جيل كيبل {أكبر مثقف عربي}!

المفكر الفرنسي ومشكلة القرن الحادي والعشرين الخارجة من أعماق التاريخ

جيل كيبل  -  غلاف كتاب «الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط» لكيبل
جيل كيبل - غلاف كتاب «الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط» لكيبل
TT

جيل كيبل {أكبر مثقف عربي}!

جيل كيبل  -  غلاف كتاب «الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط» لكيبل
جيل كيبل - غلاف كتاب «الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط» لكيبل

لو طرحوا عليّ هذا السؤال: من هو أكبر مثقف عربي في الوقت الراهن؟ لأجبت على الفور ودون أدنى تردد: إنه جيل كيبل. أعرف أنهم سيقولون إني ألقي بالكلام على عواهنه، وإني مولع بمقولة: خالف تعرف. أعرف أني سوف أصدم الكثيرين وأدوخهم، وربما اتهموني بالخيانة العظمى إذ أقول ما أقول. فكيف يمكن لمثقف أجنبي - فرنسي تحديداً - أن يكون أكبر مثقف عربي؟ ما هذا الهراء؟ ما هذه المغالطات السفسطائية؟ كنا نتوقع أنك أكثر ذكاءً وفهماً وبصيرة. عد إلى رشدك، أيها الإنسان المغرور المتغطرس الضال المضل. متى ستعقل، وتتفوه بكلام متوازن مفهوم مهضوم؟ ولكن الأنكى من ذلك هو أني مصر على هذا الكلام، ولم أتفوه به إلا بعد طول تأمل وتردد وتمحيص. وإذا لم يستطع هذا المقال الدفاع عن هذه الأطروحة المتهورة، فلن يكون له أي معنى. وبإمكانكم أن ترموه في سلة المهملات بعد قراءته مباشرة، أو حتى دون قراءة.
كان هيغل يقول إن الفلسفة تعني القبض على الواقع من خلال الفكر؛ بمعنى أنها تشرح الواقع الراهن وتضيئه. وكان يقول أيضاً - إذا لم تخني الذاكرة - إن الفيلسوف الكبير هو مفكر المشكلة الواحدة: أي مشكلة العصر التي استعصت على الجميع دون أن يتمكنوا من حلها؛ إنها تشبه الحلقة المفرغة أو الضائعة التي لم يعثر عليها أحد بعد. وحده المفكر الكبير يستطيع إيجادها والقبض عليها. والآن، أطرح عليكم هذا السؤال: ما المشكلة الأساسية للعصر العربي الراهن، بل وللعصر الإسلامي كله، أي العصر التركي والإيراني والباكستاني والأفغاني... إلخ؟ إنها المشكلة الأصولية، أو مشكلة الظلامية الدينية. ومن الذي كرس حياته كلها للتركيز عليها والبحث فيها والنبش والحفر أكثر من جيل كيبل؟ منذ أربعين سنة وهو يشتغل عليها. منذ أربعين سنة وهي شغله الشاغل. وحسناً فعل، لأنه ثبت بالدليل القاطع أنها مشكلة العصر كله، وليس فقط العصر العربي أو الإسلامي. وإذا كانت الشيوعية التوتاليتارية هي مشكلة القرن العشرين، فإن الأصولية التوتاليتارية الإخونجية هي مشكلة القرن الحادي والعشرين.
- وهم المثقفين
منذ أن أصدر كتابه الكبير الأول «النبي والفرعون»، عام 1984، عن الحركات الأصولية المصرية، حتى كتابه الأخير الذي صدر قبل أسابيع قليلة في العاصمة الفرنسية، تحت عنوان «الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط»، مروراً بكتاب «الجهاد» عام 2000، وكتاب «فتنة: حرب في قلب الإسلام» عام 2004، ثم «رعب في قلب فرنسا: نشأة الجهاد الفرنسي» عام 2015... إلخ، ما انفك جيل كيبل يلف حول المسألة الأصولية ويدور. ما انفك يقلبها على جوانبها كافة لفهم سرها وسبر كنهها. لهذا السبب أقول إنه أكبر مثقف عربي.
