تل أبيب: تدمير أنفاق «حزب الله» سيستمر طويلاً وقد ينتقل إلى الأراضي اللبنانية

قالت إنه لا يوجد نفق جاهز ولكن أحد الأنفاق اخترق إسرائيل 40 متراً

آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
TT

تل أبيب: تدمير أنفاق «حزب الله» سيستمر طويلاً وقد ينتقل إلى الأراضي اللبنانية

آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)
آلية عسكرية إسرائيلية تعمل قرب الجدار على الحدود مع لبنان بعد الإعلان عن اكتشاف الأنفاق (أ.ف.ب) - دورية لقوات اليونيفيل قرب بلدة كفر كلا الحدودية اللبنانية (رويترز)

بعد ساعات من انطلاق العملية الإسرائيلية العسكرية على الحدود اللبنانية واكتشاف نفق في منطقة المطلة في أقصى الشمال، أعلن الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، رونين منيليس، بعد ظهر أمس (الثلاثاء)، أن عملية «درع شمالي»، ستستمر أسابيع طويلة، وقد تنتقل إلى الأراضي اللبنانية، في حال رد عليها «حزب الله».
وقال إن الجيش الإسرائيلي انطلق في عملية كبيرة لتدمير الأنفاق جميعها، بما في ذلك الأنفاق التي وصلت إلى الأراضي الإسرائيلية أو اللبنانية، لأنه يرى فيها «إجراء حربياً هجومياً عدوانياً».
وكان الجيش الإسرائيلي قد باشر عمليته في الساعات الأولى من فجر أمس، بموجب قرار اتخذه الكابينيت (المجلس الوزاري الأمني المصغر في الحكومة الإسرائيلية)، يوم الأربعاء الماضي، بناء على معلومات استخبارية تم تجميعها خلال 4 سنوات ماضية. وحسب تقارير الاستخبارات العسكرية، فإن «حزب الله» بدأ في مسار حفر الأنفاق بسرية مطلقة وبجهود شبه مستحيلة. فالحفر في الحدود مع لبنان صعب ومعقد، إذ إنها أرض صخرية قاسية، وليست مثل الأرض الرملية في قطاع غزة. وقال مسؤول المخابرات إن أحداً لم يصدق في البداية أن «حزب الله» سيقدم على حفر الأنفاق. ولكن المعلومات أخذت تتراكم عن هذا الحفر. والمواطنون الإسرائيليون في البلدات القريبة من الحدود شكوا طيلة السنوات الأخيرة من سماع زنين الحفر تحت الأرض.
وجاء البحث حول الموضوع في أجواء سياسية معقدة في إسرائيل، إذ إن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يكثر من تصريحات استعراض القوة، وكلما اقترب موعد تقديم لوائح الاتهام ضده في قضايا الفساد الثلاث، ترتفع تهديداته أكثر، على أمل أن تغطي إعلامياً على محاكمته. ومن جهته، يريد الجيش وضع حد لحفر الأنفاق، وهو ليس معنياً بخوض حرب كبيرة؛ خصوصاً تحت قيادة «رئيس حكومة متورط في القضاء ولديه حسابات قوية».
وقد سئل الناطق بلسان الجيش في هذا الموضوع، أمس، فرد قائلا: «كثيرون يرون أن توقيت العملية مرتبط بتوصية الشرطة بمحاكمة رئيس الحكومة بشبهات فساد، لكن الحقيقة مغايرة.
التوقيت اختير منذ فترة. قرار الحفاظ على سرية العملية العسكرية كان هدفه مفاجأة «حزب الله»، وتوقيت تنفيذها جاء بعد أن أثمرت الظروف الاستخباراتية والتكنولوجية وبعدما علمنا أن الأنفاق تتوغل إلى الأراضي الإسرائيلية. وهذه ليست عملية عسكرية تمت المصادقة عليها ليلة أمس، بل نتدارس الأمور حولها منذ سنوات». وتابع: «خرجنا إلى هذه العملية ونحن نعلم مسبقاً ماذا بنى (حزب الله) وأنه لا يوجد نفق جاهز للعمل، وأنه لا يوجد تهديد (تحت أرضي) داهم تجاه إسرائيل. وهذا مشروع يصنفه (حزب الله) بأنه سري، وقلائل فقط في الحزب يعلمون بشأنه. وأردنا أن يعرف (حزب الله) واللبنانيون أجمعون أننا نعرف ماذا يفعلون».

