«متحف التحرير» سيظل وجهة لمحبي الآثار

مع احتفال مصر بمرور 116 عاماً على تأسيسه... والاستعدادات لافتتاح متحف جديد

TT

«متحف التحرير» سيظل وجهة لمحبي الآثار

في محاولة لتخفيف الشكوك حول مستقبل المتحف المصري بالتحرير، عندما يتم افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة، نظمت وزارة الآثار المصرية، مساء أول من أمس (الاثنين)، حفلاً بمناسبة مرور 116 عاماً على افتتاح متحف التحرير، حضره 18 وزيراً، إضافة إلى عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين، وسفراء وممثلي البعثات الأجنبية، معلنين عن خطة لتطوير المتحف التاريخي ليظل واحداً من أهم المتاحف المصرية والعالمية.
ويعد المتحف المصري بالتحرير من أوائل المتاحف بالعالم، ويعود تاريخ إنشاؤه إلى عام 1897 عندما وضع المعماري الفرنسي مارسيل دورنون تصميم المتحف على ضفاف النيل، وتم افتتاحه في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1902.
ومع مرور الزمن أصبح المتحف متكدساً بالآثار إلى درجة أن البعض وصفه بالمخزن، حيث يضم 160 ألف قطعة أثرية، وهو ما كان سبباً في إنشاء متحفين جديدين: المتحف المصري الكبير، ومتحف الحضارة.
تقول إلهام صلاح، رئيس قطاع المتاحف بوزارة الآثار، إن «الشعور بالانزعاج على مستقبل المتحف المصري بالتحرير بدأ عام 1999 عندما تم وضع حجر أساس متحف الحضارة، وبعد ذلك عند إجراء المسابقة العالمية لتصميم المتحف الكبير عام 2002».
وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «العالم بدأ يتساءل عما سيحدث للمتحف المصري، هل سيتم إهماله أو إغلاقه، لكن ما لا يعرفه الناس أنه في تلك الفترة بدأت مجموعة من خبراء المتاحف الإيطاليين، مع فريق من العلماء المصريين وضع رؤية للمتاحف الثلاثة، وتم الاتفاق على فكرة وهوية كل متحف بحيث تكون المتاحف الثلاثة على نفس الدرجة من الأهمية، ثلاث أيقونات مصرية».
وحول المخاوف من خروج عدد كبير من القطع الأثرية من متحف التحرير، قالت صلاح إن «التعليق الشهير المنتشر عن المتحف أنه مخزن، مما يعني وجود عدد كبير من القطع الأثرية المتكدسة به، والتحدي هو كيفية إعادة عرض القطع الأثرية وفق سيناريو عرض يمنحها البريق والإبهار»، مشيرة إلى أنه «تم تشكيل لجنة من علماء الآثار والمتاحف، ومديري 5 من متاحف العالم الكبرى، يعملون حالياً على وضع تصور لشكل متحف التحرير».
وأضافت: «تم اختيار أهم 5 آلاف قطعة أثرية للحفاظ على هوية المتحف، ويجري حالياً وضع تصور لسيناريو العرض، باستخدام التكنولوجيا، لمنحه صبغة عالمية، دون المساس بهويته وتاريخه»، مشيرة إلى أنه «سيتم الحفاظ على فكرة عقارب الساعة التي كانت أساساً لسيناريو العرض القديم، والحفاظ على بعض الفتارين القديمة، لكن سيضاف بعض التكنولوجيا مثل حائط المعرفة».
وكان متحف التحرير يضم مجموعة آثار الفرعون الذهبي «توت عنخ آمون»، غير أنه تم نقل جزء كبير منها إلى المتحف المصري الكبير، الذي يجري إنشاؤه حالياً بميدان الرماية بالجيزة، مما يعني فقدان متحف التحرير أهم مقتنياته.
ورغبةً في تعويض متحف التحرير عن فقدان أهم معروضاته، أجرت وزارة الآثار المصرية تعديلات على سيناريو عرض مجموعة آثار يويا وتويا، وعرضتهما في نفس المكان الذي كانت تعرض فيه بعض مقتنيات الفرعون الذهبي، وأضافت إليها بردية يويا، وهي جزء من كتاب الموتى، كانت موجودة بالمخازن منذ اكتشافها عام 1905، ليتم عرضها للمرة الأولى للجمهور في الاحتفال بعيد ميلاد المتحف المصري.
وتعد أطول بردية، حيث يبلغ طولها 20 متراً، وتضم مجموعة يويا وتويا 214 قطعة أثرية، وتم عمل تطبيق باستخدام تكنولوجيا الواقع المعزز «augmented reality»، لشرح محتويات مقبرة يويا وتويا وبردية يويا بلغة سهلة، وبطريقة «3D»، ومن المقرر أن يضم سيناريو العرض الجديد للمتحف المصري مجموعة آثار تانيس، والآثار المستردة من الخارج.
وتقول صلاح إن «آثار يويا وتويا كانت معروضة من قبل، لكن اليوم مع سيناريو العرض الجديد شكلها مختلف»، مشيرةً إلى أنها «تشعر بالخجل عندما يتم إخراج قطعة من المخازن وعرضها بالمتحف، وتقف مذهولة أمامها لأنها لم ترها رغم أنها تعمل في المتحف منذ 19 عاماً»، لافتةً إلى أن «آثار تانيس الموجودة بمتحف التحرير لم تحظَ بما تستحق».
وأوضحت صباح العبد الرازق، مدير عام المتحف، أن «مقبرة يويا وتويا تم الكشف عنها قبل اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون بـ17 عاماً، وهي المقبرة رقم 46. ويويا وتويا هما والدا الملكة تي زوجة الملك أمنحتب الثالث، وجد وجدة الملك إخناتون، وحظي كل منهما بمكانة رفيعة لدرجة نحت مقبرتهما في وادي الملوك بالبر الغربي بالأقصر، هذا المكان الذي كان مخصصاً فقط لمقابر الملوك».
وتعد بردية «يويا» أطول بردية عُثر عليها في مصر، وأوضح مؤمن عثمان، مدير إدارة الترميم بمتحف التحرير، أن البردية عُثر عليها متكاملة في شكل لفافة ممتدة، وفي حالة جيدة من الحفظ، ولم يكن في الإمكان عرضها بصورتها الكاملة نظراً إلى طولها الذي يقرب من 20 متراً، لذلك تم تقسيمها عند اكتشافها إلى 35 جزءاً، مشيراً إلى أنه «تم تجميع البردية بعد توثيقها لعرضها في المتحف».
وقال إن «البردية تتضمن 40 تعويذة من (كتاب الموتى)، أو كتاب (الخروج بالنهار)، وهو مجموعة مختارة من التعاويذ والتلاوات والاعترافات والإرشادات، ومجموعة أخرى من المتون الجنائزية». وتعمل وزارة الآثار على تطوير متحف التحرير بالتعاون مع متاحف (تورين وبرلين واللوفر ولايدن والمتحف البريطاني)، وفقاً لمعايير منظمة «يونيسكو»، وتم وضع خطة عمل تستمر 7 سنوات.
وأوضح الدكتور حسن سليم، رئيس لجنة سيناريو العرض المتحفي، لـ«الشرق الأوسط» أن «سيناريو العرض في المتحف مقسم على 5 مراحل، تستمر لمدة 7 سنوات، المرحلة الأولى تتم بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وأهم 5 متاحف في العالم، وتستمر لمدة عامين، ويتم خلالها عمل الخطة الرئيسية ومدخل المتحف، حيث سيتم عرض القطع الأثرية وفقاً لترتيب زمني تبدأ بعصور ما قبل التاريخ وعصر الأسرتين الأولى والثانية».
وقال: «سنختار أهم القطع الأثرية الممثِّلة لكل فترة، مثل أول رأس لمعبود، وهو رأس بني سلامة، وأول رسم في الحضارة المصرية وهي مقبرة الزعيم، المقبرة 100، وسنضع تمثالين مبهرين لأول مرة يظهران هما تمثال كبير للملك نع مر وزوجته، وهكذا ترتيب زمني تاريخي». وأضاف أن «متحف التحرير سيكون متحفاً للفن، لذلك تم اختيار المعروضات لتكون أهم وأجمل قطع أثرية تمثل الفن المصري القديم».