أين يكمن نقص كثير من المثقفين العرب والفرنسيين؟ وهو النقص الذي تحاشاه كيبل. إنه يكمن في توهمهم أن الأصولية الدموية الجهادية هي عبارة عن حركة مؤقتة سطحية عابرة. أما هو، فقد عرف فوراً بحدسه الثاقب أنها حركة بنيوية مفصلية خارجة من أعماق التاريخ العربي الإسلامي. وبالتالي، فهي ليست مزحة على الإطلاق، وإنما تستحق التركيز الشديد. إنها حركة متفجرة من أعماق الأعماق التراثية. وهذا ما دعوته أنا شخصياً بالبراكين التراثية.
وللتدليل على أن رهانات جيل كيبل المعرفية كانت صائبة، سوف أروي النادرة التالية: يقول عبد الوهاب المؤدب إنه صدم عندما قرأ كتاب كيبل الأول «النبي والفرعون». لقد شعر بانزعاج شديد لأنه ما كان يتوقع أن صورة الإسلام يمكن أن تكون سلبية إلى هذا الحد. نقول ذلك، خصوصاً أنه مولود في عائلة تونسية عريقة، بل وكان أبوه أحد مشايخ الزيتونة الشهيرة. وبالتالي، يصعب عليه أن يتحدث أحدهم عن الإسلام أو الحركات الإسلامية بهذا الشكل، ولكنه فيما بعد أصبح متفهماً تماماً لتحليلات جيل كيبل، بل وتحول هو ذاته إلى أكبر ناقد للأصولية الإسلاموية. بمعنى أنه تجاوز جيل كيبل في الحملة عليها ونقدها وتفكيكها. والدليل على ذلك أنه أصدر كتاباً مشهوراً بعنوان «مرض الإسلام». كل هذا دليل على أن جيل كيبل كان سابقاً لأوانه. ولهذا السبب، نال كل هذه الشهرة في الساحة الفرنسية والعربية والعالمية. لقد اكتشف المشكلة الأساسية للعصر، وجعلها مشكلته الشخصية على مدار أربعين سنة متواصلة.
لا ريب في أن عدوه اللدود أولفييه روى له أهميته أيضاً. فكتابه عن الجهل المقدس والتدين بلا ثقافة يستحق الاحترام، ولكنه وقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه المثقفون العرب اليساريون، ألا وهو التهوين من مشكلة الأصولية، واعتبارها مجرد مشكلة اقتصادية اجتماعية عابرة، وما إن تسوى مشاكل المغتربين اقتصادياً حتى تنحل الأصولية من تلقاء ذاتها، وتتبخر وتذوب. جيل كيبل لا ينكر إطلاقاً أهمية العوامل الاقتصادية والاجتماعية في بروز ظاهرة الأصولية وتضخمها إلى مثل هذا الحد، ولكنه يعرف أن لهذه المشكلة خصوصيتها الذاتية التي لا ينبغي اختزالها كلياً إلى العوامل المادية والفقر المدقع. من هذه الناحية، فإن جيل كيبل وريث حقيقي لكبار فلاسفة الأنوار، من أمثال فولتير وديدرو وجان جاك روسو وكانط ورينان وفيكتور هيغو... إلخ. فكما أن مشكلة الأصولية المسيحية، وبالأخص الكاثوليكية، كانت شغلهم الشاغل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن مشكلة الأصولية الإسلامية هي شغله الشاغل حالياً. وذلك لأن الأصولية المسيحية لم يعد لها وجود في أوروبا، وإنما أصبحت نسياً منسياً. فهل تحارب طواحين الهواء؟ أما الأصولية الإسلامية، فهي في عز عنفوانها، ومقدرتها على الضرب والتفجير. وبالتالي، فشيء موضوعي ومنطقي أن تكون الشغل الشاغل للمثقفين العرب. والواقع أن كثيراً منهم لم يهملوها. نذكر على سبيل المثال لا الحصر العفيف الأخضر وجورج طرابيشي وآخرين.
- الخروج من الفوضى
