الهند: استقالات المسؤولين الماليين تؤثر سلباً على الاقتصاد

منصب محافظ البنك المركزي يهز الأوساط المالية في البلاد

استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
TT

الهند: استقالات المسؤولين الماليين تؤثر سلباً على الاقتصاد

استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)

فيما يمكن أن يعد إشارة سيئة لدى واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، شهدت الهند، في تعاقب سريع، رحيل اثنين من كبار رجال الاقتصاد عن المشهد الرسمي العام في البلاد.
أولاً، جاءت استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل، من منصبه التي تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد، معللاً ذلك بأسباب شخصية دفعته إلى الرحيل المفاجئ قبل تسعة أشهر كاملة من انتهاء فترة ولايته رسمياً. وتبع ذلك استقالة أخرى من قبل أحد كبار خبراء الاقتصاد، سورجيت بهالا، مستشار الشؤون الاقتصادية في حكومة رئيس الوزراء الهندي.
وتلك هي المرة الرابعة (خلال أقل من أربع سنوات) التي يتنحى فيها خبير اقتصادي من المستوى الرفيع ويغادر منصباً مهماً وحاسماً ينطوي في بعض أدواره على وظيفة استشارية لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وهذا، بطبيعة الحال، مع استبعاد عدد من الموظفين البيروقراطيين الآخرين من المستوى المتوسط، الذين استقالوا أو أُقيلوا من مناصبهم كذلك. وكان من بين أبرز الخبراء الذين استقالوا مؤخراً أرفيند سوبرامانيان، كبير مستشاري الاقتصاد للحكومة الذي تنحى عن منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وأيضاً أرفيند باناغاريا، نائب رئيس مجلس الإدارة السابق لمركز «نيتي آيوغ» البحثي المرموق، والذي غادر منصبه طواعية العام الماضي. وغادر راغورام راجان، المحافظ الأسبق على أورجيت باتيل في قيادة البنك المركزي الهندي، منصبه في عام 2016 في أعقاب الاحتكاك مع حكومة مودي بشأن عدد من القضايا ذات الأهمية، ليصبح بذلك أول محافظ للبنك المركزي الهندي الذي لم يُمنح فترة ممتدة في منصبه لمدة 3 سنوات خلال العقدين الماضيين.
وعرض كل مسؤول منهم أسباباً مختلفة لتبرير قرار الاستقالة؛ إذ أشار السيد أورجيت باتيل إلى أسباب شخصية، في حين قال أرفيند سوبرامانيان إن الأسباب عائلية، وأفاد كل من راجان وباناغاريا بأنهما قررا الرجوع إلى الأوساط الأكاديمية.
ومن المرجح أن تثير تداعيات الاستقالات المشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بالسيد باتيل، جملة من التساؤلات الملحة وسط الأسواق المالية.
والأهم من ذلك أن باتيل كان الشخصية المختارة من قبل الحكومة الحالية لشغل هذا المنصب المهم بعد مغادرة راجان في يونيو لعام 2016، وكان قد دُفع إلى الاستقالة دفعاً في محاولة لإنقاذ الحوكمة الذاتية التقليدية العريقة للبنك المركزي الهندي والممتدة منذ 83 عاماً، وكرسالة احتجاج قوية في وجه التدخلات الحكومية المستمرة في شؤون تلك المؤسسة.

