حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

15 فيلماً عكست أفضل ما لديها

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
TT

حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)

في مثل هذه الأيام من كل عام كان العيد السّينمائي الخاص والخالص الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة يتجدّد، وكان يُعرف باسم «مهرجان»، وهو «الحدث» السينمائي الأول والأفضل والأهم من بين كل المهرجانات (أو «الأحداث») العربية. وكان اللقاء السنوي لأهم مخرجي العالم العربي وسينمائييه. هناك في باحات الفنادق وفي الموقع الذي اختاره المهرجان مركزاً جامعاً لنشاطاته، وكان السينمائيون يلتقون في الصّالات القريبة ليشاهدوا أفلام بعضهم بعضاً.
في ربيع العام الذي نودعه، صدر قرار من إدارة جديدة بإيقافه لهذه السنة، على أمل عودته في السنة المقبلة. لكن حتى ولو عاد - كما نتمنى - في العام المقبل، فإن الذخيرة الفنية المتمثلة في هذا المهرجان طوال سنواته الأربع عشرة لا تضاهى. لم يحصل عليها أي مهرجان عربي (أو عالمي) آخر، ولا يمكن أن تُنسى. بعض أفضل ما أنجبته السينما العربية من أفلام خلال تلك الفترة عُرض فيه.
أفلام مثل «ألوان السما السابعة» لسعد هنداوي و«البيت الأصفر» لعمر حكار و«الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط و«تقاسيم الحب» ليوسف الديب و«33 يوماً» لمي المصري و«الرحيل من بغداد» لقتيبة الجنابي ومئات أخرى.
- حضور وغياب
حين توقف مهرجان دبي، ولأسباب ما زالت غير واضحة تماماً، انحسر أحد أهم الأضواء الساطعة فوق هذه السينما. لا يعني أنّ مهرجانات أخرى في العالم العربي وخارجه لا تلعب الدور ذاته، ولو بمقدار معين بالنسبة لبعضها، لكن البطولة، كما الكلمة التي تصف صاحب الدور الأول في أي منتوج سينمائي، كانت لمهرجان دبي.
مهرجانات سنة 2018 كانت مجزية. غياب البطولة شجع آخرين للتّقدم وفتح المجال أمام بلورة أدوارها. بدأ العام السينمائي في مهرجان مسقط في سلطنة عُمان. سابقاً ما كان مهرجاناً محدود الحجم والحضور. هذا العام عمل على تحسين وضعه وأنجز ذلك عبر اختيار لجنة تحكيم جيدة وبضعة أفلام عربية وأجنبية كانت مثار إقبال نسبة أعلى من الجمهور. من هذه الأفلام «إلى آخر الزمان» لياسمين شويخ (تونس)، و«سرب حمام» لرمضان خصرو (الكويت)، و«نور» لخليل زعرور (لبنان)، و«رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد (سوريا)، و«كتابة على الثلج» لرشيد مشهراوي (فلسطين)، و«الرحلة» لمحمد جبارة الدراجي (العراق).
لكنّ مهرجان مسقط مرتبط بالميزانية المقرّرة له من ناحية، وبغياب رؤية مستقبلية شاملة من ناحية أخرى. التقدّم صوب ما هو أعلى وأهم من مجرد إنتاج الحدث هو البحث عن التميز والانفراد.
في صيف السنة الحالية عاد إلى العلن «مهرجان السينما العربية» الذي يُنظّم بإشراف «معهد العالم العربي في باريس». كان يعقد مرة كل عامين وتوقف سنة 2006. ليستعيد فاعليته سنة 2018، تحت إدارة ليان شوّاف التي جمعت حقيبة محترمة من الأفلام وزعتها في ثلاث مسابقات (روائية وتسجيلية وقصيرة).
من بين عروضه الفيلم اللبناني الجيد «غداء العيد» (الذي كان أحد أفلام مهرجان دبي في أواخر السنة الماضية وانتخب هنا كأحد أفضل الأفلام العربية للعام 2017)، و«الرحلة»، و«إلى آخر الزمن»، و«فوتوكوبي» لتامر العشري (مصر)، و«أبدا لم نكن أطفالاً» لمحمد سليمان (مصر)، كما فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» (لبنان)، الذي تولى افتتاح الدورة.
مالمو تبعت باريس بعد نحو ثلاثة أشهر بدورة حملت الرقم 8. في خمسة أيام يقيم رئيسه محمد قبلاوي فعاليات عربية تحتوي على أفلام جامعة كان من بينها هذه السنة «بنزين» لسارة عبيد (تونس)، و«مرايات الشتات» لقاسم عبد (العراق)، و«ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، كما «واجب» لماري آن جاسر (فلسطين).
في ثماني دورات أمسى مهرجان «مالمو» حدثاً منتظراً ومهماً في دائرة المهرجانات السينمائية العربية لا خارج الحدود العربية فقط، بل داخلها أيضاً. وما أن انتهى حتى بدأت الدّورة الثانية من مهرجان «الجونا» التي يشرف على إدارتها انتشال التميمي.
في عامين فقط، أوصل التميمي هذا المهرجان إلى مصاف لائقة. وضع خبرته التي اكتسبها في مهرجان أبوظبي (عندما خلف سمير فريد في إدارة المهرجان الغائب بدوره) ومن قبل في مهرجان روتردام للسينما العربية وأضاف إليها طموحاته المتجددة. النتيجة مهرجان ناجح ومحترف وإن ليس البديل الذي تتوخاه كاملاً السينما العربية لمهرجان دبي، كون «الجونا» يعمل حسب أجندة أكثر تنوّعاً من معظم المهرجانات المذكورة. رغم ذلك، عُرضت سبعة أفلام مصرية وستة لبنانية وثلاثة سورية وثلاثة أخرى تونسية وفيلم واحد من العراق.
على أثره أقيم مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» في تونس العاصمة. وهو صرح كبير له تاريخ يمتد إلى الستينات ودائماً ما عرض أفلاماً عربية وأفريقية في مسابقاته. وإذ تداولناه في «الشرق الأوسط» بإسهاب، تداولنا نشاطات مهرجان القاهرة السينمائي الدُّولي الذي هو، لجانب مهرجان قرطاج، أعرق مهرجان عربي ما يزال قائماً. كما أقيمت دورة جديدة من مهرجان مراكش خلال الشهر الحالي، وكان قد غاب لسنة واحدة وعاد ساعياً لصفحة جديدة تختلف عن صفحات الأمس.
- «كفرناحوم»
الفيلم الأكثر نجاحاً للعالم الحالي، هو «كفرناحوم» لنادين لبكي الذي وصل إلى ترشيحات الغولدن غلوبس الرسمية في مسابقة «أفضل فيلم أجنبي»، ويطمح لدخول مسابقة الأوسكار في القسم ذاته (يبدو آيلاً إلى ذلك خصوصاً أنّ عدد الأفلام المرشحة لمسابقة القسم الأجنبي قد يرتفع من خمسة إلى تسعة هذا العام). وكان «كفرناحوم» قد نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» الدُّولي عنوة على عدة أفلام تنافست لهذه الجائزة كما تقدّم حين تمت تغطية هذا المهرجان الفرنسي بين عدد وفير من المهرجانات التي قامت «الشرق الأوسط» بتغطيتها.
على غراره، سعت أفلام عربية كثيرة لدخول المهرجانات الدولية، بل ازداد ذلك السّعي مع إدراك السينمائيين العرب أنّ مستقبلهم مرتبط، على أكثر من نحو، في اختراق الحدود الغربية.
شاهدنا في مهرجان «صندانس» الفيلم التسجيلي «عن الآباء والأبناء» وفي مهرجان برلين اندفعت سبعة أفلام أحدها هو فيلم المغربية نرجس النجار «بلا وطن» الذي عرض في قسم فورام.
لجانب «كفرناحوم» في مسابقة «كان» الدُّولية ورد «يوم الدين» لأبوبكر شوقي. وفي مسابقة نظرة ما عرضت المغبة مريم بنمبارك فيلمها «صوفيا» وعرض التونسي محمد بن عطية «ولدي». وعرض مهرجان لوكارنو السويسري الفيلم العراقي «يارا» لعباس فاضل. وقس على ذلك مهرجانات مختلفة أخرى عرضت أفلاماً لمخرجين عرب من بينها روتردام (هولاندا) وثيسالونيكي (اليونان) و«بالم سبرينغز» (الولايات المتحدة).
لكن إذا كان غياب مهرجان دبي (ولو لعامنا الحالي) حدث، ووصول فيلم «كفرناحوم» إلى الغولدن غلوبس ومشارف الأوسكار حدث آخر، فإنّ دخول السعودية مجال العروض السينمائية داخل المملكة وعلى نحو تأسيسي كبير هو حدث مهم آخر ميّـز هذا العام.
كان القرار المتخذ شجاعاً من ناحية وضمن سعي الحكومة المستمر لدفع الحياة المدنية والاجتماعية والثّقافية في السعودية إلى الأمام وتجاوز ما كان يعتبر مستحيلاً فيما مضى. الوضع الماثل كان قرار ولي العهد محمد بن سلمان تحديث الآلية الثقافية والفنية في المجتمع السعودي كضرورة للتطوّر المنشود. والسينما أتت في مصاف أول في هذا التحديث ولا تزال والمزيد منه لا يزال مطلوباً لإشادة صرح صناعة مزدهرة تفيد المخرج السعودي والسينمائيين العرب وغير العرب ضمن خطط ودراسات محددة.
