بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

54 عاماً على رحيله المأساوي

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة
TT

بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة

قبل 54 عاماً، وفي مثل هذه الأيام خصوصاً، خسرت الحداثة الشعرية العربية واحداً من أبرز روادها المؤسسين، وأحد أكثر الرموز المجسدة لروح الشعر وجوهره ومعناه، أعني الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. لا أتحدث هنا عن شعرية التقويض والهدم العدميين، ولا عن شعرية تفجير اللغة والخروج الجذري على القواعد المألوفة، ولا عن شعرية التقنيات العالية أو النمنمة الجمالية الباذخة، بل عن شعرية العصب الجامح والنقاء الغرائزي والتوالد التلقائي لورود الأعماق. ومع ذلك فقد كان موت السياب مأساوياً بالقدر نفسه الذي كانته حياته القصيرة، التي قصمتها الأمراض المختلفة قبل الوصول إلى الأربعين. فلقد قضى أحد أكبر شعراء العربية في العصر الحديث فقيراً وغريباً ومشلولاً في أحد مستشفيات الكويت، من دون أن يجد من يواسيه أو يسير وراء نعشه سوى حفنة من الأوفياء لا يبلغ عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. ولعل قدره المأساوي ذاك، كان ولا يزال يرمز في كثير من وجوهه إلى غربة المبدعين العرب الكبار وعزلتهم العميقة، في مجتمع لا تكفّ قيمه وتقاليده الثقافية عن التقهقر والنكوص، ولا يكف اليأس والقنوط عن إحلال الغثاثة والاهتراء محل الأحلام الشاغرة والرجاء المجهض. ومع ذلك يحق لأي منا أن يتساءل، بعد هذه السنين الكثيرة التي مرت على غياب السياب، عن الأسباب الفعلية لرسوخ اسمه وتجربته الرائدة في ذاكرتنا الجمعية، فيما باتت أسماء كثيرة في عهدة النسيان. فهل كان الأمر يتعلق بأسبقيته الريادية، أم بتفرد تجربته وأسلوبه، أم بمسيرة حياته الشاقة والمثخنة بالآلام؟
إن هذه العناصر مجتمعة، على الأرجح، هي التي أعطت للسياب المكانة المرموقة التي ميزته عن أقرانه، وآلفت بين اسمه الشاعري وحضوره الراسخ على أرض القصيدة العربية. وإذا كان السجال النقدي حول الأسبقية الزمنية لريادة الشعر الحر، بين قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة، وقصيدة السياب «هل كان حباً» لم يتوقف فصولاً حتى اليوم، فإن معظم النقاد العرب يُجمعون على أن مكانة السياب وتميزه ليسا متأتيين من السبق الزمني البحت، بل من فرادة تجربته وقوة مخيلته وأسلوبه، كما من سطوة لغته البالغة على الأجيال الشعرية اللاحقة. فالريادة بمفهومها العميق لا تخضع لمنطق المصادفة المجردة أو الحدث العرضي، بل هي مجازفةٌ جمالية ورؤيوية، وتبدّل دراماتيكي في الحساسية والنظرة إلى العالم، وإضافة بنيوية إلى المنجز السابق. وهو ما يتمثل بشكل جلي في كثير من أعمال السياب وقصائده ومقطوعاته. واعتقادي أن موهبة الشاعر المتوقدة ومعرفته العميقة بمفاتيح القصيدة العربية وأسرارها، والتصاق لغته بالشرايين، هي من أبرز العوامل التي أعطت لتجربته ما تستحقه من تقدير، ووفرت لها سبل الرسوخ في أذهان القراء، بحيث بدت هذه التجربة نابعة من حاجة الشعرية العربية إلى الخروج من شرنقتها المغلقة، وليست مجرد حرث متكلف في تربة الآخرين.
لا يمكن لنا بالطبع أن نضع أعمال السياب وقصائده في خانة واحدة على الصعيدين الرؤيوي والأسلوبي. فللسياب، كأي شاعر آخر، ذراه ومنخفضاته، كثافاته المدهشة وشروحه الفضفاضة، غوصه الرؤيوي ونصوصه السياسية المفعمة بالحماسة. ولم يكن الكاتب الفلسطيني ناجي علوش مجافياً للحقيقة حين أشار إلى المراحل الأربع التي مرت بها تجربة صاحب «شناشيل ابنة الجلبي»، وهي الرومانسية، والواقعية، والرمزية التموزية، ومن ثم مرحلة الانكفاء إلى الذات في فترة اشتداد المرض. على أن هذا التقسيم، الذي تبناه كمال بلاطة في دراسته المستفيضة عن الشاعر، لا ينعكس بشكل ميكانيكي على مستوى النصوص، بحيث تبدو بعض قصائد المرحلة الواقعية أكثر دينامية وتمثلاً لروح الشعر من بعض نصوص المراحل اللاحقة. وحتى في القصائد الرومانسية المبكرة التي تضمها مجموعة «أزهار وأساطير»، استطاع السياب أن يوائم بنجاح بين الترجيعات الغنائية الشجية والأسئلة المتصلة بالحب والموت والزوال السريع لظواهر الوجود وأحواله: «يا موت يا رب المخاوف والدياميس الصغيرة\ الآن تأتي، من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره\ أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها\ دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة». وكغيره من الشعراء المنتمين إلى مشروع حزبي عقائدي، بذل السياب جهوداً مضنية للتوفيق بين موجبات الالتزام السياسي والآيديولوجي، والالتزام بتحرير قصيدته من التنميط الأسلوبي واللغة الجاهزة. وإذا كان الشاعر قد بدّل مراراً مواقفه وولاءاته العقائدية، فإن ما لم يتبدل عنده هو ولاؤه للشرط الإبداعي الذي يخترق، بوعي أو دون وعي منه، كل سقوف العقائد والولاءات الأخرى. لهذا السبب، فإن شاعرية السياب الحقة لا تتجلى في نماذج من مثل «يوم الطغاة الأخير»، أو «بورسعيد»، أو «ربيع الجزائر»، بل في «النهر والموت»، و«شباك وفيقة»، و«من رؤى فوكاي»، وصولاً إلى «أنشودة المطر» التي عدها الكثيرون أيقونة الحداثة الشعرية العربية، والتي تخترق حدود العراق لتتحول إلى صرخة كونية ضد الفقر والعقم والتصحر الروحي: «في كل قطرة من المطرْ\ حمراء أو صفراء من أجنّة الزهَرْ\ وكل دمعة من الجياع والعراة\ وكل قطرةٍ تراق من دم العبيدْ\ فهْي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديدْ\ أو حلْمة توردتْ على فم الوليدْ\ في عالم الغد الفتي واهب الحياةْ». وهو قد حشد في سبيل تطوير تجربته وإثرائها كل ما تستلزمه الكتابة من وعي بالتراث، واطلاع على التجارب الحداثية الأجنبية، وتوظيف متباين الدلالات لرموز التاريخ، كما للأساطير المحلية والعالمية.
يصعب من جهة ثانية أن نغفل في الحديث عن السياب علاقته الوثيقة بالأماكن التي سكنها، طفلاً ويافعاً، والتي طاردته أطيافها أينما ذهب، أو أن نغفل إفادته الواسعة من الفولكلور واللهجات المحكية والذاكرة الشعبية الجمعية التي جعلت منه، وفق دراسة مستفيضة لناصر الحجاج، الممثل الأبرز لهوية الشعر العراقي. ففي معظم ما كتبه الشاعر، وبصرف النظر عن الفكرة أو الموضوع، تبدو اللغة مقتطعة من نسيج المكان المحلي، والجنوبي بوجه خاص، وتشيع في ثنايا التعبير روائح وأصوات وأطياف وظلال مختلفة لنخيل أبي الخصيب، وشناشيل البصرة، وسقسقة بويب الذي حوّله الشاعر في غير قصيدة ومقطوعة إلى نهر كوني أسطوري، فيما هو في حقيقة الأمر مجرد ساقية نحيلة وشحيحة المياه لا تكاد تلحظها العيون إلا عن مسافة قريبة. أما جيكور، قرية الشاعر، فهي المهد واللحد والينبوع والمصب. وهي الكنف الأمومي والتلفت المشوب بالحسرة إلى جنة البدايات. وهي صورة الحياة، وصنو الموت والانبعاث التموزيين: «حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال\ حين تخضرّ عشباً يغنّي شذاها\ والشموس التي أرضعتها سناها\ حين يخضرّ حتى دجاها\ يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها\ متّ كي يؤكل الخبز باسمي، وكي يزرعوني مع الموسمِ\ كم حياة سأحيا: ففي كل حفرة\ صرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرة\ صرتُ جيلاً من الناس: في كل قلبٍ دمي». ويصعب أيضاً أن نغفل علاقة السياب الصعبة وغير المتكافئة بالمرأة التي تبدلت وجوهها وأسماؤها بين حقبة من حياته وأخرى. ورغم أنه رأى فيها ينبوع الحياة والشغف والتجدد، فهو لم يحظَ من اللاتي أحبهن، بسبب ظروف حياته الصعبة وافتقاره إلى الوسامة، إلا بقليل من الاهتمام. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن يغبط قصائده ومجموعاته التي تنام هانئة على وسائد قارئاته الكثيرات، فيما أن كاتبها ينام وحيداً على سرير العزلة والتجاهل والوحشة الباردة، فيهتف قائلاً: «يا ليتني أصبحتُ ديواني\ لأفر من صدر إلى ثانِ». ولا بالمستغرب أيضاً أن يتعلق، وقد أنهكه المرض، بأهداب إحدى الممرضات الجميلات، فيخاطبها بحرقة جارحة: «وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا\ ولكنْ... كلّ من أحببتُ قبلك ما أحبوني».
ثمة في شعر السياب ما يشي بصفاء السليقة وجاهزيتها الدائمة لالتقاط كل ما يحرك القلب من مشاهد ومشاعر واختبارات عاطفية بالغة الاحتدام. كأن الشعر هنا ملازم للذات في تكوّنها الأصلي، أو كأنه طريقة الشاعر الوحيدة للرد على كل ما ينبثق كالجمر من داخله، أو ما يفد إليه من إشارات الخارج. صحيح أن الذين أخذوا عليه استمراءه للإفاضة والإسهاب، وعدم مقاومته لإغواء التداعي التعبيري، في مطولات معروفة مثل «المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» و«المعبد الغريق» وغيرها، لم يبتعدوا كثيراً عن الحقيقة، ولكن الصحيح أيضاً أن الشاعر الذي وجد في «الأرض الخراب» وغيرها من مطولات ت. س. إليوت ما يعبر عن طبيعة العصر وتعقيداته الشائكة، لم يأسر نفسه داخل نمط واحد من الكتابة، بل عمد إلى تنويع أساليبه وإيقاعاته وأشكاله التعبيرية. وهو إذ أفاد أبعد الإفادة من المساحات الصوتية والملحمية المفتوحة لبحري «الكامل» و«الوافر»، أفاد في الوقت ذاته من المساحات المكثفة والمشحونة بالتوتر لبحري «المتقارب» و«الرجز». وفي جميع الحالات، كان شعره يمور بكل ما حملته أصوات العراقيين عبر العصور من لواحق المرارة والقهر والشجن العاطفي الذي بلغ ذراه في أعماله الأخيرة، حين أنهكه المرض وسدت أمامه سبل النجاة. وقد تكون قصيدته المؤثرة «غريب على الخليج»، واحدةً من أكثر النماذج الإبداعية تمثيلاً لروح العلاقة الوثيقة بين الشعراء وأوطانهم. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن تُنقش على قاعدة تمثال السياب المرفوع فوق شط العرب، هذه الأبيات المؤثرة: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلامْ\ حتى الظلامُ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق\ وا حسرتاه متى أنامْ\ فأُحسّ أن على الوسادة\ من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق\ بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة\ غنّيت تربتك الحبيبة».



مايا نصري تعود بعد غياب... وتوقظ الحنين

كرّمت زمن الفنّ الجميل بأداء أغنيات عدد من نجومه (الشرق الأوسط)
كرّمت زمن الفنّ الجميل بأداء أغنيات عدد من نجومه (الشرق الأوسط)
TT

مايا نصري تعود بعد غياب... وتوقظ الحنين

كرّمت زمن الفنّ الجميل بأداء أغنيات عدد من نجومه (الشرق الأوسط)
كرّمت زمن الفنّ الجميل بأداء أغنيات عدد من نجومه (الشرق الأوسط)

كأنّ الزمن توقّف عندها منذ 15 عاماً، قبل أن توقظها من جديد عصا جمهور عريض اشتاق إليها. وقفت مايا نصري على خشبة مسرح «بيروت هول»، تغنّي نجاحاتها وتنثر حفنات من الحنين على جمهورها. غنَّت ومثَّلت ورقصت وتفاعلت مع الحضور، مردِّدة عبارات عن فرحتها بلقائه. بادلها الجمهور سعادتها، وراح يردّد أغنياتها التي بقيت عالقة في ذاكرته رغم مرور أكثر من 20 سنة على إصدارها.

وقبل أن تعتلي المسرح، عقدت مؤتمراً صحافياً ردّت خلاله على أسئلة فضولية وأخرى محرجة. وتناولت عودتها إلى الساحة الفنية، التي قد لا تكون مؤقتة، قائلةً: «ربما سأجول خارج لبنان، وقد تلقيت اتصالات في هذا الإطار».

مايا نصري تحيّي الحضور على مسرح «بيروت هول» (الشرق الأوسط)

وتطرّقت إلى إمكان تقديم «دويتو» مع أحد زملائها الفنانين، مشيرةً إلى أنها تحبّ هذا الأسلوب الغنائي، من دون أن تفصح عن الاسم الذي تطمح إلى التعاون معه، وقالت: «اللائحة طويلة... ولن أذكر أسماء لأن الجميع فيهم البركة».

ورأت أنّ إحياءها حفلاً في السعودية العام الماضي أشعرها كأنها لم تغادر الساحة يوماً، بسبب التفاعل الكبير مع الجمهور.

وعندما سُئلت عن علاقتها بشركة «روتانا»، التي أسهمت، وفق رأيها، في إبعادها عن الساحة الغنائية، أجابت: «الأمس مرَّ ولم يعد. الشركة قد تكون أخطأت معي، لكنها أيضاً أبدت تجاهي إيجابيات كثيرة لا يمكن تجاهلها. فلننسَ الأمس ونتطلَّع إلى غدٍ أفضل».

وذكرت مايا نصري خلال المؤتمر أنّ فرحتها مضاعفة هذه المرة، لحضور زوجها وأولادها حفلها في بيروت، وقالت: «إنها المرة الأولى التي يشاهدونني فيها على المسرح بعد غياب طويل».

وما إن اعتلت مسرح «بيروت هول» حتى بدأت تغني «أخبارك إيه حبيبي»، لتختتمها وسط تصفيق حارّ من الحضور. وتوجّهت إلى الجميع بالقول: «الأمس واليوم والغد هو لكم... أحبكم كثيراً».

وبدت طوال الحفل متأثرة وفرحة بهذه العودة، وكرّرت أكثر من مرة أن قلبها يخفق بسرعة من شدة سعادتها باللقاء، في ليلة بدا فيها الزمن كأنه عاد بها إلى سنوات مضت، في حين كان جمهورها يستعيد معها أغنياتها وذكرياتها.

لم تخلُ إطلالة مايا نصري من خفّة الظلّ والحماسة والتفاعل المباشر مع الحضور، الذي تعاملت معه كأنه ضيف في منزلها. وأشارت إلى أنها تشعر بأنهم في بيتها، وستقدّم لهم فنجان قهوة، في تعبير عفوي عن مدى قربها منهم.

قدّمت مجموعة من أشهر أغنياتها واستهلّتها بـ«أخبارك إيه» (الشرق الأوسط)

كما أطلقت العنان لكلّ ما تختزنه من شوق إلى الوقوف على الخشبة، فغنّت ورقصت، وتركت مساحات واسعة للموسيقى بقيادة المايسترو بسام بدور، راحت خلالها ترقص على أنغامها، مستعيدةً متعة الأداء المباشر التي افتقدتها طويلاً.

وإضافة إلى مجموعة من أغنياتها الشهيرة، أدَّت أغنيات لفيروز، وجورج وسوف، وطوني حنا، والراحل ملحم بركات، إضافةً إلى ميادة الحناوي، وماجدة الرومي، وطروب، والراحلة داليدا وغيرهم. لكن ذروة التفاعل مع الحضور كانت تظهر بوضوح عند أدائها واحدة من أغنياتها المعروفة، مثل «يا واحشني وانت جنبي» و«روق عليِّ شوي» و«حبّة حب».

وقدّمت مايا نصري وقفات مع أغنيات «عالبال»، استحضرت عبرها لحظات من الزمن الجميل، واستعاد معها الحضور ذكرياته مع حقبات ذهبية كانت خلالها الأغنية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقصصه مع الحياة والحبّ. فأدَّت «نسَّم علينا الهوا»، و«خطرنا على بالك»، و«روحي يا نسمة». كما غنّت للفنانة البرتغالية الراحلة ليندا دي سوزا، التي اشتهرت بأغنياتها بالفرنسية، مقدِّمة لها «عندما التقينا وجهاً لوجه».

مايا نصري متأثّرة بتفاعل الجمهور مع أغنياتها خلال الحفل (الشرق الأوسط)

وغادر الحضور المسرح كأنهم استعادوا للتوّ حقبة فنية لا تُنسى، مسترجعين بدايات مايا نصري حين شاركت في برنامج «كأس النجوم» عام 1999، وحصدت يومها 3 كؤوس: كأس الفنانة، وكأس الجمهور، وكأس الكؤوس عن فئة الطرب.

وهناك، تنبَّه المخرج الراحل سيمون أسمر إلى موهبتها، فمهَّد لها الطريق إلى ساحة الغناء العربي، لتُصدر عام 2001 ألبومها الأول «أخبارك إيه»، الذي حقّق نجاحاً كبيراً ورسّخ حضورها نجمةً في سماء الأغنية العربية.

Your Premium trial has ended


بعد 16 عاماً... غواية السينما تُعيد عبد المجيد الكناني إلى التمثيل

عبد المجيد الكناني في مشهد من فيلمه الجديد «عكس سير» (الشرق الأوسط)
عبد المجيد الكناني في مشهد من فيلمه الجديد «عكس سير» (الشرق الأوسط)
TT

بعد 16 عاماً... غواية السينما تُعيد عبد المجيد الكناني إلى التمثيل

عبد المجيد الكناني في مشهد من فيلمه الجديد «عكس سير» (الشرق الأوسط)
عبد المجيد الكناني في مشهد من فيلمه الجديد «عكس سير» (الشرق الأوسط)

بعد نحو 16 عاماً، يصل الممثل السعودي عبد المجيد الكناني إلى أول أفلامه الروائية الطويلة؛ هو الذي بدأت علاقته بالتمثيل عام 2010 عبر الأفلام القصيرة، وقبلها المسرح. ثم أخذته البرامج وصناعة المحتوى إلى مسار آخر، صنع حضوره الجماهيري وكرَّس صورته في تقديم المحتوى الفنّي الساخر، ليعود اليوم إلى الممثل داخله من خلال الفيلم السعودي «عكس سير»، مدركاً أنّ العودة بعد غياب طويل تحمل اختبارها الخاص، وأنّ الوقوف أمام الكاميرا يتطلَّب استعادة لياقة ظلت بعيدة عن التمرين سنوات.

في الفيلم، الذي انطلق عرضه في الصالات السعودية أخيراً، يؤدّي الكناني شخصية «ناجي»، الرجل الذي تدفعه سلسلة من القرارات الخاطئة إلى مغامرة تجمع الجريمة والأكشن والكوميديا. وإنما تجربته خلف الكاميرا تحمل رحلة أخرى موازية؛ رحلة ممثل بدأ في زمن كانت فيه الأفلام القصيرة نافذة رئيسية للمشتغلين بصناعة الأفلام السعودية، ثم وجد نفسه في عالم البرامج، قبل أن يعود إلى نقطة البداية في صناعة سينمائية مختلفة تماماً.

الأفلام القصيرة بوابة البدايات

يستعيد الكناني تلك المرحلة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنّ المسرح والأفلام القصيرة شكّلا المساحة المتاحة أمام الممثلين وصنّاع الأفلام والمهتمين بالفنّ، في ظلّ صعوبة الوصول إلى شاشة التلفزيون ومحدودية العروض المسرحية. ومع صعود النشر عبر الإنترنت، وجدت بعض تلك الأفلام طريقها إلى الجمهور، ثم اتّجه صنّاعها إلى المحتوى المرئي عبر «يوتيوب»، المنصة التي تتيح لهم الوصول بإمكانات إنتاجية بسيطة.

وأخذته البرامج إلى سنوات طويلة من العمل، حتى اتّسعت المسافة بينه وبين التمثيل. ويتحدّث الكناني بصراحة عن تلك المرحلة التي يراها «منطقة راحة»، إذ وجد في تقديم البرامج مهمّة أسهل، إلى حد ما، من الجهد الذي يتطلّبه بناء شخصية درامية. ومع ذلك، جاءت العودة بالطريقة التي تمناها؛ من خلال فيلم أحبَّه، وكواليس شَعَرَ فيها بالألفة، وفريق وجد برفقته متعة التجربة.

يتناول الكناني تجربته الجديدة بقدر واضح من الشفافية. وعند سؤاله عن قدرة الممثل على الاحتفاظ بلياقته الفنية طوال سنوات الغياب، يقرّ بتأثير المسافة الزمنية في أدائه، مشيراً إلى أنّ ذلك ظهر خلال تصوير «عكس سير». فالتمثيل، في نظره، ممارسة تحتاج إلى استمرارية، والعودة إليه بعد سنوات تضع الممثل أمام تحدّي استحضار أدواته واستعادة علاقته بالكاميرا والشخصية.

ويمنح الكناني زملاءه، لا سيما المخرج عبد العزيز الشلاحي، جانباً مهماً من الفضل في تجاوز ذلك التحدّي، إذ ساعده وجود فريق محترف على تقليص أثر الغياب وخَلْق بيئة تتيح له استعادة إيقاعه تدريجياً. ويؤكد أنه بذل جهده للوصول إلى الشخصية بالصورة المناسبة، تاركاً للجمهور الحُكم على نتيجة هذه العودة.

الكناني وعبد العزيز الشهري في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

«لقيمات»... صورة صنعتها مرحلة

من بين المحطات التي صنعت حضور الكناني الجماهيري، يبرز برنامج «لقيمات»، الذي قدَّم عبره قراءة ساخرة للأعمال التلفزيونية، وتحوّل بمرور الوقت إلى جزء أساسي من صورته لدى الجمهور. وصحيح أنّ نجاح البرنامج منحه انتشاراً واسعاً، فإنه في الوقت عينه أسهم في تأخير خطوات أخرى في مسيرته، ورفع حجم التحدّي الشخصي أمام انتقاله إلى تجارب فنّية جديدة.

وينظر الكناني إلى «لقيمات» على أنه «برنامج مرحلة»، ارتبط بالحاجة الثقافية والفنية في زمنه، إذ كان المحتوى الذي يقدّمه، وفق رؤيته، مناسباً للحظة التي ظهر فيها. وحين شَعَرَ بتحوّل المرحلة، اختار إيقافه رغم استمرار مشاهدته وانتشاره. فالظهور بالنسبة إليه ارتبط دائماً بجدوى المحتوى وصلته بالزمن الذي يُقدَّم فيه، أكثر من ارتباطه بفكرة الحضور المستمر أمام الجمهور.

من الهامش إلى صناعة منظَّمة... وجيل «يوتيوب»

وبين بداياته في الأفلام القصيرة وعودته اليوم عبر فيلم روائي طويل، يرى الكناني أنّ كفّة المقارنة تميل بوضوح إلى المرحلة الراهنة؛ فقد اكتسبت الفنون اعترافاً رسمياً وتنظيماً مؤسّسياً، وظهرت هيئات متخصّصة تتولّى تنظيم العمل الفني وتسهيل تفاصيله، في حين اتّسعت الفرص أمام المهتمّين والعاملين في مختلف قطاعات الصناعة.

هذا التحوّل، وفق رؤيته، يخلق بيئة أكثر خصوبة للمواهب، ويمنح السينما السعودية قدرة أكبر على التطوّر والاستمرار. كما يأمل الكناني أن تثمر الجهود المبذولة نتائج إيجابية في المحصلة النهائية، خصوصاً مع اتّساع دائرة الإنتاج وتعدُّد المسارات المتاحة أمام الممثلين والكتّاب والمخرجين وصنّاع المحتوى.

ينتمي الكناني زمنياً إلى جيل صنع حضوره عبر «يوتيوب»، وهو الجيل الذي انتقل عدد من أسمائه، في السنوات الأخيرة، إلى الأفلام والمسلسلات. ومع الجدل المتكرّر حول تحوّل صنّاع المحتوى إلى الوجوه الجديدة للسينما، يفضّل الكناني النظر إلى جودة التجربة والنتيجة التي تصل إلى الجمهور، بعيداً عن وضع المبدعين في تصنيفات ثابتة.

ويقول: «لا أميل كثيراً إلى التصنيفات، بل إلى النتائج»، مضيفاً أنّ «يوتيوب» يبقى منصة من بين منصات عدّة، وأنّ الموهبة الجيّدة قادرة على الوصول إلى السينما السعودية، أياً كان المكان الذي بدأت منه: «الساحة تتّسع للجميع، وترغب في مزيد يُشكّل إضافة إيجابية، فبلدنا كبير وقصصنا كثيرة».

يرى الكناني أنّ النصّ الجيد يُحفِّز الممثل (الشرق الأوسط)

نصّ أعاده إلى التمثيل

بدا «عكس سير» مشروعاً جاذباً للكناني منذ البداية، خصوصاً مع وجود الكاتب مفرج المجفل والمخرج عبد العزيز الشلاحي، اللذين يملكان رصيداً من التجارب الناجحة. ويرى أنّ العمل معهما يشكّل فرصة يرغب أي ممثل في خوضها، إلى جانب مشاركة مجموعة من الممثلين الذين يقدّر تجاربهم، منهم عبد العزيز الشهري ومؤيد النفيعي.

أما العامل الحاسم فكان النصّ. منذ القراءة الأولى، وجد الكناني أمامه حكاية جيدة وممتعة، تحمل ما يكفي من العناصر التي تحفّز الممثل على التمسّك بالمشاركة. وبعد انطلاق الفيلم في الصالات، استقبل ردود الفعل الأولى وأرقام المبيعات بشعور من الرضا؛ إذ حقّق «عكس سير» خلال أسبوعه الأول إيرادات بلغت 3.5 مليون ريال، عبر بيع نحو 72 ألف تذكرة، محتلاً المركز الرابع في شباك التذاكر السعودي، في بداية منحت فريق العمل مؤشراً إيجابياً على استقبال الجمهور للتجربة.

وتبقى شخصية «ناجي» في الفيلم الرهان الأقرب إلى الكناني في هذه العودة. ويختم حديثه بعبارة تختصر علاقته بها والجهد الذي بذله فيها: «اجتهدتُ وحاولتُ تقديمها من القلب، وآملُ أن تدخل القلوب».


«مهرجان ميروبا السينمائي» يُطلق نسخته الأولى من المدرّج السياحي

تنطلق فعاليات «مهرجان ميروبا السينمائي» في 28 أغسطس الحالي (بلدية ميروبا)
تنطلق فعاليات «مهرجان ميروبا السينمائي» في 28 أغسطس الحالي (بلدية ميروبا)
TT

«مهرجان ميروبا السينمائي» يُطلق نسخته الأولى من المدرّج السياحي

تنطلق فعاليات «مهرجان ميروبا السينمائي» في 28 أغسطس الحالي (بلدية ميروبا)
تنطلق فعاليات «مهرجان ميروبا السينمائي» في 28 أغسطس الحالي (بلدية ميروبا)

بعد 7 سنوات على إقفاله، يعود مدرّج ميروبا السياحي إلى الحياة من خلال «مهرجان ميروبا السينمائي»، الذي تنظمه بلدية ميروبا احتفاءً بالسينما اللبنانية. وعلى مدى 3 أيام متتالية، في 28 و29 و30 أغسطس (آب) الحالي، يستضيف المدرّج عروضاً مجانية لـ3 أفلام لبنانية، في أجواء تعيد الحياة إلى هذا الموقع الذي يتّسع لأكثر من 5 آلاف شخص.

وتتضمن لائحة الأفلام «بوسطة» للمخرج فيليب عرقتنجي، و«ع مفرق طريق» للمخرجة لارا سابا، إضافة إلى «غدي» للمخرج أمين درة.

ويشكّل المهرجان في نسخته الأولى خطوة داعمة ومشجّعة للأعمال السينمائية اللبنانية، في مبادرة تسعى إلى تسليط الضوء على الإنتاج المحلّي والاحتفاء بفنانيه. ويحضر صنّاع كلّ فيلم وأبطاله العرض الخاص بعملهم، على أن يسبق كلّ عرض مرور نجومه على السجادة الحمراء.

«غدي» من الأفلام المشاركة في «مهرجان ميروبا السينمائي» (بلدية ميروبا)

وتشير عضوة بلدية ميروبا، ريتا خليل، إلى أنّ الحدث تحية إلى السينما اللبنانية، ويقام برعاية وزارة الثقافة. وتقول: «لطالما شكّلت بلدة ميروبا محطة فنية وثقافية في قلب منطقة كسروان، ورغبنا في إعادتها إلى الخريطة الثقافية من خلال نشاط يعرّف بالإنتاج السينمائي اللبناني».

وتوضح خليل أنّ أفكاراً كثيرة طُرحت حول نوعية المهرجان الذي يمكن أن تستهل به البلدة نشاطاتها بعد غياب، قبل أن يحظى خيار السينما باهتمام غالبية أعضاء البلدية، بوصفه خطوة تشجيعية للصناعة السينمائية اللبنانية.

وتؤكد أنّ ما يميّز المهرجان هو مشاركة مختلف فعاليات البلدة وشبابها في دعمه، بما يُسهم في إخراجه بالصورة التي تليق بالحدث وبميروبا.

وكان للناقد السينمائي إدي أسطا دور أساسي في تنظيم المهرجان واختيار الأعمال. وتُعلّق ريتا خليل: «إنه الجندي المجهول الذي أخذ على عاتقه مهمّات متعددة، ممّا سهّل عملنا ووضع المهرجان على سكة الانطلاق».

