السُعال... أسبابه وطرق تشخيصه

يحدث نتيجة عوامل ومهيجات خارجية إضافة إلى الاضطرابات الصحية

السُعال... أسبابه وطرق تشخيصه
TT

السُعال... أسبابه وطرق تشخيصه

السُعال... أسبابه وطرق تشخيصه

يعتبر السعال أحد أكثر الأعراض شيوعاً في الطب الإكلينيكي. وهو في الغالب المظهر الأساسي لكثير من أمراض الجهاز التنفسي، ويحصل ردة فعل من قبل الجهاز التنفسي، تحت تأثير عدة عوامل مهيجة لحصول ردة الفعل تلك في الجهاز التنفسي وخارجه. ولأن السعال بالأصل هو ردة فعل من هذا الجهاز، فإنه قد يحدث في عدد من الحالات المرضية في الجهاز التنفسي وخارجه، وأيضاً قد يحدث حينما لا يُوجد أي مرض، أي نتيجة لإثارة بعض أنواع المواد المهيجة لمستقبلات خاصة في مجاري التنفس. كما قد يكون السعال إرادياً، أي يقوم به المرء عن قصد لأسباب عدة، ولكنه في الغالب فعل لا إرادي يحصل فجأة.

- حدوث السعال
لذا فإن التعامل الطبي مع هذه الحالات يتطلب فهم آليات حصول السعال، والأماكن التي تتسبب بالسعال والحالات المرضية المحتملة، في الجهاز التنفسي وغيره، التي يكون السعال أحد مظاهر المرض فيها. كما يتطلب فهم تركيب البلغم وآليات إنتاج الجهاز التنفسي لمادة البلغم، والأماكن التي يتم فيها إنتاج البلغم، وكيفية خروجه.
ووفق ما تشير إليه المصادر الطبية، فإن السعال هو طرد مفاجئ، لا إرادي في الغالب، للهواء من الرئتين مع صدور صوت مميز يسهل التعرف عليه بأنه سعال أو «كُحّة». وعلى الرغم من أن السعال معروف بأنه العَرَض الأكثر شيوعاً من بين أعراض اضطرابات الجهاز التنفسي، إلا أن السعال بالأصل هو وسيلة يهدف الجسم منها إلى تحقيق وظائف حماية للجهاز التنفسي ضد المواد الضارة التي قد تدخل إلى الممرات الهوائية مع هواء التنفس، وكذلك الحفاظ على سلامة الممرات الهوائية عن طريق إزالة وإخراج الإفرازات المخاطية المفرطة والمتراكمة من تلك الممرات التنفسية.
وهناك سعال يرافقه إنتاج البلغم وبصقه، وسعال آخر جاف لا يرافقه إنتاج البلغم. ووجود إنتاج البلغم مع السعال يختلف عن إخراج البلغم، الذي هو عملية مكونة من سعال مع بصق مواد البلغم المنتجة في الجهاز التنفسي إلى الخارج عن طريق الفم.
ولأن السعال له مصادر مختلفة، داخل الجهاز التنفسي وخارجه، فإن دقة أخذ الطبيب لوصف المريض لجوانب متعددة متعلقة بالسعال هو الدور الأكثر فائدة في تقييم المرضى الذين يعانون من السعال، كما أن مجموعة المعلومات التي يصفها المريض عن السعال سوف تُساعد في تشخيص السبب الذي وراء الشكوى من السعال في معظم الحالات.
وإذا لم يكن السعال جزءاً من الأعراض المرضية التي يشكو منها المريض لطبيبه، يجدر توجيه السؤال عنه بشكل محدد، أي هل السعال موجود أم لا؟ والسؤال ليس فقط للمريض، بل أيضاً إلى شريك الحياة أو أفراد العائلة الآخرين، لأن بعض المرضى، بسبب تكرار حصول السعال، لا يكونون مدركين لمدى تكراره لديهم أو شدته، أو يُقللون من مدى وتيرته ومدة المعاناة منه. على سبيل المثال، تشير كثير من المصادر الطبية إلى أنه ليس من غير المألوف أن يغفل المرضى الذين يعانون من التهاب القصبات الهوائية المزمن عن ذكر السعال المتكرر لديهم، وقد ينظر بعض المرضى إلى سعالهم على أنه مجرد «تطهير للحلق»، في حين أن الناس من حولهم يلاحظونه وربما يكونون منزعجين منه.

