آمال قرامي: لا توجد حركة نسوية في العالم العربي!

الباحثة التونسية ترى أن السياق الاجتماعي والثقافي صنع الفروق بين المرأة والرجل

آمال قرامي
آمال قرامي
TT

آمال قرامي: لا توجد حركة نسوية في العالم العربي!

آمال قرامي
آمال قرامي

رغم كل الجهود النسوية المناضلة من أجل حقوق المرأة في العالم العربي، فإن الباحثة التونسية آمال قرامي ترى بوضوح أن هذه الجهود لم ترق إلى أن تكون «حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يمكن من التعمق في دراستها مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحركات النسوية في الغرب التي خضعت لمراجعات تناولت الموجة الأولى فالثانية فالثالثة، ودرست آفاق ما بعد النسوية.. هناك في العالم العربي تيارات، لكنها لا تمثل كتلة منسجمة ومتآلفة».
أستاذة الإنسانيات في كلية الآداب والفنون بجامعة منوبة في تونس التي تعمقت في التراث الإسلامي ودرست الأبعاد الجندرية فيه، وهنا نص الحوار:
* تحدثت في كتابك «الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية» حول مفهوم القوة والشجاعة، وكيف التصق تاريخيا بالرجل لظروف بيئية وثقافية.. هل تتفقين مع الاتجاه الذي يرى أن الفروق النفسية والعاطفية، وطبيعة الأدوار بين المرأة والرجل، ما هي إلا نتيجة تراكم ثقافي، وليس لأصل طبيعي بيولوجي؟
- ما شد انتباه العالم في واقع المرأة العربية هو شجاعة النساء وصلابة جأشهن وجرأتهن التي تجلت في أكثر من مناسبة؛ إقدام الفتيات في مصر على فضح اختبارات العذرية، وتجرؤ الفتيات اللواتي فضحن المتحرشين في الميادين، وارتفاع أصوات الكاتبات اللواتي انتقدن الأنظمة والجماعات المتشددة في سوريا وتونس والعراق وفي غيرها من البلدان. إن كل هذه القوة، والتصميم، والعزيمة، والجرأة، تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أننا لسنا إزاء تغيير في منظومة القيم التي تنسبها الثقافة السائدة إلى هذا الجنس أو ذاك، ثمة مناخ سمح بالخروج من حالة العمى إلى الإبصار، إلى الاعتراف بقدرات النساء، ومعنى هذا أن القوة المعنوية لا الجسدية، والشجاعة المعنوية وغيرها من الصفات متوفرة لدى الجنسين، ولكن السياق الاجتماعي هو الذي يتحكم في إدارتها.
* هل ترين أن «مفهوم الأنوثة» بطبيعته وتركيبته في الثقافة العربية الذي يقوم على خصائص تلتصق بالأنثى، وتعدّ من كمال أنوثتها كالحياء، والعفة، والحشمة، والرقة، والتأنق، والنعومة، والجاذبية.. هي خصائص طبيعية أم عبء يلقى على كاهل المرأة؟
- هذه القيم تنسبها بعض المجتمعات إلى النساء، في حين أن مجتمعات أخرى تنسبها إلى الرجال. فالأمور ذات صلة ببنية المجتمع والركائز التي تؤسس عليها الثقافة السائدة والمعايير الأخلاقية والذوقية والجمالية والدينية المتواضع عليها. ولكن في تقديري، العفة والحياء وغيرها من القيم لها حمولة رمزية توظف من أجل تحقيق الضبط الاجتماعي وإدارة العلاقات الاجتماعية، وسياسة الأجساد، وطبيعة العلاقات المفترض وجودها. والملاحظ أن المجتمع يلحّ على عفة المرأة ويتجاهل عفة الرجل، وقس على ذلك الحياء، محدثا بذلك فرقا بين سلوك كل من المرأة والرجل بغية الحفاظ على الامتيازات الذكورية، غير أن ما يجب أن نعترف به اليوم هو أن هذه الصفات، والقيم تتغير وتتحول ولم تعد حكرا على المرأة. فالرقة موجودة لدى عدد من الرجال، وصاروا لا يخجلون من التعبير عنها أمام الملأ، وكذلك الرغبة في التجمّل والتأنق والسعي إلى التبرج.. يكفي أن نتأمل في إقبال الرجال على استهلاك مواد التجميل، والجراحة التجميلية والملابس المزدوجة (Unisex)، وهذه الممارسات دليل على أن هذه المنظومة القيمية ليست ممثلة لـ«خصائص طبيعية»، بل هي صفات وقيم يتواضع عليها القوم، ويعملون على تجذيرها من خلال التربية، وآليات الضبط والمراقبة، والقوانين وغيرها. وليس يخفى أن التذرع بـ«الطبيعة» هو آلية يستخدمها أغلبهم للحد من المطالب النسائية المشروعة في العدالة الاجتماعية والمساواة وغيرها من الحقوق، فإذا طالبت المرأة (على سبيل المثال) بأن تكون قاضية احتج البعض بأن «طبيعتها» تحول دون وضعها في هذا المنصب القيادي... وهذا يعني أننا نخفي العامل الاجتماعي، ونظهره في لبوس ديني أو طبيعي.
* هناك من يرى أن كثيرا من الحركات النسوية تتحول من مرور الوقت إلى حالة «عنصرية» شبيهة بحركة تحرير «السود» مثلا، تصبح القضية هي السباق مع الجنس الآخر، والصراع معه، في محاولة لكسر الأرقام والمناطق التي حرمت منها من أجل «تحقيق الانتصار» فحسب، وليس من أجل إقرار القيم والحقوق.. ما رأيك؟
- إذا انطلقنا من تعريف الفكر النسوي على أساس أنه فكر سياسي تحرري يروم تخليص الإنسان من القهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. فإن الحراك النسوي هو حراك من أجل إحلال القيم التي تسمح بإرساء مجتمعات يطيب الاستقرار فيها، وهو مندرج في إطار الحركات التحررية والحركات الاجتماعية. أما انزياح بعض التيارات عن المسار، فهو وارد في جميع التيارات الآيديولوجية أو السياسية، ولا يمكن التركيز عليه لأن الحركات النسوية في العالم العربي تجاوزت في الغالب، هذا الطرح القائم على الثنائية المتضادة؛ رجل في مقابل امرأة، ولا ترى أن صراعها مع الرجل، إنما هو صراع مع الفقر والتخلف والقهر.. وفي هذا الإطار نلاحظ في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، انضمام عدد من الرجال إلى الحركات النسوية إيمانا بهذه القيم العادلة التي تدافع عنها «النسويات».
* كيف تفسرين حالات التحرش التي بدأت تتصاعد بشكل لافت في دول الربيع العربي؟
- لا يمكن أن نتغاضى عن حقيقة مفادها أن التحرش سلوك يشمل النساء والرجال، الكهول والأطفال، ولكن دائما يقع التركيز على النساء لارتباط ذلك بقيم رمزية الشرف، العار.. من جهة، ولتضخم العدد، من جهة أخرى، كما أنني أذهب إلى وجود حرج في الحديث عن اغتصاب الرجال لأنه يعري المجتمع، ويؤكد وجود ذكوريات مسحوقة يتسلط عليها أصحاب الذكورة المهيمنة، فيعاملونها معاملة النساء «الضعيفات» الضحيات المكسورات الجناح.. ولكن تحول التحرش الجماعي إلى ظاهرة هو لافت للانتباه بعد ثورات «الكرامة والحرية».. وله صيغ مختلفة؛ التحرش من أجل تأديب النساء، ومنعهن من المشاركة في الاحتجاجات، بمعنى هو وسيلة ذات بعد سياسي، وهنا لا نفرق بين التيارات الليبرالية أو اليسارية أو الإسلامية، فقد اعتمدت كلها هذه الوسيلة موظفة أصحاب السوابق من المجرمين في تصفية حسابات سياسية، ونحن نعلم أن الاغتصاب يتجاوز النساء أنه تصفية حساب ذكورية بالأساس تمر على أجساد النساء، ومعاناتهن.
أما التحرش المرتبط بالآيديولوجيا الذكورية، فهو رد فعل على بروز أدوار جديدة للنساء تشعر بعضهن بالحرج والإحباط والخوف من فقدان الامتيازات، وهنا لا بد من الإقرار بوجود أزمة ذكورية حادة تمر بها هذه الجماعات المحبطة والمهمشة التي فقدت احترام الذات، والثقة في النفس، وفي إمكانية تغيير أوضاعها، وهي تعتقد أن المخرج يكمن في التشفي من النساء لأنهن يتفوقن في الدراسة، ولهن حظ أكبر في العثور على عمل.. ولا يمكن أن نخفي أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية جعلت المكبوتين ينفجرون معبرين عن معاناتهم بطرق مختلفة؛ الإرهاب، السرقة، المخدرات، وغيرها.
