بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

54 عاماً على رحيله المأساوي

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة
TT

بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة

قبل 54 عاماً، وفي مثل هذه الأيام خصوصاً، خسرت الحداثة الشعرية العربية واحداً من أبرز روادها المؤسسين، وأحد أكثر الرموز المجسدة لروح الشعر وجوهره ومعناه، أعني الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. لا أتحدث هنا عن شعرية التقويض والهدم العدميين، ولا عن شعرية تفجير اللغة والخروج الجذري على القواعد المألوفة، ولا عن شعرية التقنيات العالية أو النمنمة الجمالية الباذخة، بل عن شعرية العصب الجامح والنقاء الغرائزي والتوالد التلقائي لورود الأعماق. ومع ذلك فقد كان موت السياب مأساوياً بالقدر نفسه الذي كانته حياته القصيرة، التي قصمتها الأمراض المختلفة قبل الوصول إلى الأربعين. فلقد قضى أحد أكبر شعراء العربية في العصر الحديث فقيراً وغريباً ومشلولاً في أحد مستشفيات الكويت، من دون أن يجد من يواسيه أو يسير وراء نعشه سوى حفنة من الأوفياء لا يبلغ عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. ولعل قدره المأساوي ذاك، كان ولا يزال يرمز في كثير من وجوهه إلى غربة المبدعين العرب الكبار وعزلتهم العميقة، في مجتمع لا تكفّ قيمه وتقاليده الثقافية عن التقهقر والنكوص، ولا يكف اليأس والقنوط عن إحلال الغثاثة والاهتراء محل الأحلام الشاغرة والرجاء المجهض. ومع ذلك يحق لأي منا أن يتساءل، بعد هذه السنين الكثيرة التي مرت على غياب السياب، عن الأسباب الفعلية لرسوخ اسمه وتجربته الرائدة في ذاكرتنا الجمعية، فيما باتت أسماء كثيرة في عهدة النسيان. فهل كان الأمر يتعلق بأسبقيته الريادية، أم بتفرد تجربته وأسلوبه، أم بمسيرة حياته الشاقة والمثخنة بالآلام؟
إن هذه العناصر مجتمعة، على الأرجح، هي التي أعطت للسياب المكانة المرموقة التي ميزته عن أقرانه، وآلفت بين اسمه الشاعري وحضوره الراسخ على أرض القصيدة العربية. وإذا كان السجال النقدي حول الأسبقية الزمنية لريادة الشعر الحر، بين قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة، وقصيدة السياب «هل كان حباً» لم يتوقف فصولاً حتى اليوم، فإن معظم النقاد العرب يُجمعون على أن مكانة السياب وتميزه ليسا متأتيين من السبق الزمني البحت، بل من فرادة تجربته وقوة مخيلته وأسلوبه، كما من سطوة لغته البالغة على الأجيال الشعرية اللاحقة. فالريادة بمفهومها العميق لا تخضع لمنطق المصادفة المجردة أو الحدث العرضي، بل هي مجازفةٌ جمالية ورؤيوية، وتبدّل دراماتيكي في الحساسية والنظرة إلى العالم، وإضافة بنيوية إلى المنجز السابق. وهو ما يتمثل بشكل جلي في كثير من أعمال السياب وقصائده ومقطوعاته. واعتقادي أن موهبة الشاعر المتوقدة ومعرفته العميقة بمفاتيح القصيدة العربية وأسرارها، والتصاق لغته بالشرايين، هي من أبرز العوامل التي أعطت لتجربته ما تستحقه من تقدير، ووفرت لها سبل الرسوخ في أذهان القراء، بحيث بدت هذه التجربة نابعة من حاجة الشعرية العربية إلى الخروج من شرنقتها المغلقة، وليست مجرد حرث متكلف في تربة الآخرين.
