آمال قرامي: لا توجد حركة نسوية في العالم العربي!

الباحثة التونسية ترى أن السياق الاجتماعي والثقافي صنع الفروق بين المرأة والرجل

آمال قرامي
آمال قرامي
TT

آمال قرامي: لا توجد حركة نسوية في العالم العربي!

آمال قرامي
آمال قرامي

رغم كل الجهود النسوية المناضلة من أجل حقوق المرأة في العالم العربي، فإن الباحثة التونسية آمال قرامي ترى بوضوح أن هذه الجهود لم ترق إلى أن تكون «حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يمكن من التعمق في دراستها مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحركات النسوية في الغرب التي خضعت لمراجعات تناولت الموجة الأولى فالثانية فالثالثة، ودرست آفاق ما بعد النسوية.. هناك في العالم العربي تيارات، لكنها لا تمثل كتلة منسجمة ومتآلفة».
أستاذة الإنسانيات في كلية الآداب والفنون بجامعة منوبة في تونس التي تعمقت في التراث الإسلامي ودرست الأبعاد الجندرية فيه، وهنا نص الحوار:
* تحدثت في كتابك «الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية» حول مفهوم القوة والشجاعة، وكيف التصق تاريخيا بالرجل لظروف بيئية وثقافية.. هل تتفقين مع الاتجاه الذي يرى أن الفروق النفسية والعاطفية، وطبيعة الأدوار بين المرأة والرجل، ما هي إلا نتيجة تراكم ثقافي، وليس لأصل طبيعي بيولوجي؟
- ما شد انتباه العالم في واقع المرأة العربية هو شجاعة النساء وصلابة جأشهن وجرأتهن التي تجلت في أكثر من مناسبة؛ إقدام الفتيات في مصر على فضح اختبارات العذرية، وتجرؤ الفتيات اللواتي فضحن المتحرشين في الميادين، وارتفاع أصوات الكاتبات اللواتي انتقدن الأنظمة والجماعات المتشددة في سوريا وتونس والعراق وفي غيرها من البلدان. إن كل هذه القوة، والتصميم، والعزيمة، والجرأة، تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أننا لسنا إزاء تغيير في منظومة القيم التي تنسبها الثقافة السائدة إلى هذا الجنس أو ذاك، ثمة مناخ سمح بالخروج من حالة العمى إلى الإبصار، إلى الاعتراف بقدرات النساء، ومعنى هذا أن القوة المعنوية لا الجسدية، والشجاعة المعنوية وغيرها من الصفات متوفرة لدى الجنسين، ولكن السياق الاجتماعي هو الذي يتحكم في إدارتها.
* هل ترين أن «مفهوم الأنوثة» بطبيعته وتركيبته في الثقافة العربية الذي يقوم على خصائص تلتصق بالأنثى، وتعدّ من كمال أنوثتها كالحياء، والعفة، والحشمة، والرقة، والتأنق، والنعومة، والجاذبية.. هي خصائص طبيعية أم عبء يلقى على كاهل المرأة؟
- هذه القيم تنسبها بعض المجتمعات إلى النساء، في حين أن مجتمعات أخرى تنسبها إلى الرجال. فالأمور ذات صلة ببنية المجتمع والركائز التي تؤسس عليها الثقافة السائدة والمعايير الأخلاقية والذوقية والجمالية والدينية المتواضع عليها. ولكن في تقديري، العفة والحياء وغيرها من القيم لها حمولة رمزية توظف من أجل تحقيق الضبط الاجتماعي وإدارة العلاقات الاجتماعية، وسياسة الأجساد، وطبيعة العلاقات المفترض وجودها. والملاحظ أن المجتمع يلحّ على عفة المرأة ويتجاهل عفة الرجل، وقس على ذلك الحياء، محدثا بذلك فرقا بين سلوك كل من المرأة والرجل بغية الحفاظ على الامتيازات الذكورية، غير أن ما يجب أن نعترف به اليوم هو أن هذه الصفات، والقيم تتغير وتتحول ولم تعد حكرا على المرأة. فالرقة موجودة لدى عدد من الرجال، وصاروا لا يخجلون من التعبير عنها أمام الملأ، وكذلك الرغبة في التجمّل والتأنق والسعي إلى التبرج.. يكفي أن نتأمل في إقبال الرجال على استهلاك مواد التجميل، والجراحة التجميلية والملابس المزدوجة (Unisex)، وهذه الممارسات دليل على أن هذه المنظومة القيمية ليست ممثلة لـ«خصائص طبيعية»، بل هي صفات وقيم يتواضع عليها القوم، ويعملون على تجذيرها من خلال التربية، وآليات الضبط والمراقبة، والقوانين وغيرها. وليس يخفى أن التذرع بـ«الطبيعة» هو آلية يستخدمها أغلبهم للحد من المطالب النسائية المشروعة في العدالة الاجتماعية والمساواة وغيرها من الحقوق، فإذا طالبت المرأة (على سبيل المثال) بأن تكون قاضية احتج البعض بأن «طبيعتها» تحول دون وضعها في هذا المنصب القيادي... وهذا يعني أننا نخفي العامل الاجتماعي، ونظهره في لبوس ديني أو طبيعي.
* هناك من يرى أن كثيرا من الحركات النسوية تتحول من مرور الوقت إلى حالة «عنصرية» شبيهة بحركة تحرير «السود» مثلا، تصبح القضية هي السباق مع الجنس الآخر، والصراع معه، في محاولة لكسر الأرقام والمناطق التي حرمت منها من أجل «تحقيق الانتصار» فحسب، وليس من أجل إقرار القيم والحقوق.. ما رأيك؟
- إذا انطلقنا من تعريف الفكر النسوي على أساس أنه فكر سياسي تحرري يروم تخليص الإنسان من القهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. فإن الحراك النسوي هو حراك من أجل إحلال القيم التي تسمح بإرساء مجتمعات يطيب الاستقرار فيها، وهو مندرج في إطار الحركات التحررية والحركات الاجتماعية. أما انزياح بعض التيارات عن المسار، فهو وارد في جميع التيارات الآيديولوجية أو السياسية، ولا يمكن التركيز عليه لأن الحركات النسوية في العالم العربي تجاوزت في الغالب، هذا الطرح القائم على الثنائية المتضادة؛ رجل في مقابل امرأة، ولا ترى أن صراعها مع الرجل، إنما هو صراع مع الفقر والتخلف والقهر.. وفي هذا الإطار نلاحظ في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، انضمام عدد من الرجال إلى الحركات النسوية إيمانا بهذه القيم العادلة التي تدافع عنها «النسويات».
* كيف تفسرين حالات التحرش التي بدأت تتصاعد بشكل لافت في دول الربيع العربي؟
- لا يمكن أن نتغاضى عن حقيقة مفادها أن التحرش سلوك يشمل النساء والرجال، الكهول والأطفال، ولكن دائما يقع التركيز على النساء لارتباط ذلك بقيم رمزية الشرف، العار.. من جهة، ولتضخم العدد، من جهة أخرى، كما أنني أذهب إلى وجود حرج في الحديث عن اغتصاب الرجال لأنه يعري المجتمع، ويؤكد وجود ذكوريات مسحوقة يتسلط عليها أصحاب الذكورة المهيمنة، فيعاملونها معاملة النساء «الضعيفات» الضحيات المكسورات الجناح.. ولكن تحول التحرش الجماعي إلى ظاهرة هو لافت للانتباه بعد ثورات «الكرامة والحرية».. وله صيغ مختلفة؛ التحرش من أجل تأديب النساء، ومنعهن من المشاركة في الاحتجاجات، بمعنى هو وسيلة ذات بعد سياسي، وهنا لا نفرق بين التيارات الليبرالية أو اليسارية أو الإسلامية، فقد اعتمدت كلها هذه الوسيلة موظفة أصحاب السوابق من المجرمين في تصفية حسابات سياسية، ونحن نعلم أن الاغتصاب يتجاوز النساء أنه تصفية حساب ذكورية بالأساس تمر على أجساد النساء، ومعاناتهن.
أما التحرش المرتبط بالآيديولوجيا الذكورية، فهو رد فعل على بروز أدوار جديدة للنساء تشعر بعضهن بالحرج والإحباط والخوف من فقدان الامتيازات، وهنا لا بد من الإقرار بوجود أزمة ذكورية حادة تمر بها هذه الجماعات المحبطة والمهمشة التي فقدت احترام الذات، والثقة في النفس، وفي إمكانية تغيير أوضاعها، وهي تعتقد أن المخرج يكمن في التشفي من النساء لأنهن يتفوقن في الدراسة، ولهن حظ أكبر في العثور على عمل.. ولا يمكن أن نخفي أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية جعلت المكبوتين ينفجرون معبرين عن معاناتهم بطرق مختلفة؛ الإرهاب، السرقة، المخدرات، وغيرها.