- تقدير: «حزب الله لن يرد»
وتفيد مصادر سياسية بأن نتنياهو اهتم كثيراً بمعرفة تبعات مثل هذه العملية قبل الموافقة على تنفيذها، فهل يمكن أن يرد عليها «حزب الله» وتنشب الحرب؟ وإذا نشبت، فكيف سيكون أثرها على الناس؟ وكانت الإجابة بأن التقديرات الاستخبارية هي أن «حزب الله» لن يرد عليها، طالما أن الجيش الإسرائيلي يعمل في الجهة الإسرائيلية من الحدود؛ لأنه ليس معنياً بالحرب وعلى ما يبدو فإنه ليس جاهزاً لها. وكما قال الجنرال يوسي بيلد، القائد الأسبق للواء الشمالي في الجيش الإسرائيلي، فإنه «في الشرق الأوسط ممنوع التكهن بشيء. ومع ذلك فإن من سمع حسن نصر الله بعد حرب 2006 وهو يقول لو كنت أعرف كيف ستتطور الأمور لما قمنا بالعملية، يدرك أنه لن يسارع إلى الحرب». ولكن الجيش الإسرائيلي يمضي في العملية، وهو يدرك أنه في نهاية المطاف أنه سيدخل الأراضي اللبنانية إذا أراد تدمير كل الأنفاق. وهناك يمكن أن تتدهور الأمور. فقد يرى «حزب الله» أنه من المهين ألا يرد، وقد يكون رده بعملية جريئة ضد القوات الإسرائيلية المهاجمة. وعندها تزداد احتمالات التدهور الحربي.
وعلى صعيد العملية التي بدأها الجيش الإسرائيلي، أمس، فقد أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي عن «اكتشاف أحد الأنفاق، وقد تقدم فيه العمل لدرجة أنه يحتوي على أجهزة تهوية وإضاءة، وهو بارتفاع يمكّن إنساناً منتصباً من السير فيه». وينطلق النفق من منطقة قرية كفركلا اللبنانية ويتجاوز الحدود مع إسرائيل إلى الجليل 40 متراً. وقام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، بجولة عند الحدود، بعد ظهر أمس، وقاد اجتماعاً عسكرياً لتقييم الوضع. وبالتوازي عقد نتنياهو اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، ليستعرض الجيش الإسرائيلي خلاله تقارير حول عملية «درع شمالي».

- تشكيك الكابينيت
ومن جهة ثانية، شكك أعضاء في مجلس الكابينيت بأهمية ما وصفها الجيش الإسرائيلي بـ«عملية عسكرية»، باسم «درع شمالي»، وقالوا لإذاعة الجيش الإسرائيلية، أمس، إن نتنياهو، يحاول تصوير وضع دراماتيكي غير موجود، خاصة أن الحديث يدور عن نشاط عسكري ينفذه سلاح الهندسة بالأساس، للكشف عن أنفاق داخل الأراضي الإسرائيلية. ورغم ذلك، فإن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، رونين منيليس، لم يستبعد حدوث تصعيد في سيناريوهات معينة. ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن أحد وزراء الكابينيت، قوله، إن «نتنياهو، كالعادة، يمنعنا من التحدث إلى وسائل الإعلام ويريد أن ينسب المجد كله لنفسه. وهذا مهين». وتوقع قائد الجبهة الشمالية الأسبق في الجيش الإسرائيلي، عميرام ليفين، أن يكون احتمال تدهور عملية «درع شمالي» ضئيلاً جدا، معتبرا أن «هدف (حزب الله) هو السيطرة على لبنان، وبالنسبة له فإن عملية عسكرية ينفذها الجيش الإسرائيلي ضده هي كارثة يمكن أن تنهيه». وانتقد ليفين حكومة نتنياهو لأنها «لم تول اهتماماً كافياً للجبهة الشمالية. وخلافاً لما يستعرضه نتنياهو، فإن الجيش الإيراني ضعيف ومتخلف. وقد فتحت (إيران) جبهة ضدنا بواسطة (حزب الله)، وينبغي مواجهتهم».

