نثر الشعراء

أفادوا منه حين أخذوا عنه طواعيته وليونته واتصاله بتفاصيل الحياة

نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
TT

نثر الشعراء

نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط
نزار قباني - محمود درويش - محمد الماغوط

لطالما كانت العلاقة بين الشعر والنثر محلاً للمشاكلة والالتباس والتداخل بين الحدود والمفاهيم. صحيح أن كليهما يتخذ من اللغة مادته ونسيجه ومجاله الحيوي، ولكن الصحيح أيضاً أن لكل منهما أسلوبه وأدواته وطريقته في مقاربة المعاني. ومع أن قدامة بن جعفر قد ذهب بعيداً في تبسيط الفوارق بين التوأمين «اللدودين»، واعتبر أن الشعر هو الكلام الموزون المقفى، فإن نقاداً آخرين، وبينهم الجرجاني والقرطاجني، دحضوا هذا المفهوم الشكلي والضيق، مميزين بين الشعر والنظم، ورابطين الشعر بالتخييل والترميز والاختزال الموحي، مقابل النثر الذي تغلب عليه الإطالة والتفاسير ويخضع لضوابط العقل ومفاهيمه وأحكامه. واللافت في الأمر أن كل ما يورده «لسان العرب» من شروح لفعل «نثر» الثلاثي تقتصر على ربط النثر بالثرثرة الكلامية وبما تناثر من الأشياء، مقابل لغة الشعر التي تقوم على الصياغة الحاذقة والسبك المحكم. أما البحتري فيؤكد في بيته الشهير: «الشعر لمْحٌ تكفي إشارتهُ\ وليس بالهذْر طُوّلتْ خطبهْ»، على ربط الشعر بالتكثيف الموحي، مقابل الإطالة والإسهاب اللذين يطغيان على النصوص والخطب النثرية. إلا أن تفضيل العرب للشعر على النثر بوجه عام لا يعود لدواعٍ فنية وأسلوبية بحتة، بل لأنهم أناطوا بالأول وظائف ومهمات سياسية وعقائدية وتعبوية لم يكن النثر قادراً على تلبيتها أول الأمر.
إلا إن كانت المعادلة باتت بعد ذلك عرضة للتبدل والتغيير، ليس فقط بسبب الفرادة الإعجازية للنثر القرآني، أو قدرة الخطابة على احتلال موقعها المتقدم في التحريض الحماسي وتحريك العصبيات، بل بسبب وصول الكتابة النثرية إلى ذرى إبداعية شاهقة مع ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض التجارب الصوفية اللاحقة.
على أن افتراق النثر عن الشعر لا يظهر جلياً إلا في الموضوعات والمقاربات المتصلة بالفقه والفلسفة والتشريع والعلوم المختلفة، في حين أن الوضع يختلف مع النثر الأدبي والإبداعي تمام الاختلاف، بحيث تضيق الهوة بين جناحي اللغة إلى أبعد الحدود، ويصبحان وجهين متقاربين لجوهر جمالي واحد.
وحيث إن كليهما يشتغلان على مسرح لغوي مشترك، فلا غرابة أن يدخل الشعر في صُلب ما هو نثري، أو ما كان يُظن أنه نثري بالكامل، كالفلسفة على سبيل المثال، فتبدو نصوص نيتشه وباشلار الفلسفية، كما شذرات سيوران النثرية، مشبعة بالتخييل الاستعاري وقادرة على إدهاشنا بالقدر نفسه الذي يفعله الشعر الحقيقي والعظيم.
كما أن الشعر أفاد من النثر أعظم الإفادة حين أخذ عنه طواعيته وليونته واتصاله الوثيق بتفاصيل الحياة وجزئيات الواقع الملموسة. وإذا كان الشعر يمتاز عن النثر في بنائه الاختزالي وصوره الآسرة وجرسه الإيقاعي الباعث على النشوة وطرب النفس، فإن النثر بتخففه من ثقل القيود وأوزار الأوزان والقواعد التأليفية المرهقة، استطاع أن يفيد من الحرية القصوى الممنوحة له، وأن يستخدم كل ما يلزمه من مفردات المعاجم، وأن ينفذ إلى الجحور الصغيرة للأفكار والمعاني، دون أن يعترض طريقه أي عائق يُذكر. هكذا بدا في كل نثر حقيقي شيء من كهرباء الشعر وعصبه وتوتره، وفي كل شعر حقيقي بعض من رشاقة النثر وتلقائيته وانسيابه.