- أسئلة طبية
بمجرد ذكر المريض أنه يعاني من السعال، يجدر بالطبيب الحصول على معلومات كافية حول خصائصه وظروفه، وذلك عن طريق طرح عدد من الأسئلة المناسبة، التي منها:
> هل كان ظهور السعال مفاجئاً أم متدرجاً؟ وما كان الحدث الذي بدأه؟ وهل بدأ السعال كعرض وحيد، أم رافق ظهور أعراض أخرى؟
> منذ متى بدأ، واستمر، السعال؟ وهل هو مستمر في غالب الوقت أم متقطع يحصل من آن لآخر؟ وهل هو موسمي أو طوال أوقات السنة؟
> ولتحديد مدى خطورة السعال، يُسأل: ما مدى تكرار موجة السعال؟ وكم تدوم كل موجة منها؟ وما هو تأثيره على النشاط اليومي أو الراحة أو النوم؟
> هل السعال يرافقه وجود البلغم أم هو سعال جاف؟ تجدر ملاحظة أن عدم إخراج وبصق بلغم مع السعال لا يشير بالضرورة إلى أن السعال جاف، لأن الكثير من المرضى، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، يميلون إلى ابتلاع البلغم الذي يرتفع ويصل إلى مستوى البلعوم. ولذا سوف يساعد «صوت السعال» في تحديد طبيعته المنتجة للبلغم أو طبيعته الجافة. كما يجب سؤال المرضى الذين يعانون من إنتاج البلغم عن تكرار وتواتر إنتاجه، ووصف خصائص البلغم، بما في ذلك الكمية مع كل موجة سعال، وإجمالي الكمية في اليوم، واللون، ودرجة لزوجته ومدى الإحساس بكثافة كتلته، ومدى سهولة إخراجه، وطعمه، ورائحته، ومدى وجود الدم معه.
> هل السعال هو العرض الوحيد، أم أن ظهور السعال يرافقه أعراض تنفسية أو غير تنفسية أخرى؟ ويجب التحقيق على وجه التحديد حول الحالات المعروفة التي تسبب السعال، خصوصاً عندما تكون الحالة مزمنة ومستمرة.

- مهيجات تنفسية
> بالإضافة إلى تاريخ التدخين والتفاصيل الأخرى عن نوع وسيلة التدخين، وكمية التدخين، ومنذ متى بدأ التدخين، يجدر السؤال عن: ما هي المهيجات التنفسية الأخرى التي يتعرض لها المريض في المنزل أو في العمل؟ وهل هذا التعرض غير مقصود أم مقصود؟ كدخان الحطب أو الروائح أو الغبار أو العفن وغيره.
> ما هي العوامل المثيرة أو المهدئة للسعال؟ وفي أي وقت من النهار أو الليل يكون السعال أو يكون إنتاج البلغم أسوأ؟ وهل يحدث عندما يستلقي الشخص على ظهره أو أحد جانبيه؟ وهل يكون أكثر في الصباح، أم مع الشرب أو الأكل، أم مع ممارسة الرياضة، أم مع تنفس الهواء البارد أو الجاف؟ وهل يوقظ السعال المريض من النوم؟
> هل تغير نمط السعال ومقدار البلغم أو خصائصه الأخرى في الآونة الأخيرة؟
- هل يمكن للمريض تحديد موقع أصل السعال أو البلغم، من الحلق أو أعمق في الصدر؟
> هل عانى المريض من مشكلة مماثلة مع السعال في الماضي؟
> هل للسعال خصائص يمكن التعرف عليها بسهولة، كما هي الحال في «الخانوق» (Croup) أو «السعال الديكي» (Whooping Cough)؟

