محمد العبّاس: غادر المثقفون مواقعهم... فاجتاحنا «طوفان التفاهة»

الناقد السعودي قال لـ «الشرق الأوسط» إن {مشهدنا الثقافي احتله بهلوانات مواقع التواصل}

الناقد السعودي محمد العباس
الناقد السعودي محمد العباس
TT

محمد العبّاس: غادر المثقفون مواقعهم... فاجتاحنا «طوفان التفاهة»

الناقد السعودي محمد العباس
الناقد السعودي محمد العباس

لا يفتأ الناقد السعودي محمد العباس، يخوض المعارك من أجل فضاء ثقافي يقود لواقع أحسن، صارع عبر عقدين مضيا لتنقية المنجز الإبداعي من العناصر الدخيلة على الإبداع. لكنه في السنوات الأخيرة بات يصارع طواحين الهواء وهو يرصد ما يعتبره عبثاً في الوعي الثقافي يستخدم أحدث وسائل التواصل الحضارية لتحريف الوعي وتغليب طوفان التفاهة.
يرى العباس أن الثقافة باعتبارها خطوة باتجاه التحضُّر، أصبحت عاجزة أن تخلق تأثيرها الجمالي والفكري والسلوكي في المجتمعات. ووجدت نخبة مسكونة بوَهْم الاصطفاء والترفع عن المجتمع، وهو يقول: إننا ما زلنا نعاني من نقص حاد في مفهوم المواطنة ومن تفشي العنصرية والطائفية وغيرها من الأعراض التي تحتم وجود الخبير الثقافي المؤهل لمعالجة تلك المعضلات.
العباس كاتب وناقد أثرى المشهد الثقافي بحضوره الفكري على مدى ثلاثين عاماً، قدم خلالها عدداً من الدراسات النقدية، بينها: «قصيدتنا النثرية» عن دار «الكنوز الأدبية» - 1997، و«ضد الذاكرة: شعرية قصيدة النثر» عن «المركز الثقافي العربي» - 2000، و«سادنات القمر: سرانية النص الشعري الأنثوي» عن «دار نينوى» - 2003، و«نهاية التاريخ الشفوي» عن «مؤسسة الانتشار العربي» - 2008، و«كتابة الغياب: بطاقات مكابدة لوديع سعادة» عن «دار نينوى» - 2009، و«مدينة الحياة: جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية» عن «دار نينوى» - 2009، و«سقوط التابو: الرواية السياسية في السعودية» عن دار «جداول» - 2011، وكتاب «صنع في السعودية» عن دار «جداول» - 2013، وأخيراً «تويتر مسرح القسوة» عن دار «ميلاد» - 2018.
«الشرق الأوسط» التقت الناقد السعودي محمد العباس في الدمام، حيث يقيم، وأجرت معه الحوار التالي:
المشهد الثقافي
> كيف تقرأ المشهد الثقافي السعودي... ألا تلاحظ أن هناك حراكاً تجاوز المحلية مع قوة تأثير؟
- هذا هو سؤال الأسئلة منذ عقود. وهو سؤال يحتاج إلى ورشة مفتوحة على اتساعها في الإعلام والمنابر الثقافية مختلفة تماماً عن تلك الورش الشكلية التي تؤدي بشكل وظيفي ضمن نشاطات وزارة الثقافة بين آونة وأخرى بمشاركة ذوات معظمها لا تعرف الثقافة إلا كمنتجات إبداعية كمية أو مهرجانية. بمعنى أنها لا تعي أن الثقافة خطوة مستوجبة باتجاه التحضُّر. وهذا يعني أن كل ذلك الضجيج الذي نتوهم أنه قد تجاوز المحلية لا قيمة له ما لم يُحدث ذلك التأثير الجمالي والفكري والسلوكي فينا. لأننا كمجتمع ما زلنا نعاني من نقص حاد في مفهوم المواطنة ومن تفشي العنصرية والطائفية وغيرها من الأعراض التي تحتم وجود الخبير الثقافي المؤهل لمعالجة تلك المعضلات، وإعادة النظر فيما عُرف بالخطة الوطنية الاستراتيجية للتنمية الثقافية، كما يستلزم فحص المنجز قبل الفرح بتصديره إلى الخارج برافعة إعلامية وليس بمقتضى مواصفات إبداعية. وهذا يحتم أيضاً الانتباه إلى أن المنجز الإبداعي هو شكل من أشكال المنتجات الثقافية القابلة للتصدير. وهو الأمر الذي يطرح السؤال عن جدوائية هذا المنجز الذي لا أثر قيمي له على مستوى القارئ المحلي ونريد أن نحجز له مكاناً في وعي الآخر. نعم، الآخر الذي ما زلنا ننظر إليه بتوجس وهجائية، خصوصاً الآخر العربي، الذي نتعيّش على ترجماته ومنتجاته ونتوهم أننا أزحناه عن المركز إلى الهامش بذلك الإسهام الضئيل من منجزاتنا الثقافية. أما الأثر الحقيقي فلا أراه إلا في ذوات جادة قليلة معتمدة على فرادة خطابها وتواصلها الذاتي مع الآخر، لا على رافعات المؤسسة كما تتمثل في الأسابيع الثقافية مثلاً. أو في المعروض والمحمول إعلامياً من الأسماء. ولذلك أرى من المؤسف والمؤلم وجود فصيل من المثقفين والمبدعين المركونين على الهامش مقابل طابور من الأسماء المحنطين في «فترينة» العرض.
