تتأهب القوى الأمنية في العاصمة الفرنسية لمواجهة يوم عصيب، بعد القرار الذي اتخذه المحتجون المعروفون باسم «السترات الصفراء» بـ«غزو» شوارع العاصمة، في إطار الحملة الشعبية الرافضة لزيادة الرسوم على المحروقات التي أقرتها الحكومة، وبشكل عام ضد السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون. الحملة انطلقت السبت الماضي، بعيداً عن النقابات والأحزاب، وكانت باكورتها نزول نحو 300 ألف مواطن إلى الساحات والطرق الرئيسية والمواقع الحساسة. وكانت محصلة هذه الحركة أن طرقاً رئيسية أغلقت بوجه حركة السير، وتمت محاصرة متنقلة لمستودعات المشتقات البترولية، ولعدد من المجمعات التجارية التي عمدت القوى الأمنية يوماً بعد يوم إلى فضها، الأمر الذي ترتب عليه اشتباكات متنقلة، وسقوط عدة مئات من الجرحى، بينهم كثير من الأمنيين، وتوقيف العشرات من المحتجين وسوقهم أمام المحاكم.
وأفادت أرقام وزارة الداخلية، أول من أمس، أن قوات الأمن ألقت القبض على 879 شخصاً في الأيام الستة الأولى من الاحتجاجات، أوقف منهم 693 شخصاً. وأوقعت المواجهات المتنقلة بين الطرفين 620 جريحاً مدنياً، و136 رجل أمن، إضافة إلى وفاة شخصين. يضاف إلى ذلك ما شهدته جزيرة «لا ريونيون»، الفرنسية الواقعة في المحيط الهادي، من أعمال شغب وعنف واسعة. لكن الأيام الأخيرة أظهرت أن أعداد المشاركين في الاحتجاجات تراجعت إلى حد كبير، بيد أن الحركة ما زالت قائمة، وسيكون اليوم السبت بمثابة «اختبار» رئيسي لها، خصوصاً أن التركيز سيكون على حشد أكبر عدد من المتظاهرين قريباً من مواقع السلطة، أكان ذلك القصرين الرئاسي أو الحكومي ومقرات الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة الداخلية الواقعة على بعد رمية حجر من قصر الإليزيه. ولا يخفي المحتجون أن غايتهم هي الوصول إلى القصر الرئاسي. وحتى عصر أمس، لم يكن قد عرف بالتحديد مكان التجمع في العاصمة، لكن مديرية الشرطة ووزارة الداخلية رفضتا السماح به في ساحة الكونكورد الواقعة أسفل جادة الشانزليزيه، بسبب «حساسية» الموقع القريب من قصر الإليزيه والسفارة الأميركية. وأعلن وزير الدولة لشؤون الأمن الداخلي لوران نونيز صدور قرار رسمي تمنع بموجبه المظاهرات في المنطقة التي تضم ساحة الكونكورد والجمعية الوطنية (على الضفة المقابلة من نهر السين) والقصرين الرئاسي والحكومي، مما يعني أن منطقة واسعة من «قلب» باريس الرسمي ستكون محاطة برجال الأمن وبعرباتهم، وسيمنع الانتقال إليها، بما في ذلك للمواطنين العاديين. ولذا، فإن المديرية تخطط لنشر عدد كبير من رجال الأمن في العاصمة، تحسباً لاندلاع اشتباكات، أو حصول عمليات نهب وتكسير، خصوصاً على جادة الشانزليزيه التي ارتدت أجمل حللها بمناسبة اقتراب احتفالات الميلاد ورأس السنة، وازدحام حركة التبضع فيها، وتواجد الآلاف من السياح على أرصفتها وفي مقاهيها ومطاعمها. وما يقلق رجال الأمن هو انضمام مجموعات ممن يسمون «بلاك بلوك»، أو ذوي القمصان السوداء، الذين ينتمون إلى اليسار المتطرف أو الفوضوي. ووجود هؤلاء يعني بشكل آلي قيام مناوشات ومعارك شوارع مع رجال الأمن، وحصول عمليات تكسير ونهب، الأمر الذي سينعكس على صورة المحتجين، وعلى عدالة مطالبهم. وبينت استطلاعات الرأي أن نسبة كبيرة من الفرنسيين (77 في المائة، وفق استطلاع أجرته مؤسسة أودوكسا) تدعم هذه المطالب، لكنها بدأت تعرب عن امتعاضها بسبب إغلاق الطرقات وإعاقة حركة المواطنين.
وربما تعتبر الحكومة أن سياسة التشدد التي التزمت بها أمنياً نجحت في الحد من الخسائر، ومنعت سد الطرقات والإضرار بالدورة الاقتصادية، لكن الحكومة تعي أن «المعالجة الأمنية» وحدها لا تكفي، خصوصاً أن الحركة الاحتجاجية إذا كانت زيادة أسعار المحروقات هي السبب في انطلاقتها، فإنها سريعاً توسعت لتعبر عن ضيق شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي من سياسات الرئيس ماكرون الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً سياسة زيادة الرسوم والضرائب، وعدم اقتناع غالبية الفرنسيين بأن الرسوم الإضافية المفروضة على المحروقات هدفها التعجيل بخفض اعتماد فرنسا على الطاقة الملوثة (النفط ومشتقاته)، وتشريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة. بناء عليه، سارع رئيس الحكومة إلى الإعلان عن مجموعة من التدابير «المصاحبة» التي غرضها مساعدة الشريحة الأكثر هشاشة، لكن تبين أنها غير كافية لاحتواء الغضب الشعبي. من هنا، فإن الرئيس ماكرون الذي دعا إلى تغليب الحوار و«تفهم» المطالب سيعمد يوم الثلاثاء المقبل إلى الكشف عن «خطة» أكثر طموحاً. وواضح أن ماكرون يسعى لاستعادة المبادرة السياسية لمعالجة هذه الأزمة، وذلك على خلفية تراجع حاد في شعبيته وشعبية الحكومة. وكبادرة تهدئة، عمدت الحكومة إلى «تأجيل» فرض رسوم على الشاحنات التي تستخدم الطرق الفرنسية لأن «الوقت غير ملائم»، لكن مشكلة الرئيس والحكومة أن عليهما إيجاد الوسائل لتبرير زيادات إضافية للرسوم على المحروقات ستحل مع بداية العام الجديد، أي الاستمرار في الخطط الموضوعة، مع اليقين أنها ستثير موجات إضافية من الاحتجاجات. لذا، من المنتظر أن يسعى ماكرون لـ«نزع الألغام» من درب حكومته، عن طريق الإعلان عن تدابير مصاحبة أكثر طموحاً، خصوصاً عن طريق شرح أهمية هذه الرسوم، ليس لإغناء خزائن الدولة ولكن لتسريع «النقلة البيئوية» لفرنسا التي وقع فيها نهاية عام 2015 على اتفاقية المناخ الدولية.
السلطات الأمنية الفرنسية تحشد قواها في باريس لمواجهة «السبت الأسود»
«السترات الصفراء» ضربت موعداً في شوارع العاصمة ووجهتها القصر الرئاسي
احتجاج الشاحنات على الطرق السريعة في فرنسا يوم الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)
السلطات الأمنية الفرنسية تحشد قواها في باريس لمواجهة «السبت الأسود»
احتجاج الشاحنات على الطرق السريعة في فرنسا يوم الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
