يُشتبه في استخدامها لأغراض تجسسية.

ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تتراوح قيمة هذه المكافآت بين 50 ألفاً و500 ألف يوان، أي ما يعادل نحو 6 آلاف إلى 60 ألف دولار، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من تنامي أنشطة المراقبة البحرية في المنطقة.


مسؤول أممي يحذر من جوع يحدق بـ300 مليون نسمة حول العالم

 كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

مسؤول أممي يحذر من جوع يحدق بـ300 مليون نسمة حول العالم

 كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)

حذر كارل سكاو، المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي»، من جوع حاد يحدق بنحو 300 مليون شخص حول العالم، وقال إن العدد في ارتفاع مستمر.

ومع استمرار الأزمة الحالية وارتفاع أسعار الوقود لأكثر من 100 دولار، حتى شهر يوليو (تموز) 2026، فسيُدفع 45 مليون شخص آخرون لمواجهة انعدام الأمن الغذائي.

سكاو، الذي يزور السعودية حالياً، قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الرياض «تلعب دوراً قيادياً محورياً بصفتها شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني حيث تشتد الحاجة إليه».

وحدد مدير «البرنامج» ارتفاع التكاليف، والتمويل المحدود، وصعوبة الوصول إلى المحتاجين، بوصفها أبرز التحديات التي تواجهها منظمات العالم؛ حيث أصبح شراء الغذاء وإيصاله أعلى تكلفة، و«في الوقت نفسه، نواجه فجوة تمويلية غير مسبوقة تعرقل عملنا».

وأضاف سكاو: «بالكاد استطعنا الحفاظ على عملياتنا؛ لأنه ببساطة لا توجد لدينا الموارد الكافية. وهذا يعني أن ملايين الأشخاص يُحرمون من الدعم لأنه لا توجد مساعدات متاحة، بينما يعيش 75 في المائة من هؤلاء الأشخاص في مناطق تشهد نزاعات، وفي كثير من السياقات، مثل السودان وغزة، حيث يشكّل الوصول أحد أبرز القيود والتحديات. وعملياً؛ يعني ذلك أننا مضطرون إلى تقليص المساعدات في بعض من أشد الأزمات».

وفي أماكن مثل السودان وقطاع غزة وسوريا، يقول سكاو، «يقف الملايين بالفعل على حافة الهاوية، ولذلك؛ فإن أي اضطراب - حتى لو كان بسيطاً - يحدث في التمويل أو إمكانية الوصول ربما يدفع الأسر سريعاً إلى مستويات أعمق من الجوع الحاد، مع عواقب فورية ربما يصعب أو يستحيل تداركها فيما بعد، وإذا لم نتحرّك الآن، فلن تقتصر عاقبة ذلك على ارتفاع مستويات الجوع فحسب، بل ستتمثل أيضاً في فقدان الأرواح وزيادة عدم الاستقرار، بما يؤثر على المنطقة بأسرها».

وقال سكاو: «أزور حالياً السعودية؛ بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية لـ(برنامج الأغذية العالمي) التابع للأمم المتحدة مع المملكة، في وقت يشهد فيه الإقليم تصاعداً في عدم الاستقرار، وتحديات كبيرة. وقد بحثنا سبل توسيع نطاق الدعم للاستجابات للأزمات الكبرى - لا سيما في السودان وغزة واليمن وسوريا - إلى جانب دعم الجهود الدبلوماسية الإنسانية لضمان الوصول إلى المحتاجين في البيئات شديدة التعقيد».

وأضاف: «حريصون للغاية على تعزيز هذه الشراكة؛ إذ تضطلع السعودية بدور قيادي بالغ الأهمية؛ ليس فقط بصفتها جهة مانحة رئيسية، بل أيضاً بصفتها شريكاً محورياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني أينما دعت الحاجة. ومنذ عام 2002، كان دعم المملكة، ولا يزال، عنصراً أساسياً في إنقاذ الأرواح وضمان مواصلة عمليات البرنامج».

التحديات والأولويات

وبشأن خطة «برنامج الأغذية العالمي» لمواجهة التحديات الماثلة، قال سكاو: «وجدنا أنفسنا مضطرين إلى اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن من يمكننا الوصول إليهم ودعمهم. فنحن نعطي الأولوية للفئات التي تحتاج بشدة إلى المساعدات الغذائية الطارئة، لكن ذلك يعني عملياً حرمان الأشخاص الذين يعانون الجوعَ من الغذاءِ لنعطيه لأولئك الذين يواجهون خطر الموت جوعاً».

