حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

15 فيلماً عكست أفضل ما لديها

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
TT

حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)

في مثل هذه الأيام من كل عام كان العيد السّينمائي الخاص والخالص الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة يتجدّد، وكان يُعرف باسم «مهرجان»، وهو «الحدث» السينمائي الأول والأفضل والأهم من بين كل المهرجانات (أو «الأحداث») العربية. وكان اللقاء السنوي لأهم مخرجي العالم العربي وسينمائييه. هناك في باحات الفنادق وفي الموقع الذي اختاره المهرجان مركزاً جامعاً لنشاطاته، وكان السينمائيون يلتقون في الصّالات القريبة ليشاهدوا أفلام بعضهم بعضاً.
في ربيع العام الذي نودعه، صدر قرار من إدارة جديدة بإيقافه لهذه السنة، على أمل عودته في السنة المقبلة. لكن حتى ولو عاد - كما نتمنى - في العام المقبل، فإن الذخيرة الفنية المتمثلة في هذا المهرجان طوال سنواته الأربع عشرة لا تضاهى. لم يحصل عليها أي مهرجان عربي (أو عالمي) آخر، ولا يمكن أن تُنسى. بعض أفضل ما أنجبته السينما العربية من أفلام خلال تلك الفترة عُرض فيه.
أفلام مثل «ألوان السما السابعة» لسعد هنداوي و«البيت الأصفر» لعمر حكار و«الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط و«تقاسيم الحب» ليوسف الديب و«33 يوماً» لمي المصري و«الرحيل من بغداد» لقتيبة الجنابي ومئات أخرى.
- حضور وغياب
حين توقف مهرجان دبي، ولأسباب ما زالت غير واضحة تماماً، انحسر أحد أهم الأضواء الساطعة فوق هذه السينما. لا يعني أنّ مهرجانات أخرى في العالم العربي وخارجه لا تلعب الدور ذاته، ولو بمقدار معين بالنسبة لبعضها، لكن البطولة، كما الكلمة التي تصف صاحب الدور الأول في أي منتوج سينمائي، كانت لمهرجان دبي.
مهرجانات سنة 2018 كانت مجزية. غياب البطولة شجع آخرين للتّقدم وفتح المجال أمام بلورة أدوارها. بدأ العام السينمائي في مهرجان مسقط في سلطنة عُمان. سابقاً ما كان مهرجاناً محدود الحجم والحضور. هذا العام عمل على تحسين وضعه وأنجز ذلك عبر اختيار لجنة تحكيم جيدة وبضعة أفلام عربية وأجنبية كانت مثار إقبال نسبة أعلى من الجمهور. من هذه الأفلام «إلى آخر الزمان» لياسمين شويخ (تونس)، و«سرب حمام» لرمضان خصرو (الكويت)، و«نور» لخليل زعرور (لبنان)، و«رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد (سوريا)، و«كتابة على الثلج» لرشيد مشهراوي (فلسطين)، و«الرحلة» لمحمد جبارة الدراجي (العراق).
لكنّ مهرجان مسقط مرتبط بالميزانية المقرّرة له من ناحية، وبغياب رؤية مستقبلية شاملة من ناحية أخرى. التقدّم صوب ما هو أعلى وأهم من مجرد إنتاج الحدث هو البحث عن التميز والانفراد.
في صيف السنة الحالية عاد إلى العلن «مهرجان السينما العربية» الذي يُنظّم بإشراف «معهد العالم العربي في باريس». كان يعقد مرة كل عامين وتوقف سنة 2006. ليستعيد فاعليته سنة 2018، تحت إدارة ليان شوّاف التي جمعت حقيبة محترمة من الأفلام وزعتها في ثلاث مسابقات (روائية وتسجيلية وقصيرة).
من بين عروضه الفيلم اللبناني الجيد «غداء العيد» (الذي كان أحد أفلام مهرجان دبي في أواخر السنة الماضية وانتخب هنا كأحد أفضل الأفلام العربية للعام 2017)، و«الرحلة»، و«إلى آخر الزمن»، و«فوتوكوبي» لتامر العشري (مصر)، و«أبدا لم نكن أطفالاً» لمحمد سليمان (مصر)، كما فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» (لبنان)، الذي تولى افتتاح الدورة.