السينما السعودية أنجزت هذا العام فيلماً روائياً مهمّـاً هو «عمرة والعرس الثاني» لمحمود صبّاغ. وكانت المخرجة السعودية هيفاء المنصور عرضت فيلمها الأجنبي (كاملاً) «ماري شيلي» في نهايات العام الماضي، وامتدت بعض عروضه للعام الحالي، لكنّه أخفق في نتائجه التجارية رغم الجهد المبذول فيه.
- مواضيع طاغية
اشتغلت السينما العربية، كعادتها، على السائد من المواضيع والطروحات الاجتماعية والسياسية. فيلم محمود صبّـاغ تناول موضوع المرأة حيال أزمتها مع تقاليد متوارثة من الصّعب عليها تغييرها من دون استدعاء حيل وسبل فردية. هي أكبر سناً من أن تعد زوجها، الذي قرّر الزواج من امرأة أصغر سناً.
وضع المرأة كان الموضوع الغالب في أكثر من ركن عربي. هي اللب في «صوفية» لمريم بن مبارك (المغرب)، وفي «ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، و«إلى آخر الزمن» لياسمين شويخ (الجزائر)، كما في «لعزيزة» لمحسن بصري (المغرب)، و«ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح (مصر)، و«بلا وطن» لنرجس النجار (المغرب أيضاً).
الموضوع الطاغي الآخر هو موضوع الإرهاب والجماعات «الإسلامية المتطرفة» وهذه توفرت في «فتوى» لمحمود بن محمود (تونس)، وفي «ولدي» لمحمد بن عطية (تونس)، كما في «ريح رباني» لمرزاق علواش (الجزائر). بدوره جمع فيلم «الرحلة» لمحمد الدراجي بين البطولة النسائية والفعل الإرهابي إذ أن بطلته تهب نفسها لقضية تكتشف لاحقاً أنّها لا تستطيع تنفيذها.
إذا ما صرفنا النظر عن كل فيلم جماهيري النشأة أنتج في مصر ولبنان والمغرب، فإنّ حصيلة الأفلام التي عالجت مواضيع اجتماعية مختلفة كثيرة بدورها. «غود مورنينغ» للبناني بهيج حجيج عن عالمين يحتضران، واحد قابع داخل مقهى متمثلا برجلين عجوزين والآخر خارج المقهى متمثلا في المدينة.
عن المدينة ومتاعبها شاهدنا «ليل- خارجي» لأحمد عبد الله السيد. ورسم مروان حامد صورة كبيرة رائعة عن مصر تاريخاً وزماناً في «تراب الماس»، بينما نأى «المخرج المصري أيضاً أحمد فوزي صالح صوب بيئة تكمن على يسار كل البيئات المهمّشة في «ورد مسموم». وعن الحرب في سوريا قدّم جود سعيد فيلمه الجديد «مسافرو الحرب».
واللافت أنّه من بين الأفلام التي تستحق الذكر كان هناك عدد منها يتناول المصابين بعاهات أو أمراض مستعصية: الجزام في «يوم الدين» (مصر)، والتوحد في «في عينيّـا» لنجيب بلقاضي (تونس).
-- قائمة أفضل عشرة أفلام روائية عربية
من بين 48 فيلما عربيا روائيا طويلا شوهد في العام الماضي من بينها 35 فيلماً عرضت في مهرجانات عربية ودولية جال هذا الناقد مع الاتجاهات والأساليب والغايات الكثيرة التي وفّرتها هذه الأفلام. كثير منها - إن لم يكن معظمها - كان يتضمن القدر الكافي من الأهمية، لكن ليس القدر الكافي من الإجادة. هذا سهّـل، على نحو ملحوظ، عملية اختيار 17 فيلماً تستحق التقدير الأعلى والصّعوبة كانت في اختيار العشرة الأفضل من بينها.
إلى الأفلام العشرة المنتخبة هنا، كان لا بد من البحث عن فيلم العام. هناك بالطبع «كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي على أساس من نجاحه في اختراق دوائر النجاح، لكن هذا لا يكفي وحده. وفيلم «لا أحد هناك».
الخط الجامع بين كل هذه الأفلام المنتقاة يعتمد، بدوره، على عدة معطيات بعضها يتناقض، نظرياً فقط، مع بعضها الآخر. بعض تلك الأفلام يُشهد لها فعل الابتكار (وهذا يتضح في «لا أحد هناك» على ناصية الفيلم الروائي)، وفي «لايف تايم» لحميد بن عمرة (في السينما التسجيلية). في المقابل، هناك أفلام عولجت بتأسيس كلاسيكي (كما الحال في «تراب الماس» لأحمد مجدي و«فتوى» لمحمود بن محمود)، لكنّ مستوى الاحتراف الفني كان من المستوى العالي بحيث لم يعد ابتكار الأسلوب البديل ضرورياً على الإطلاق.
