«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

التاريخي والسردي في الرواية العربية

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين
TT

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

صدر عن داري «ابن النديم» بالجزائر، و«الروافد» ببيروت كتاب «التأريخي والسردي في الرواية العربية» للناقد فاضل ثامر. وقد ضمّ الكتاب 40 مادة نقدية من ضمنها المقدمة التي تُبيّن طبيعة الكتاب والهدف من إصداره. ولو شئنا الدِقة لقلنا إن هناك 9 مقالات عن روايات عربية و30 مقالة عن روايات عراقية بضمنها دراسات نقدية عن الوصف وتمثلاته، والحكاية الإطارية، والتبئير الفلسفي، وسرد الذات، وشعرية الماء وما إلى ذلك.
تتأسس فكرة الكتاب برمته على مشاكسة التاريخ الرسمي بوصفه سجّلاً مُزيّفاً للطغاة والمستبدين والمنتصرين، والتركيز على معاناة المهزومين والمسحوقين والمقهورين. وقبل أن يلج المؤلف إلى دراساته النقدية التطبيقية يُذكِّرنا بعدد من كُتاب الرواية التاريخية العالمية أمثال والتر سكوت وألكسندر دوما وسرفانتس، ثم يعرِّج على جُرجي زيدان والمويلحي وأبي الثناء الآلوسي لكن تركيزه انصبّ على زيدان الذي أعطى الأولوية للتاريخ على حساب الفن، أي أنه جعل الفن خادماً للتاريخ وليس العكس.
وعلى الرغم من الفرق الهائل بين المؤرخ والروائي، فإن المفكر الفرنسي بول ريكور اعتبر التاريخ سرداً. ومع ذلك فإن خطاب السلطة يتجلى في التاريخ الرسمي، بينما تتجلى سلطة الخطاب في الرواية التي يكتبها المبدعون الذين ينتصرون للتواريخ المهمشة والمُبعَدة والمُقصاة. ولهذا عدّ إنجلز «روايات بلزاك أكثر صدقية وموضوعية من التاريخ الرسمي المدوَّن».
تتمحور الدراسات الخمس الأولى على تاريخ الأندلس بشكل عام، حيث يتم استدعاء غرناطة أو بقية المدن الأندلسية الأخرى من رحم التاريخ. فقد كتب أمين معلوف رواية «ليون الأفريقي» ولعل أهم ما في هذه الرواية أن بطلها رفض الانتساب إلى أي من الهويات القومية أو الدينية أو الوطنية أو الإقليمية أو الثقافية. وهذا الموقف المتسامح سوف يتجلى في رواية «البيت الأندلسي» لواسيني الأعرج، فالعمّ مراد باسطا يعترف لماسكا بكل صراحة وأريحية: «إلى اليوم لا أعرف إذا كان جدي مسيحياً أم مسلماً، ولم أسأل أحداً لأتأكد من ذلك».
وفي إطار هذا التسامح يمكن أن نضع رواية «أوراق معبد الكتبا» للأردني هاشم غرايبة الذي أفاد من تاريخ مملكة الأنباط، وقدّم البتراء كمدينة متسامحة أيضاً. أما الروائي العراقي جابر خليفة جابر فقد استدعى التاريخ الأندلسي في «مخيم المواركة» التي اعتبرها ثامر «رواية استثنائية في السرد لخصوصيتها الميتاسردية»، بينما كشف ربيع جابر في «رحلة الغرناطي» عن قدرته على تشكيل عالمه السردي التخييلي من دون أن يتوسل بالتاريخ أو يتكئ عليه. وهذا الأمر ينطبق على «ثلاثية غرناطة» للمصرية رضوى عاشور التي تذكّرنا برواية الأجيال كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ.
تناول الناقد فاضل ثامر روايات عربية أخرى مستوحاة من التاريخ ولعلها مُستنطِقة له كما في رواية «رواق البغدادية» للمصري أسامة السعيد، وهي رواية تتمحور على الإنسان المقهور الرافض للاستسلام، خصوصاً المرأة التي تمتلك صوتاً عالياً في هذا النص الروائي المحرِّض ضد العبودية والاستغلال.
وقد أفاد ثامر من ثنائية «الوعي القائم» و«الوعي الممكن» للناقد لوسيان غولدمان، وطبّقها على كثير من الروايات العراقية والعربية باعتبار الأول وعياً سكونياً ومتخلفاً، والثاني باعتباره وعياً متمرداً ورافضاً و«ثورياً» في بعض الأحيان.