أعترف بأن كتاب جيل كيبل الأخير أثلج صدري، وأعاد بريق الأمل إلى قلبي. كنت قد أصبحت يائساً محطماً، أخبط خبط عشواء وأمشي في الظلماء. فبعد كل هذه السنوات السبع العجاف التي دمرت سوريا، والمشرق العربي عموماً، ما كنت أتوقع أنه توجد نهاية لهذا النفق المظلم الذي دخلنا فيه. كنت أتوقع أن الليل العربي طويل.. طويل. فإذا به يصدر كتاباً كاملاً، بأكثر من خمسمائة صفحة، وعن «غاليمار»، بعنوان «الخروج من الفوضى الشرق أوسطية!». هل هذا معقول؟ هل هذا ممكن يا ترى أم أنه متفائل أكثر من اللزوم؟ بصراحة، كنت أتوقع أن «البراكين التراثية» الإخونجية الداعشية لن تنضب قبل خمسين سنة مقبلة! ولكن بما أني من أكبر المتشائمين في التاريخ، فربما أكون مخطئاً، بل أرجو من كل قلبي أن أكون مخطئاً! وأرجو في الوقت ذاته أن يكون جيل كيبل على صواب. ماذا؟ إذن الفرج على الأبواب؟ ماذا؟ إذن حالة الفوضى العارمة سوف تنتهي قريباً من منطقتنا العزيزة الغالية؟ ماذا؟ إذن «داعش» أصبحت في خبر كان وأخواتها؟ للحق والإنصاف، فإن المفكر الفرنسي الشهير لا يقول ذلك؛ إنه يعرف أن «داعش» قد تعيد تنظيم صفوفها مرة أخرى بطريقة أخرى، ويعرف أيضاً حقيقة أخطر بكثير، وهي أن مواعظ الظلاميين وفتاواهم الرهيبة، سواء في الجوامع أو على الأنترنت، سوف تغذيها بجحافل جديدة لا تنضب. تضاف إلى ذلك عوامل الفقر المدقع، والبؤس الاجتماعي الذي لا يرحم، والذي يصيب شرائح كبيرة من شعوبنا، سواء في العالم العربي أو حتى في فرنسا ذاتها. كل هذا يعرفه جيداً جيل كيبل، ولكنه يعرف أيضاً أن الجميع أنهكوا وتعبوا. كما يعرف أن دولة «داعش» قد سقطت في الرقة والموصل، وهذا حدث عظيم لا يستهان به على الإطلاق. لقد تنفسنا الصعداء!
أين تكمن عبقرية فلاديمير بوتين قياساً إلى شخص نزيه محترم كفرنسوا هولاند، ولكنه يعتقد بوجود «جهاديين» معتدلين؟! لحسن الحظ، فإن الرئيس الجديد إيمانويل ماكرون ليس ساذجاً مثله، وإنما أكثر عمقاً وثقافة. ألم يكن تلميذاً، بل ومساعداً شخصياً، للفيلسوف الكبير بول ريكور؟ لعله لهذا السبب يتحاشى نواقص سياسة سلفه فيما يخص الشؤون الخارجية والعربية. لكن لنعد إلى بوتين: لقد ضرب ضربة معلم كبرى، ونجح نجاحاً باهراً في استعادة الأمجاد الروسية. والسبب في رأي كيبل هو أن المستشرقين الروس من أكبر العارفين بشؤون الشرق الأوسط. ثم، وهذا هو الأهم، فإن القيادة الروسية تستمع إليهم جيداً قبل أن تحسم قراراتها. من أكبر الأخطاء التي وقع فيها القادة الغربيون أنهم اعتقدوا أن الربيع العربي يشبه الربيع الأوروبي في القرن التاسع عشر، ولهذا دعموه بتسرع شديد وغباء أشد. لقد فاتهم أن ربيع الشعوب الأوروبية جاء بعد الاستنارة الدينية لا قبلها. لقد جاء بعد سحق الظلامية المسيحية على يد فلاسفة الأنوار والثورة الفرنسية، ولذلك نجح. لا ريب في أن ما يدعى خطأ بـ«الربيع العربي» كان يحمل نسمة الريح في جوانحه وبداياته، ولكنه سرعان ما استولت عليه حركات الإسلام السياسي، وبالأخص الإخوان المسلمين، فكان أن فشل فشلاً ذريعاً.
أخيراً، إذا كان المثقفون العرب يريدون أن يفهموا واقعهم الحالي، وماذا حصل منذ سبع سنوات في المشرق العربي خصوصاً، فليقرأوا هذا الكتاب الضخم؛ إنه يلقي على بلداننا أضواء ساطعة لم يسبق لها مثيل.