الدرجة العالية من الاحتراف عنصر الابتكار على نحو كامل.
المواضيع المطروحة مهمّـة، لكنّها ليست المعيار الوحيد في اختيار القائمة التالية ذات الترتيب الأبجدي:
- فيلم العام: «لا أحد هناك» | أحمد مجدي (مصر)
لقطة بلقطة ومشهد بمشهد ينجز أحمد مجدي (ابن المخرج المعروف مجدي أحمد علي)، في فيلمه الأول عملاً مذهلاً في تأليفه (كتابة وتنفيذاً)، وفي إخراجه وتصويره. نوع من حدث ذات ليلة مع عدة شخصيات شبابية. هناك عدة حكايات منسوجة برموزها وطروحاتها ضمن صلب الحكاية الأكبر. هناك ذكاء ومهارة. كل شيء مركّـب وكل شيء سهل في الوقت ذاته. يتعامل الفيلم مع النّظرات والتعابير والخوف من الليل والمجهول. النتيجة فيلم ذو وقع ساحر ولغة بصرية واعية وحرفة مبتكرة لم يسبق للسينما المصرية أن خاضت مثلها وبنجاح إلّا نادراً.
- رباعية تسجيلية
من بين أحد عشر فيلما تسجيليا لمخرجين عرب، مع مواضيع تمس العرب، برزت هذه الأفلام الأربعة أكثر من سواها.
1 - أمل محمد صيام (مصر)
يتابع المخرج الوثائقي حياة بطلته أمل الظاهرة منها وتلك التي تعيش في أعماقها. هذا التمرد الذي في داخلها حركها لكي تشارك في الحراك السياسي الدائر ليس على نحو عاطفي بل على يقين من أنّ هناك أدواراً عدة يستطيع الشباب أن يلعبه لمستقبل أفضل. على سعة موضوعه، إذ يتناول سنوات عدة من حياة شخصيته الرئيسية، ينأى المخرج بنفسه عن تكوين رأي مباشر فيما يعرضه مكتفياً بالقيمة التي تجسدها الفتاة ذاتها.
2 - تأتون من بعيد | أمل رمسيس (مصر)
فلسطيني نزح عن أرضه سنة 1948، وحطّ في لبنان من ثمّ في فرنسا، وعندما نشبت الثورة الإسبانية انتقل إلى صفوف المقاتلين هناك. بعد ذلك أنجب شقيقتين انفصلتا منذ الصغر. واحدة ما زالت تجيد العربية وتعيش في اليونان والثانية تتحدث الروسية وتعيش في موسكو. ستلتقيان بعد عقود من الغياب. مؤثر وجيد.
3 - تايم لايف | حميد بن عمرة (الجزائر، فرنسا)
في ثالث أعماله التسجيلية، يوفر المخرج عملاً يحمل الكثير من الابتكار والتجديد. بعض ما فيه لا يمكن للمشاهد تفسيره، لكن الفيلم يأتي متكاملاً مع رغبة المخرج دفع العمل باتجاه الحديث عن المرأة والحمل والحياة والحب.
4 - سنترال أيربورت THF | كريم عينوز (ألمانيا)
هذا أفضل فيلم تسجيلي حقّقه مخرج عربي (الأصل) عالمياً في العام المنصرم. في ألمانيا مطار قديم العهد اسمه «سنترال أيربورت» حوّل إلى موقع لاستقبال المهاجرين العرب والأفارقة. كيف يعيش العرب والألمان في هذا المكان. كيف يتعايشون مع بعض القصص التي يسترجعها سوريون لاجئون. كل ذلك بأناقة وحتى بعض الشعر البصري المناسب.
-- «توب تن»
1- إلى آخر الزمن | ياسمين شويخ (الجزائر)
الفيلم الأول لمخرجته يأتي في غمار الأعمال التي لديها جديداً تقوله. كتبت ياسمين شويخ السيناريو واختارت له موضوعاً راصداً حياة فلتت من بين أصابع بطلته، وحين أتتها الفرصة لكي تتلقى حباً جديداً على كبر، تركته ينزوي وبقيت كما هي. إدارة ممثلين جيدة وتوظيف فعال للقرية التي تقع فيها الأحداث ولما يتفاعل في تلك الأنفس من عواطف مكتومة.
2 - تراب الماس | مروان حامد (مصر) ‪ ‬
بمحاذاة «لا أحد هناك» (أدناه) هذا هو أفضل فيلم عربي للعام. المخرج الذي تقدم وتأخر في مسيرته الفنية خطوات قليلة من قبل، يقفز فوق كل أعماله السابقة ويقدم عرضاً يجوب فيه تاريخ وحاضر الحياة السياسية في مصر من دون أن يتلوّن سياسيا بمنهج واحد. ويفعل ذلك بأناقة المخرج المتمكن أسلوباً وإدراكاً. ينجز الفيلم المتكامل في كل عناصره والحاوي لرموز متوالية لا تعترض ذلك الخط الهيتشكوكي الماثل كتيار ماء تحت الأرض.
3 - طفح الكيل | محسن البصري (المغرب، سويسرا) ‪ ‬