وهو ما عبر عنه أبو حيان بقوله «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه النثر، ونثر كأنه النظم». وبعده بقرون عدة أعلن غوته، كبير الشعراء الألمان، أن «ما يُحدث أعمق الانطباع، وما يؤثر على معنوياتنا بكثير من الفعالية في أي عمل شعري، هو ما يتبقى من الشعر بعد نقله إلى النثر».
ليس مصطلح «النص المفتوح» بهذا المعنى سوى تأكيد إضافي على تداخل الأنواع الأدبية وتكاملها، حيث يمكن للكاتب في آن واحد أن يحلق في فضاءات الشعر وعوالمه الباذخة، بقدر ما يمكنه أن يفيد من الإمكانات الشاسعة والمتنوعة للمسرحة والقص ووجوه السرد. كما أن مصطلح «قصيدة النثر» من جهة أخرى، هو التعبير الأمثل عن زواج الشعر والنثر، وعن الإمكانات الشعرية الهائلة التي يختزنها هذا الأخير بين تضاعيفه وفي نسيج تعابيره وسياقاته.
ولأن كل نص نثري أدبي يحمل في داخله «لوثة» الشعر وبذوره ومادته الخام، فإن النثر يبدو بمثابة الممر شبه الإجباري الذي يعبر منه الشعراء نحو الشعر، بما يجعل من كل شاعر حقيقي ناثراً شديد التميز، دون أن يكون العكس صحيحاً بالضرورة. وإلا لوجب أن يكون روائيون كبار من طراز نجيب محفوظ والطيب صالح وعبد الرحمن منيف، أو كتّاب ونقاد كبار من طراز الجرجاني وطه حسين وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم، في طليعة شعراء العربية، وهو ما يدحضه بالقطع واقع الحال.
أما جماليات النثر العالية لدى الشعراء الكبار فنابعة من قدرتهم على استثمار حريتهم القصوى في قطف ثمار اللغة والتجول في حدائقها الشاسعة. وهم، متحررين من قيود الأوزان والقوافي ومتطلبات التأليف الشعري المرهقة، ينزهون مخيلاتهم في الأصقاع الشاسعة للمفردات، ويقلبون المفردات والصيغ التعبيرية على جميع وجوهها، دون أن عائق يذكر.
لم يكن بالأمر المستغرب تبعاً لذلك أن يرى الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت بأن النثر هو المحك الحقيقي للشعراء. وهو إذ يعلن في كتابه النقدي «في الشعر والشعراء» بأنه «ليس من شاعر عظيم إذا لم يكن أستاذاً في النثر»، يستند في ذلك إلى كون الكثير من النظامين وشحيحي الموهبة يتلطون وراء التهويل اللفظي، أو الجَلجَلة الجوفاء للأوزان والقوافي. ويكفي أن نسحب من تحت نصوصهم بساط الجمل الرنانة، لكي نكتشف أحجامهم الحقيقية البائسة والضئيلة. ليس ثمة بالمقابل من مسافة تُذكر بين قصائد الشعراء الكبار وبين نصوصهم النثرية.
وإذا كانت الفروق بينهما متصلة بطبيعة النوع الأدبي ومستلزماته وشروطه، فإن المشترَك بين النوعين هو روح الشاعر ومعجمه اللفظي ورؤيته للعالم.
وقد لا تقل عند البعض فتنة النثر عن فتنة الشعر، لا بل تفوقها أحياناً نظراً لما يمتلكه الأول من ليونة وطواعية وغنى في المفردات وقدرة على المناورة التعبيرية. وهو ما نتلمس تجلياته بوضوح في نثر نزار قباني الذي يمتاز بالطلاوة والثراء الدلالي والتصويري والاستخدام البارع للحواس.
فمقالته «ما هو الشعر؟»، على سبيل المثال لا الحصر، تظهر بوضوح أن حديثه عن الشعر هو الشعر ذاته، كما يبدو من قوله «المطلوب من الشعر ألا يهدأ ولا يكبر، ولا ينام باكراً، ولا يطيع أبويه، ولا يتخلى عن دراجته وعلبة ألوانه وطائراته الورقية.
وألا يتنكر لصداقة الأزهار والضفادع، والحشرات الصغيرة التي كان يستضيفها في جيوب بنطلونه الصيفي القصير». أما نثر أدونيس فيحمل الكثير من خصائص شعره التي تجمع بين الصياغة المحكمة ذات العصب المتوتر والعاطفة المكبوحة، وبين العمق المعرفي والتمرد على السائد.