- تحفظ إعلامي على كلمة «عملية»
وكتب مراسل «شركة الأخبار» (القناة الإسرائيلية الثانية سابقاً) في شمال البلاد، مناحيم هوروفيتس، في «تويتر»، أن «كلمة عملية (عسكرية) تغضبني. فهذه تدخل الناس في حالة هلع دون سبب. ولا يحدث شيئاً في الأراضي اللبنانية، وبإمكان سكان الشمال مواصلة حياة هانئة بشكل كامل».
وينسجم ذلك مع تعليمات الجيش الإسرائيلي، الذي طالب الجبهة الداخلية بمواصلة الحياة الاعتيادية، ولم يعلن عن أي إجراءات طوارئ، ولم يتم إلغاء الدوام الدراسي أو وقف عمل المؤسسات العامة. وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن ما وصفه بـ«عملية عسكرية»، هو نشاط ينفذه سلاح الهندسة، في منطقة المطلة الحدودية حالياً، وداخل الأراضي الإسرائيلية، وستتسع باتجاه مناطق أخرى على طول الحدود، بهدف الكشف عن أنفاق تتوغل من لبنان إلى شمال البلاد، وتدمير أجزائها في شمال البلاد فقط وليس في الأراضي اللبنانية. لكن في هذه الأثناء تم الإعلان عن منطقة المطلة، أنها منطقة عسكرية مغلقة.
وأشار المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، إلى أن هذه العملية هي الخلفية لزيارة نتنياهو الخاطفة إلى بروكسل، للقاء وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو. لكن هرئيل بدا متحفظاً من الحالة الدراماتيكية التي تحاول إسرائيل تصويرها، ورأى أن وصف النشاط العسكري الحالي مبالغ فيه. إسرائيل تعمل داخل أراضيها، وهذا نشاط دفاعي شرعي، من أجل إحباط استعدادات هجومية أجراها (حزب الله) لخطوات مستقبلية ضد إسرائيل». وأضاف هرئيل أن العملية العسكرية الحالية «تسلب من (حزب الله) ورقة هجومية هامة، احتفظ بها الحزب لاستخدامها في حال نشوب حرب.
ونقلت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي عن مصدر مطلع على المداولات في الكابينيت قوله إن الجيش الإسرائيلي قدّر أنه بالإمكان احتواء الحدث من دون أن يكون هناك رد فعل عسكري من جانب «حزب الله» وحدوث تصعيد، لكنه أضاف أنه ينبغي الاستعداد لاحتمال التصعيد في جميع الأحوال.
من جانبه، قال رئيس كتلة «المعسكر الصهيوني» وعضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يوئيل حسون، إن «المعارضة تطالب بأجوبة. هل هذه عملية (درع شمالي) أم عملية درع (حماية) نتنياهو؟» في إشارة إلى توصية الشرطة الإسرائيلية بتقديم نتنياهو للمحاكمة بشبهات.
وذكرت القناة العاشرة، أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أوعزت لسفرائها في أنحاء العالم بتمرير رسالة إلى المستويات العليا في الدول التي يخدمون فيها، مفادها أن عملية الجيش الإسرائيلي عند الحدود مع لبنان «ضد أنفاق (حزب الله)، وهي دفاعية وتجري إلى الجنوب من الحدود، وأن إسرائيل ليست معنية بالتصعيد».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.