نكسة للمصداقية الدولية

ويقول المحللون إن هذه التطورات الأخيرة تعد نكسة كبيرة في المصداقية الدولية للمؤسسة المالية الهندية العليا في البلاد مما يزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية الهندية. وفي الأثناء ذاتها، فإن هذا القرار الاحتجاجي من جانب باتيل يُخلف وراءه صورة مشوشة ومهتزة عن مشهد الاقتصاد الكلي الهندي، وقطاع المصارف الوطنية المضطرب، والروبية شديدة التقلب وقليلة الاستقرار، إلى جانب العجز المالي المتزايد في البلاد.
ولقد سجلت الأسواق الهندية هبوطاً عميقاً إلى الأسفل، في حين تشهد الروبية الهندية انخفاضاً كبيراً في قيمتها مقابل الدولار الأميركي بسبب استقالة محافظ البنك المركزي، وخسارة الحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا» الانتخابات في ثلاث ولايات.
وقال جهانجير عزيز، رئيس وحدة البحوث الاقتصادية الآسيوية الناشئة في «جيه بي مورغان إنديا»: «إن رحيل الشخصيات البارزة في أي دولة من شأنه أن يثير المخاطر الكبيرة بالنسبة إلى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء»، مضيفاً أن «سلسلة استقالات الشخصيات رفيعة المستوى على مدى السنوات الأخيرة تؤكد حقيقة واحدة ألا وهي تدهور الأوضاع في هذه المؤسسات».
ومن شأن أي إشارة على تراجع شعبية ناريندرا مودي في خضم الأزمة الزراعية الكبيرة الراهنة سوف تثير توتر المستثمرين قبل دخول موسم الانتخابات العامة في العام القادم. ومن شأن فترة انعدام اليقين السياسي، مثل تعرض مصداقية البنك المركزي للاهتزاز، أن تزيد من وتيرة رحيل رؤوس المال الأجنبية البالغة 2.9 مليار دولار من أسواق الأسهم الهندية خلال الربع الحالي من العام.
ويقول الصحافي الاقتصادي أناند كوشوكدي معلقاً: «تعد استقالة باتيل سيئة التوقيت من قبيل النكسات الهائلة لمحاولات الحكومة رسم صورة وردية للأوضاع الاقتصادية في البلاد. ومن الواضح أن باتيل كان ضحية المواجهات الفوضوية بين البنك المركزي والحكومة في الآونة الأخيرة، وانخرط مضطراً في خضم الصراع المرير لأسابيع طويلة، حيث مارست الحكومة ضغوطها الكبيرة لتخفيف قبضة السياسة النقدية في البلاد، وتسليم مئات الملايين من الدولارات من الفائض الاحتياطي، وتهدئة القواعد الصارمة التي تحظر الإقراض على مصارف القطاع العام التي تعاني من سجلات قروض سيئة للغاية».
وفي الوقت الحالي، هناك نقص حقيقي في السيولة النقدية لدى العديد من المنتجين والمستهلكين، كما أن التدفقات الائتمانية بدأت في الاختفاء مع صراع المصارف لإدارة المحافظ المتنامية من الديون المعدومة. ولم يتعافَ العديد من الأنشطة الاقتصادية (بما في ذلك المناطق الريفية التي يشعر المزارعون والعمال فيها بمشاعر الغضب والسخط الشديد) بعدُ من الصدمة التي تعرضت لها إثر قرار وقف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة، ولا تزال تعاني من آثار ضريبة السلع والخدمات المصممة بشكل سيئ للغاية والمنفَّذة بأسلوب مزرٍ.
والدكتور أورجيت باتيل هو خبير الاقتصاد المتخرج في جامعة أوكسفورد البريطانية، ومن ذوي الكفاءات الرفيعة والفهم العميق الثابت لقضايا الاقتصاد الكلي. وقد عمل على قيادة النظام المصرفي الهندي وخرج به من الفوضى إلى التنظيم والانضباط. وحقق البنك المركزي الهندي تحت قيادته الاستقرار المالي في البلاد.
وفي حديثه إلى مختلف وسائل الإعلام عن الدكتور باتيل، قال سلفه راغورام راجان: «أي استقالة من قبل موظف في الحكومة هي بمثابة رسالة احتجاج»، ووصف استقالة الدكتور باتيل بأنها «بيان للمعارضة»، مضيفاً أنها تعد مسألة ذات أهمية بالغة للشعب الهندي بأسره.
وقالت وكالة «موديز» لخدمات الاستثمار، في بيانها: «إن استقلالية البنك المركزي من الدعائم المهمة للغاية في تقييمنا لقوة المؤسسة السيادية. وإننا نأخذ الإشارات التي تفيد بمحاولات الحكومة الحد من استقلالية البنك المركزي بعين الاعتبار وهي عندنا من الإشارات السلبية. ووفقاً لذلك، فإن تقييمنا للقوة المؤسسية يركز في خاتمة المطاف على الجودة، والنتائج السياسية للمؤسسات ذاتها، ولا ينبني قط على الشخصيات التي تترأس هذه المؤسسات».