وفي كتاباته النثرية، كما في شعره، ثمة دائماً تلك العين الثالثة التي تحاول اكتناه الأشياء والأماكن والمدن التي سكنها، وثمة بحث دائب عما يظل أبداً في عهدة الشك والغموض واللايقين: «لئن طرتُ في الفراغ فلكي أستقصي الفضاء.
ولئن سبحت خارج الماء فلكي أكتشف البحار الخفية. غير أنني بقيت تائهاً. ربما لأنني لم أكن أبحث عن بيت، بل عن طريق. ولم أكن أسأل عن كرسي، بل عن أفق. وبقيت تائهاً. ألن يتسع لي صدرك أيها التيه؟».
من غير الجائز بالطبع أن نتحدث عن نثر الشعراء الكبار دون أن نتوقف عند «الأيقونات» النثرية الفريدة للشاعر اللبناني أنسي الحاج، بدءاً من النصوص الأولى التي نشرها في «النهار» وملاحقها، ووصولاً إلى كتاباته اللاحقة في الكثير من الصحف والمجلات. فنصوص صاحب «خواتم» النثرية، سواء كتبت على طريقة المقالة أو الشذرة المكثفة تجمع بين شفافية الماء وجموح اللهب.
وهي إذ تُستل من القيعان الأخيرة للروح، تعمل البساطة على رفعها باتجاه السطوح المرئية للصور والأشكال. فضلاً عن توأمته اللافتة بين الأضداد واحتفائه الدائم بالحب والأنوثة الكونية: «هناك خطيئة واحدة هي اللاحب.
هي ألا يرى الواحد ليله مفتوحاً كالوردة في أعماق امرأة. هي ألا يرى وجهه كالقمر في نهر. هي ألا يكون زمانه مربوطاً ومزهواً كالخلخال بمشية امرأة إلى مصيرهما.
هي ألا يكون له امرأة يضيع فيها اسمه، فيغدو اسمه يدها، عشبتها، ظلها، والفجوة الصغيرة التي تحْدثها في السرير عندما تنام». ولن نغفل في الآن ذاته نثر محمود درويش الذي يبدو الوجه الآخر لشعره، سواء من حيث اقتناصه الماكر للحظات الدهشة، أو صوره اللماحة والغنية بالمفارقات، أو من حيث جرْسه اللفظي المؤثر وتواشجاته النفسية والوجدانية التي تأخذ بنياط القلب.
ولعل كتابه السردي «ذاكرة للنسيان» الذي كتبه أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982 هو أحد أكثر أعماله النثرية اكتنازاً بالشعر واحتفاء بالمجاز وتعبيراً عن صراع الحياة والموت، حيث تتحول المرأة بوجهيها الشبقي والرومانسي إلى ما يشبه خشبة الخلاص، وسط الخراب التام والوحشة المحدقة والأسئلة التي لا إجابة عنها: «هل كنا معاً حقاً على صوف تلك الأرض؟ لم أقل إني أحبك، لأني لا أعرف إن كنت أحبك ما دمتُ أخبئ دمي تحت جلدك، وفي شعيرات السر المقدس أذرف عسل النحل الأحمق. ولم تقولي أحبكَ لأني لن أصدّق أن جميع النساء اللائي ولدن على جبل جلعاد وفي سومر وفي وادي الملوك، يجتمعن علي الليلة. كم امرأة فيك لتنوح أحلامي على ما تفقد الأمم من شتاء يستحقّ أن تكوني أمه وسيدته.
في كل امرأة جميلة هِبة من وصايا قدميك للأرض، وإرث لا ينقطع عن تزويد الغابات بهستيريا العشب». ولا حاجة بنا إلى التذكير بالجماليات الشاهقة لنثر محمد الماغوط الذي لا تكف ظلاله عن التوالد وبروقه عن الوميض.
وفي نصوصه الأدبية، كما في مقالاته الصحافية وأعماله المسرحية، ثمة فضحٌ دائب الإلحاح لواقع الأمة المتردي، وسخرية لاذعة من ورقة التوت التي يحاول الطغاة ستر عوراتهم بها، ودعوة شبه يائسة لاستعادة الكرامة أو اقتراف الحرية.
وإذا كنت أكتفي، أخيراً، بهذا القدر من أسماء الجيل الأول، فليس لأن ساحة النثر حكْر على هؤلاء، بل لأن المقام لا يتسع للحديث عن شعراء الأجيال اللاحقة، الذين يقف بعضهم جنباً إلى جنب مع الرواد المؤسسين، ويشكل بعضهم الآخر قيمة مضافة إلى حداثة الآباء بشقيها الشعري والنثري.