لا يمكن لنا بالطبع أن نضع أعمال السياب وقصائده في خانة واحدة على الصعيدين الرؤيوي والأسلوبي. فللسياب، كأي شاعر آخر، ذراه ومنخفضاته، كثافاته المدهشة وشروحه الفضفاضة، غوصه الرؤيوي ونصوصه السياسية المفعمة بالحماسة. ولم يكن الكاتب الفلسطيني ناجي علوش مجافياً للحقيقة حين أشار إلى المراحل الأربع التي مرت بها تجربة صاحب «شناشيل ابنة الجلبي»، وهي الرومانسية، والواقعية، والرمزية التموزية، ومن ثم مرحلة الانكفاء إلى الذات في فترة اشتداد المرض. على أن هذا التقسيم، الذي تبناه كمال بلاطة في دراسته المستفيضة عن الشاعر، لا ينعكس بشكل ميكانيكي على مستوى النصوص، بحيث تبدو بعض قصائد المرحلة الواقعية أكثر دينامية وتمثلاً لروح الشعر من بعض نصوص المراحل اللاحقة. وحتى في القصائد الرومانسية المبكرة التي تضمها مجموعة «أزهار وأساطير»، استطاع السياب أن يوائم بنجاح بين الترجيعات الغنائية الشجية والأسئلة المتصلة بالحب والموت والزوال السريع لظواهر الوجود وأحواله: «يا موت يا رب المخاوف والدياميس الصغيرة\ الآن تأتي، من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره\ أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها\ دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة». وكغيره من الشعراء المنتمين إلى مشروع حزبي عقائدي، بذل السياب جهوداً مضنية للتوفيق بين موجبات الالتزام السياسي والآيديولوجي، والالتزام بتحرير قصيدته من التنميط الأسلوبي واللغة الجاهزة. وإذا كان الشاعر قد بدّل مراراً مواقفه وولاءاته العقائدية، فإن ما لم يتبدل عنده هو ولاؤه للشرط الإبداعي الذي يخترق، بوعي أو دون وعي منه، كل سقوف العقائد والولاءات الأخرى. لهذا السبب، فإن شاعرية السياب الحقة لا تتجلى في نماذج من مثل «يوم الطغاة الأخير»، أو «بورسعيد»، أو «ربيع الجزائر»، بل في «النهر والموت»، و«شباك وفيقة»، و«من رؤى فوكاي»، وصولاً إلى «أنشودة المطر» التي عدها الكثيرون أيقونة الحداثة الشعرية العربية، والتي تخترق حدود العراق لتتحول إلى صرخة كونية ضد الفقر والعقم والتصحر الروحي: «في كل قطرة من المطرْ\ حمراء أو صفراء من أجنّة الزهَرْ\ وكل دمعة من الجياع والعراة\ وكل قطرةٍ تراق من دم العبيدْ\ فهْي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديدْ\ أو حلْمة توردتْ على فم الوليدْ\ في عالم الغد الفتي واهب الحياةْ». وهو قد حشد في سبيل تطوير تجربته وإثرائها كل ما تستلزمه الكتابة من وعي بالتراث، واطلاع على التجارب الحداثية الأجنبية، وتوظيف متباين الدلالات لرموز التاريخ، كما للأساطير المحلية والعالمية.
يصعب من جهة ثانية أن نغفل في الحديث عن السياب علاقته الوثيقة بالأماكن التي سكنها، طفلاً ويافعاً، والتي طاردته أطيافها أينما ذهب، أو أن نغفل إفادته الواسعة من الفولكلور واللهجات المحكية والذاكرة الشعبية الجمعية التي جعلت منه، وفق دراسة مستفيضة لناصر الحجاج، الممثل الأبرز لهوية الشعر العراقي. ففي معظم ما كتبه الشاعر، وبصرف النظر عن الفكرة أو الموضوع، تبدو اللغة مقتطعة من نسيج المكان المحلي، والجنوبي بوجه خاص، وتشيع في ثنايا التعبير روائح وأصوات وأطياف وظلال مختلفة لنخيل أبي الخصيب، وشناشيل البصرة، وسقسقة بويب الذي حوّله الشاعر في غير قصيدة ومقطوعة إلى نهر كوني أسطوري، فيما هو في حقيقة الأمر مجرد ساقية نحيلة وشحيحة المياه لا تكاد تلحظها العيون إلا عن مسافة قريبة. أما جيكور، قرية الشاعر، فهي المهد واللحد والينبوع والمصب. وهي الكنف الأمومي والتلفت المشوب