> مع دخول الفنون مسرح الحياة الثقافية، ماذا تضيف لهذا المشهد، ولتكوينه، لمحتواه، ولتأثيره؟
- حتى الآن، لا أثر لقرارات استدخال الفنون في الحياة الثقافية لأن ما حدث لا يعدو كونه شكلاً من أشكال الاستهلاك واستعادة ثقافة الصالون. الفن حالة إنتاجية في المقام الأول، وهذا هو ما يحتّم تفعيل وتحريك ثقافة الشارع، أي الإبداع الجماهيري وعدم الاكتفاء بالحفلات والمهرجانات. أو هذا ما أفترضه في خطط الهيئة العامة للترفيه، كما هو في وعي ووجدان المبدعين. لأن حصر الفن والمسرح والطرب في الصالات المغلقة يجعلها حكراً على فئة من المقتدرين مالياً أو المشتغلين بالفن فقط. وهو الأمر الذي يحد من تمدد الفرح وتحويل الفنون إلى جزء من يوميات إنسان هذه الأرض.
وحوش الفضاء
> قبل أيام من وفاته، قال الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو إن «وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»، هل يصح أن وسائل التواصل أغرقت الفضاء بطوفان «التفاهة»؟
- مقولة أمبرتو إيكو ذائعة الصيت مجرد عبارة يومية منطلقة كزفرة غضب من أحد أكبر مثقفي اللحظة المعاصرة، مقارنة مع كتاب «نظام التفاهة» للكندي ألن دونو، حيث ارتقى بمفهوم التفاهة من شتات الفوضى اللامفهومة إلى مستوى النظام الذي أعلن انتصاره بمقتضى عوامل سوسيولوجية واقتصادية وسياسية، جعلت من المثقفين يتراجعون قبالة المسوقين الذين يحضرون المشهد بلبوسات تنكرية مختلفة، وذلك في سياق رثاء الإبداع والجدية.
كما عبر عنها أدبياً ميلان كونديرا بروايته «حفلة التفاهة». أو كما تساءل الفرنسي برنار بوليه في كتابه اللافت «نهاية الصحف ومستقبل الإعلام» عما إذا كان «غوغل» يصيب الإنسان بالغباء. وذلك ضمن «الفضاء الاجتماعي للمراهقة» حسب تعبير فرانسيس بيزاني، أو ما يسميه الأميركي مارك بيولين «الجيل الأغبى» في كتاب حمل العنوان ذاته، متهماً من هم دون الثلاثين اليوم بعدم الدراية بالتاريخ وعدم احتمالهم التَماس مع كتاب لأكثر من خمس دقائق. وكل ذلك الجدل الاستنفاري العالمي حول أثر مواقع التواصل الاجتماعي للأسف لا يوجد له أي مقابل عربي. إذ لا تنظيرات تُذكر في هذا المجال. ولذلك نلاحظ أن ارتدادات هباءات تلك الفضاءات تفرض ظلالها على مشهدنا الحياتي والثقافي. وأي نظرة متجردة ستقف على نتيجة مؤسفة، مفادها أن مشهدنا الثقافي قد احتل من قبل بهلوانات ومهرجي مواقع التواصل، أو بمعنى أدق تم تسليم دفة قيادته لهم.