تعتبر خماسية «مدن الملح» و«ثلاثية أرض السواد» لعبد الرحمن منيف من روايات الأجيال، لكن المؤلف وقف ضد مفهوم البطولة الفردية مستعيضاً عنها بمفهوم البطولة الجماعية. ويرى ثامر أن صاحب الخماسيّة قدّم درساً للكُتاب العرب في كيفية استنطاق وقراءة وفهم التاريخ القديم والحديث لكنه عابَ عليه تجميل صورة داود باشا، لأن الاحتلال العثماني كان يعامل العراقيين كرعايا وليس كمواطنين. أما روايتا «الخبز الحافي» و«الشُطّار» لمحمد شكري اللتان عدّهما البعض «أدباً مكشوفاً»، أو «بورنوغرافياً»، فهُما أقرب إلى أدب الصعلكة منهما إلى أدب الشطّار والعيّارين، كما يرى ثامر.
وفيما يتعلق برواية «جنوب غرب طروادة - جنوب شرق قرطاجة» لإبراهيم الكوني فهي بنظر ثامر «موسوعة تاريخية وحربية وثقافية» يتنازع فيها التاريخي والسردي، وإن بدا الأول ضاغطاً على الثاني ومُضيّقاً عليه الخناق.
وقد قرأ الناقد هذه الرواية من خلال ثنائية «النيئ والمطبوخ» لكلود ليفي شتراوس.
تكشف رواية «ظلمة يائيل» لليمني محمد الغربي عمران عن بنية ميتاسردية، شأنها شأن الروايات السابقة التي يتجاور فيها التاريخي مع السردي، وقد حضرت المخطوطة كدلالة ميتاسردية في الخطاب الروائي.
أما بخصوص الرواية العراقية، فيرى الناقد أنها تعالقت مع التاريخ، وأفادت منه، فـ«الوليمة العارية» لعلي بدر تنهل من التاريخ وتستقطر ما تراه منسجماً مع وجهة نظر المؤلف الذي سخر من الزهاوي لأنه كان يتقلّب في مديحه من العثمانيين إلى الإنجليز، ولعله اجترح هذه الشخصية متأثراً بقراءاته العميقة لكتابات علي الوردي فيما يتعلق بالشخصية العراقية المزدوجة، لكنه نجح، في خاتمة المطاف، بتصوير معاناة الشعب العراقي في ظل الاحتلالين المقيتين للعراق. أما رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، فقد أثارت جدلاً واسعاً لأنها فازت بجائزة البوكر العربية، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر مان وكانت مرشحة للفوز، لكن الروائية البولندية أولغا توكارتشوك وقفت حائلاً أمام وصوله إلى هذه الجائزة العالمية المُعتبرَة.
وقد نجح فاضل ثامر في الإشارة إلى التعالق النصي بينها وبين رواية «فرانكشتاين» لميري شيلي، التي وصفها كنصٍّ غائب أو مرجعي أو موازٍ لنص أحمد سعداوي الذي اعتمد على مفهوم التناص وامتصاص الفكرة الأساسية، وكتابة نص جديد تمثّله جيداً و«شغّله» مثلما شغّل برناردشو «بجماليون»، لكن الناقد رأى في رواية سعداوي نصاً غروتسكياً غير أن بطله المركزي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وخلص إلى القول إن «من حق المبدع إعادة إنتاج الأنماط والنماذج البدائية المركبة».
ثمة روايات عراقية سلّطت الضوء على الشريحة المسيحية العراقية، مثل «جثث بلا أسماء» لإسماعيل سكران، و«سابرجيون» لعامر حمزة، و«طشّاري» لإنعام كجه جي. وبالمقابل لم تنل بعض المواقف الفكرية للروائيين العراقيين رضا الناقد فاضل ثامر، مثل «مقامات إسماعيل الذبيح» لعبد الخالق الركابي، و«صيد البط البري» لمحمود سعيد، و«رماد الممالك» لعبّاس لطيف وغيرها من الروايات التي لم تغادر «الوعي القائم» وتصل إلى «الوعي الممكن» الذي يحرض على التاريخ الرسمي ومَنْ يمثله من حُكام ومتجبرين.
ركزت بعض الدراسات على أنماط الحكاية الإطارية، كما التفتت دراسات أخرى إلى الوصف، والتبئير، وشعرية الماء، ولعل أبرز ما فيها رواية «الصليب حلب بن غريبة» لفهد الأسدي الذي كرّس نفسه للهور على الرغم من أن هذه الرواية تنتمي إلى الواقعية النقدية، وأن بطلها ينتقم من كل المظالم التي يتعرض لها الإنسان المسحوق عبر التاريخ. وفي الختام لا بد من القول إن هذا الكتاب يشكِّل إضافة نوعية للتعالق الإيجابي بين التاريخ والسرد بأشكاله المتعددة.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.