- أسباب غير تنفسية للسعال
قد يحصل السعال نتيجة لحالات مرضية لا علاقة لها ابتداءً بالجهاز التنفسي، مثل تراكم السوائل في الرئة (Pulmonary Edema)، نتيجة لضعف القلب أو التسريب أو الضيق في الصمامات القلبية، خصوصاً الصمام المايترالي والأورطي، أو اضطرابات إيقاع نبض القلب أو ارتفاع ضغط الدم أو فشل الكلى. وغالباً ما يكون السعال مفاجئاً ويرافقه ضيق شديد في التنفس، وربما إخراج بلغم صافي اللون وممزوج ببقع من الدم.
كما قد يتسبب تضخم الأذين الأيسر للقلب أو توسع الشريان الأبهر أو ورم في القفص الصدري خارج الرئة، بالضغط على أحد الأجزاء في مجاري التنفس، ما يؤدي إلى السعال الجاف. وأيضاً قد يحصل السعال كأحد الأعراض المرافقة لجلطات الرئة، ويكون مفاجئاً ومصحوباً بضيق النفس، وربما ممتزجاً بالدم.
وقد يحصل السعال نتيجة لتهييج مجاري التنفس بفعل تسريب إفرازات المعدة عبر المريء إلى الحلق، خصوصاً في الليل والاستلقاء على الظهر. وترافق هذه الحالات حرقة في الحلق أو الشعور بالحموضة أو المرارة في الحلق مع اضطرابات في البلع.
كما أن صعوبات البلع، أو عملية القيء غير المنضبطة، قد تتسبب بدخول أجزاء من الطعام أو إفرازات المعدة إلى مجاري التنفس، ما يتسبب بتكرار السعال حال تناول الطعام أو شرب السوائل.
وأيضاً ثمة مجموعة من الأدوية التي قد يؤدي تناولها إلى تهييج السعال، خصوصاً السعال الجاف، مثل أنواع من الأدوية التي تستخدم لمعالجة ارتفاع ضغط الدم وضعف القلب.

- التصنيف التشريحي لأسباب السعال
> الأنف والجيوب الأنفية (Sinuses) مثل التهاب الأنف (Rhinitis) أو التهاب الجيوب الأنفية (Sinusitis)، وفيهما يحصل السعال نتيجة سيلان الإفرازات المخاطية من الأنف والجيوب الأنفية نحو الخلف وصولاً إلى الحلق (Postnasal Drip)، ما يثير المستقبلات العصبية في الجهاز التنفسي العلوي، وبالتالي يحصل السعال المفاجئ أو المزمن، مع تكرار التنحنح لتنظيف الحلق، والشعور بانسداد الأنف.
> البلعوم (Pharynx)، نتيجة لالتهاب البلعوم أو وجود ورم فيه، يحصل تهيج لمستقبلات السعال في البلعوم يرافقه سعال مع ألم في الحلق، وكثرة التنحنح.
• الحنجرة (Larynx)، وفي منطقة الحنجرة، تحت البلعوم، ونتيجة لحصول التهاب ميكروبي أو حساسية أو ورم أو وجود جسم خارجي غريب، ينشأ تهييج وإثارة للمستقبلات العصبية للسعال، ما يؤدي إلى «السعال النباحي» (Croup)، أو «الخانوق» (Croup)، مع تغير في الصوت نحو البحة، والصرير، وهو صفير لشهق الهواء عند التنفس، أي صفير معاكس لصفير الهواء في حالات الربو الذي يحصل عند زفير وإخراج الهواء من الصدر. كما قد يؤدي سوء وإجهاد استخدام الصوت إلى تهييج في الحبال الصوتية، ويتسبب بالسعال عند الكلام.
> القصبة الهوائية (Trachea) والشعب الهوائية (Bronchi):
- التهاب القصبات الهوائية (Acute tracheobronchitis) المفاجئ والحاد، والمصحوب بالإفرازات المخاطية، يتسبب بزيادة تهيج مستقبلات السعال، وهو السبب الأكثر شيوعاً للسعال الحاد الذي ينشأ ثم يزول ذاتياً.
- «السعال الديكي» (Pertussis) يحصل فيه التهاب تقرحي في الأنسجة المخاطية المبطنة للجهاز التنفسي، ما يُؤدي إلى صدور نوبات من السعال الشديد الذي ينتهي بالشهيق عالي الصوت مع خروج البلغم.
- وفي حالات التهاب القصبات الهوائية المزمن، نتيجة زيادة الحساسية والخلل في تركيب أهداب الخلايا المبطنة للقصبات، يحصل السعال المزمن، خصوصاً لدى المدخنين في أوقات الصباح لإخراج الإفرازات المخاطية المتراكمة، التي لا يتخلص منها الجهاز التنفسي كما هي العادة.
- وفي حالات توسع القصبات (Bronchiectasis)، تحصل زيادة في الإفرازات المخاطية بفعل الالتهابات الميكروبية، ويؤدي ذلك إلى السعال وإخراج كميات كبيرة من البلغم ذي الرائحة الكريهة، وربما يمتزج البلغم ببقع من الدم.
- وفي حالات الأورام، يحصل تهيج ميكانيكي لمستقبلات السعال بسبب وجود كتلة الورم في مجاري التنفس، مع ما يرافق ذلك من زيادة الإفرازات المخاطية أو حصول التهاب ميكروبي مرافق، ما يؤدي إلى السعال وربما خروج دم معه، وذلك في حالات تغير نوعية السعال لدى المدخنين مثلاً.
- أما في حالات الربو، ونتيجة لتضيق مجاري التنفس وانقباض العضلات المغلفة لها وزيادة الإفرازات المخاطية، يحصل السعال المتكرر أو المزمن، وقد يرافق ذلك صفير الصدر أو ضيق في التنفس أو خروج البلغم.
- كما قد يحصل السعال بالآلية نفسها نتيجة تهييج مجاري التنفس بفعل استنشاق الغازات المهيجة أو الغبار.
> أنسجة الرئة (Pulmonary Parenchyma)، وذلك في حالات التهابات الرئة أو خراج الرئة أو درن السلّ في الرئة أو تليف أنسجة الرئة. والتهابات الرئة تتسبب بسعال جاف، بداية، ثم مع البلغم، إضافة إلى الأعراض الأخرى كارتفاع الحرارة والإعياء البدني. وسعال خراج الرئة يرافقه إخراج بلغم كثير ذي رائحة كريهة وربما ممزوج بالدم. وسعال تليف الرئة، نتيجة عوامل عدة، يكون سعالاً مزمناً وجافاً ويرافقه ضيق في النفس.

