تمرر بأصابعها الرقيقة خيوطاً من حرير، لتتخلل خيوطاً أخرى طولية، تربطها في النهاية بعقدٍ محكمة، وتمشطها بعناية لتتراص إلى جوار بعضها بعضاً في المنوال الذي وضعته في إحدى غرف منزلها في قرية دال غيت، المطلة على ضفة النهر الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، حيث القوارب الصغيرة ذات المجدافين التي تعد وسيلة التنقل الوحيدة.
يستمر روتين العمل نحو 5 شهور كاملة لكي تنتج ريحانة، التي تبلغ من العمر 29 سنة، سجادة واحدة، وهي الفترة الأشبه بحمل مضنٍ ينتهي بمولود جديد يباع بسعر يقارب 1500 دولار أميركي، لكن جمال السجاد لا يقدر بثمن بكل تأكيد. المفارقة أن ريحانة لا تزال عزباء وبانتظار الزواج، لأن عائلتها لا تستطيع سداد المهر الغالي، وذلك لأن العريس في منطقة كشمير غالباً ما يشترط مهراً كبيراً هذه الأيام.
وكشأن ريحانه، هناك حليمة مير، التي تبلغ من العمر 26 سنة، وهي الأخرى تغزل السجاد منذ أن كانت في سن الخامسة عشرة، بعد أن تعلمت هذا الفن من والدتها وفي المدرسة، حيث تعلمت كثيراً من شؤون البيت. وقد طلقت حليمة مرتين، وهي الآن أم لطفل في التاسعة، ويعيشان سوياً في منطقة إيدغاه، التي تعد إحدى ضواحي منطقة سريناغار، التي طالما عرفت في السابق بانتعاش صناعة غزل السجاد. وكان العمل يسير على ما يرام إلى أن ظهر العدو الجديد، المتمثل في ماكينات الغزل الحديثة التي حرمت أسر المنطقة من رغد العيش. وتدين صناعة السجاد الكشميري ذات الشهرة العالمية بالفضل لنساء كشمير، ولأناملهم الساحرة التي أنتجت قطعاً أشبه بالتحف الفنية. السجاجيد ذات التصميم الفني، والشالات المصنوعة من «الباشمينا»، وتعني شعر الماعز الذي يصنع منه السجاد الكشميري، ومبدعوها من سيدات كشمير، جميعهم شكلوا عناصر صناعة تلك الحرفة الشهيرة منذ قديم الأزل.
تابسوم (23 سنة)، شأنها شأن كثير من النساء، تمثل الجانب المغمور أو الجندي المجهول لصناعة السجاد الكشميري اليدوي التي دامت قرابة 700 سنة. وهناك أيضاً سنواري، الفتاة الجميلة من قرية «سمبال»، التي تبعد 21 كيلومتراً عن منطقة سريناغار، وهي تصل الليل بالنهار في غزل السجاد اليدوي، لتتمكن من توفير قوت عائلتها، لأنها العائل الوحيد لأسرة فقيرة تتكون من 4 أفراد، هم: الأم الأرملة، وشقيقان صغيران، أحدهما يدرس في الصف السادس الابتدائي.
وكان من المفترض أن تتزوج تابسوم عام 2016، لكن ارتفاع تكاليف الزواج وقف حائلاً دون تحقيق حلمها. وكان «المنوال» الملاذ الوحيد. وتبذل تابسوم قصارى جهدها لكسب قوتها وقوت عائلتها التي تعيش في فقر مدقع. وشأن غيرها، كان «المنوال» مصدر الدخل الوحيد للإنفاق على أسرتها، وادخار بعض المال للزواج.
ويتطلب صنع سجاد واحد جهد فريق عمل يتكون من 4 إلى 5 أشخاص لمدة 12 شهراً. وبالنسبة للسجاد الحريري، يصل ما يدفعه المشترون إلى نحو 5 آلاف جنيه إسترليني، فيما يقل سعر السجاد المصنوع من الصوف بواقع 40 في المائة. وفيما يخص الأجر، فإن النساء اللاتي يعملن في الغزل يحصلن على أجر أقل من أقرانهم من الرجال.
وتعود جذور السجاد اليدوي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وتتمتع كشمير بشهرة عالمية في إنتاج السجاد اليدوي، سواء المصنوع من الحرير أو الصوف. لكن في فترة التسعينات، عاشت منطقة كشمير ظروفاً صعبة، وتعرضت لإجراءات قمعية وصلت إلى حد إغلاق مغازل السجاد، واضطر الأهالي إلى إحضار آلات الصباغة والمناويل إلى المنازل، وبدأت الصناعة المنزلية تدر مالاً وفيراً، فنهضت الصناعة من جديد.
لكن هؤلاء النساجات والمطرزات يعانين كثيراً بسبب الوسطاء، ناهيك عن مواجهة الضغوط الاجتماعية داخل الأسرة التي أحياناً تقف عائقاً أمام مواصلتهن للعمل. ففي قريتي برمولا وباثار، النائيتين في شمال كشمير، يبذل السكان المحليون جهوداً حثيثة لإنعاش صناعة السجاد الكشميري، حيث تعمل جميع نساء المدينة تقريباً في صناعة الغزل بأنواعه، سواء الشال أو الساري أو السجاد. ولكي تستمر تلك الحرفة، حرصت النساء على توارث مهنة الغزل والنسيج، بحيث تنتقل الحرفة من الأم لابنتها، وأي فتاة مقبلة على الزواج في القرية تحرص على تعلم تلك المهارات.