وتابع: «في الأماكن التي تشهد أخطر مستويات الجوع، نركّز على الاستجابة الطارئة، حيث نُعطي الأولوية للأشخاص الأعلى عرضة لخطر الموت جوعاً، بمن فيهم من يعيشون في مناطق النزاع، أو الذين نزحوا، أو الذين يمرّون بأزمات حادة. كما نواصل البحث عن سبل للوصول إليهم. ويملك (برنامج الأغذية العالمي)، التابع للأمم المتحدة، إحدى كبرى وأقوى شبكات سلاسل الإمداد في العالم، ولدينا القدرة على الوصول إلى المحتاجين عند توفر إمكانية الوصول والموارد المناسبة، لكننا بحاجة إلى الموارد اللازمة لتحقيق ذلك».

وأضاف: «نراجع أساليب عملنا، ونواصل البحث عن سبل لخفض تكاليفنا باستمرار، ونعمل أيضاً بشكل وثيق مع شركائنا، مثل السعودية، على تعزيز الدبلوماسية الإنسانية والدعوة إلى ضمان الوصول، وتعزيز الابتكار، وزيادة الدعم».

تداعيات التوترات الإقليمية

قال سكاو إن «التصعيدات والاضطرابات في المنطقة أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الوقود؛ مما جعل عملياتنا، وكذلك أسعار الغذاء عالمياً، أعلى تكلفة، وتنعكس هذه الزيادات في تكاليف الوقود مباشرةً في ارتفاع أسعار الغذاء حول العالم. فعندما ترتفع أسعار الغذاء بنسبة 20 في المائة، فإنه غالباً ما يقل استهلاك الناس الغذاء بنسبة مماثلة. وفي المناطق التي نعمل فيها، يعيش كثير من الأشخاص أصلاً على وجبة واحدة يومياً؛ مما يعني أن لهذه الزيادات أثراً فورياً وخطيراً».

وتابع: «أصبحت تكلفة شراء الغذاء وتوفيره أعلى بكثير. فقد ارتفعت تكاليف الشحن بنحو 25 في المائة؛ نتيجة اضطرارنا إلى استخدام طرق أطول وأعلى تكلفة، وتتجلى آثار هذه الصدمات العالمية بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين يواجهون أزمات أصلاً، مثلما في اليمن، الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات، أو قطاع غزة؛ حيث كان الوصول محدوداً بالفعل والبنية التحتية مدمّرة ويعتمد السكان على ما يدخل عبر الحدود».

وعلى الصعيد السوداني، قال سكاو: «في السودان، من المتوقع أن تكون لهذه التطورات آثار طويلة الأمد، حيث إن الأسمدة اللازمة للزراعة خلال الموسم عالقة ولا يمكن إيصالها. وهذا يعني أن المزارعين لن يتمكنوا من إنتاج غذائهم، في وقت نواجه فيه صعوبات في توفير المساعدات».

وزاد: «يأتي كل ذلك في وقت نواجه فيه فجوة تمويلية غير مسبوقة؛ مما يزيد من تقييد قدرتنا على الاستجابة. ونحن مضطرون إلى اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن من يمكننا الوصول إليهم؛ إذ نُعطي الأولوية لبعض الفئات للحصول على المساعدات الطارئة، وهذا يعني عملياً حرمان الأشخاص الذين يعانون الجوعَ من الغذاءِ لنعطيه إلى أولئك الذين يواجهون خطر الموت جوعاً».

الوضع المأساوي بالسودان واليمن وسوريا وفلسطين

وبشأن الوضع المأساوي في السودان واليمن وسوريا وفلسطين، قال سكاو: «تُعد هذه الأزمات من بين أشد أزمات الجوع حدةً في العالم اليوم. وخلال زياراتي هذا العام قطاع غزة والسودان ولبنان، رأيت بنفسي التدهور السريع في الأوضاع على الأرض. ولم يكن هذا المستوى من النزاع والأزمات قائماً في أي من هذه البلدان قبل 5 سنوات».

ووفق سكاو، فإن «السودان يمثل حالياً أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يواجه أكثر من 19 مليون شخص مستويات شديدة من الوضع المأساوي، فقد جرى تأكيد حدوث المجاعة في أجزاء من البلاد، فيما توجد مناطق أخرى معرضة لخطرها»، مبينا أنه «في كل من اليمن وسوريا، يعجز أكثر من نصف السكان عن تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية؛ بسبب النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار».