* استشارية في الباطنية


مقالات ذات صلة

فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

يوميات الشرق ممرضة مصرية تستعين بعربة «كارو» للوصول لقرية تستهدفها حملة التطعيم ضد الحصبة (وحدة طب الأسرة بالكفر الشرقي بكفر الشيخ)

فرَق الصحة المصرية تستعين بـ«الباعة الجائلين» للإعلان عن حملة تطعيم

شهدت الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في مصر مشاهد غير مألوفة.

محمد عجم (القاهرة)
صحتك شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)

موافقة أميركية تمهّد لتوفير حقنة للوقاية من «إيدز» بـ40 دولاراً سنوياً

تتيح موافقة أميركية على نسخة عامة من حقنة للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية توفيرها في 120 دولة بتكلفة 40 دولاراً سنوياً للشخص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك في مجال العلاج الطبيعي يُطلق على سرعة المشي اسم «العلامة الحيوية السادسة» لما له من دلالة على الصحة العامة (بيكساباي)

دراسة: سرعة مشيك قد تحمل مؤشراً على طول عمرك

تشير بحوث جديدة إلى أن سرعة مشي الشخص المعتادة قد تقدم مؤشرات على صحته العامة وطول عمره.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
صحتك أجرى العملية فريق طبي متخصص بـ«مستشفى قوى الأمن» باستخدام تقنية الروبوت في ترميم الثدي (واس)

السعودية تُسجل نجاح أول عملية نوعية لترميم الثدي بروبوت

نجح «مستشفى قوى الأمن» بالعاصمة السعودية الرياض في إجراء أول عملية من نوعها لترميم الثدي باستخدام تقنية الجراحة الروبوتية، لسيدة تبلغ من العمر 43 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

تحركت كايت أدمالا على المنصة ذهاباً وإياباً، داخل «معهد تاريخ العلوم» في فيلادلفيا، بينما ظهرت على شاشة القاعة كتلة تتوهج باللون الأحمر.