مالمو تبعت باريس بعد نحو ثلاثة أشهر بدورة حملت الرقم 8. في خمسة أيام يقيم رئيسه محمد قبلاوي فعاليات عربية تحتوي على أفلام جامعة كان من بينها هذه السنة «بنزين» لسارة عبيد (تونس)، و«مرايات الشتات» لقاسم عبد (العراق)، و«ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، كما «واجب» لماري آن جاسر (فلسطين).
في ثماني دورات أمسى مهرجان «مالمو» حدثاً منتظراً ومهماً في دائرة المهرجانات السينمائية العربية لا خارج الحدود العربية فقط، بل داخلها أيضاً. وما أن انتهى حتى بدأت الدّورة الثانية من مهرجان «الجونا» التي يشرف على إدارتها انتشال التميمي.
في عامين فقط، أوصل التميمي هذا المهرجان إلى مصاف لائقة. وضع خبرته التي اكتسبها في مهرجان أبوظبي (عندما خلف سمير فريد في إدارة المهرجان الغائب بدوره) ومن قبل في مهرجان روتردام للسينما العربية وأضاف إليها طموحاته المتجددة. النتيجة مهرجان ناجح ومحترف وإن ليس البديل الذي تتوخاه كاملاً السينما العربية لمهرجان دبي، كون «الجونا» يعمل حسب أجندة أكثر تنوّعاً من معظم المهرجانات المذكورة. رغم ذلك، عُرضت سبعة أفلام مصرية وستة لبنانية وثلاثة سورية وثلاثة أخرى تونسية وفيلم واحد من العراق.
على أثره أقيم مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» في تونس العاصمة. وهو صرح كبير له تاريخ يمتد إلى الستينات ودائماً ما عرض أفلاماً عربية وأفريقية في مسابقاته. وإذ تداولناه في «الشرق الأوسط» بإسهاب، تداولنا نشاطات مهرجان القاهرة السينمائي الدُّولي الذي هو، لجانب مهرجان قرطاج، أعرق مهرجان عربي ما يزال قائماً. كما أقيمت دورة جديدة من مهرجان مراكش خلال الشهر الحالي، وكان قد غاب لسنة واحدة وعاد ساعياً لصفحة جديدة تختلف عن صفحات الأمس.
- «كفرناحوم»
الفيلم الأكثر نجاحاً للعالم الحالي، هو «كفرناحوم» لنادين لبكي الذي وصل إلى ترشيحات الغولدن غلوبس الرسمية في مسابقة «أفضل فيلم أجنبي»، ويطمح لدخول مسابقة الأوسكار في القسم ذاته (يبدو آيلاً إلى ذلك خصوصاً أنّ عدد الأفلام المرشحة لمسابقة القسم الأجنبي قد يرتفع من خمسة إلى تسعة هذا العام). وكان «كفرناحوم» قد نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» الدُّولي عنوة على عدة أفلام تنافست لهذه الجائزة كما تقدّم حين تمت تغطية هذا المهرجان الفرنسي بين عدد وفير من المهرجانات التي قامت «الشرق الأوسط» بتغطيتها.
على غراره، سعت أفلام عربية كثيرة لدخول المهرجانات الدولية، بل ازداد ذلك السّعي مع إدراك السينمائيين العرب أنّ مستقبلهم مرتبط، على أكثر من نحو، في اختراق الحدود الغربية.
شاهدنا في مهرجان «صندانس» الفيلم التسجيلي «عن الآباء والأبناء» وفي مهرجان برلين اندفعت سبعة أفلام أحدها هو فيلم المغربية نرجس النجار «بلا وطن» الذي عرض في قسم فورام.
لجانب «كفرناحوم» في مسابقة «كان» الدُّولية ورد «يوم الدين» لأبوبكر شوقي. وفي مسابقة نظرة ما عرضت المغبة مريم بنمبارك فيلمها «صوفيا» وعرض التونسي محمد بن عطية «ولدي». وعرض مهرجان لوكارنو السويسري الفيلم العراقي «يارا» لعباس فاضل. وقس على ذلك مهرجانات مختلفة أخرى عرضت أفلاماً لمخرجين عرب من بينها روتردام (هولاندا) وثيسالونيكي (اليونان) و«بالم سبرينغز» (الولايات المتحدة).