بالحسرة إلى جنة البدايات. وهي صورة الحياة، وصنو الموت والانبعاث التموزيين: «حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال\ حين تخضرّ عشباً يغنّي شذاها\ والشموس التي أرضعتها سناها\ حين يخضرّ حتى دجاها\ يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها\ متّ كي يؤكل الخبز باسمي، وكي يزرعوني مع الموسمِ\ كم حياة سأحيا: ففي كل حفرة\ صرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرة\ صرتُ جيلاً من الناس: في كل قلبٍ دمي». ويصعب أيضاً أن نغفل علاقة السياب الصعبة وغير المتكافئة بالمرأة التي تبدلت وجوهها وأسماؤها بين حقبة من حياته وأخرى. ورغم أنه رأى فيها ينبوع الحياة والشغف والتجدد، فهو لم يحظَ من اللاتي أحبهن، بسبب ظروف حياته الصعبة وافتقاره إلى الوسامة، إلا بقليل من الاهتمام. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن يغبط قصائده ومجموعاته التي تنام هانئة على وسائد قارئاته الكثيرات، فيما أن كاتبها ينام وحيداً على سرير العزلة والتجاهل والوحشة الباردة، فيهتف قائلاً: «يا ليتني أصبحتُ ديواني\ لأفر من صدر إلى ثانِ». ولا بالمستغرب أيضاً أن يتعلق، وقد أنهكه المرض، بأهداب إحدى الممرضات الجميلات، فيخاطبها بحرقة جارحة: «وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا\ ولكنْ... كلّ من أحببتُ قبلك ما أحبوني».
ثمة في شعر السياب ما يشي بصفاء السليقة وجاهزيتها الدائمة لالتقاط كل ما يحرك القلب من مشاهد ومشاعر واختبارات عاطفية بالغة الاحتدام. كأن الشعر هنا ملازم للذات في تكوّنها الأصلي، أو كأنه طريقة الشاعر الوحيدة للرد على كل ما ينبثق كالجمر من داخله، أو ما يفد إليه من إشارات الخارج. صحيح أن الذين أخذوا عليه استمراءه للإفاضة والإسهاب، وعدم مقاومته لإغواء التداعي التعبيري، في مطولات معروفة مثل «المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» و«المعبد الغريق» وغيرها، لم يبتعدوا كثيراً عن الحقيقة، ولكن الصحيح أيضاً أن الشاعر الذي وجد في «الأرض الخراب» وغيرها من مطولات ت. س. إليوت ما يعبر عن طبيعة العصر وتعقيداته الشائكة، لم يأسر نفسه داخل نمط واحد من الكتابة، بل عمد إلى تنويع أساليبه وإيقاعاته وأشكاله التعبيرية. وهو إذ أفاد أبعد الإفادة من المساحات الصوتية والملحمية المفتوحة لبحري «الكامل» و«الوافر»، أفاد في الوقت ذاته من المساحات المكثفة والمشحونة بالتوتر لبحري «المتقارب» و«الرجز». وفي جميع الحالات، كان شعره يمور بكل ما حملته أصوات العراقيين عبر العصور من لواحق المرارة والقهر والشجن العاطفي الذي بلغ ذراه في أعماله الأخيرة، حين أنهكه المرض وسدت أمامه سبل النجاة. وقد تكون قصيدته المؤثرة «غريب على الخليج»، واحدةً من أكثر النماذج الإبداعية تمثيلاً لروح العلاقة الوثيقة بين الشعراء وأوطانهم. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن تُنقش على قاعدة تمثال السياب المرفوع فوق شط العرب، هذه الأبيات المؤثرة: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلامْ\ حتى الظلامُ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق\ وا حسرتاه متى أنامْ\ فأُحسّ أن على الوسادة\ من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق\ بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة\ غنّيت تربتك الحبيبة».