كارل زيمر (نيويورك)

موافقة أميركية تمهّد لتوفير حقنة للوقاية من «إيدز» بـ40 دولاراً سنوياً

شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)
شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)
TT

موافقة أميركية تمهّد لتوفير حقنة للوقاية من «إيدز» بـ40 دولاراً سنوياً

شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)
شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)

وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على نسخة جنيسة منخفضة التكلفة من الحقنة الوحيدة عالمياً التي تُعطى مرتين سنوياً للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية المسبّب للإيدز، في خطوة مهمة نحو تسريع توفير الدواء بأسعار ميسورة في 120 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

جاء هذا الإعلان صباح يوم الاثنين من قِبل الشركة المصنّعة، ومنظمات ساهمت في تسريع تطوير هذا العقار، الذي يحمل اسم ليناكابافير (lenacapavir).

ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة الدواء 40 دولاراً سنوياً للشخص الواحد في الدول التي سيتوفر فيها، وهو السعر ذاته للأقراص الوقائية اليومية المتاحة حالياً. لكن الحقن تُعد أكثر ملاءمة بكثير من الأقراص؛ نظراً لأنها تُعطى على فترات متباعدة، كما أنها منعت الإصابات الجديدة بصورة شبه كاملة في دراستين رائدتين شملتا أشخاصاً أكثر عرضة لخطر الإصابة.

تقول كارمن بيريز كاساس، مسؤولة ملف فيروس نقص المناعة البشرية في منظمة «يونيتيد» (Unitaid)، وهي منظمة صحية عالمية تموّل مشروعات لتوسيع إتاحة الأدوية، ووسائل الوقاية، إن الناس لا يتناولون دائماً جرعتهم اليومية من الدواء، «وإذا لم تتناوله، فلا يمكنك الحصول على الحماية من فيروس نقص المناعة البشرية». وأضافت: «مع ليناكابافير أصبحنا أكثر تفاؤلاً بكثير».

ويرى المدافعون عن الصحة العامة أن هذا العقار سيساهم في نهاية المطاف في خفض أعداد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، ومرض الإيدز، وكذلك تقليل الوفيات الناجمة عنهما. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، كان هناك 41 مليون شخص حول العالم يتعايشون مع فيروس نقص المناعة البشرية في العام الماضي، بينما توفي 570 ألف شخص لأسباب مرتبطة بالفيروس.

وتقول كارولين أمول، التي تدير برنامج فيروس نقص المناعة البشرية في «مبادرة كلينتون للوصول إلى الصحة» (Clinton Health Access Initiative) -وهي منظمة صحية عالمية: «مع توفر نسخة عامة عالية الجودة، وبسعر ميسور، يمكننا المساعدة في توسيع نطاق الوصول إلى هذا الدواء ليشمل 20 مليون شخص حول العالم ممن يحتاجون إلى الوقاية قبل التعرّض»، وهي أدوية تُصرف بوصفة طبية للأشخاص المعرّضين لخطر الإصابة بالفيروس قبل تعرّضهم له.

وتضيف قائلة: «وإذا تمكنا من الوصول إلى هذه الأعداد، فبإمكاننا فعلياً البدء في وضع حد لوباء فيروس نقص المناعة البشرية». لا يمكن بيع النسخة العامة من عقار ليناكابافير في الولايات المتحدة؛ نظراً لأن النسخة الأصلية التي تحمل اسماً تجارياً -وهي عقار «يزتوغو» (Yeztugo) الذي تنتجه شركة «جيلياد ساينسز» وحصل على الموافقة العام الماضي- لا تزال محمية ببراءة اختراع. ويبلغ السعر المُعلن لهذا العقار في الولايات المتحدة -أي التكلفة قبل احتساب التغطية التأمينية- 28.218 دولار سنوياً. وتؤكد شركة «جيلياد» أن هذا السعر يتماشى مع تكلفة أنواع أخرى من الأدوية المستخدمة في «الوقاية قبل التعرّض لفيروس نقص المناعة البشرية.

موافقة أميركية تسرّع إتاحة الدواء

وقد منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية الموافقة على هذه النسخة العامة بموجب إجراء متّبع منذ فترة طويلة، يهدف إلى ضمان جودة الأدوية المتعلّقة بفيروس نقص المناعة البشرية التي توفرها الحكومة الأميركية لدول أخرى. ومن شأن حصول أي دواء على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن يسرّع من إجراءات اعتماده في العديد من الدول الأخرى. وتُصنف هذه الموافقة على أنها «موافقة مبدئية»؛ وهو التعبير القياسي الذي تستخدمه الإدارة للأدوية العامة طالما ظل العقار الأصلي محمياً ببراءة اختراع.