* لماذا تبدو الحركة النسوية في العالم العربي تائهة مشتتة بلا هوية أو جهود.. أو وجود واضح؟
- ليست هناك حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يمكن من التعمق في دراستها، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحركات النسوية في الغرب التي خضعت لمراجعات تناولت الموجة الأولى فالثانية فالثالثة، ودرست آفاق ما بعد النسوية. وإنما هناك في العالم العربي تيارات، وهي لا تمثل كتلة منسجمة ومتآلفة، كل ما هناك هو فكر نسوي تتبناه جماعة من النساء بطريقة فردية، أو أحيانا تشتغل بعض الجمعيات وفق أسسه. وبناء على ذلك لا يمكن الحديث عن هوية حركة أو جهود ملموسة, غاية ما في الأمر أن الفكر النسوي متحرك بين مد وجزر، ويشهد، في اعتقادي، عملية إحياء بعد الثورات العربية نتيجة التراجع والعنف المسلط على النساء، بما يدفعهن إلى مزيد البحث عن آليات للمقاومة، ومنها الآليات التي تنتجها الفلسفة النسوية المعولمة.
* هناك بعض المثقفين يرى أن الحل الأنجع مع شعوب عاطفية متدينة، يكون من داخل الثقافة الدينية نفسها، عبر دعم وتقديم نماذج وقيادات إسلامية معتدلة هي من تقود التغيير.. ما رأيك؟
- هذا طرح يرى أصحابه أنه لا بد من الرجوع إلى الوراء؛ إلى التراث وإلى النماذج القيادية التقليدية وتكون الحلول دائما في الركون إلى ما أنجزه القدامى، وكأنه ليس بالإمكان إبداع أحسن مما أنجزه السلف. وفي تقديري، في بلدان تسيطر فيها العاطفة على السياسة وعلى الثقافة وعلى الدين، لا بد من إرساء العقلنة بإيلاء الفكر الفلسفي كل ما يستحقه. نحن بحاجة إلى تثوير مناهجها التعليمية، وأدوات تفكيك النصوص، وتحليل المعطيات. نحن بحاجة إلى الإبداع، إلى إبراز مدى قدرتنا على مفارقة وضع الاتكال والاستهلاك إلى الإنتاج، فالأجيال الجديدة نشأت في ظل العولمة، وما عادت تتأثر في الغالب، بما يقدم لها من معرفة تحنطت منذ قرون، وما عادت قادرة على تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة العصر: ما الذي يجعل «الإسلاميين» يبلغون هذا الحد من التوحش في سوريا والعراق؟ لماذا يستمتع هؤلاء بالذبح والصلب والرجم والتنكيل بالعباد والتمثيل بالجثث؟
* تتبعت كثيرا المواقف التراثية في الفكر العربي والإسلامي تجاه تشكيل المواقف تجاه المرأة.. هل تحملين الماضي أوزار الحاضر؟ كيف يمكن الخروج من أزمة راهنة بجذورها الثقافية المتراكمة دون أن نفقد هويتنا؟
- بطبيعة الحال، البنى الذهنية لا تتطور بسرعة، وإنما تظل فاعلة على امتداد قرون، لا سيما إذا كانت تحقق مصالح المجتمعات التسلطية، وما نراه اليوم من محاولات تبرير تستند إلى التراث يجعلنا ننتبه إلى أنه لا مجال للتعالي عن الواقع. هناك علاقة، في الغالب، مرضية بالماضي، نقدسه، ونرفض مراجعته، وإزاحة الحجب عنه. ونحن إزاء معضلة تفضح رؤيتنا للزمن فنحن نعيش الماضي في الحاضر، ولا نستطيع أن نفكر باتجاه المستقبل، وبالإضافة إلى ذلك لم نستطع أن نتصالح مع منظومة الزمن. فالبعض يفضل العيش في زمن افتراضي ينقطع عن حاضره، والبعض الآخر يتصور أنه يعيش وفق منظومة عاشها السلف.. ويمكن القول إننا لم نقطع وصلة الأسر بالماضي، لم نبلغ الرشد، نظل نتعلق بتمثلات عن الماضي تعلق الفطيم بأمه، ذاك الذي يهاب مواجهة المستقبل الذي يطالبه بأن يكون راشدا ومستقلا ومسؤولا. وطالما أننا لم نواجه هذه الحقائق، فإن مواقفنا تجاه قضايا متعددة تبقى مرتهنة.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».