«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً، هذه العودة لا تأتي بدافع الحنين فحسب، بل مدفوعة بهدف محدد وغامض، يضعها في مواجهة واقع جديد تحاول فهمه والسيطرة عليه في عمل يفتح الباب أمام إعادة قراءة الأسطورة من منظور معاصر، وذلك في فيلم «كونتيسة الدم» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان برلين السينمائي.

تلتقي «الكونتيسة» بخادمتها المخلصة التي ظلت على ولائها، لتبدأ معها رحلة بحث معقدة عن كتاب خطير يُعتقد أنه يمتلك القدرة على إنهاء الشر، بما في ذلك مصاصو الدماء أنفسهم. هذه المفارقة تمنح القصة بُعداً درامياً لافتاً، إذ تجد البطلتان نفسيهما تسعيان وراء شيء قد يعني فناءهما، في لعبةٍ تتداخل فيها الرغبة بالبقاء مع احتمالات الزوال.

تنطلق الرحلة عبر شوارع فيينا وأماكنها التاريخية، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح للأحداث، قبل أن تتوسع الدائرة لتشمل مناطق أخرى مثل بوهيميا. وخلال هذا المسار، لا تقتصر الرحلة على البحث الجغرافي، بل تتحول إلى استكشاف لعوالم مختلفة تتقاطع فيها الأزمنة والطبقات الاجتماعية، كاشفة عن تناقضات حادة بين الماضي والحاضر.

شهد الفيلم اهتماماً نقدياً منذ عرضه الأول في برلين (إدارة المهرجان)

في أثناء ذلك، تستعين «الكونتيسة» بابن شقيقها، وهو مصاص دماء مختلف عن الصورة التقليدية، يعيش صراعاً داخلياً مع طبيعته ويحاول التكيف معها بطريقته الخاصة، إلى جانب مُعالجه النفسي الذي يمثل حضوراً غريباً داخل هذا العالم، في ثنائي يضيف بُعداً إنسانياً وساخراً للأحداث، ويعكس محاولة لفهم الهوية والاختلاف داخل إطار فانتازي.