وحتى الآن، كانت شركة «جيلياد» المورد الوحيد لعقار ليناكابافير، وقد فاق الطلبُ المعروضَ في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وفي العام الماضي، أبرمت «جيلياد» اتفاقيات ترخيص دون إتاوات مع ست شركات مصنّعة للأدوية العامة لتمكين إنتاج العقار. وتغطي هذه التراخيص الطوعية مجموعة محددة من الدول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وآسيا، وأميركا اللاتينية.

وتشمل الآثار الجانبية الشائعة لعقار ليناكابافير تفاعلات في موضع الحقن، وصداعاً، وغثياناً. كما يجب على الأفراد الخضوع لفحص فيروس نقص المناعة البشرية قبل البدء في تناول العقار، ومع كل جرعة حقن؛ فقد رُصدت حالات لفيروس مقاوم للأدوية لدى أشخاص استخدموا العقار وهم مصابون بالفيروس دون علمهم.

ويشير القائمون على هذه الجهود إلى أن النسخ العامة (غير التجارية) من عقار ليناكابافير قد تصبح متاحة في بعض المناطق خلال أسابيع، رغم أن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول في البلدان التي تشترط خضوع الدواء لعمليات اعتماد محلية قبل السماح باستخدامه. أما النسخ العامة التي تنتجها شركات أخرى، فلم تحصل بعد على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية.


أجهزة قابلة للارتداء تتنبأ بأزمات ضغط الدم

قياس ضغط الدم لشخص باستخدام جهاز رقمي (مؤسسة القلب الوطنية في أستراليا)
قياس ضغط الدم لشخص باستخدام جهاز رقمي (مؤسسة القلب الوطنية في أستراليا)
TT

أجهزة قابلة للارتداء تتنبأ بأزمات ضغط الدم

قياس ضغط الدم لشخص باستخدام جهاز رقمي (مؤسسة القلب الوطنية في أستراليا)
قياس ضغط الدم لشخص باستخدام جهاز رقمي (مؤسسة القلب الوطنية في أستراليا)

أظهرت دراسة أميركية أن الجمع بين أجهزة مراقبة ضغط الدم القابلة للارتداء وتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يتيح التنبؤ بأزمات ارتفاع ضغط الدم قبل حدوثها بفترة تصل إلى 3 أيام، مما يمنح المرضى والأطباء فرصة للتدخل المبكر، وتجنب مضاعفات قد تهدد الحياة.

وأوضح الباحثون من جامعة ميريلاند أن تحليل أنماط ضغط الدم على مدار اليوم، إلى جانب بيانات أجهزة تتبع اللياقة البدنية التي تُرتدى حول المعصم، يساعد في تحديد الأشخاص الأكثر عُرضة للإصابة بأزمة ارتفاع ضغط الدم، ومن المقرر عرض النتائج خلال الجلسات العلمية لعام 2026 لجمعية القلب الأميركية، المقرر عقدها في مدينة شيكاغو خلال الفترة من 6 إلى 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

وتحدث أزمة ارتفاع ضغط الدم الطارئة عندما يبلغ الضغط 180/120ملليمتر زئبق أو أكثر، بالتزامن مع حدوث تلف حاد في أحد أعضاء الجسم، مثل القلب أو الدماغ أو الكلى أو العينين. وتستدعي هذه الحالة تدخلاً طبياً فورياً، إذ قد تؤدي إلى النوبة القلبية والسكتة الدماغية وتلف الكلى. وتشمل أعراضها المحتملة ألم الصدر وضيق التنفس والصداع الشديد وتشوش الرؤية والغثيان والقيء والارتباك الذهني.

ولاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بهذه الأزمات، استخدم الباحثون جهازاً محمولاً مزوداً برباط يُلف حول الذراع لقياس ضغط الدم، وآخر يُرتدى حول المعصم لمراقبة مؤشرات القلب والأوعية الدموية، مثل معدل ضربات القلب والتباين في الفترات الزمنية بين ضرباته.