مقالات ذات صلة

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون
TT

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

في ديوانه الجديد «الوحوش دخلت البيت»، يبحث الشاعر المصري كريم عبد السلام عن مسار جديد لقصيدة النثر، يختلف عن المسار الذي سار فيه أبناء جيله من شعراء التسعينيات، الذين استغرقتهم مقولات اليومي والمعيش، والانغماس في الذات وهمومها الشخصية، والالتصاق بالجسد، حتى صارت هذه الموضوعات أقرب إلى وصفة جاهزة لكتابة قصيدة النثر، التي تأبى بطبيعتها الانحباس في قالب ثابت، ما أفقدها بحكم هذا التكرار وهذه الوصفة كثيراً من طزاجتها وتمردها. كما يخاصم كريم في هذا الديوان وصفة سوزان برنار في كتابها الذي شاع بين أبناء جيله أيضاً، حتى اتخذه معظمهم مرجعاً جمالياً وحيداً لهذه القصيدة، خاصة فيما يتعلق بطروحات الناقدة الفرنسية عن الكثافة والمجانية.

الديوان صادر عن دار «يسطرون» في القاهرة، وهو الثاني في تجربة يطلق عليها الشاعر عنوان «بالادات»، و«البالاد» فن شعبي أوروبي، يمزج بين الحكاية الشعبية والشعر والرقص والموسيقى، لينتج الـ«بالاد» من جماع هذه الفنون. من هنا، يتكئ الديوان في كل قصائده تقريباً على أنماط شتى من الفنون الشعبية، المحلية والعالمية، فضلاً عن اتكائه على عوالم الأساطير والخرافة، وإفادته من التاريخ، كما يفيد كثيراً من تقنيات السرد، ومن إمكانات فن السينما والسيناريو، وكذا الفنون التشكيلية، دامجاً كل هذه الروافد في عجينة واحدة، هي القصيدة، التي تأتي حاملة مدلولاً سياسياً أو فلسفياً أو حضارياً، وليست مجانية أو ذاتية، ولا تنكفئ على الجسد، بل إنها تعيد الاعتبار للقضايا الكبرى، كما تعيد للشاعر - وكذا قصيدته - مكانته بوصفه صاحب موقف من الوجود والعالم والتاريخ، وليس محض مشاهد عاجز، منكفئ على ذاته، ولا عدمياً غير مبالٍ بالعالم من حوله. عنوان «الوحوش دخلت البيت»، بوصفه العتبة الأولية لقراءة الديوان، وهو في الوقت نفسه عنوان قصيدة رئيسية فيه، يبدو حاملاً المفاتيح الدلالية لقصائد المتن، إذ تحيل مفردة «الوحوش» إلى عوالم الغابات والقتل والحيوانات المفترسة، تلك العوالم القديمة، حين كان الإنسان الأول يسكن الغابات والكهوف، حيث لا قوانين حاكمة سوى قانون الغابة والقوة والتوحش.

أما مفردة البيت، فتحيل إلى دلالات الحضارة والسكن والفردانية والهدوء، وبينهما يأتي الفعل «تدخل»، لكن الفعل هنا لا يشير إلى الاستضافة، بل إلى الاقتحام والانتهاك، فالوحوش الآتية من عوالم الغابة، تقتحم عالم البيت بحمولاته الحضارية، ورغم أن البيت يحافظ على سمته من حيث الشكل الخارجي، فإنه يصبح مسكوناً بالوحشية والافتراس وقوانينهما الغاشمة، المبنية على شريعة القوة والبطش والالتهام. هذه هي الحمولات الدلالية التي ينبئ بها عنوان الديوان، وتتأكد مع كل قصيدة فيه، ليكون بمثابة إدانة للحضارة الإنسانية الراهنة، التي تبدو برَّاقة من الخارج، لكنها في بنيتها العميقة لا تختلف كثيراً عن قوانين الغابة القديمة، التي لا تزال تسكن تحت جلد الإنسان المعاصر، وتدفعه للحرب والقنص والقتل، مثل سلفه الإنسان البدائي، بل ربما يبدو هذا الأخير أكثر وضوحاً، فهو لا يدعي الحضارة والتمدن مثل إنسان العصر الراهن. يقول في هذه القصيدة:

«الوحوش عادت من العمل

ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية

وتناولت العشاء مع العائلة

ثم جلست أمام التليفزيون.

عشر دقائق

عشرون

جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة

والنهر قسّم الصالة نصفين

وبدأت التماسيح تطل برؤوسها على الضفتين

في انتظار الفرائس العطشانة»

يبدو دخول الوحوش للبيت دخولاً رهيفاً، لكنه أقرب إلى التسلل، ثم سرعان ما تتمدد الوحوش وعالمها داخل البيت وعالمه، تحتله، تحت سمع وبصر الذات الشاعرة التي تكتفي في البداية بموقف المراقب، لكنه في النهاية يجد عالمه قد تغير تماماً، حتى يكتسحه هو قانون الغاب، وتنتهي القصيدة وقد أصبحت البدائية مهيمنة على عالم البيت، وعلى الذات الشاعرة، التي تتحول هي الأخرى، ويعود إلى عوالم الكهف:

«ها أنا نائم في مخبئي أحلم بالغد ورحيق أنثى الهومو،

والليل يأتي بها مع سلة من الفاكهة ولحم الغزال والأسماك

المرأة تخمش جدران المخبأ، وتئن بصوت يخشى النجوم والوحوش الصيادة

ذات العيون الصفراء

المرأة في وكري إلى الأبد...