حين رأى العالمُ فان جوخ «مجنوناً» رأت هي عبقريتَه

لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
TT

حين رأى العالمُ فان جوخ «مجنوناً» رأت هي عبقريتَه

لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)
لوحة «أربع زهرات عباد شمس بذورها ناضجة» (Four Sunflowers Gone to Seed) في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

في شهر أبريل (نيسان) من عام 1912، كانت هيلين كرولر مولر في جولة مكثفة لاقتناء الأعمال الفنية؛ لم تكن مهتمة بأحدث صيحات الأحذية أو الأزياء، بل كانت تسعى للعثور على لوحة فينسنت فان جوخ التي تصور «مدام أوغستين رولان».

نجحت في العثور على لوحة «لا بيرسوز» (La Berceuse) - وهو الاسم الشائع للوحة - في أحد معارض باريس واشترتها على الفور. وفي اليوم التالي، واصلت التنقل بين المعارض بحثاً عن المزيد من أعمال فان جوخ، وعادت بحصيلة مذهلة: 15 لوحة في رحلة واحدة.

كانت كرولر مولر، وهي وريثة ثرية من أصل ألماني، قد جعلت من تأسيس مجموعة عامة عظيمة للفن الحديث هدفاً لحياتها، وأصبحت واحدة من أوائل كبار جامعي الأعمال الفنية الذين أدركوا عبقرية فان جوخ. والآن، وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الجولة الباريسية، تُعرض مجموعة لوحات فان جوخ التي جمعتها بالكامل مجتمعةً في المتحف الذي شيدته وسط غابة هولندية، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1984. تُعد هذه المجموعة ثاني أكبر كنز لأعمال فان جوخ في العالم، بعد متحف فان جوخ في أمستردام، وقد جمعتها امرأة خاضت مخاطرات كبيرة لشراء أعماله في وقت لم يجرؤ فيه سوى قلة قليلة على القيام بذلك.

زوار المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نجيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

يقدم المعرض المقام في متحف كرولر مولر في أوترلو بهولندا - والذي يحمل عنوان «فان جوخ: كل لوحاتنا» ويستمر حتى 3 يناير (كانون الثاني) - المجموعة بأكملها وفق الرؤية التي وضعتها كرولر مولر؛ إذ تعكس المجموعة تطور الفنان، وتنوع أعماله، وتطلعاته الروحية. يقول بينو تيمبل، مدير المتحف: «إنها لحظة نادرة أن تكون جميع اللوحات موجودة هنا في المتحف؛ فهذا أمر لم يحدث منذ وقت طويل جداً».

وقد نُظّم المعرض حول ثلاثة محاور رئيسية - الإيمان والأمل والحب - لتعكس البعد الروحي الذي رأته كرولر مولر في أعمال فان جوخ.

وتضم المجموعة العديد من أعماله الشهيرة الموزعة على هذه التصنيفات العريضة، مثل لوحات «شرفة المقهى ليلاً»، و«بورتريه جوزيف رولان»، و«الزارع».

وأبدت كرولر مولر - وهي ابنة صناعي ألماني - اهتماماً مبكراً بالفن، لكنها اضطرت لإنهاء تعليمها الرسمي في سن السادسة عشرة. وفي سن الثامنة عشرة، تزوجت من أحد موظفي والدها، الذي تولى لاحقاً إدارة أعمال العائلة. وقد شجعها زوجها، أنطون مولر، على متابعة اهتماماتها الفكرية، بما في ذلك شغفها بالفن، الذي كان يُعد هواية مقبولة اجتماعياً للنساء الثريات في ذلك العصر.

لوحة «جسر في آرل» في المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» بمتحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

تقول رينسكي كوهين تيرفارت، منسقة المعرض: «في ذلك الوقت، كان على المرأة المتزوجة أن تضع كل أموالها وممتلكاتها تحت تصرف زوجها؛ لذا كان منفتح الفكر - بشكل أو بآخر - إذ سمح لها بالسعي وراء حلمها بهذه الطريقة».

غير أن كرولر مولر لم تكن تجمع الأعمال الفنية بدافع الهواية فحسب، بل كانت تتعامل مع الفن بنوع من الحماس الديني. اشترت أول لوحة لفان جوخ عام 1908 مقابل 110 غيلدرات - وهو ما يعادل تقريباً ثمن فستان فاخر - حسبما ذكرت إيفا روفرز، كاتبة سيرتها الذاتية.

وبعد أربعة أشهر، اشترت لوحته «أربع زهرات عباد الشمس وقد نضجت بذورها» (Four Sunflowers Gone to Seed) مقابل 4000 غيلدر. وقد ارتفعت الأسعار إلى حد كبير نتيجة لغزارة مشترياتها.

وتشير تيرفارت إلى أن فلسفة كرولر مولر في جمع الأعمال الفنية تشكلت إلى حد كبير بتأثير من مؤرخ الفن هينك بريمر، الذي تلقت على يده دروساً في تذوق الفن.

وتضيف أن بريمر كان يرى أن العنصر الجوهري في الفن الجيد يكمن في قدرته على إثارة مشاعر المشاهد أو منحه تجربة روحية.

لوحة شخصية (بورتريه ذاتي) لفان جوخ تعود لعام 1887 وهي جزء من المعرض الجديد «فان جوخ: كل لوحاتنا» في متحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

وسعت كرولر مولر للعثور على فنٍ يلامس روحها، فوجدت ضالتها في أعمال فان جوخ. تقول روفرز إن فان جوخ لم يكن يحظى بتقدير كبير في أوائل القرن العشرين؛ إذ توضح قائلة: «إذا كان عامة الناس يعرفونه أصلاً، فقد كانوا يعتبرونه مجنوناً عاجزاً عن الرسم». لكن نظراً لكونه عَمِل واعظاً دينياً قبل أن يصبح فناناً، فقد نظرت إليه كرولر مولر باعتباره رجلاً وجد صلةً بالإيمان من خلال فنه.

وتضيف روفرز: «لقد تفهمت رغبته في تجاوز المعاناة، وهدفه المتمثل في استخدام الفن للسمو فوق تلك المعاناة». وفي حين كان معظم جامعي الأعمال الفنية في هولندا يشترون أعمال كبار الأساتذة القدامى ولوحات هولندية من القرن التاسع عشر، ركزت كرولر مولر اهتمامها على الفن التكعيبي والتنقيطي وأعمال فناني حركة «دي ستايل» (De Stijl)، بمن فيهم بيت موندريان وفيرناند ليجيه وبابلو بيكاسو.

وتشير روفرز إلى أن أعمال فان جوخ هيمنت على المجموعة لسبب بسيط، وهو أنه «كان يقف عند مهد بدايات الفن الطليعي (أفانت - غارد)». وتضيف أن كرولر مولر كوّنت مجموعة «قادرة على إظهار التنوع الكبير في أعماله، من مناظر طبيعية وبورتريهات ومناظر للمدن».

وفي أواخر ثلاثينات القرن العشرين، وبينما كانت أوروبا تقترب من الحرب العالمية الثانية، تدهورت صحة كرولر مولر وكذلك ثروة عائلتها. فقررت تقديم مجموعتها الفنية - التي قُدّرت قيمتها بنحو 4 ملايين غيلدر آنذاك - بالإضافة إلى ممتلكات العائلة في غابة «فيلوفه»، إلى الدولة الهولندية، شريطة أن توافق الدولة على بناء متحف لعرض هذه الأعمال. وقد تصورت المتحف - المزود بحديقة منحوتات تمتد على مساحة 62 فداناً - كملاذٍ للتأمل الروحي والفلسفي. وكانت النتيجة إنشاء كنز فني فريد في غابة هولندية نائية (أصبحت الآن حديقة وطنية) شُيّد خصيصاً ليضم مجموعتها.

حدائق متحف كرولر مولر في أوتيرلو بهولندا (إيلفي نيوكيكتيين - نيويورك تايمز)

يضم متحف فان جوخ في أمستردام أكثر من 200 لوحة، لكن لمجموعته تاريخاً مختلفاً؛ فقد أُسس لعرض مقتنيات عائلة فان جوخ التي كانت تمتلك الأعمال التي لم تُبع للفنان خلال حياته، في حين تعكس مجموعة «كرولر مولر» الرؤية الفنية الخاصة لجامعة أعمال فنية. قال تيمبل: «متحف فان جوخ يضم ما تبقّى وحسب؛ فهذه مجموعة مُنتقاة».

*خدمة «نيويورك تايمز»


تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
TT

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، إلزام جميع وسائل الإعلام الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 بمنع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين، وذلك بعد التحقيق في الشكاوى المتبادلة المقدمة منهما، حسب توصيات لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وأكد بيان الأعلى للإعلام أن الإدارة العامة للرصد بالمجلس رصدت التراشق الذي حدث بينهما عبر حساباتهما بـ«السوشيال ميديا»، وذلك بما لا يتوافق مع القيم والضوابط المجتمعية، والأصول المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.

وشدد المجلس في بيانه على أن المسؤولية المهنية لا تقتصر على ما يقدمه الإعلامي عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، وإنما تمتد إلى ما ينشره، أو يتداوله عبر حساباته بـ«السوشيال ميديا»، باعتبارها جزءاً من المجال العام الذي يتطلب الالتزام بالقواعد المهنية، واحترام طبيعة العمل، وما تفرضه من ضوابط في الخطاب، والسلوك، بما يحافظ على مكانة المهنة، واحترام الجمهور.

وبدوره أوضح الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن «حرية التعبير مكفولة للجميع طالما أنها في حدود الإطار المهني، والأخلاقي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في حال عدم الالتزام فمن حق الجهة المشرفة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي عبث من الظهور على المنصات».

منع ياسمين الخطيب من الظهور بالإعلام شهرين (فيسبوك)

وأكد خليل أن «قواعد المهنة لها ضوابط وأكواد لمخاطبة الجمهور، سواء على الحسابات الشخصية، أو المنصات الإعلامية»، موضحاً أن الإعلامي ليس من المفترض أن يستخدم منصاته لتصفية خصومات مع الغير، وتحويل الشاشة لصالحه، وأن الاشتباك مع قضايا المواطنين، ومعالجتها طبقاً للقواعد المهنية المتعارف عليها أهم أولويات العمل الإعلامي.

وحسب بيان نقابة الإعلاميين قبل أسبوعين، فقد تلقت النقابة شكويين مقدمتين من الإعلامية ريهام سعيد، ضد كل من الإعلامي محمد الدسوقي رشدي، والإعلامية ياسمين الخطيب، موضحة في شكواها أنها تعرضت للسب، والتشهير، والخوض في حياتها الشخصية، إلى جانب انتقاص من مهنيتها الإعلامية، وذلك من خلال المنبر الإعلامي الذي يقدمه المشكو في حقهما، بينما أكدت النقابة في بيان آخر أنها حسمت الشكويين المقدمتين عقب الاستماع إلى وجهة نظرهما في التناول.

وتعليقاً على قرار «الأعلى للإعلام»، كتبت المذيعة ريهام سعيد عبر حسابها على موقع «فيسبوك» الخميس، وتساءلت: «ما هذا الظلم... هل أخطأت في عملي؟»، موضحة أنها تعرضت للإيقاف مرات عدة من قبل، وأن برنامجها يلتزم بالأكواد الإعلامية.

ونوهت ريهام سعيد في منشورها إلى أن عملها الإعلامي هو مصدر دخلها المادي الذي تعول عليه في الإنفاق على أولادها.

من جانبها أكدت الدكتورة سارة فوزي أستاذة الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بإعلام القاهرة لـ«الشرق الأوسط» أن «ما حدث بينهما لا يليق بصورة الإعلام المصري»، ووصفته بأنه «انحدار بالمستوى الإعلامي، خصوصاً أن حسابات الشخصيات العامة لا بد أن تكون موثقة، وتعبر عن أخلاقيتهم، مع الحرص على عدم تحويلها لساحة حرب وتصيد للآخر، لأنها للعامة، وليست حسابات شخصية مغلقة».

وأضافت أن «ما حدث كان من الأولى حله وإنهاؤه بشكل خاص وودي بعيداً عن التراشق عبر (السوشيال ميديا)، فما تم رصده حسب بيان الأعلى للإعلام يتنافى مع الكود الإعلامي، والأخلاقي».


هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
TT

هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)

أعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية الاستعانة بـ«معلمي الحصة» ضمن آليات مواجهة العجز في أعداد المعلمين بالمدارس، وبدأت أخيراً تقنين أوضاعهم عبر إبرام عقود موسمية في مختلف المديريات التعليمية، في وقت تؤكد فيه الوزارة أن الاستعانة بهم تسهم في سد فجوة كبيرة في أعداد المدرسين.

ويرى خبراء تربويون أن النظام يمكن أن يمثل حلاً مؤقتاً، لكنه لا يغني عن التعيينات الدائمة. وبحسب تفاصيل العقود التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم، الأحد، تبلغ قيمة الحصة الواحدة 50 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 51.9 جنيهاً)، بحد أقصى 96 حصة شهرياً، ليصل إجمالي المكافأة إلى 4800 جنيه شهرياً، شاملة الاستقطاعات القانونية، ويمتد التعاقد من أول سبتمبر (أيلول) حتى نهاية يونيو (حزيران)، خلال فترة العام الدراسي. ووفق الوزارة، تستهدف الخطوة «توفيق الأوضاع المالية لمعلمي الحصة والعمل على انتظام صرف مستحقاتهم، إلى جانب تنظيم العلاقة التعاقدية خلال العام الدراسي».

