المثقفون الإيرانيون والغرب.. ازدواجية «نحن» و«هم»

بوروجردي يتناول العلاقة بين الطرفين منذ الثورة الإيرانية

المؤلف: مهرزاد بوروجردي
المؤلف: مهرزاد بوروجردي
TT

المثقفون الإيرانيون والغرب.. ازدواجية «نحن» و«هم»

المؤلف: مهرزاد بوروجردي
المؤلف: مهرزاد بوروجردي

المثقفون من الطبقة الوسطى الذين شهدوا الانفلات الاجتماعي في المجتمع استخدموا النزعة المحلية كسلاح، بينما استغله العديدي الكثير من المثقفين المنتمين إلى السلطة لتكريس هيمنتها وتسويغها.
يعد كتاب «المثقفون الإيرانيون والغرب: المصير الفاشل للنزعة المحلية» لمهرزاد بوروجردي، الذي ترجمه جمشيد شيرازي، وصدرت حديثا طبعته السادسة، من الإنتاجات الأولى التي تتناول قضية المثقفين الذين قاموا بأداء دور فاعل في الحياة الفكرية والمعرفية في إيران خلال نصف القرن الأخير، والذين تأثروا بالثقافة الغربية.
والكتاب، الذي أصدرته دار فرزان للنشر، هو أساسا أطروحة دكتوراه للمؤلف الذي يتولى حاليا منصب الأستاذ المساعد في جامعة سيراكيوز بولاية نيويورك، وصدر الكتاب لأول مرة باللغة الإنجليزية في 1996. وصدر في إيران باللغة الفارسية 1998.
والسؤال الأهم الذي يطرحه بوروجردي في الكتاب هو كيفية مقاربة الثورة الإسلامية في 1979. وهو يرى أن المحللين الذين يتناولون هذه الثورة ينتمون إلى تيارين أساسيين، إذ يعتقد التيار الأول أن «قيام الثورة كانت نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية ساهمت في عملية تنموية متسارعة وغير متوازنة». وأما التيار الثاني فيرى بأن «العوامل الثقافية، والطموحات الشعبية خاصة نمو مضطرد للإسلام السياسي، ويأس الإيرانيين من الغرب دفعهم للبحث عن هوية ثقافية جديدة».
ولا يسعى بوروجردي إلى البحث عن نقاط مشتركة بين هذين التيارين، بل يحاول أن يمهد الطريق لهما للتفاوض وذلك من خلال إظهار النواقص التي يعاني كل تيار على حده. وليحقق ذلك، يراجع الدور الذي لعبه المثقفون من فترة الأربعينات حتى السبعينات، وكذلك يسعى إلى مراجعة «تأثير الثقافة والحضارة الغربية، والإرث الإيراني قبل الإسلام، وتقييم المثقفين عنهما».
والدراسات التي يتناولها بوروجردي تقوم على مفاهيم «الغيرية»، و«الاستشراق»، و«الاستشراق المقلوب»، و«المحلية». وتستند عملية إعادة بناء الهوية التي يسعى إليها إلى نظريات مفكرين عدة مثل ميشال فوكو، الفيلسوف الفرنسي، والمفكرين، الفلسطيني إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني، والسوري صادق جلال العظم. ويستنتج الكاتب أن النظرة المزدوجة التي يتبناها المثقفون الإيرانيون تقوم على أساس النظرة المختلفة للشرق والغرب لمفهوم تعريف الكون.
ويقول بوروجردي أن المثقفين الإيرانيين ورثوا ازدواجية النظرة هذه من المستشرقين الغربيين.
ومن المعروف، إن فوكو وإدوارد سعيد أظهرا أن الغرب اعتمد خطاب الاختلاف واستخدم أداة الاستشراق للهيمنة على الشرق بهدف معرفة الذات، وكسب الهوية، بينما يرى بوروجردي أن الاستشراق المقلوب هو خطاب يعتمده المثقفون والقيادات السياسية في الشرق لتكوين الهوية الحقيقية. ويستخدم هذا الأسلوب من صناعات الهوية بهدف إبطال مفعول الرواية الغربية عن الشرق. ولا يتطرق الاستشراق المقلوب إلى تفاصيل نظرية الاستشراق فحسب بل ينتزع الكثير من أسس معرفة العالم ومعرفة الذات من نظرية الاستشراق.
ويستنتج المؤلف بعد تبيين المفهومين المذكورين أن «الاستشراق المقلوب بين السياسيين والمثقفين في العالم الثالث يدل على الحضور اللافت والشامل والمغري للنزعة المحلية». والحقيقة، أن الكتاب يتمحور حول ملامح هذه النزعة المحلية. فهو يقول: «إن النزعة المحلية تنبثق من التعاليم التي تتطلب استمرار التقاليد والمعتقدات والقيم الثقافية المحلية، وعن معتقدات عميقة تدعو إلى الصمود أمام ثقافة الآخرين، وتقدير الهوية القومية الأصيلة للفرد، والتشبث بأمل العودة إلى التقاليد الثقافية المحلية».