وعلي أن أخرج للقتل

وانتزاع الطعام»

في قصيدة «الزار من أجل الشريفة... الهواء تسلل وقبّل الباب المقدس»، يفيد الشاعر كثيراً من تقنيات السينما، وحركة الكاميرا، وتصوير الأجواء المحيطة بالحدث، فتبدو الذات الشاعرة مثل كاميرا تتجول وتسجل تفاصيل المكان والحالة، ثم سرعان ما تنتقل إلى سرد الحكاية، معتمدة على السرد البصري، وعلى موسيقى أقرب إلى موسيقى تصويرية، مع الإفادة الواضحة والتداخل مع فن «الزار»، وهو فن شعبي يعتمد كثيراً على خرافة إخراج الجن من الجسد، فيوظف إيقاعات موسيقى الزار، وما يقال فيه من توسُّلات بالصالحين لإخراج الجن العاشق، مع تناصٍ واضح بين حكاية الشريفة التي حملت من الهواء، دون أن يمسسها بشر، مع حكاية مريم العذراء في التراث الديني، ومع كثير من الحكايات المماثلة في الحكي الشعبي، يقول:

«الشباك كان مفتوحاً على الصيف

والشريفة تحلم

والقمر بدر

والنجوم شاهدة

الهواء تسلل من الشباك،

على صورة الغائب

والشريفة تحلم

قبل الباب المقدس

والشريفة تحلم

وتمادى..

والشريفة تحلم»

ينشغل الديوان كثيراً بشعرنة الحكايات الشعبية والتاريخ، بل شعرنة مفاهيم مجردة، مثل الموت، الذي يؤنسنه، ويخاطبه ويجادله، في قصيدة «المراقبون.. والموت المحترم»، وكذا شعرنة الزمن، الذي يصوره بشكل سوريالي ساخر في قصيدة «الزمن يشرب القهوة مع الشيشة»، فيجسده ويؤنسنه، لكن كإنسان كلي المعرفة، يجلس على المقهى ليخطط لمسيرة ومستقبل البشرية في ألف عام مقبلة، مع كثير من الشعور بالملل، فما سيحدث في الألفية المقبلة لا يختلف كثيراً عن الألفية المنقضية، ربما تختلف الأطراف ويتبدل الفاعلون، لكنها نفس المآسي والفواجع، من انقلابات وحروب وصراعات مسلحة على السلطة وأوبئة وأمراض وزلازل وبراكين، فالبشرية تعيد إنتاج نفسها، وكلما تقدمت قليلاً تنتكس، وتنقلب على ذاتها، لتعيد إنتاج عجلة الحضارة، التي تنطوي في عمقها على أسباب تفككها وسقوطها، مع إعادة إنتاج الجنون ذاته، والحماقة نفسها، يقول على لسان الزمن:

«من أجل تحقيق التارجت

لا بد من مختلين

من أجل توريد عدد القتلى المطلوب

لا بد من زعماء مجانين

كهنة مجانين

صيارفة مجانين

كتبة مجانين

خطوط إنتاج للمجانين

الثورة الصناعية للجنون».

وتتبدى شعرنة التاريخ في إعادة إنتاج وتشكيل قصص تراثية شهيرة، مثل صراع قبيلتي «طسم» و«جديس»، وأبطالها: عفيرة، والعمليق، والأسود بن عفار. قصة الظلم والإغارة والسبي، التي تبدو بعيدة للغاية زمنياً وحضارياً، لكنها تعاد في كل لحظة في أماكن متفرقة من العالم الآن، لكن بأبطال مختلفين. كما ينزع الشاعر إلى إعادة شعرنة قصة «إيزادورا»، الفتاة المصرية رائعة الجمال، التي عاشت في القرن الثاني قبل الميلاد في عصر الإمبراطور هادريان، وراحت ضحية حبها للشاب «حابي» أحد عامة الشعب، وانتحرت بإلقاء نفسها في النيل، بعد رفض والدها الثري حبها لأحد العوام، وصارت نموذجاً يعاد إنتاجه بشكل دائم في كثير من قصص الحب التي تنتهي نهايات مأساوية، بدافع من تقسيمات طبقية.

.


النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.