ضامنو «آستانة» يتحدثون عن تقدم بـ«الدستورية»... ودي ميستورا يأسف لـ«إضاعة فرصة»

موسكو ملتزمة باتفاق إدلب وتعارض تلويح النظام بخطوات عسكرية

الجلسة الختامية لاجتماع {آستانة} امس (رويترز)
الجلسة الختامية لاجتماع {آستانة} امس (رويترز)
TT

ضامنو «آستانة» يتحدثون عن تقدم بـ«الدستورية»... ودي ميستورا يأسف لـ«إضاعة فرصة»

الجلسة الختامية لاجتماع {آستانة} امس (رويترز)
الجلسة الختامية لاجتماع {آستانة} امس (رويترز)

اختتمت أمس، في العاصمة الكازاخية أعمال جولة المفاوضات الـ11 باتفاق البلدان الضامنة مسار أستانة على مواصلة الجهود لتنفيذ اتفاق إدلب حول إقامة منطقة منزوعة السلاح، واستكمال «فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين».
وأكدت روسيا أنه «لا تحضيرات لعملية عسكرية في إدلب»، لكنها لوحت بـ«رد قوي على أي أعمال استفزازية من جانب المتشددين». وقالت إنها تنسق خطواتها مع أنقرة. وبرز تطور طفيف في ملف تشكيل اللجنة الدستورية، قوبل بفتور من جانب المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الذي أعرب عن أسفه لأن «عدم تحقيق تقدم ملموس أضاع فرصة مهمة للسوريين».
وأصدرت الدول الراعية مسار أستانة (روسيا وتركيا وإيران) بيانا ختاميا كرر في بنوده الأولى تأكيد احترام سيادة وسلامة الأراضي السورية، وضرورة الالتزام بحل سياسي يقوم على أساس القرار الدولي 2254. وانتقد بقوة تحركات الولايات المتحدة في سوريا من دون أن يحددها بالاسم، إذ نص على بند يؤكد «رفض إقامة أي شكل من أشكال الأمر الواقع الجديد على الأرض تحت ذريعة محاربة الإرهاب» وزاد أن الأطراف الثلاثة «أكدت» عزمها الحاسم على مواجهة الخطط الانفصالية الموجهة إلى تقويض سيادة ووحدة سوريا وتهديد أمن البلدان المجاورة». ودعت الدول الضامنة في البيان الختامي كل فصائل المعارضة المسلحة في سوريا للانفصال عن تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» مؤكدة التزامها بتنفيذ الاتفاقيات حول إدلب ومواصلة مكافحة الإرهاب.
وتطرق البيان إلى ملفات ظلت مستعصية طويلا، إذ أكد أهمية مواصلة العمل لإنجاح جهود تسوية ملف المعتقلين والأسرى وتحقيق تقدم على صعيد تبادل المحتجزين.
وأكد البيان عزم الأطراف مواصلة العمل لإنجاز ملف تشكيل اللجنة الدستورية وكان لافتا أنه أكد على ضرورة «توسيع الجهود المشتركة لإطلاق عمل اللجنة الدستورية في جنيف، وبشكل تدعمه الأطراف السورية» وهي الصياغة التي لا ترضي دمشق التي عارضت منذ إطلاق العمل حول «الدستورية» مسألة وضعها تحت إشراف الأمم المتحدة.
وأضافت الدول الضامنة في البيان «ضرورة مواصلة الجهود لمساعدة السوريين في استعادة الحياة الطبيعية والآمنة والتخفيف من معاناتهم. وفي هذا السياق نناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة زيادة المساعدات الإنسانية وإعادة بناء مرافق البنية التحتية. ونؤكد أهمية تهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين السوريين لأماكن إقامتهم. كما نؤكد استعدادنا لمواصلة التعاون مع الأطراف المعنية، بما فيها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمات المتخصصة الأخرى في سياق مساندة الإعداد والدعوة لمؤتمر دولي بشأن عودة اللاجئين».
وأدان البيان المشترك استخدام أسلحة كيماوية في سوريا، مطالبا منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، باعتبارها الهيئة الدولية المختصة بإجراء تحقيق في ذلك.
وحدد البيان نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل موعدا لعقد جولة جديدة من المفاوضات في أستانة.
وأعلن مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، في مؤتمر صحافي ختامي أن العمل على تشكيل اللجنة الدستورية «قريب من النهاية»، موضحا أن «تشكيل اللجنة الدستورية مسألة ذات أهمية كبيرة. ولا يزال العمل عليه مستمرا، ونقترب من الهدف المرغوب فيه، وهو تشكيل ثلثها من المجتمع المدني، وبعد ذلك سيكون من الممكن الحديث حول تشكيل اللجنة الدستورية التي تضم 150 شخصا». وأكد أن روسيا تعتبر نتائج الجولة الحالية لمحادثات أستانة ناجحة.