ويعتقد بوروجردي أن المثقفين من الطبقة الوسطى الذين شهدوا الانفلات الاجتماعي في المجتمع استخدموا النزعة المحلية كسلاح، بينما استغله العديدي الكثير من المثقفين المنتمين إلى السلطة لتكريس هيمنتها وتسويغها.
في الفصل الثاني من الكتاب يتطرق بوروجردي إلى تبيين مكانة ومهام المثقفين، فالمثقفون في الشرق الأوسط حاليا يقدمون، كما يقول، قراءات حول عوامل التغيير والتطور، وتحليلات حول مسار الأحداث والتقلبات العالمية التي تؤثر على مجتمعاتهم. وهنا يصنف الكاتب المثقفين إلى فئتين: أصحاب الرأي الملتزمون، والخبراء التقنيون والإداريون. وفيما يخص إيران، يعتقد المؤلف أن هناك كثيرا من المثقفين ينتمون إلى الفئة الأولى، لكن عدد الذين ينتمون إلى الفئة الثانية قليل جدا للأسباب التالية: عدم التحدث بلغتين، وعدم امتلاك الثقافة المزدوجة، وتأخر المثقفين الإيرانيين في التعرف على الفلسفة الغربية، وضعفهم في نشر الفكر التنويري، وأخيرا التأخر في ترجمة الأعمال الأوروبية المختلفة.
ويتناول الفصل التالي من الكتاب خطاب المستغربين الذي انطلق بنشر كتاب «الاستغراب» المثير للجدل لجلال آل أحمد بعد الحرب العالمية الثانية في إيران، ويشير هنا إلى آراء فخر الدين شادمان، وأحمد فرديد، وجلال آل أحمد.
ويعود سبب اختيار بوروجردي لآراء الكتاب المذكورين لكونهم أصحاب آراء متميزة بشأن خطاب الاستغراب، والاستشراق، ومعرفة الغرب، وهم يمثلون الآراء، والانتماءات السياسية المختلفة. ويمكن اعتبار آراء هؤلاء الكتاب بأنها تدل على النظرة السائدة للمثقفين الإيرانيين بشأن التعامل مع الغرب في الخمسينات حتى السبعينات.
ويشير الفصل الرابع والخامس إلى أن ما حدث في إيران عام 1979 كان أكثر تعقيدا من نظريات منظري الحداثة. ويراجع هذا القسم من الكتاب الآراء، والأعمال، والمشاريع السياسية لرجال الدين والمثقفين الدينيين، ويستنتج بأن الطبقة الدينية الشعبية اتسعت خلال هذه الفترة، حيث كانت أكثر إبداعا، وشعبية من نظيرتها غير الدينية. فقد اتخذت الطبقة الدينية الشعبية من تسييس الإسلام نهجا لها، واعتمدته كأحد الأركان الرئيسية لأنشطتها السياسية، فتحول الإسلام السياسي إلى آيديولوجية روجت لفكرة إلى الترويج لهذه الفكرة بأن الغرب، خارجيا، والقوى غير الدينية، داخليا، هي غريبة عن الشعب ومعادية له..
ويعزو بوروجردي أسباب وصول رجال الدين إلى السلطة في فبراير (شباط) 1979 إلى التفوق في أمور كثيرة منها «الاستقلالية المالية عن السلطة، وشبكات التواصل القوية، ووجود وعاظ يتمتعون بالخبرة، وكثرة المراكز القانونية لعقد الاجتماعات (المساجد، والحوزات الدينية، والنقابات الإسلامية، والمؤسسات الخيرية)، واحتفالات دينية كثيرة، والتمتع بأساطير وشخصيات تاريخية، والشعارات الشعبوية، ودعم أصحاب البازار المالي، والقيادة المركزية، وامتلاك مشروع عمل سياسي، والمساندة الحكومية من أجل مواجهة القوى اليسارية».
ويقول بوروجردي إن «المثقفين الدينيين واجهوا ثلاثة تحديات مهمة وهي: «المنافسة مع آراء المثقفين حول المجتمع والحداثة، وكيفية التعامل مع رجال الدين في إعادة قراءة المصادر والإرث الديني، ومواجهة الأهداف الغربية المختلفة»، وكذلك ظهر مثقفون من أصحاب النظرة غير الدينية مثل أبو الحسن جليلي، ومحمد علي إسلامي ندوشن، وجمشيد بهنام، وحميد عنايت، وإحسان نراقي، وداريوش شايغان، الذين أجروا دراسات حول قضية التصادم بين الشرق والغرب، وقدموا حلولا بشأن المشاكل الناجمة عن هذا التعارض بينهما.
ويحاول بوروجردي في النهاية أن يقدم إجابة على هيمنة ازدواجية الرأي في نظرة المثقفين الإيرانيين للغرب، هذه الازدواجية التي تفصل بين «نحن» و«هم»، غير أن إجابة المؤلف تبقى مستترة في خفايا ازدواجية الشرق والغرب، وتضاد التقليد والحداثة، والنزعة المحلية والاستشراق.

* اعداد«الشرق الأوسط» فارسي {شرق بارسي}



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.