وجمعت الأجهزة قراءات متكررة لضغط الدم خلال الأنشطة اليومية وأثناء النوم، وحلل نموذج الذكاء الاصطناعي البيانات لرصد أنماط ترتبط بزيادة احتمالات حدوث الأزمة خلال الساعات الـ72 التالية. وعند ارتفاع مستوى الخطر، كان النظام يرسل تنبيهاً إلى الطبيب للتواصل مع المريض ومراجعة أعراضه، وتعديل جرعات الأدوية عند الحاجة.

وشملت الدراسة 4190 من الرجال والنساء تتراوح أعمارهم بين 40 و85 عاماً، ويعانون ارتفاع ضغط الدم من المرحلة الثانية، بمتوسط عمر بلغ 62 عاماً.

وخلال متابعة استمرت 12 شهراً، رصد الباحثون 418 أزمة ارتفاع ضغط الدم لدى 312 مشاركاً، أي نحو 7 في المائة من إجمالي المشاركين. وأظهرت النتائج قدرة النموذج على التمييز بين الأشخاص الأكثر والأقل عُرضة للإصابة بالأزمة قبل وقوعها بما يصل إلى 72 ساعة.

وتعرض نحو 32 في المائة ممن تلقوا تنبيهات بارتفاع خطر الإصابة لأزمة فرط ضغط الدم بالفعل، بينما لم يُصب 97.4 في المائة ممن لم يتلقوا تنبيهات بهذه الأزمة.

وكشفت الدراسة عن علامتين ارتبطتا بزيادة خطر الإصابة؛ الأولى عدم انخفاض ضغط الدم أثناء النوم، خلافاً للانخفاض الطبيعي المتوقع خلال ساعات الراحة، وهو ما ارتبط بزيادة احتمالات حدوث الأزمة 5 أضعاف.

أما الثانية، فتمثلت في ارتفاع ضغط الدم بأكثر من 35 ملليمتر زئبق بعد الاستيقاظ مقارنة بمستواه أثناء الليل، وارتبطت بزيادة احتمالات الإصابة 4 أضعاف.

وأظهرت النتائج أيضاً أن التدخل الطبي المبكر قد يحد من المضاعفات؛ إذ انخفضت أزمات ارتفاع ضغط الدم بنحو 61 في المائة، وتراجعت زيارات أقسام الطوارئ بنحو 45 في المائة، لدى المرضى الذين استجاب أطباؤهم لتنبيهات النظام وعدّلوا علاجهم خلال 24 ساعة، مقارنة بمن لم يحصلوا على تدخل مبكر.

وأشار الباحثون إلى أن التعامل مع ارتفاع ضغط الدم اعتمد لعقود على قياسات تُجرى في أوقات محددة، رغم احتمال غياب العلامات التحذيرية قبل حدوث مضاعفات خطيرة. وقد توفر التقنيات الرقمية صورة أكثر تفصيلاً عن أنماط الضغط بين الزيارات الطبية، بما يعزز الرعاية الشخصية ويُحسّن متابعة العلاج والالتزام بالأدوية.

 


دراسة: سرعة مشيك قد تحمل مؤشراً على طول عمرك

في مجال العلاج الطبيعي يُطلق على سرعة المشي اسم «العلامة الحيوية السادسة» لما له من دلالة على الصحة العامة (بيكساباي)
في مجال العلاج الطبيعي يُطلق على سرعة المشي اسم «العلامة الحيوية السادسة» لما له من دلالة على الصحة العامة (بيكساباي)
TT

دراسة: سرعة مشيك قد تحمل مؤشراً على طول عمرك

في مجال العلاج الطبيعي يُطلق على سرعة المشي اسم «العلامة الحيوية السادسة» لما له من دلالة على الصحة العامة (بيكساباي)
في مجال العلاج الطبيعي يُطلق على سرعة المشي اسم «العلامة الحيوية السادسة» لما له من دلالة على الصحة العامة (بيكساباي)

تشير بحوث جديدة إلى أن سرعة مشي الشخص المعتادة قد تقدم مؤشرات على صحته العامة وطول عمره.