وتقول عزة نصر، الموجهة التعليمية بوزارة التربية والتعليم سابقاً، إن «الاستعانة بمعلمي الحصة قد تسهم في التعامل مع الاحتياجات العاجلة داخل المدارس، خصوصاً في التخصصات التي تعاني نقصاً في أعداد المدرسين، وإن كانت تظل نتيجة مترتبة على مشكلة نقص المعلمين التي تمتد لسنوات».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم أوضاع معلمي الحصة بعقود موسمية يمكن أن يمنح المدارس مرونة أكبر في سد النقص، ويساعد على ضمان وجود معلم أمام الفصل»، لكنها شددت على أن هذه الآلية «تظل حلاً مؤقتاً لا يمكن التعويل عليه بصورة دائمة لمعالجة عجز متراكم منذ سنوات».

وترى نصر أن معالجة المشكلة على المدى الطويل تتطلب استمرار تعيين معلمين جدد وفق الاحتياجات الفعلية للتخصصات والمناطق التعليمية، إلى جانب حسن توزيع المعلمين الموجودين بالفعل، لافتة إلى أن «استقرار المعلم مهنياً ينعكس بدوره على استقرار العملية التعليمية».

وكان وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قال خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين في سبتمبر الحالي، إن العجز في أعداد المعلمين بلغ في وقت سابق نحو 469 ألف معلم، مشيراً إلى صعوبة تعيين هذا العدد دفعة واحدة.

وزير التربية والتعليم المصري خلال أحد الاجتماعات (وزارة التربية والتعليم)

وأعلن الوزير خلال مؤتمر صحافي في أغسطس (آب) الماضي، أن الوزارة استعانت خلال العام الدراسي الماضي بنحو 160 ألف معلم بنظام الحصة، لافتاً إلى أن أعدادهم تتغير وفق احتياجات المدارس، مع استمرار التعيينات الجديدة لتقليل الاعتماد عليهم. وتكشف الأرقام حجم الاعتماد على هذا المسار بالتوازي مع خطط التعيين الدائم؛ إذ وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في يناير (كانون الثاني) 2022، بتعيين 30 ألف معلم سنوياً لمدة 5 سنوات، بإجمالي 150 ألف معلم، لتلبية احتياجات قطاع التعليم، قبل أن تنطلق أولى مسابقات التعيين في العام نفسه.

ويربط خبير التعليم وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، الدكتور حسن شحاتة، بين استمرار الحاجة إلى معلمين جدد وعدة عوامل، من بينها «خروج عشرات الآلاف من المعلمين إلى التقاعد، والتوسع في بناء المدارس لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، والعمل على خفض كثافات الفصول»، وهي عوامل يقول إنها «تتطلب زيادة مطردة في أعداد المعلمين كل عام دراسي».

وقال شحاتة لـ«الشرق الأوسط» إن «إعداد المعلم وتدريبه هو أساس نجاح العملية التعليمية»، معتبراً أن مواجهة العجز لا ينبغي أن تعتمد على مسار واحد، سواء عبر معلمي الحصة أو مسابقات التعيين، وإنما تستلزم «تنويع الحلول في سد العجز في المعلمين»، الذي وصفه بأنه «قضية ترتبط بالأمن القومي».

وتتزامن العقود الجديدة مع مطالب مستمرة بتحسين أوضاع معلمي الحصة وضمان انتظام حصولهم على مستحقاتهم. ويقترح شحاتة، إلى جانب الاستعانة بمعلمي الحصة، «التوسع في الاستفادة من خريجي كليات التربية، ومدّ سن التقاعد للمعلمين، وإعادة الاستفادة من بعض العاملين في الوظائف الإشرافية في التدريس، فضلاً عن الاستعانة بخريجي الجامعات المكلفين بالخدمة العامة بعد تأهيلهم للعمل داخل المدارس».

كما دعا إلى «إنشاء صندوق لتمويل تعيين خريجي كليات التربية بمساهمات من المجتمع المدني ورجال الأعمال والأوقاف الخيرية»، مشيراً إلى أن «الدولة أنفقت على إعداد هؤلاء الخريجين وتدريبهم لسنوات، والاستفادة منهم يمكن أن تشكل أحد المسارات لسد العجز».