> في كتابك الصادر حديثاً عن دار «ميلاد»، «تويتر مسرح القسوة» كتبتَ بـ«وحشية نقدية تحليلية جمالية» أشدّ من وحشية «تويتر» ذاتها، من المقالة الأولى «عتبة البيت التويتري» حتى المقالة الأخيرة... وحسبنا لمعرفة حجم إحباطك أن نقرأ بعض عناوين المقالات: «حفلة جنون تويترية»، «برابرة تويتر»، «استبيانات عدوانية»... وقِس على ذلك. والسؤال: لماذا استثنيت الجانب المضيء لـ«تويتر» من كتابك، خصوصاً أنك ملتزم التزاماً كاملاً بنيتشه في وصيته المجازية: «عندما تصارع الوحوش، تذكر ألا تتحول إلى وحش»؟
- الكتاب محاولة تشخيصية لواقع مرعب على كل المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وليس قراءة تحليلية لمجمل مركبات الموقع. وهذا هو سر النبرة الهجائية التي تحاول بدورها رصد تمثُّلات الذات في هذا الفضاء «التويتري». وفتل نسيجها الفاسد.
وبالتالي فضح عطالة الفرد في التعامل مع هذا المكتسب التكنو - ثقافي. أي قراءة التغريدات بمقتضى تحليل المفهوم، أي باعتبارها علامات طباعية. وهذا هو ما جعلني أتعامل مع كل ذلك التوحش «التويتري» الصادر عن أساتذة القبح، بمختلف مراتبهم العنصرية والطائفية، بمشرط معرفي وعازل شعوري. حيث صرت أتأمل التمثيلات اللسانية للمغرد البذيء والحضورات الاستعراضية للمثقف التأزيمي كأعراض مزمنة لذوات عدوانية لا تكتفي بنزعة قهر «الآخر» بل تتلذذ بدراما تدمير ذاتها. وذلك من أجل أن تتحول هي إلى سلطة داخل هذا الفضاء، كما يفصح عن ذلك التهتك الصريح معجم الغابة «التويترية»، حيث حاولت عرض عطالة النخبة التي بنت أساطيرها الشخصية من خلال أخدوعات وطنية ومآدب عقلانية ولافتات أخلاقية زائفة، وذلك عبر مقالات أشبه ما تكون بالمرايا الفاضحة التي تعري برابرة «تويتر» وهم يحاولون إعادتنا إلى بدائية الإنسان الهمجي، لنتقاتل بالشتائم والعصي والحجارة بدل أن نتحاور بالفكرة والكلمة. وهو أمر مشروع بل مستوجب، أي مساءلة وحوش «تويتر» الآخذة في التكاثر بأدوات مغايرة لأدوات توحشه.
> في كتابه «الجماعات المتخيلة» يرى بندكت أندرسن أن الرواية الحديثة، كما الصحافة، ساهمتا في تشكيل «قومية» متخيّلة في أوروبا، أو خلقت عوالم مشتركة عابرة لحدود الهويات والعصبيات، إلى أي مدى توافق هذا الرأي، ولماذا أخفقت هذه التجربة في المشرق؟
- يميل أندرسن إلى أن القومية «جماعة سياسية متخيلة»، وعلى هذا الأساس ابتنى تصوره، وأعتقد أنه استكمل هذا التصور من خلال رؤيته المدرسية لمفهوم الرواية الحديثة، وهو استنتاج يتقاطع مع رأي ميلان كونديرا القائل بأن الرواية أصلاً اختراع أوروبا الذي تباهي به. وذلك ضمن منطلق «المركزوية» الغربية. ولكن كيف يمكن تركيب هذه الرؤية على مفهوم الرواية المركزي باعتبارها ذاكرة لجماعات بشرية تتفاعل في بقعة جغرافية، مقارنة مع فكرة التخييل وتأكيد الأبعاد الإمبراطورية التي يضغط بها الكولونيالي على الأدبي، كالجرماني والأنجلو سكسوني والفرانكفوني، التي تدفع بها خارج تلك الأطر والجغرافيات. وما يتشعب عن ذلك الحاضن الحداثي من روايات التعددية الثقافية، والروايات المهاجرة، وروايات الأقليات، وحتى الرواية الإلكترونية وغيرها من التشظيات التي ولدتها الحداثة. وهو سؤال يمكن استجلابه كمسطرة لقياس الأبعاد القومية المتخيلة للرواية العربية. حيث تبدو الاستجابة ضعيفة في الموجة الثالثة من مد الرواية العربية مقارنة بالموجة الثانية، وذلك لأسباب تتجاوز الأدبي إلى السياسي، حيث تنبأ ألفن توفلر ذات يوم في كتابه «صدمة المستقبل» بتعزّز قيم القومية العربية مع وجود «الترانزستور»، ولكن العكس هو ما حدث حتى بعد ظهور الفضائيات. لأن توفلر مثله مثل أندرسن لم يتأملوا الخط الفاصل ما بين القومية الرسمية والقومية الجماهيرية. وهذا هو بالتحديد ما تنازلت عنه الرواية العربية إلى حد كبير، من حيث زهدها في طرح رواية شعبية قومية مضادة للمروية الرسمية.