لكن إذا كان غياب مهرجان دبي (ولو لعامنا الحالي) حدث، ووصول فيلم «كفرناحوم» إلى الغولدن غلوبس ومشارف الأوسكار حدث آخر، فإنّ دخول السعودية مجال العروض السينمائية داخل المملكة وعلى نحو تأسيسي كبير هو حدث مهم آخر ميّـز هذا العام.
كان القرار المتخذ شجاعاً من ناحية وضمن سعي الحكومة المستمر لدفع الحياة المدنية والاجتماعية والثّقافية في السعودية إلى الأمام وتجاوز ما كان يعتبر مستحيلاً فيما مضى. الوضع الماثل كان قرار ولي العهد محمد بن سلمان تحديث الآلية الثقافية والفنية في المجتمع السعودي كضرورة للتطوّر المنشود. والسينما أتت في مصاف أول في هذا التحديث ولا تزال والمزيد منه لا يزال مطلوباً لإشادة صرح صناعة مزدهرة تفيد المخرج السعودي والسينمائيين العرب وغير العرب ضمن خطط ودراسات محددة.
السينما السعودية أنجزت هذا العام فيلماً روائياً مهمّـاً هو «عمرة والعرس الثاني» لمحمود صبّاغ. وكانت المخرجة السعودية هيفاء المنصور عرضت فيلمها الأجنبي (كاملاً) «ماري شيلي» في نهايات العام الماضي، وامتدت بعض عروضه للعام الحالي، لكنّه أخفق في نتائجه التجارية رغم الجهد المبذول فيه.
- مواضيع طاغية
اشتغلت السينما العربية، كعادتها، على السائد من المواضيع والطروحات الاجتماعية والسياسية. فيلم محمود صبّـاغ تناول موضوع المرأة حيال أزمتها مع تقاليد متوارثة من الصّعب عليها تغييرها من دون استدعاء حيل وسبل فردية. هي أكبر سناً من أن تعد زوجها، الذي قرّر الزواج من امرأة أصغر سناً.
وضع المرأة كان الموضوع الغالب في أكثر من ركن عربي. هي اللب في «صوفية» لمريم بن مبارك (المغرب)، وفي «ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، و«إلى آخر الزمن» لياسمين شويخ (الجزائر)، كما في «لعزيزة» لمحسن بصري (المغرب)، و«ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح (مصر)، و«بلا وطن» لنرجس النجار (المغرب أيضاً).
الموضوع الطاغي الآخر هو موضوع الإرهاب والجماعات «الإسلامية المتطرفة» وهذه توفرت في «فتوى» لمحمود بن محمود (تونس)، وفي «ولدي» لمحمد بن عطية (تونس)، كما في «ريح رباني» لمرزاق علواش (الجزائر). بدوره جمع فيلم «الرحلة» لمحمد الدراجي بين البطولة النسائية والفعل الإرهابي إذ أن بطلته تهب نفسها لقضية تكتشف لاحقاً أنّها لا تستطيع تنفيذها.
إذا ما صرفنا النظر عن كل فيلم جماهيري النشأة أنتج في مصر ولبنان والمغرب، فإنّ حصيلة الأفلام التي عالجت مواضيع اجتماعية مختلفة كثيرة بدورها. «غود مورنينغ» للبناني بهيج حجيج عن عالمين يحتضران، واحد قابع داخل مقهى متمثلا برجلين عجوزين والآخر خارج المقهى متمثلا في المدينة.
عن المدينة ومتاعبها شاهدنا «ليل- خارجي» لأحمد عبد الله السيد. ورسم مروان حامد صورة كبيرة رائعة عن مصر تاريخاً وزماناً في «تراب الماس»، بينما نأى «المخرج المصري أيضاً أحمد فوزي صالح صوب بيئة تكمن على يسار كل البيئات المهمّشة في «ورد مسموم». وعن الحرب في سوريا قدّم جود سعيد فيلمه الجديد «مسافرو الحرب».
واللافت أنّه من بين الأفلام التي تستحق الذكر كان هناك عدد منها يتناول المصابين بعاهات أو أمراض مستعصية: الجزام في «يوم الدين» (مصر)، والتوحد في «في عينيّـا» لنجيب بلقاضي (تونس).