وبالتوازي مع رحلة البحث، تتعقب مجموعة من الشخصيات «الكونتيسة» ومُرافقيها، من بينهم خبراء في مصاصي الدماء وضابط شرطة، يسعون لكشف حقيقتهم والسيطرة عليهم، في مطاردةٍ تخلق توتراً مستمراً، حيث تتقاطع مسارات الصيادين والفريسة، ضِمن لعبة لا تخلو من المفارقات والسخرية السوداء.

بطلة الفيلم الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير أكدت، لـ«الشرق الأوسط»، أن حماسها للمشاركة في العمل جاء من طبيعته المختلفة، بعدما شعرت بدهشة لفكرة تقديم شخصية مصاصة دماء، للمرة الأولى في مسيرتها، رغم تاريخها الطويل مع الأدوار المعقدة، مشيرة إلى أنها فضّلت الاقتراب من التجربة بعفوية دون الاعتماد على مراجع جاهزة.

وأوضحت أن ما جذبها أكثر هو الرؤية الخاصة للمُخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر، التي منحت الفيلم طابعاً حراً بعيداً عن القوالب التقليدية، فلا تُقدَّم الشخصيات من منظور نفسي صارم، بل داخل عالم أقرب إلى الحكاية أو الأسطورة، ما أتاح لها مساحة واسعة للعب والتجريب، لافتة إلى أن شخصية الكونتيسة نفسها كانت مليئة بالتناقضات، وهو ما جذبها إليها، فهي ليست مجرد شخصية شريرة تقليدية، بل تحمل جانباً ساخراً وغامضاً في الوقت نفسه، مؤكدة أنها استمتعت بالتوازن بين القسوة واللعب.

تحمست النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير للفيلم لطبيعته المختلفة (مهرجان برلين)

وأضافت أن هذه الحرية كانت من أهم أسباب قبولها الدور، خاصة أن المخرجة أتاحت لها الانخراط في العمل بخفة ومرونة، دون التقيد بصرامة تفسير الشخصية، مشيرة إلى أن الطابع المسرحي للفيلم منحها مساحة أكبر في الأداء، وحرَّرها من النزعة الواقعية، وفتح المجال أمام الخيال.

ووصفت مشاركتها في الفيلم بـ«المغامرة الفنية»، موضحة أن العمل يتحرك في مساحة «خارج الزمن»، فلا يرتبط بمرحلة محددة، بل يخلق عالماً خاصاً بين الواقع والخيال، وهو ما تعدُّه جوهر السينما التي تبحث عنها. وأردفت: «هذا الإحساس بالتحرر من الزمن جعلها تتعامل مع الشخصية بوصفها حالة أكثر منها بناءً نفسياً تقليدياً»، مؤكدة أن الأداء هنا قائم على الإحساس والحدس، لا على التحليل المباشر، وهو ما منحها خفة وجرأة في تقديم الدور.

وفي ختام حديثها أشارت إلى أن هذه التجربة تميزت بحالة من عدم اليقين داخل موقع التصوير، حيث لم يكن العمل يسير وفق قواعد ثابتة، بل كان يتشكل تدريجياً، ما منحها إحساساً حقيقياً بالمغامرة، مؤكدة أن «هذا النوع من المشاريع يتطلب من الممثل أن يثق في اللحظة ويتخلى عن السيطرة، وهو ما يجعل التجربة أكثر حيوية وصدقاً».


قطرة فعّالة للسيطرة على قِصر النظر

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
TT

قطرة فعّالة للسيطرة على قِصر النظر

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)
قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)

كشفت دراسة أميركية أن جرعة واحدة من قطرة «الأتروبين» (Atropine) بتركيزات منخفضة كافية لإحداث تأثيرات إيجابية وملموسة في التحكم بقِصر النظر، تمتد على مدار 24 ساعة متواصلة. وقدم باحثون من جامعة هيوستن نتائج دقيقة حول تأثير جرعة «الأتروبين» على العين خلال يوم كامل، ونُشرت الدراسة، الاثنين، بدورية «Eye and Vision».

ويُعد قِصر النظر اضطراباً بصرياً شائعاً يصيب نحو ثلث البالغين في الولايات المتحدة، حيث يرى المصاب الأشياء القريبة بوضوح، بينما تبدو الأجسام البعيدة ضبابية. ويحدث ذلك عندما تطول كرة العين أكثر من الطبيعي، أو عندما تنكسر الأشعة الضوئية بشكل غير صحيح فتتركز أمام الشبكية بدلاً من أن تقع عليها. وتختلف شدته من حالات بسيطة إلى درجات متقدمة قد تؤثر في جودة الحياة اليومية، خصوصاً مع الاستخدام المتزايد للشاشات وقلة التعرض للضوء الطبيعي.

طريقة جديدة

وبينما لا يوجد علاج شافٍ للمرض، يمكن تصحيح قِصر النظر باستخدام النظارات الطبية أو العدسات اللاصقة، وفي بعض الحالات عبر الجراحة، بينما تتجه الأبحاث الحديثة إلى استخدام علاجات دوائية مثل «الأتروبين»، وهو دواء يُستخدم في طب العيون بتركيزات مختلفة؛ إذ تعمل الجرعات العالية منه على توسيع حدقة العين وإرخاء عضلات التركيز مؤقتاً لتسهيل الفحص، في حين تُستخدم الجرعات المنخفضة جداً للمساعدة في إبطاء تطور قِصر النظر، خاصة لدى الأطفال.

وشملت الدراسة تجربة مزدوجة التعمية على 20 مشاركاً، تلقّى كل منهم جرعة واحدة في العين اليمنى، إما من «الأتروبين» أو من محلول وهمي، خلال 5 جلسات منفصلة. واستخدم الباحثون تراكيز منخفضة من الأتروبين تبلغ 0.01 في المائة، وهو تركيز أقل بـ100 مرة من التركيز المستخدم لتوسيع حدقة العين وهو 1 في المائة. وقام الفريق البحثي بقياس طول العين، وسُمك الشبكية، وتدفق الدم في الأوعية الدموية بعد ساعة واحدة، ثم بعد 24 ساعة من الاستخدام.

وأظهرت النتائج أن «الأتروبين» بتركيزات منخفضة يُحدث تغيّرات واضحة في حجم حدقة العين وقدرتها على التركيز، واستمرت هذه التأثيرات طوال اليوم. في المقابل، لم تُسجّل أي تغيّرات في طول العين أو سُمك الشبكية أو المشيمية، وهي مؤشرات مهمة؛ إذ يرتبط ازدياد طول العين بتفاقم قِصر النظر. كما رُصدت تغيّرات مؤقتة في تدفق الدم داخل الأوعية الدقيقة في الشبكية، لكنها كانت محدودة زمنياً ولم تُرافقها أي أضرار بنيوية في العين.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تكتسب أهمية خاصة في ظل الانتشار المتزايد لقِصر النظر عالمياً؛ إذ تشير إلى إمكانية استخدام «الأتروبين» منخفض الجرعة كخيار علاجي آمن وفعّال، لإبطاء تطور هذه الحالة. وأضافوا أن الدراسة تمهّد الطريق لتطوير أساليب علاجية أكثر دقة وتخصيصاً، تعتمد على استجابة العين الفردية، ما قد يسهم في تحسين جودة الرؤية وتقليل مضاعفات قِصر النظر على المدى الطويل.


واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
TT

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)
مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

فهذه المدينة الضخمة لا تعاني فقط من الاكتظاظ أو التوسع العمراني، بل تشهد ظاهرة أكثر خطورة: تغرق تدريجياً بمعدل يُعد من بين الأعلى عالمياً، في مشهد يثير قلق العلماء وصناع القرار على حد سواء.

تشهد أكبر مدن أميركا الشمالية انحداراً فعلياً وملموساً، إذ تشير التقارير إلى أن مدينة مكسيكو (مكسيكو سيتي) تهبط بوتيرة سريعة لدرجة أن هذا الهبوط أصبح مرئياً من الفضاء، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك بوست».

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن المدينة تهبط بمعدل يقارب 25 سنتيمتراً سنوياً، ما يجعلها واحدة من أسرع المدن غرقاً في العالم. هذا التراجع المستمر في مستوى الأرض يهدد بشكل مباشر البنية التحتية الحيوية، كما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وفي هذا السياق، يوضح إنريكي كابرال، الباحث في مجال الجيوفيزياء في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، خطورة الوضع بقوله: «إنها مشكلة كبيرة للغاية... إذ تُلحق أضراراً جسيمة بجزء مهم من البنية التحتية لمدينة مكسيكو، بما في ذلك مترو الأنفاق، وأنظمة الصرف الصحي، وشبكات المياه، ومرافق مياه الشرب، فضلاً عن المساكن والطرق».

وتُعدّ مدينة مكسيكو موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة، وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع. وقد أُقيمت المدينة في الأصل فوق قاع بحيرة قديمة، وهو ما يفسّر الطبيعة الهشة لتربتها، ويظهر بوضوح في كون عدد من شوارعها الحالية كان في السابق قنوات مائية، بحسب تقرير لصحيفة «إندبندنت».

ويرتبط تفاقم هذه الظاهرة بعوامل متداخلة، أبرزها الضخ المفرط للمياه الجوفية إلى جانب التوسع العمراني المتسارع. وقد أدى ذلك إلى استنزاف طبقات المياه الجوفية إلى مستويات خطيرة، ما تسبب في هبوط تدريجي ومستمر للمدينة على مدى أكثر من قرن.

فبينما كان معدل الهبوط في أواخر القرن التاسع عشر يناهز بوصتين سنوياً (نحو 5 سنتيمترات)، ارتفع هذا المعدل بشكل كبير ليصل إلى نحو 18 بوصة (45 سنتيمتراً) بحلول عام 1950. وعلى المدى الطويل، شهدت بعض مناطق المدينة انخفاضاً هائلاً بلغ مئات الأقدام، وهو ما انعكس بوضوح على ميلان عدد من المباني التاريخية، مثل كاتدرائية متروبوليتان التي يعود تاريخ بدء بنائها إلى عام 1573.

ورغم أن ظاهرة غرق المدينة معروفة منذ زمن بعيد، فإن رصد معدل الهبوط بدقة واستمرارية لم يكن ممكناً إلا مؤخراً، بفضل التطور التكنولوجي في مجال الاستشعار عن بُعد. فقد اعتمد الباحثون على بيانات قمر اصطناعي متقدم تابع لوكالة «ناسا» يُعرف باسم NISAR، وذلك خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026.

وقد أتاح هذا القمر الاصطناعي جمع بيانات دورية كل 12 يوماً، ما مكّن العلماء من تتبع التغيرات في حركة سطح الأرض بدقة عالية، ورصد ما يحدث تحتها بشكل شبه فوري. وكشفت هذه القياسات عن أن بعض مناطق المدينة، بما في ذلك المطار المركزي ونصب «ملاك الاستقلال»، تشهد هبوطاً أرضياً بمعدل يصل إلى نحو 0.78 بوصة شهرياً (قرابة 2 سنتيمتر). ويعادل هذا المعدل نحو 9.5 بوصة سنوياً (24.13 سنتيمتر)، ما يعني أن هذه المناطق قد انخفضت بأكثر من 39 قدماً (نحو 11 متراً) خلال أقل من قرن.

وفي مناطق أخرى، وصل إجمالي التغير في الارتفاع إلى نحو 127 قدماً (ما يقارب 38.7 متراً)، وهو رقم يعكس حجم التحول الجيولوجي الذي تشهده المدينة. ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على الهبوط الأرضي وحده؛ إذ يحذر الخبراء من أن الانكماش المستمر في طبقات المياه الجوفية قد يؤدي أيضاً إلى نقص حاد في الموارد المائية، ما يفاقم التحديات البيئية ويضع مستقبل المدينة وسكانها أمام اختبار صعب.

اقرأ أيضاً