قطاع الشركات الهندي يتصرف على نحو مفاجئ

وقال هارش غوينكا، رئيس مجموعة «آر بي جي» الهندية: «بعثتْ استقالة محافظ البنك المركزي بمشاعر متباينة في الأجواء. لا بد من وجود قدرٍ من التوتر الصحي والبنّاء بين البنك المركزي والحكومة، ولكن عندما يتحول الأمر إلى صراع مدمّر، فإن أحد الأطراف سوف يتلاشى».
وقالت سوجان هاجرا، كبيرة خبراء الاقتصاد لدى شركة «أناند راثي» للوساطة المالية: «لم يكن هذا متوقعاً بحال، وهو يبعث بإشارات خاطئة إلى المستثمرين الأجانب».
وقال باغوان تشودري، أستاذ العلوم المالية لدى كلية أندرسون للإدارة التابعة لجامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس: «قد يؤدي هذا القرار إلى تفاقم الأوضاع في الأسواق والتسبب في تقلب الأسعار على المدى القصير. يجب على الحكومة الابتعاد عن سياسات البنك المركزي والسماح له بمتابعة أعماله بصورة جيدة، والعمل على استقرار الأسعار، والإشراف المصرفي القوي، والرقابة الصارمة، وإنشاء المؤسسات المالية القوية والمتنافسة الذي يعد من ضرورات دعم النمو الاقتصادي في البلاد».
في هذه الأثناء، أحيا شاكتيكانتا داس، المحافظ الجديد للبنك المركزي الهندي، الآمال في الصناعة المصرفية بأنه يمكن أن يكون هناك بعض التراخي في تطبيق القواعد المصرفية الأكثر صرامة. وفي الوقت نفسه، قد تتطلع المصارف الهندية محدّقة صوب مكاسب الخزانة في خضمّ التوقعات بانخفاض عوائد السندات.
ومن المرجح لارتباطه القديم مع الحكومة أن يكون بمثابة عنصر من عناصر التحفيز، الأمر الذي ربما يبشر بالخير ضمن إطار السياسات المشتركة.
وقال أشيش فيديا، رئيس الأسواق الهندية لدى بنك «دي بي إس» في سنغافورة: «ينبغي أن ترتفع السندات مع توقعات بنظام أدنى لأسعار الفائدة في العام المقبل». ومن شأن ارتباط المحافظ الجديد بالحكومة أن ينعش مشاعر المستثمرين على المدى القريب في وسط ارتفاع الطلب على السندات السيادية الهندية. وأضاف السيد فيديا قائلاً: «قد يتوسع مجال الائتمان المصرفي خلال الفصول المقبلة أيضاً».
ووفقاً لديبانشو موهان، أستاذ الاقتصاد المساعد في كلية جيندال للشؤون الدولية: «في ظل العملة المتقلبة وتوقعات التضخم الكبيرة، إنْ استمر الاتساع في العجز على جانب الحكومة والجانب التجاري مع أخذ العوامل الخارجية الأخرى مثل تخفيض أسعار النفط والعلاقات الاقتصادية الهندية مع الولايات المتحدة ومع الصين في الاعتبار، فمن شأن الأشهر القليلة المقبلة أن تكون حاسمة في تحديد الأداء الاقتصادي الهندي بشكل عام».
والجانب الرئيسي الآخر الجدير بالمراقبة (خلال الشهور القادمة) هو المدى الذي تحاول الحكومة من خلاله تخفيف التدابير الرادعة بموجب أهداف قانون الإفلاس الهندي، ولا سيما حيال الشركات العاجزة عن سداد القروض.
ومع استقالة الدكتور باتيل، من المثير للاهتمام ملاحظة مقدار الجهود التي تبذلها القيادة الجديدة للبنك المركزي في الدفع باتجاه التدابير الخاصة بقانون الإفلاس الهندي في الوقت الذي تعيد فيه هيكلة وتعديل مصارف القطاع العام المثقلة بالديون. ويعد إنفاذ التعاقدات وضمان تسوية مسائل إفلاس الشركات (من خلال قانون الإفلاس)، من التحديات الكبيرة المؤثرة على تسهيل ممارسة الأعمال التجارية عبر الولايات.



وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.