-- قائمة أفضل عشرة أفلام روائية عربية
من بين 48 فيلما عربيا روائيا طويلا شوهد في العام الماضي من بينها 35 فيلماً عرضت في مهرجانات عربية ودولية جال هذا الناقد مع الاتجاهات والأساليب والغايات الكثيرة التي وفّرتها هذه الأفلام. كثير منها - إن لم يكن معظمها - كان يتضمن القدر الكافي من الأهمية، لكن ليس القدر الكافي من الإجادة. هذا سهّـل، على نحو ملحوظ، عملية اختيار 17 فيلماً تستحق التقدير الأعلى والصّعوبة كانت في اختيار العشرة الأفضل من بينها.
إلى الأفلام العشرة المنتخبة هنا، كان لا بد من البحث عن فيلم العام. هناك بالطبع «كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي على أساس من نجاحه في اختراق دوائر النجاح، لكن هذا لا يكفي وحده. وفيلم «لا أحد هناك».
الخط الجامع بين كل هذه الأفلام المنتقاة يعتمد، بدوره، على عدة معطيات بعضها يتناقض، نظرياً فقط، مع بعضها الآخر. بعض تلك الأفلام يُشهد لها فعل الابتكار (وهذا يتضح في «لا أحد هناك» على ناصية الفيلم الروائي)، وفي «لايف تايم» لحميد بن عمرة (في السينما التسجيلية). في المقابل، هناك أفلام عولجت بتأسيس كلاسيكي (كما الحال في «تراب الماس» لأحمد مجدي و«فتوى» لمحمود بن محمود)، لكنّ مستوى الاحتراف الفني كان من المستوى العالي بحيث لم يعد ابتكار الأسلوب البديل ضرورياً على الإطلاق.
الدرجة العالية من الاحتراف عنصر الابتكار على نحو كامل.
المواضيع المطروحة مهمّـة، لكنّها ليست المعيار الوحيد في اختيار القائمة التالية ذات الترتيب الأبجدي:
- فيلم العام: «لا أحد هناك» | أحمد مجدي (مصر)
لقطة بلقطة ومشهد بمشهد ينجز أحمد مجدي (ابن المخرج المعروف مجدي أحمد علي)، في فيلمه الأول عملاً مذهلاً في تأليفه (كتابة وتنفيذاً)، وفي إخراجه وتصويره. نوع من حدث ذات ليلة مع عدة شخصيات شبابية. هناك عدة حكايات منسوجة برموزها وطروحاتها ضمن صلب الحكاية الأكبر. هناك ذكاء ومهارة. كل شيء مركّـب وكل شيء سهل في الوقت ذاته. يتعامل الفيلم مع النّظرات والتعابير والخوف من الليل والمجهول. النتيجة فيلم ذو وقع ساحر ولغة بصرية واعية وحرفة مبتكرة لم يسبق للسينما المصرية أن خاضت مثلها وبنجاح إلّا نادراً.
- رباعية تسجيلية
من بين أحد عشر فيلما تسجيليا لمخرجين عرب، مع مواضيع تمس العرب، برزت هذه الأفلام الأربعة أكثر من سواها.
1 - أمل محمد صيام (مصر)
يتابع المخرج الوثائقي حياة بطلته أمل الظاهرة منها وتلك التي تعيش في أعماقها. هذا التمرد الذي في داخلها حركها لكي تشارك في الحراك السياسي الدائر ليس على نحو عاطفي بل على يقين من أنّ هناك أدواراً عدة يستطيع الشباب أن يلعبه لمستقبل أفضل. على سعة موضوعه، إذ يتناول سنوات عدة من حياة شخصيته الرئيسية، ينأى المخرج بنفسه عن تكوين رأي مباشر فيما يعرضه مكتفياً بالقيمة التي تجسدها الفتاة ذاتها.
2 - تأتون من بعيد | أمل رمسيس (مصر)
فلسطيني نزح عن أرضه سنة 1948، وحطّ في لبنان من ثمّ في فرنسا، وعندما نشبت الثورة الإسبانية انتقل إلى صفوف المقاتلين هناك. بعد ذلك أنجب شقيقتين انفصلتا منذ الصغر. واحدة ما زالت تجيد العربية وتعيش في اليونان والثانية تتحدث الروسية وتعيش في موسكو. ستلتقيان بعد عقود من الغياب. مؤثر وجيد.
