بلاد الشّمس تحتضن أكبر سوق للسمك في العالم

بلاد الشّمس تحتضن أكبر سوق للسمك في العالم

الأربعاء - 3 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 12 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14624]
طوكيو: شوقي الريّس
مشقّة السّفر إلى اليابان تبدأ مع هبوط الليلة الأولى بعد وصولك إلى بلاد الشمس الطالعة، عندما يصبح النّوم طريداً مستعصياً عليك في مواقيته المعتادة وعبئاً ترزح تحته خارج الدوام المألوف. لكنّ العاصمة اليابانية التي تدبّ الحركة في عروقها على مدى ساعات الليل والنّهار، تمنح الزّائر المتأرجح على حبال السّاعات فرصاً كثيرة لتمضية الوقت وإشباع الفضول. أحبّ هذه الفرص عندي كانت حتى أسابيع قليلة، جولة على «سوق السمك» التي تبدأ نشاطها في الثالثة فجراً، وتباع فيها أكثر من 2000 طن من الأسماك يوميّاً، وتتيح لك أن تستعرض جانبا أساسيا من حياة هذه البلاد التي يشكّل البحر مصدر غذائها الأوّل.

إنّها سوق «تسوكيجي»، أكبر سوق للسمك في العالم، التي انتقلت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى موقع جديد شرق طوكيو مجهّز بأحدث التطورات التكنولوجية للتبريد وسلامة الأغذية.

لم تكن عملية الانتقال خالية من الاحتجاجات على استئصال أحد أبرز المعالم التي تشكّلت منها هويّة طوكيو منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والاتهامات بأنّ وراء الخطوة مآرب تجارية عن طريق استثمار العقارات التي تقوم عليها السوق بالقرب من منطقة غينزا الراقية التي تعتبر أغلى منطقة عقارية في العالم. لكنّ الحكومة تؤكد أنّ المنشآت والتجهيزات في السوق القديمة لم تعد صالحة لاستيفاء الشّروط الصحيّة ومعايير السلامة، خاصة بعد الحريق الهائل الذي شبّ فيها مطلع الصيف الماضي خلال موجة الحر الشّديدة واستغرق إطفاؤه خمس عشرة ساعة.

تسوكيجي، مصطلح يعني الأرض المبنيّة، ويعود إلى العام 1657 عندما دمّر حريق كبير وسط المدينة، فأمر الإمبراطور طوكوغاوا بتشييد مجموعة من المباني الجديدة فوق الأرض المطلة على خليج طوكيو التي صارت تعرف بهذا الاسم. وكانت تنتشر في هذا الحي الهادئ حتى أوائل القرن الماضي، المعابد ومنازل أسر الساموراي، قبل أن تنتقل إليها سوق السمك في العام 1935 بعد الزلزال الكبير الذي دمّر معظم وسط المدينة عام 1923.

أكثر من 70 ألف شخص بين باعة وتجّار وموظّفين وعمّال ينشطون كل يوم في السوق التي توزّع السمك لإطعام سكان العاصمة التي يربو عدد سكانها على 15 مليوناً، والتي تحوّلت إلى أحد المعالم السياحية الرئيسية في العاصمة اليابانية، ومحجّة لكبار الطهاة في العالم.

كان المشهد الأجمل يبدأ قبل طلوع الفجر عندما يتهافت تجّار الجملة إلى الساحات المخصصة لمزادات بيع أسماك التونة التي تُعرَض مصفوفة على الأرض، مجلّدة ومقطوعة الرأس، وعلى كل منها لافتة تحمل وزنها ومصدرها ونوعيتها. وقد بلغ سعر إحدى الأسماك التي تزن 800 كيلوغرام مؤخراً 350 ألف دولار، وهو رقم قياسي يدلّ، برأي العارفين، على ندرة النوعية العالية من أسماك التونة في بعض المواسم وكثرة الطلب عليها. وتعود القواعد التي تحكم إدارة المبيعات والمزادات في السوق إلى مطالع القرن السابع عشر عندما وضعت الدولة مدوّنة سلوك لتنظيم تجار السمك ما زالت معتمدة إلى اليوم.

وتقوم حول سوق الجملة والمزادات سوقٌ أخرى تنتشر فيها متاجر السمك الطازج والمجفف والمطاعم الصغيرة، والحوانيت التي تعرض كل ما يخطر على البال من أدوات الصيد وتحضير المأكولات البحرية، التي تستقطب مئات الآلاف من الزوّار والسّيّاح يومياً.

وتقول السيدة كايكو فوكودا التي رافقتني في الرحلة القصيرة إلى السوق الجديدة الضخمة التي تقع فوق جزيرة «طويوسو» الاصطناعية على بعد ثلاثة كيلومترات من تسوكيجي: «أعتقد أنّنا مع مرور الوقت سنعتاد على الموقع الجديد، لكنّني أشعر بأنّنا فقدنا مكاناً أليفاً لكثيرين وبعضاً من هوية المدينة». بعض التجّار الذين كانوا يعترضون على نقل موقع السّوق ما زالوا يحتجّون على احتمالات التلوّث في السوق الجديدة المبنيّة على أرض تقوم فيها محطة لتكرير الغاز، ويخشون من تراجع عدد الزبائن.

تبدو السّوق الجديدة المجهّزة بالوسائل الإلكترونية الحديثة العزيزة على قلوب اليابانيين، أقرب إلى قصر للمؤتمرات منها إلى ذلك المعلم السياحي الذي كان أشبه بتحفة فنّية طوال ثمانين عاماً، يتوافد عليها الزوّار من كل أنحاء العالم، يتمتعون بمراقبة طقوس مزادات السّمك في منظومة لا نظير لها من حيث الضّخامة والإتقان والنّظافة.
اليابان اليابان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة