سوريا: البحث عن «إعادة إعمار سياسية»

النظام يستعرض وحلفاؤه عاجزون... والمموّلون المحتملون يشترطون التسوية

سوريا: البحث عن «إعادة إعمار سياسية»
TT

سوريا: البحث عن «إعادة إعمار سياسية»

سوريا: البحث عن «إعادة إعمار سياسية»

كشفت الموازنة العامة التي أقرتها حكومة النظام السوري أواخر الشهر الماضي، عن إحجام النظام عن منح إعادة الإعمار أولوية لديه، بالنظر إلى أنه لم يخصّص سوى مبلغ 50 مليار ليرة سورية (115 مليون دولار) لجهود إعادة الإعمار التي تكلف، بحسب التقديرات، أكثر من 400 مليار دولار. وهو ما يعني أن مئات آلاف اللاجئين غير القادرين على العودة إلى منازلهم بسبب الدمار الذي لحق بها منذ 2011، لن يعودوا في ظل غياب أي خطة نظامية لذلك في المناطق الخاضعة لسيطرته.
ووسط تقديرات في أوساط الخبراء بأن النظام لم يضع تصوراً لخطة إعادة الإعمار من ميزانيته، فاتحاً «بازاراً سياسياً» في مقابل إحجام الدول الكبرى عن خطط شبيهة قبل إنجاز التسوية السياسية للأزمة، تبدو ملامح الأزمة أكثر تعقيداً. والبديهي أن الضحية الأولى السوريون المهجّرون من منازلهم، وذلك بالنظر إلى أن النظام يعمل على إعادة وصل ما تقطعت أوصاله بين مناطق نفوذه، عبر شبكات طرقات تربط المناطق السورية الخاضعة لسيطرته، وأيضاً تنجز موسكو وطهران إعادة ترميم البنى التحتية العسكرية والأمنية، في حين تُرك المهجّرون السوريون لمصيرهم. وإزاء هذه الوقائع، يعتبر المعارضون أن النظام يعاقب البيئة المعارضة على الخروج ضده من خلال امتناعه عن توفير الاعتمادات المالية اللازمة لإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

لم تأخذ موازنة حكومة النظام السوري لعام 2019 بعين الاعتبار الحاجات الهائلة لإعادة الإعمار. فقد خصص لها النظام اعتماداً يقارب الـ115 مليون دولار أميركي فقط، على الرغم من أن النظام يقول: إن هذه القضية هي من أولوياته. بل وقد عبّر عنها رئيس النظام السوري بشار الأسد خلال الصيف الماضي عندما قال، إن إعادة الإعمار هي «أولى الأولويات» في بلاده، التي استعادت قواته – بدعم إيراني وروسي – السيطرة على القسم الأكبر منها.
وعلى الرغم من أن النزاع الدامي في سوريا منذ عام 2011 تسبب بدمار هائل في البنى التحتية من شبكات مياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات، وبات الدمار يطغى على مدن بكاملها جراء المعارك والقصف طوال السنوات الماضية، اعتمد مجلس الوزراء السوري مشروع الموازنة العامة للبلاد في عام 2019، بحجم 3882 مليار ليرة سورية (نحو 7.54 مليار دولار). وهذا الرقم يعني زيادة مقدارها 695 ملياراً عن موازنة عام 2018. تضمن الرقم تخصيص مبلغ 811 مليار ليرة سورية للدعم الاجتماعي، في حين ذكرت وكالة «سانا» (الرسمية السورية) للأنباء «أن المشروع يركز على الاستمرار بدعم القوات المسلحة السورية وذوي القتلى والجرحى جراء الحرب، وتأمين متطلبات عمل مؤسسات الدولة واستكمال المشاريع المتوقفة بفعل الإرهاب وفق أولويات تسهم في تحقيق التنمية».
المبالغ الزهيدة التي خصّصها النظام لإعادة الإعمار، تثير سخرية المعارضين والنُّخَب السورية التي رأت فيها «محاولة لذر الرماد في العيون»، في وقت لا يزال النظام ينفق على المجهود الحربي، ورعاية قواته العسكرية وإعالة عائلات القتلى. وللعلم، فإن التجارب السابقة أوحت بأن روسيا تكفّلت بإعادة ترميم البنى التحتية للاحتياجات العسكرية، بينها مطارات في وسط سوريا ومناطق أخرى، ورفدتها بالتجهيزات العسكرية الحديثة، بحسب ما يقول معارضون. وهو ما يشير إلى أن الأولوية بالنسبة للنظام وداعميه «لا تزال تركز على المجهود العسكري خلافاً للاحتياجات المدنية المستدامة التي تساهم في إعادة اللاجئين».

مخطط تهجير متعمّد
القيادي المعارض أسعد الزعبي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»: إن «النظام حاول منذ 7 سنوات اتخاذ كل الإجراءات من قتل وتدمير واعتقال واستجلاب مرتزقة ومضايقات نفذها... كانت تهدف إلى تهجير السوريين بكل الطرق، في الداخل وخارج سوريا». واعتبر الزعبي، أن التهجير «كان جزءاً من مخطط للتغيير الديموغرافي، امتداداً لحقبة والده حافظ الأسد الذي صادر أملاك كل من قُتِل من معارضين أو سجن أو خرج إلى خارج البلاد؛ وذلك لإسكان الشيعة من الإيرانيين وغير الإيرانيين مكان السوريين».
ويعرب الزعبي عن اعتقاده بأن «مَن تصرَّف بهذه الطريقة التدميرية، لن تكون له نية لإعادة السوريين إلا للاستفادة على حسابهم لتحصيل مليارات الدولات بالإعمار». ويضيف: «عندما يتحدث النظام عن أنه خصص 120 مليون دولار، فهو حديث مثير للسخرية، فهذا المبلغ لا يكفي لإصلاح حارة أو إعمار حارة من الأحياء التي بناها سابقاً مثل عش الورور، أو ميزة فيلات أو السومرية، وباتت زناراً محيطاً بدمشق، وهي مستعمرات للطائفة العلوية». ويستطرد: «لا نية حقيقية للنظام بإعادة الإعمار، بل لتحسين جزء من صورته أمام المجتمع الدولي. قد تكون تشجيعية، لكن ستصرف الدولارات اليتيمة لتحسين حارات كان قد بناها في مناطق مخالفات حول دمشق، وهي 18 منطقة تبدأ من شمال شرقي دمشق إلى الغرب والجنوب». ثم يشير إلى أن «الملايين الزهيدة لا تكفي لإعادة ترميم تلك الحارات التي لم تتعرّض إلا لجزء من العنف؛ كونها كانت خاضعة لسيطرته، وليس للتدمير الذي كان مصدره النظام وإيران وروسيا».

تقديرات إعادة الإعمار
في الواقع، تتفاوت التقديرات حول تكلفة إعادة الإعمار في سوريا. وفي حين قدر البنك الدولي في 2017 تكلفة الخسائر الناجمة عن النزاع بـ226 مليار دولار أميركي (183 مليار يورو)؛ أي ما يساوي 4 أضعاف إجمالي الناتج الداخلي قبل النزاع، كشف المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا عام 2017، عن أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ 250 مليار دولار على أقل تقدير. وتستثني تلك التقديرات الدمار الذي لحق بالبنية الصناعية؛ إذ تقدّر بعض الجهات أن الدمار الذي صار للمدينة الصناعية في حلب وحدها يناهز الـ15 مليار دولار، في وقت تعرّضت عشرات المستشفيات والمرافق الطبية ومئات المدارس للتدمير الكلي أو الجزئي
وبالتالي، لا توجد حتى الآن دراسات دقيقة ومتكاملة عن حجم الدمار في سوريا وتكلفة إعادة إعمارها؛ نظراً لاستمرار العمليات العسكرية من جهة، وتعدد أشكال وأسباب الدمار من جهة أخرى، وكل ما يجري تداوله هو تقديرات لناشطين أو هيئات سياسية أو هيئات ذات مصلحة لتحقيق أهداف بعينها.
على الضفة الروسية، صرح رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية سيرغي كاتيرين بأن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقدر ما بين 200 و500 مليار دولار، موضحاً في فبراير (شباط) الماضي أن السلطات السورية «تمنح الأولوية للشركات الروسية» في هذا المجال. أما اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة في بيروت، فقالت: إن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية في سوريا تصل إلى 400 مليار دولار. وبحسب التقرير النهائي للجنة، فإن الرقم يشمل حجم الدمار في سوريا فقط، ولا يشمل الخسائر البشرية، والمقصود بها الأشخاص الذين قُتلوا خلال المعارك، والأشخاص الذين نزحوا وهجّروا من منازلهم.
ومعلومٌ أنه تعرّضت 9 محافظات بمدنها وأريافها للدمار من أصل 14 محافظة في سوريا، تتصدرها محافظة ريف دمشق ومدينة حلب (في محافظة حلب) من حيث الدمار الكبير، وما يذكر أن نسبة الدّمار تتفاوت بين محافظة وأخرى. إذ تعرضت أحياء كاملة للدمار الكلّي في مدينة حمص ومدن وضواحي محافظة ريف دمشق ومدن وبلدات محافظات درعا وإدلب ودير الزور.

قبل التسوية السياسية وبعدها

على صعيد آخر، لم يُخفِ مسؤولون غربيون، أن بلدانهم لن تشارك في استثمارات إعادة الإعمار في سوريا، ما لم يحصل اتفاق على مرحلة انتقالية لا يشارك الأسد فيها. فلقد اشترط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والمبعوث الأممي الخاص إلى سوريا دي ميستورا أي حديث عن إعادة إعمار سوريا بالتوصل إلى حل سياسي في البلاد. وأفادت الخارجية الأميركية بأنه «يتوجب على جميع الأطراف المعنية اتباع الطريق السياسية، وأن من السابق لأوانه أي حديث عن إعادة إعمار (سوريا) في ظل غياب الحل السياسي هناك».
ألمانيا، بدورها، حسمت قرارها بما يتعلّق بمساعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن المساهمة في إعادة إعمار سوريا، معتبرة أنه «أمر سابق لأوانه، ويجب أن يسبقه اتفاق سياسي أولاً ينهي الحرب الدائرة منذ ثماني سنوات». أما بريطانيا، فلن تدعم عملية إعادة إعمار سوريا إلا بعد حدوث انتقال سياسي «بعيداً عن الأسد». وكان وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون قد قال في وقت سابق: «نعتقد أنّ السبيل الوحيد للمضي قدماً هو تحريك عملية سياسية، وأن نوضح للإيرانيين والروس ولنظام الأسد أنّنا نحن، المجموعة التي لها الرأي نفسه، لن ندعم عملية إعادة تعمير سوريا قبل وجود عملية سياسية... وهذا يعني كما ينص القرار 2254 انتقالاً (سياسياً) بعيداً عن الأسد».
في هذه الأثناء، في العاصمة اللبنانية بيروت، يؤكد مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، أنه «لم يحن أوان إعادة الإعمار بعد». وأوضح نادر خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن إعادة الإعمار «لا يزال ورقة تفاوضية لم تدخل بعد حيّز التنفيذ»؛ ذلك أن «من أحرز تقدماً ميدانياً في الحرب، لا يمتلك القدرة المالية على إعادة الإعمار، رغم أنه يبحث عن طريقة للاستفادة من نتائج المعارك العسكرية، أما من يمتلك القدرة المالية على تمويل إعادة الإعمار، أو المطلوب منه ذلك، فإنه لن يقدِم على هذه الخطوة من غير شروط سياسية». ومن ثم، يستنتج أن «الشروط السياسية لا تزال عالقة بغياب التسوية التي توفر الشروط السياسية، وتستوفي الشروط الأوروبية؛ ما يساهم في إعادة الإعمار».
كذلك، يرى نادر أن «الأسئلة اليوم تدور حول ما إذا كان الثمن السياسي لقاء إعادة الإعمار هو إزاحة الأسد، أم بقاؤه، وبأي شكل؟ وما إذا كانت التسوية ستفضي إلى انتخابات جديدة وتلزم الجميع بالعودة إلى منطق مقررات جنيف1؟ ويؤكد أن التسوية حتى الآن «لا تزال معلقة، وتنتظر شكل المقاربات الدولية تجاه إيران ودورها بالمنطقة وسوريا»، معتبراً أن «التسوية لم تنضج ظروفها بعد، وتنتظر الصراع القائم مع إيران وعلى ضوئها تظهر التسوية كيف ستكون في سوريا».

«إعادة إعمار سياسية»
ومع أن عمليات الترميم بدأت على نطاق ضيق، لا ينفي الدكتور نادر أن إعادة الإعمار مشروطة بإعادة الإعمار السياسية. وهذا، على الرغم من أنه في عملية إعادة ترتيب المناطق، تجري إعادة ترميم أو تنظيم ما يمكن تنظيمه، كل طرف في المناطق الخاضعة له؛ وذلك لتأمين الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية المقبولة، مثل المناطق الخاضعة لسيطرة الأتراك، أو سيطرة النظام لجهة إعادة ترميم شبكات الكهرباء والماء وذلك بالإمكانات المتاحة، كذلك ما يجري في مناطق نفوذ الأميركيين في مناطق الأكراد، حيث تساهم المساعدات السعودية في ذلك.
من جهته، يقول الزعبي إن «الإعمار لا يُقصد به مناطق دمرها النظام، بل مناطق يسكن موالون له فيها. هو يستعطف الغضب ويعطي رسالة للغرب بأن اقتصاده مُعافى وهذا غير صحيح، كما يعطي رسالة للاجئين بأنه عازم على إعادتهم، وهو غير صحيح أيضاً. لا يمكن للسوريين العودة لعدم وجود منازل ولا أمان. هي نوع من ابتزاز للغرب للمشاركة بإعادة الإعمار كل لا يفوتها هذه المشاركة».

الخلاف على التمويل
الحاجز الدولي الذي وضعه الأوروبيون أمام التمويل من دون تسوية سياسية للأزمة، يحاول النظام السوري الالتفاف عليه. إذ قال الأسد في وقت سابق، إن بلاده ترفض مشاركة دول أوروبية وغربية في إعادة الإعمار، مؤكداً أنها ستعتمد أساساً على دعم «الدول الصديقة»، وسط واقع يفيد بأن إعادة الإعمار يمكن أن تموَّل عبر موارد داخلية كالإيرادات الحكومية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، ومصادر تمويل خارجية كالقروض والمنح والمساعدات، بحسب ما أفادت دراسة صادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد).
الزعبي يرى أن قضية إعمار البنية التحتية «لا يمكن أن تتكفل بها روسيا وإيران؛ فالجميع يعرف الضغوط الاقتصادية التي تعانيها موسكو والتدهور الاقتصادي الذي تعانيه طهران. حتى العقوبات بدأت تلقي بظلالها على النظام وهي جزء من المشكلة. لذلك؛ فإن إعادة البنية التحتية مستحيل، لكن هناك نقطة أخرى»، مضيفاً: «مع أن مؤسسات النظام انتهت، فإن البناء العسكري تم، وطبعاً لا نتحدث عن المنشآت العسكرية المدمرة، وهناك واقع إيجابي يساعد النظام، وهو أن عدداً كبيراً من القطع الوحدات العسكرية انتهت نتيجة النقصان في الكثير الذي تراجع من 470 ألفاً إلى 50 أو 60 ألف عسكري»، كذلك «القواعد التي كان يقيمها النظام من جهة الجولان، أصبح لا حاجة له فيها بعد تدميرها؛ لأنه لا عقل يتصور أن ثمة صداماً يمكن أن يكون بين النظام وإسرائيل. أما القطع العسكرية في الداخل فتعرضت للتدمير، ولم تعد لديه البنية العسكرية العددية والقوام القتالي الذي يستحق أن تتوفر له». وهو يعرب عن اعتقاده أن إيران «تفكر في إعادة ترميم المراكز البحوث العلمية في جمرايا وبَرزة ومصياف لأن لها مصلحة بذلك. كذلك، تفكر إيران في بناء هيكلية عسكرية إلى حد ما متماسكة لأنها لم تكن موالية له. اليوم النظام له قادة من الموالين، لكن غالبية العناصر التي تخدم الهيكلية ستكون غالبيتهم في مناطق المصالحات ولا يثق النظام بهم، ولا يمكن لإيران أن توفر لهم أدنى مقومات العيش».
ويشير الزعبي إلى أن النظام «أبرز اتفاقيات مع كوريا لإعادة تجهيز الجيش، ومع الصين لتدريب بعض المنشآت، كما أبرم اتفاقاً مع إيران؛ ما يعني أن الاتفاق تسعى لإعادة ترميم البنية التحتية للجيش، لكنه ليس مفتوحاً وليس واسعاً إنما ضمن اتفاقيات وظروف ومواقع محدودة.

القانون الرقم 10 يفاقم مخاوف السوريين على أملاكهم

> خلص تقرير نشره مركز «كارنيغي» في الشرق الأوسط، إلى أن «القانون الرقم 10» يُضعف الأمل في تحقيق مصالحة وطنية مستقبلية في سوريا، ويُعبِّد الطريق أمام اقتلاع سكاني واسع النطاق. وطرح المركز تساؤلاً في مايو (أيار) الماضي على المجتمع الدولي: «هل ينبغي على الدول أن تموِّل إعادة إعمار سوريا في مثل هذا السياق، وتساعد بالتالي النظام الذي شنّ عمليات تطهير في حق شعبه؟».
«القانون الرقم 10» الذي أصدره رئيس النظام السوري بشار الأسد في الثاني من أبريل (نيسان)، يجيز لمدن وبلدات في أنحاء سوريا كلها، بتخصيص مناطق تقع ضمن حدودها الإدارية للتنمية أو إعادة الإعمار، وإنشاء شركات تطوير عقاري تُشرف على تصميم مثل هذه المشاريع وتنفيذها. وأثار القانون مخاوف من مصادرة أملاك بعض السوريين بشكل دائم، ومكافأة الموالين للنظام.
وبحسب «كارنيغي»، يُفترض بأصحاب الملكية أو شاغليها أن يقدّموا ما يُثبت ملكيتهم، سواء كانت صكوك ملكية أو عقود إيجار، في غضون شهر من تاريخ إدراج منطقتهم في إطار هذا القانون وصدور مرسوم تطويرها العقاري. وبعدها، تُقدَّر قيمة الممتلكات قياساً على أسعار السوق الحالية، ويُمنح المالكون أسهماً تتماشى مع القيمة المقدّرة لملكياتهم في شركة عقارية حديثة الإنشاء، وتعود ملكيتها إلى القطاعين الخاص والعام. ولا يملك المالكون موارد الطعن في هذه التقديرات - وهي في أجواء النزاع الحالي أدنى كثيرا من قيمتها في السوق.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».