* لماذا تبدو الحركة النسوية في العالم العربي تائهة مشتتة بلا هوية أو جهود.. أو وجود واضح؟
- ليست هناك حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يمكن من التعمق في دراستها، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحركات النسوية في الغرب التي خضعت لمراجعات تناولت الموجة الأولى فالثانية فالثالثة، ودرست آفاق ما بعد النسوية. وإنما هناك في العالم العربي تيارات، وهي لا تمثل كتلة منسجمة ومتآلفة، كل ما هناك هو فكر نسوي تتبناه جماعة من النساء بطريقة فردية، أو أحيانا تشتغل بعض الجمعيات وفق أسسه. وبناء على ذلك لا يمكن الحديث عن هوية حركة أو جهود ملموسة, غاية ما في الأمر أن الفكر النسوي متحرك بين مد وجزر، ويشهد، في اعتقادي، عملية إحياء بعد الثورات العربية نتيجة التراجع والعنف المسلط على النساء، بما يدفعهن إلى مزيد البحث عن آليات للمقاومة، ومنها الآليات التي تنتجها الفلسفة النسوية المعولمة.
* هناك بعض المثقفين يرى أن الحل الأنجع مع شعوب عاطفية متدينة، يكون من داخل الثقافة الدينية نفسها، عبر دعم وتقديم نماذج وقيادات إسلامية معتدلة هي من تقود التغيير.. ما رأيك؟
- هذا طرح يرى أصحابه أنه لا بد من الرجوع إلى الوراء؛ إلى التراث وإلى النماذج القيادية التقليدية وتكون الحلول دائما في الركون إلى ما أنجزه القدامى، وكأنه ليس بالإمكان إبداع أحسن مما أنجزه السلف. وفي تقديري، في بلدان تسيطر فيها العاطفة على السياسة وعلى الثقافة وعلى الدين، لا بد من إرساء العقلنة بإيلاء الفكر الفلسفي كل ما يستحقه. نحن بحاجة إلى تثوير مناهجها التعليمية، وأدوات تفكيك النصوص، وتحليل المعطيات. نحن بحاجة إلى الإبداع، إلى إبراز مدى قدرتنا على مفارقة وضع الاتكال والاستهلاك إلى الإنتاج، فالأجيال الجديدة نشأت في ظل العولمة، وما عادت تتأثر في الغالب، بما يقدم لها من معرفة تحنطت منذ قرون، وما عادت قادرة على تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة العصر: ما الذي يجعل «الإسلاميين» يبلغون هذا الحد من التوحش في سوريا والعراق؟ لماذا يستمتع هؤلاء بالذبح والصلب والرجم والتنكيل بالعباد والتمثيل بالجثث؟
* تتبعت كثيرا المواقف التراثية في الفكر العربي والإسلامي تجاه تشكيل المواقف تجاه المرأة.. هل تحملين الماضي أوزار الحاضر؟ كيف يمكن الخروج من أزمة راهنة بجذورها الثقافية المتراكمة دون أن نفقد هويتنا؟
- بطبيعة الحال، البنى الذهنية لا تتطور بسرعة، وإنما تظل فاعلة على امتداد قرون، لا سيما إذا كانت تحقق مصالح المجتمعات التسلطية، وما نراه اليوم من محاولات تبرير تستند إلى التراث يجعلنا ننتبه إلى أنه لا مجال للتعالي عن الواقع. هناك علاقة، في الغالب، مرضية بالماضي، نقدسه، ونرفض مراجعته، وإزاحة الحجب عنه. ونحن إزاء معضلة تفضح رؤيتنا للزمن فنحن نعيش الماضي في الحاضر، ولا نستطيع أن نفكر باتجاه المستقبل، وبالإضافة إلى ذلك لم نستطع أن نتصالح مع منظومة الزمن. فالبعض يفضل العيش في زمن افتراضي ينقطع عن حاضره، والبعض الآخر يتصور أنه يعيش وفق منظومة عاشها السلف.. ويمكن القول إننا لم نقطع وصلة الأسر بالماضي، لم نبلغ الرشد، نظل نتعلق بتمثلات عن الماضي تعلق الفطيم بأمه، ذاك الذي يهاب مواجهة المستقبل الذي يطالبه بأن يكون راشدا ومستقلا ومسؤولا. وطالما أننا لم نواجه هذه الحقائق، فإن مواقفنا تجاه قضايا متعددة تبقى مرتهنة.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.