مقالات ذات صلة

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

يوميات الشرق عدد من المضبوطات التي عُثر عليها وفقاً لما أعلنته الشرطة الأسترالية (الموقع الرسمي لشرطة كوينزلاند)

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

ألقت شرطة كوينزلاند القبض على رجل متهم بتدبير عملية سطو جريئة على تحف مصرية لا تقدر بثمن من متحف في أستراليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون زاهي حواس (صفحته على «فيسبوك»)

زاهي حواس: الإعلان عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل

كشف عالم المصريات الدكتور زاهي حواس، إن مصر ستعلن العام المقبل عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
يوميات الشرق البهو العظيم للمتحف المصري الكبير (تصوير: عبد الفتاح فرج)

المتحف المصري الكبير يفيض بالزائرين... ويوقف بيع تذاكره

أعلنت وزارة السياحة والآثار تنظيم دخول المتحف وحجز التذاكر بطريقة جديدة بعد الإقبال الكبير الذي شهده المتحف من الزائرين، الجمعة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ظهور صورة حسين عبد الرسول خلال افتتاح المتحف المصري الكبير أمس بعد استعراض قصته p-circle

كيف اكتشف طفل مصري مقبرة «الفرعون الذهبي» بالصدفة؟

بين أضواء حفل المتحف المصري الكبير، عادت إلى الأذهان قصة الطفل المصري حسين عبد الرسول، الذي كان أول مَن لمح مدخل المقبرة الأسطورية عام 1922.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق سياح على الدرج العظيم بالمتحف المصري الكبير (أ.ب)

ما الذي يجعل «المتحف المصري الكبير» مميزاً؟

يضم المتحف المصري الكبير الذي يُفتتح رسمياً اليوم في القاهرة، أبرز القطع الأثرية من عصر الفراعنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.