وزاد أن الأطراف «ناقشت مجموعة كبيرة للغاية من المسائل ابتداء من الوضع على الأرض وحول إدلب وفي المناطق السورية الأخرى، والوضع العام فيما يخص الاستقرار» وأكد استعداد روسيا لـ«مساعدة المعارضة السورية المعتدلة في القضاء على مسلحي جبهة النصرة».
وأشار إلى أن مكافحة الإرهاب لا تزال مسألة حيوية بالنسبة لسوريا، قائلا إن «استمرار تواجد مسلحي جبهة النصرة في منطقة خفض التصعيد في إدلب أمر غير مقبول، ويبلغ عدد هؤلاء المسلحين نحو 15 ألف شخص. هذا ما تعترف به المعارضة السورية المسلحة».
وردا على سؤال حول الموقف من التحركات الأميركية في شمال وشرق سوريا، عبر لافرينتيف عن اعتقاد بأن «الأعمال الأميركية قد تؤدي إلى تقسيم سوريا».
مشددا على أن موسكو تؤيد مشاركة كل الأطراف السورية، بما في ذلك الأكراد في التسوية السياسية.
ولفت لافرينتيف إلى أن روسيا «تحاول إقناع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بضرورة إجراء تحقيق شامل في حادث قصف حلب باستخدام ذخائر سامة».
وبرز تباين في لهجة المبعوث الرئاسي الروسي حول الوضع في إدلب والوجود التركي في سوريا مع اللهجة التي تحدث بها رئيس وفد الحكومة السورية بشار الجعفري، الذي لوح بتحرك عسكري سوري لمواجهة تركيا، وقال إن دمشق «ستقوم بخطوات إذا لم تسحب تركيا قواتها». وقال لافرينتيف إن «روسيا لا ترى مؤشرات لحدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين قوات الجيش السوري والقوات التركية في محافظة إدلب». وزاد أن «تركيا، كضامن لعملية أستانة، تؤكد الالتزام بمبادئ السلامة الإقليمية وسيادة واستقلال سوريا، وتؤكد لنا أن تلك الوحدات الموجودة على الأراضي السورية موجودة هناك مؤقتاً».
وكان الجعفري خصص حيزا أساسيا من مؤتمر صحافي ختامي عقده لانتقاد تحركات تركيا، واتهمها بعدم تنفيذ اتفاق المنطقة منزوعة السلاح بإدلب، مشيرا إلى أن «قصف حلب الأخير بالمواد الكيماوية كان بمساعدة خارجية».
وزاد أن عدد الجنود الأتراك حاليا في المناطق السورية يبلغ 11 ألفا، مسلحين بأسلحة ثقيلة ومتوسطة وليس بأسلحة خفيفة خلافا لاتفاق سوتشي. وزاد أن تركيا «ترعى المرتزقة الأجانب في إدلب وتقوم بتغيير معالم المناطق التي تسيطر عليها».
من جانبه، أكد رئيس وفد المعارضة السورية أحمد طعمة، أن الجولة المنتهية من المحادثات «توجت بإحراز تقدم في مسألة اللجنة الدستورية قد يشكل أساسا للمضي نحو الحل السياسي للنزاع». ولفت إلى أهمية مفاوضات أستانة، موضحا أن «ملفي اللجنة الدستورية واتفاق إدلب خرجا من رحم هذا المسار».
ووصف المفاوضات بأنها كانت «مستفيضة وجادة»، موضحا أن الطرفين تطرقا إلى أهم نقاط الساعة، وفي صدارتها الوضع في محافظة إدلب.
ورأى أن اتفاق إدلب أسهم في تحسن الوضع الأمني بالمنطقة، وقال إن المعارضة السورية تعتبره اتفاقا طويل الأمد وتعول عليه.
اللافت أن تأكيدات الأطراف على ارتياحها بسبب ما وصف بأنه تقدم على صعيد تشكيل اللجنة الدستورية قوبل بفتور من جانب دي ميستورا الذي أعرب عن خيبة أمل لأن الجولة الحالية لم تحسم هذا الملف.
وقال مبعوث الأمم المتحدة الذي يشارك للمرة الأخيرة في مفاوضات مماثلة قبل مغادرة منصبه، أن روسيا وتركيا وإيران «أخفقت في تحقيق أي تقدم ملموس في تشكيل لجنة دستورية سوريا خلال اجتماع أستانة». وأعرب عن «أسف شديد بسبب الفشل في التغلب على الجمود المستمر منذ عشرة أشهر في تشكيل اللجنة الدستورية».
ورأى أنه «كانت هذه المرة الأخيرة التي يعقد فيها اجتماع في آستانة عام 2018. ومن المؤسف بالنسبة للشعب السوري، أنها غدت فرصة ضائعة للإسراع في تشكيل لجنة دستورية ذات مصداقية ومتوازنة وشاملة يشكلها سوريون ويقودها سوريون وترعاها الأمم المتحدة».
وكانت مصادر روسية قالت إن الأطراف اقتربت كثيرا من الوصول إلى تفاهم حول الملف، وزادت أن ثمة توافقات على 142 عضوا من أعضاء اللجنة البالغ 150. ما يعني أن الخلافات ما زالت تتمحور حول أسماء 8 أشخاص فقط من مرشحي المجتمع المدني.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.