وقد تابعت دراسة -نُشرت في دورية «جاما نتورك أوبن» الأميركية- 4067 شخصاً بالغاً؛ بلغ متوسط ​​أعمارهم نحو 69 عاماً، وذلك لبحث ما إذا كانت سرعة مشيهم المعتادة مرتبطة باحتمالية الوفاة بمرور الوقت.

وأجرى المشاركون في بريطانيا اختباراً قصيراً للمشي بوتيرتهم المعتادة، كما ارتدوا جهازاً لتتبع النشاط البدني على معصمهم لمدة 9 أيام؛ بهدف رصد سرعة مشيهم أثناء ممارسة حياتهم اليومية، وفق ما ذكره تقرير لشبكة «فوكس نيوز» الإخبارية.

وعلى مدى فترة متابعة قاربت 12 عاماً، ارتبطت سرعة المشي بانخفاض خطر الوفاة، وذلك حتى بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان عوامل أخرى تتعلق بالصحة ونمط الحياة. وقد بلغ إجمالي عدد المشاركين الذين توفوا خلال تلك الفترة 739 شخصاً.

وتشير بيث تمبلين -وهي اختصاصية سريرية معتمدة في طب الشيخوخة والرئيسة التنفيذية لمركز «هاوس فيت» للعلاج الطبيعي واللياقة البدنية في سانت لويس في أميركا- إلى أن سرعة المشي يمكن أن تقدم نظرة أشمل حول مدى كفاءة وظائف الجسم.

وتقول تمبلين: «في مجال العلاج الطبيعي، نطلق على سرعة المشي اسم (العلامة الحيوية السادسة)؛ لأنها تقدم لمحة سريعة عن مدى كفاءة عمل أنظمة الجسم المختلفة معاً». ووفقاً للطبيبة، يمكن للتغيرات في سرعة المشي أن تقدم مؤشرات حول الحالة الصحية للفرد.

وتوضح قائلة: «لكي تمشي بخطوات سريعة، فأنت بحاجة إلى ساقين قويتين، وقلب ورئتين يتمتعان بصحة جيدة، وتوازن جيد، بالإضافة إلى دماغ وجهاز عصبي قادرين على تنسيق كل هذه العمليات».

وتضيف تمبلين: «عندما تبدأ سرعة المشي في الانخفاض، غالباً ما تكون تلك علامة تحذير مبكرة على تراجع كفاءة أحد تلك الأنظمة، وقد يظهر هذا التراجع قبل أن تكشف عنه أي فحوصات مخبرية».

وبالنسبة لكبار السن الذين يرغبون في تحسين سرعة مشيهم ولياقتهم البدنية بشكل عام، قد لا يكون مجرد زيادة عدد الخطوات كافياً.

وتنصح تمبلين قائلة: «اعمل على بناء المحرِّك (أي القدرات البدنية)، وليس فقط اكتساب عادة المشي. فمعظم الناس يحاولون زيادة مسافة مشيهم، ولكن السرعة تنبع في الواقع من القوة والتوازن».

وتقترح الطبيبة تقوية الساقين من خلال تمارين بسيطة، مثل النهوض من الكرسي دون استخدام اليدين، أو رفع الكعبين عن الأرض أثناء التمسك بطاولة أو سطح ثابت.

كما توصي بإضافة فترات قصيرة من المشي السريع؛ إذ يمكن للشخص -بعد الإحماء- أن يمشي بخطوات سريعة لمدة دقيقة، ثم يبطئ وتيرته لمدة دقيقتين، ويكرر ذلك مع زيادة فترات المشي السريع تدريجياً.

ويشير الخبراء إلى أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن مجرد المشي بسرعة أكبر سيؤدي إلى إطالة العمر.

وتؤكد تمبلين مجدداً: «تُظهر هذه الدراسة وجود ارتباط؛ لكنها لا تقدم دليلاً على أن المشي بسرعة أكبر بحد ذاته يضيف سنوات إلى عمر الإنسان».

وأشار الباحثون إلى أن المشاركين في الدراسة كانوا -بشكل عام- أكثر صحة من المجموعة الأوسع. كما أنه لا توجد طريقة معيارية موحدة لقياس سرعة المشي اليومية باستخدام أجهزة تتبع النشاط التي تُرتدى على المعصم.