من ناحيته، يشير إدي أسطا، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه تولّى اختيار الأفلام لأسباب عدّة. ويضيف: «الأفلام الثلاثة إنتاجات محلّية ولاقت شهرة واسعة، ولا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم، علماً بأنّ لكلّ فيلم خصوصيته وجماليته، فيجذب بقصته ونجومه الكبار والصغار على السواء».

وتربط ميروبا، المشهورة بتفاحها، المهرجان بهذه الرمزية من خلال ميدالية تذكارية تُقدّم تكريماً لنجوم كلّ فيلم وصنّاعه. وتشرح ريتا خليل: «ميروبا بلدة مشهورة بمناخها الجميل، ويرتادها المصطافون محطةً سياحيةً. ورغبنا في أن تتشكّل الجائزة التي نكرّم بها نجوم كلّ فيلم من تفاحة ذهبية، في إشارة إلى الفاكهة التي تشتهر بها بلدتنا. وإضافة إلى التفاح، عُرفت ميروبا بمدرّجها السياحي الذي شهد أهم الحفلات الغنائية وأمسيات الزجل والشِّعر والمعارض على مدى حقبات متتالية. ومع (مهرجان ميروبا السينمائي)، يستعيد المدرّج وجهه المضيء في المنطقة».

إدي أسطا تولّى مهمّة اختيار الأفلام المشاركة في المهرجان (بلدية ميروبا)

وكان مدرّج ميروبا قد استضاف على خشبته عدداً من أبرز الفنانين اللبنانيين ضمن مهرجانات ميروبا الفنية، بينهم مادونا عرنيطة، ورامي عياش، وهشام الحاج وغيرهم. وبمناسبة احتضانه هذا الحدث، جُهِّز المدرّج وتغيَّر بعض ملامحه الأساسية، بما يضفي عليه أجواء سينمائية تتناسب مع طبيعة المهرجان.

وبالعودة إلى الحدث، يتوقَّع إدي أسطا أن تكون هذه التجربة فأل خير، وتتحوّل إلى تقليد سنوي. ويتابع: «من شأن هذه الخطوة أن تشجّع بلدات أخرى على القيام بخطوات مماثلة. جميع القرى والبلدات في لبنان تملك أحقّية الترويج للسينما المحلّية من خلال نشاطات تستضيفها على مدار السنة». ويرى أنّ «هذا النوع من المهرجانات يقرّب اللبنانيين أكثر من صناعاتهم الفنّية، خصوصاً السينمائية، فتولد بينهم وبين صنّاع الأفلام علاقة وطيدة، لا سيما أنّ لقاءات مباشرة مع نجوم الأفلام الثلاثة ستلي عرض كلّ شريط».

ويؤكّد أسطا أنّ فيلم «بوسطة» لفيليب عرقتنجي، الذي أُنتج عام 2005، يُعدّ أول فيلم سينمائي لبناني موسيقي يصدر بعد الحرب. ويحمل في مشاهده كثيراً من الفنون التي عُرف بها لبنان، ومنها الدبكة. كما أن اسمه، المرتبط بـ«بوسطة عين الرمانة» التي شكّلت شرارة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حوّلها عرقتنجي في الفيلم إلى «بوسطة الفرح والحب». وتشارك في البطولة نادين لبكي، ورودني حداد، وليليان نمري، وندى أبو فرحات.

«ع مفرق طريق» للمخرجة لارا سابا يُعرض ضمن المهرجان (بلدية ميروبا)

وعن فيلم «ع مفرق طريق»، يقول أسطا: «يسلّط الضوء على لبنان السياحي من خلال مَشاهد صُوّرت في مناطق جبلية رائعة. كما يرتكز على قصة لطيفة ومسلّية تأخذ مشاهديها في رحلة فنّية ممتعة». وتشارك في بطولته مجموعة من الممثلين اللبنانيين، من بينهم جوليا قصار، وبيتي توتل، وشادي حداد، وسينتيا كرم.

أما عن فيلم «غدي»، الذي كتبه ولعب بطولته الفنان جورج خباز، فيقول إدي أسطا: «يحمل رسائل اجتماعية كثيرة، رغم تركيبته خفيفة الظلّ والعميقة في آن. هدفه الدعوة إلى تقبُّل اختلاف الآخر، كما يقدّم نماذج لشخصيات نلتقيها في حياتنا اليومية. وقد نجح خباز في تقديم خلطة سينمائية سحرية، لا يزال أثرها حاضراً في ذاكرة كلّ مَن شاهده».