شاب جرب الانتحار، وصبي في السابعة يشكو وجع رأس مزمن، ومستشفى يتفشّى فيه الفساد. يتيح المخرج لنفسه حسنة النظر إلى موقع معيّـن، ويطرح ما ينتقده من نماذج وحالات. المرء كان يتمنى لو أن فيلمه الآخر هذه السنة، «لعزيزة»، جاء بالمستوى ذاته.
4 - عمرة والعرس الثاني | محمود صباغ (السعودية)
يختار المخرج السّعودي صاحب «بركة يقابل بركة» موضوعاً اجتماعياً آخر إنّما يبقيه بعيداً عن الكوميديا بنجاح. حكاية المرأة التي ما أن تدرك أنّ زوجها سيتزوّج عليها لأنّها لم تنجب له صبياناً، حتى تبدأ محاولاتها لردع زوجها عن فعلته بما يُتاح لها من أساليب، بينها مراجعة شيوخ يكتبون لها وينصحون. المخرج لديه أكثر من هذا الوضع ليسرده، لكن كل ما يسرده له علاقة بتلك المرأة التي تجد نفسها وسط تلك المناطق الوعرة نسبة لتقاليد لا يمكن لها أن تتجاوزها منفردة. بعض الميلودراما التلفزيونية في أداء بعض الشّخصيات تقف حائلاً دون ارتفاع الفيلم لسقف الجودة.
5 - غود مورنينغ | بهيج حجيج (لبنان) ‪‬
رجلان متقاعدان يؤمّان كل صباح ركناً علوياً من مقهى يشرف على جادة طرق في مدينة بيروت. يحلان الكلمات المتقاطعة. يطالعان عناوين الصحف. ينظران إلى ما يحدث في الخارج ويعايشان حياة الداخل كما تيسر. منوال المخرج حجيج، على بعض هناته، واضح ووتيرته حزينة في استكشاف ماض انحدر عنه البلد حتى صار غريباً لأبنائه.
6 - فتوى | محمود بن محمود (تونس) ‪ ‬
إذ يعود بطل الفيلم (أحمد حفيان) من باريس ليتقصى سبب وفاة ابنه المفاجئة، يُصدم بواقع مستجد لم يألفه قبل غربته وهو تفشي «التيار الأصولي» ومحاولة سطوته على تقاليد الحياة الاجتماعية ورضوخ الكثيرين لهذه السطوة. الفيلم هو دراما هادفة لزعزعة هذا الوضع، وينتهي مستعجلاً تقديم رؤية تشاؤمية، لكنّه ينجلي عن معالجة جيدة غير مبتذلة أو متردّدة في إدانة من تسبب في مقتل ابنه.
7 - في عينيا | نجيب بلقاضي (تونس)
بعد فيلمه الرائع والحاد «بستاردو» يوفر المخرج بلقاضي فيلماً مختلفاً. يدور فيلمه الجديد حول الحب والبذل ويخلو من دوافع شريرة أو من شخصيات غامضة. إنّه عن ذلك الأب الذي ينخرط في عالم ابنه الصغير الذي يعاني من التوحد. موضوع صعب ومعالجة مهمة ومؤثرة يقوم بها بلقاضي.
8 - مسافرو الحرب | جود سعيد (لبنان، سوريا)
تردّد موضوع الإرهاب في أكثر من فيلم في العام الآزف على الرّحيل، لكنّ «مسافرو الحرب» لا يتناوله منفرداً عن الحالة الشاملة التي ألمّـت بالبلاد خلال إحدى مراحل الحرب. شخصياته مجموعة من النازحين من القذائف بأمل تشييد مدينة شبه فاضلة ما يتيح للمخرج - الكاتب، الذهاب إلى ما يحدّ من مثل هذا الطموح، رغم تعثر السيناريو جامعاً الواقع والرمز على نحو متأرجح، إلّا أنّ الفيلم عمل آخر جيد من المخرج الذي جعل من مهام حياته تأريخ الحرب السورية روائياً.
9 - ورد مسموم | أحمد فوزي صالح (مصر)
غوص في القاع. ليس قاع المدينة بل القاع الذي يكمن تحت الأول وفي الضواحي المهملة. بطلته فتاة تعمل في بعض المراحيض وشقيقها الذي ينوي السفر بطريقة غير شرعية. تعرقل سعيه فهي لا تستطيع تحمل مشاق الحياة من دونه. من اللقطة الأولى إلى الأخيرة هناك ذلك الحرص على ربط مصائر البشر بالفقر المدقع والبيئة المريضة بمشاكلها. كما هو فيلم مستقل حتى عمّا هو مستقل في السينما، هو أيضاً عن مهمشين لم يصل إليهم أي فيلم سابق.
10- يوم الدين | أبوبكر شوقي (مصر)
يقرّر مصاب سابق بالجذام الذي ترك أثره على وجهه وأطرافه القيام برحلة منفردة للتعرّف مجدداً على أبيه الذي تخلى عنه صغيراً. يشاركه الرحلة طفل بلا عائلة. يقومان بالرحلة فوق عربة يجرها حصان متعب مروراً بأحداث مؤلمة وأخرى تكتنز قدراً من الطرافة في هذا الفيلم الجيد الذي قُدّم في مهرجان «كان». كان بحاجة إلى بعض الحدّة في المواقف عوض أن تأتي الشّخصيات كلّها طيّـبة ومتفهمة، لكن ما أنجزه المخرج شوقي هنا لا يستهان بقيمته.