3 - تايم لايف | حميد بن عمرة (الجزائر، فرنسا)
في ثالث أعماله التسجيلية، يوفر المخرج عملاً يحمل الكثير من الابتكار والتجديد. بعض ما فيه لا يمكن للمشاهد تفسيره، لكن الفيلم يأتي متكاملاً مع رغبة المخرج دفع العمل باتجاه الحديث عن المرأة والحمل والحياة والحب.
4 - سنترال أيربورت THF | كريم عينوز (ألمانيا)
هذا أفضل فيلم تسجيلي حقّقه مخرج عربي (الأصل) عالمياً في العام المنصرم. في ألمانيا مطار قديم العهد اسمه «سنترال أيربورت» حوّل إلى موقع لاستقبال المهاجرين العرب والأفارقة. كيف يعيش العرب والألمان في هذا المكان. كيف يتعايشون مع بعض القصص التي يسترجعها سوريون لاجئون. كل ذلك بأناقة وحتى بعض الشعر البصري المناسب.
-- «توب تن»
1- إلى آخر الزمن | ياسمين شويخ (الجزائر)
الفيلم الأول لمخرجته يأتي في غمار الأعمال التي لديها جديداً تقوله. كتبت ياسمين شويخ السيناريو واختارت له موضوعاً راصداً حياة فلتت من بين أصابع بطلته، وحين أتتها الفرصة لكي تتلقى حباً جديداً على كبر، تركته ينزوي وبقيت كما هي. إدارة ممثلين جيدة وتوظيف فعال للقرية التي تقع فيها الأحداث ولما يتفاعل في تلك الأنفس من عواطف مكتومة.
2 - تراب الماس | مروان حامد (مصر) ‪ ‬
بمحاذاة «لا أحد هناك» (أدناه) هذا هو أفضل فيلم عربي للعام. المخرج الذي تقدم وتأخر في مسيرته الفنية خطوات قليلة من قبل، يقفز فوق كل أعماله السابقة ويقدم عرضاً يجوب فيه تاريخ وحاضر الحياة السياسية في مصر من دون أن يتلوّن سياسيا بمنهج واحد. ويفعل ذلك بأناقة المخرج المتمكن أسلوباً وإدراكاً. ينجز الفيلم المتكامل في كل عناصره والحاوي لرموز متوالية لا تعترض ذلك الخط الهيتشكوكي الماثل كتيار ماء تحت الأرض.
3 - طفح الكيل | محسن البصري (المغرب، سويسرا) ‪ ‬
شاب جرب الانتحار، وصبي في السابعة يشكو وجع رأس مزمن، ومستشفى يتفشّى فيه الفساد. يتيح المخرج لنفسه حسنة النظر إلى موقع معيّـن، ويطرح ما ينتقده من نماذج وحالات. المرء كان يتمنى لو أن فيلمه الآخر هذه السنة، «لعزيزة»، جاء بالمستوى ذاته.
4 - عمرة والعرس الثاني | محمود صباغ (السعودية)
يختار المخرج السّعودي صاحب «بركة يقابل بركة» موضوعاً اجتماعياً آخر إنّما يبقيه بعيداً عن الكوميديا بنجاح. حكاية المرأة التي ما أن تدرك أنّ زوجها سيتزوّج عليها لأنّها لم تنجب له صبياناً، حتى تبدأ محاولاتها لردع زوجها عن فعلته بما يُتاح لها من أساليب، بينها مراجعة شيوخ يكتبون لها وينصحون. المخرج لديه أكثر من هذا الوضع ليسرده، لكن كل ما يسرده له علاقة بتلك المرأة التي تجد نفسها وسط تلك المناطق الوعرة نسبة لتقاليد لا يمكن لها أن تتجاوزها منفردة. بعض الميلودراما التلفزيونية في أداء بعض الشّخصيات تقف حائلاً دون ارتفاع الفيلم لسقف الجودة.
5 - غود مورنينغ | بهيج حجيج (لبنان) ‪‬
رجلان متقاعدان يؤمّان كل صباح ركناً علوياً من مقهى يشرف على جادة طرق في مدينة بيروت. يحلان الكلمات المتقاطعة. يطالعان عناوين الصحف. ينظران إلى ما يحدث في الخارج ويعايشان حياة الداخل كما تيسر. منوال المخرج حجيج، على بعض هناته، واضح ووتيرته حزينة في استكشاف ماض انحدر عنه البلد حتى صار غريباً لأبنائه.