وفي هذا السياق، قالت أمرينا، الطالبة الجامعية: «أكسب ما بين 3 آلاف و4 آلاف روبية في الشهر، ولذلك أستطيع القول إن هذه الحرفة جعلتني أكتفي ذاتياً من الناحية الاقتصادية إلى حد كبير، وساعدتني أيضاً على مواصلة دراستي».
وقال حفيظ الله، أحد سكان القرية من كبار السن إن «هؤلاء الفتيات لا يكسبن قوت عائلاتهم فحسب، بل ينفقن على تعليمهن أيضاً، فهن أصبحن يمثلن مصدر الدخل لعائلاتهن الفقيرة، ولأنفسهن».
وتشتكي النساجة طاهرة أختر قائلة: «نحن لسنا أصحاب المنتج النهائي، ولسنا نحن من يتولى البيع المباشر في الأسواق، لكننا نقوم بالجانب الأهم، وهو عملية التطريز التي تعتبر الأكثر كلفة، وسبب شهرة المنتج. إن هؤلاء الوسطاء يستغلوننا بدفع مقابل زهيد يقل كثيراً عما نستحق، وذلك لأننا لا ندرك القيمة السوقية الحقيقة لما ننتجه، فلا الحكومة تدعمنا ولا غيرها».
ويجلس ما بين 8 و9 فتيات في غرفة مضيئة للعمل سوياً في تطريز قطعة قماش، ولا يرفعن أعينهن عن الإبرة، فيما يتبادلون أطراف الحديث، ويستمعن للموسيقى. وفي ذلك تقول أصفة، وهي طالبة تعمل بالغزل: «إن العمل ليس سهلاً، وهو يتطلب قدراً كبيراً من التركيز، لأن خطأ واحداً قد يتسبب في مشكلة كبيرة للعمل كله».
ورغم كل المعوقات، فقد نجحت سيدتان في صنع اسم كبير لهما خارج البلاد. فشاهينا أختر (32 سنة) كتبت قصة نجاح كبيرة في مجال النسيج لتعين أسرتها مالياً. ومنذ 7 سنوات، بدأت شاهينا في صناعة الشالات، في منزلها بقرية نوشيرا بضاحية سريناغار. وبعد عامين فقط، وصلت منتجاتها إلى صالات العرض في العاصمة الإيطالية روما. في البداية، بدأت شاهينا العمل بمساعدة فتاتين فقط في منزلها. وتصف تلك المرحلة بقولها: «كانت بداية صعبة، ولم يكن لدي حساب مصرفي، ولم أكن أعرف كيف أدير مشروعاً تجارياً».
ويعتمد عمل شاهينا على صناعة وتطريز الشال، وفي هذا الصدد تقول: «يعتبر الرجال أكثر انخراطاً في صناعة وتطريز الشال، لكن النساء يتولين الجانب المرهق، المتمثل في الغزل وتحويل الصوف إلى خيوط، لكنني أميل إلى تشغيل النساء أكثر من الرجال، وذلك للمساعدة في تمكين المرأة».
وهناك أيضاً أريفا جان (31 سنة) التي تعمل في حرفة الغزل الكشميري التقليدي، وقد وصلت إلى أضواء العالمية، وهي تعمل في إنتاج سجاجيد الصوف التقليدية.
ويعد إنتاج السجاد اليدوي الحرفة الأصعب، لأنها تتضمن تمشيط الصوف وفرده على أرض عشبية، ومن ثم غزلة يدوياً. وسبب الصعوبة ليس فقط لأنه مرهق للعمود الفقري فحسب، بل أيضاً لأن العمل ينتهي غالباً بنزيف في الكفين.
ولدت أريفا في أسرة متواضعة مالياً، لكنها نجحت في إحياء حرفة السجاد اليدوي، ومن خلاله استطاعت تشغيل أكثر من 25 عاملاً، غالبيتهم من النساء، ويبلغ متوسط دخل الواحدة 450 روبية يومياً، مقارنة بمتوسط 175 روبية كن يحصلن عليها قبل أن تفتتح أريفا عملها الخاص.
تلك الفتاة المكافحة، التي كانت حتى سنوات قليلة مضت تُوبخ من ذويها عندما تعود إلى بيتها متأخرة، باتت الآن تتجول بين مختلف دول العالم بمفردها للبحث عن أسواق جديدة، ولتحضر المعارض في إيطاليا والولايات المتحدة، وحتى كازاخستان، لكي تتعلم تقاليد صناعة الغزل في دول وسط آسيا.
ورغم ذلك، لا تزال النساء في كشمير يجدن صعوبة كبيرة في إنشاء مشروع خاص، نظراً لطبيعة المجتمع المحافظ الذي لا يتساهل مع اللاتي يسافرن بمفردهن، أو اللاتي يمكثن لساعات طويلة خارج البيت، رغم أن ذلك ضروري لنجاح أعمالهن. والمشكلة هنا أنهن مع كل النجاحات التي يحققنها «فإنهن في الغالب يواجهن مشكلة عندما يفكرن في الزواج»، حسب أريفا.
السجاد الكشميري... وسيلة النساء في سريناغار لكسب العيش
ينتجن قطعاً أشبه بالتحف الفنية ويحيين حرفة أوشكت على الاندثار
تعمل جميع نساء المدينة تقريباً في صناعة الغزل بأنواعه
السجاد الكشميري... وسيلة النساء في سريناغار لكسب العيش
تعمل جميع نساء المدينة تقريباً في صناعة الغزل بأنواعه
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