مقالات ذات صلة

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري ميشيل ميلاد (حسابه على فيسبوك)

ميشيل ميلاد لـ«الشرق الأوسط»: حريص على عدم تكرار نفسي فنياً

قال الممثل المصري، ميشيل ميلاد، إن ردود الفعل التي تلقاها عن مشاركته في الدراما الرمضانية، من خلال مسلسلَيْ «هِيَّ كِيمْيا» و«النُّص التاني»، أسعدته كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جمع المخرج أرشيفاً عن بطل الفيلم من عدة دول (الشركة المنتجة)

ميغيل إيك لـ«الشرق الأوسط»: ركزت على تناقضات المناضل الأفريقي كابرال

قال المخرج الإسباني ميغيل إيك إن تجربته مع فيلم «أميلكار» لم تكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كانت رحلة طويلة لفهم شخصية استثنائية بدأت قبل نحو عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
فيلم «سفاح التجمع» ينتظر الموافقات الرقابية (الشركة المنتجة)

مصر: أزمة «اعترافات سفاح التجمع» تتجه للحل بعد التجاوب مع «الرقابة»

تتجه أزمة منع عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» للحل خلال الأيام القليلة المقبلة بعد تجاوب صناع العمل مع «الرقابة على المصنفات الفنية».

أحمد عدلي (القاهرة )

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.