أما في قطاع غزة، وفق سكاو، فـ«بعد مرور 7 أشهر على وقف إطلاق النار، فإن الأسر لا تزال مستضعفة إلى حد كبير، حيث تكافح لإعادة بناء حياتها بعد عامين من الحرب. ويعتمد كثير من الأسر على وجبة واحدة يومياً، فيما تظل أسعار الغذاء مرتفعة إلى حد يصعُب تحمّله. وتبقى الأوضاع بالغة الهشاشة».

حدود استجابة «البرنامج»

أوضح سكاو أن «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، يعمل على نطاق واسع في جميع هذه الأزمات، «حيث يوفّر الغذاء والدعم التغذوي والمساعدات النقدية، لملايين الأشخاص كل شهر. كما نحافظ على استمرارية سلاسل الإمداد الأساسية، وندعم النظم الغذائية المحلية، ونُعطي الأولوية للأشخاص الأعلى عرضة للخطر».

ومع ذلك، فإن الواقع، وفق سكاو، يشير إلى أنه «من دون توفير تمويل عاجل وضمان وصول إنساني مستدام، فإننا نواجه احتمالاً حقيقياً يتمثل في تقليص المساعدات في وقت بلغت فيه الاحتياجات أعلى مستوياتها».

ولهذا السبب؛ والحديث للمسؤول الأممي، فإن «الشراكات تظل - لا سيما مع دول مثل السعودية - بالغة الأهمية لضمان قدرتنا على مواصلة توفير المساعدة ومنع مزيد من التدهور في الأوضاع. نحن حريصون للغاية على تعزيز هذه الشراكة؛ إذ تؤدي السعودية دوراً قيادياً محورياً، ليس فقط بصفتها جهة مانحة رئيسية، بل أيضاً بصفتها شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني حيث تشتد الحاجة إليه».


العالم يشهد ثاني أكثر «مايو» حرّاً على الإطلاق

امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
TT

العالم يشهد ثاني أكثر «مايو» حرّاً على الإطلاق

امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)

سجّل العالم ثاني أكثر أشهر مايو (أيار) حرّاً على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات، وفقاً لما أعلنه مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، اليوم (الأربعاء)، في حين شهدت أوروبا موجة حر مبكرة واستثنائية، في مؤشر إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة باتت تمثّل «الوضع الطبيعي الجديد» في القارة الأوروبية.

وسُجّلت معدلات حرارة قياسية جديدة في بريطانيا وفرنسا وآيرلندا والبرتغال خلال الشهر الماضي، حيث دفعت كتلة هوائية دافئة من شمال أفريقيا درجات الحرارة إلى مستويات أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية في مختلف أنحاء غرب أوروبا، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» لتغير المناخ، في تقريره الشهري لمايو، بأن هذا الشهر شهد تحولاً سريعاً من طقس أبرد بكثير من المتوسط إلى واحدة من أشدّ موجات الحر المسجلة في أوروبا الغربية خلال هذه الفترة المبكرة من العام.

وقالت عالمة المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانتا بورغيس: «تُظهر موجة الحرّ المبكرة والشديدة بشكل غير معتاد مدى سرعة تحوّل الظواهر المناخية المتطرفة إلى الوضع الطبيعي الجديد بدلاً من كونها حالة استثنائية».

وأفاد «كوبرنيكوس» بأن درجات الحرارة المحسوسة تراوحت بين 35 و40 درجة مئوية في أجزاء واسعة من أوروبا.

وأضاف: «من المرجح أن هذا التحول السريع قد زاد من تأثيراته على السكان، ما لم يترك وقتاً كافياً للناس أو للمحاصيل والنظم البيئية خلال موسم النمو للتأقلم مع درجات الحرارة المرتفعة جداً».

وبلغ متوسط درجة حرارة الهواء السطحي عالمياً 15.18 درجة مئوية، ليُسجّل بذلك ثاني أعلى مستوى لمايو على الإطلاق، حسب «كوبرنيكوس».

كما سجل متوسط درجة حرارة سطح البحر ثاني أعلى مستوى مسجل بعد مايو 2024، مع تحوّل الظروف نحو ظاهرة «إل نينيو» المناخية الدافئة.

وحذرت التوقعات من أن ظاهرة «إل نينيو» المقبلة قد تكون من أقوى الظواهر المسجلة، مما قد يدفع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية في عام 2027.

وأشار «كوبرنيكوس» إلى أن درجات الحرارة ظلت عند «مستويات مرتفعة بشكل استثنائي» في مساحة واسعة من المحيط الهادئ الاستوائي.