6 - فتوى | محمود بن محمود (تونس) ‪ ‬
إذ يعود بطل الفيلم (أحمد حفيان) من باريس ليتقصى سبب وفاة ابنه المفاجئة، يُصدم بواقع مستجد لم يألفه قبل غربته وهو تفشي «التيار الأصولي» ومحاولة سطوته على تقاليد الحياة الاجتماعية ورضوخ الكثيرين لهذه السطوة. الفيلم هو دراما هادفة لزعزعة هذا الوضع، وينتهي مستعجلاً تقديم رؤية تشاؤمية، لكنّه ينجلي عن معالجة جيدة غير مبتذلة أو متردّدة في إدانة من تسبب في مقتل ابنه.
7 - في عينيا | نجيب بلقاضي (تونس)
بعد فيلمه الرائع والحاد «بستاردو» يوفر المخرج بلقاضي فيلماً مختلفاً. يدور فيلمه الجديد حول الحب والبذل ويخلو من دوافع شريرة أو من شخصيات غامضة. إنّه عن ذلك الأب الذي ينخرط في عالم ابنه الصغير الذي يعاني من التوحد. موضوع صعب ومعالجة مهمة ومؤثرة يقوم بها بلقاضي.
8 - مسافرو الحرب | جود سعيد (لبنان، سوريا)
تردّد موضوع الإرهاب في أكثر من فيلم في العام الآزف على الرّحيل، لكنّ «مسافرو الحرب» لا يتناوله منفرداً عن الحالة الشاملة التي ألمّـت بالبلاد خلال إحدى مراحل الحرب. شخصياته مجموعة من النازحين من القذائف بأمل تشييد مدينة شبه فاضلة ما يتيح للمخرج - الكاتب، الذهاب إلى ما يحدّ من مثل هذا الطموح، رغم تعثر السيناريو جامعاً الواقع والرمز على نحو متأرجح، إلّا أنّ الفيلم عمل آخر جيد من المخرج الذي جعل من مهام حياته تأريخ الحرب السورية روائياً.
9 - ورد مسموم | أحمد فوزي صالح (مصر)
غوص في القاع. ليس قاع المدينة بل القاع الذي يكمن تحت الأول وفي الضواحي المهملة. بطلته فتاة تعمل في بعض المراحيض وشقيقها الذي ينوي السفر بطريقة غير شرعية. تعرقل سعيه فهي لا تستطيع تحمل مشاق الحياة من دونه. من اللقطة الأولى إلى الأخيرة هناك ذلك الحرص على ربط مصائر البشر بالفقر المدقع والبيئة المريضة بمشاكلها. كما هو فيلم مستقل حتى عمّا هو مستقل في السينما، هو أيضاً عن مهمشين لم يصل إليهم أي فيلم سابق.
10- يوم الدين | أبوبكر شوقي (مصر)
يقرّر مصاب سابق بالجذام الذي ترك أثره على وجهه وأطرافه القيام برحلة منفردة للتعرّف مجدداً على أبيه الذي تخلى عنه صغيراً. يشاركه الرحلة طفل بلا عائلة. يقومان بالرحلة فوق عربة يجرها حصان متعب مروراً بأحداث مؤلمة وأخرى تكتنز قدراً من الطرافة في هذا الفيلم الجيد الذي قُدّم في مهرجان «كان». كان بحاجة إلى بعض الحدّة في المواقف عوض أن تأتي الشّخصيات كلّها طيّـبة ومتفهمة، لكن ما أنجزه المخرج شوقي هنا لا يستهان بقيمته.


مقالات ذات صلة

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان أحمد زكي المُلقَّب بـ«النمر الأسود» (فيسبوك)

أين تُعرض مقتنيات أحمد زكي؟ لغز يتجدَّد كلّ عام

قائمة مقتنياته وأغراضه الخاصة لم تُعرض جماهيرياً حتى الآن، أسوةً ببعض نجوم الفنّ المصري.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي صِراط وخاطئون ومعركة بعد أخرى.

محمد رُضا (لندن)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.