النخبة الثقافية
> كانت لديك ورقة بحثية بعنوان: «الشباب كمشروع نخبة ثقافية»، هل يمكن للشباب أن يشكلوا نخبة ثقافية ما دمتَ تلاحظ كذلك أن النخبة الثقافية من شروطها ألا تمثل أي سلطة، وأن تكون قادرة على اكتشاف الذات «المستقلة القادرة على تحطيم قيود الوصايا» مقارنة بالنخب المقترنة بكل مفاعيل السلطة...
- نعم، وذلك بتحطيم وهم الاصطفاء والترفع عن المجتمع باتجاه فاعلية الإنتاج. أي اكتشاف الذات في طور التأهيل المعرفي والروحي كشرط للنخبوية الواعية. أي التماس مع التاريخ لا الارتهان إلى عناوين اليومي النيئة. مع التأكيد على اعتناق الديمقراطية بما هي حالة من التلازم البنيوي مع كل ما هو ثقافي. لأن الوعي الفردي ضمن هذا الإطار هو الدافع لصقل معنى وفاعلية وجدوى الحريات في مدار الحس الجمعي. وذلك هو بالتحديد ما يجعل الشباب في مقام لاعبي دور المنشطين للحياة الثقافية، المنذورين للتخفّف من الوظائف الذهنية صوب الممارسة والفاعلية والحضور بالمعنى النقدي لدور المثقف، المعاند للتقليدي من جهة وللمؤسساتي من جهة أخرى. بمعنى أن يمثل الشاب النخبوي دور المنتمي والمنشق في آن. وذلك هو ما يعصمه من أوهام السلطة ومن خضوعه للوصايا. لأنه خطابه الآخذ في التشكل ضمن نخبة شبابية متحررة يرفض الأحادية الثقافية بقدر اندفاعه في أفق الأنسنة.
دور المثقف
> تقول إنك معجب بالمثقف الذي «يُختلف به وعليه»، ولا تطيق «المثقف الذي يُؤتلف به ويُتفق عليه»... أين ذهب من تسميهم صانعي ما تسميه «التوتر الخلاق»؟
- بددتهم مفاعيل السلطة الدينية والاجتماعية وغيرها. وتحت هذا السقف المنخفض للتعبير عن الرأي لم نعد نصادف معظم المثقفين إلا في حضانات المؤسسات الثقافية. أما من يحاول تحريك المشهد بالاختلاف فمصيره النفي الاجتماعي والاضطهاد والتكفير الديني وما يتبع ذلك من الإقصاء. كما صار لكل مثقف أو أديب مشهور ما يشبه «اللوبي» الذي يدافع ويصد عنه هجمات المنتقدين. وكل ذلك بسبب تخلي النقد عن دوره وإيثار السلامة من قبل معظم المثقفين الذين قرروا الركون للدرس الأكاديمي أو الارتهان للمؤسسة أو الاستنقاع في الهامش ورثاء الذات والحال والمآل الثقافي.
> قدمت طروحات كثيرة عن قصيدة النثر، بيد أن الشاعر الوحيد الذي كتب «تفعيلة» وتعاطيت مع نصوصه هو الثبيتي... هل في تصورك لا يوجد شاعر سعودي يكتب قصائد موزونة ويستحق الكتابة عنه غير صاحب «التضاريس»؟
- يوجد بالتأكيد، وإن كان المميز من العموديين أقل من المأمول. وربما أكون هنا غافلاً عن أسماء ذات قيمة لم أتعرف على منجزها كما ينبغي. ولذلك أرى أن المؤهل للكتابة عن منجز العموديين يُفترض أن يكون أقرب إليها مني. وأتمنى بالفعل أن أطالع قراءات نقدية تعرفنا على فرادة بعض الأصوات. ولكن ليس على الطريقة التي يُختصر فيها النقد بإعراب الفاعل. تجربة شاعر كجاسم الصحيح - مثلاً - إذا ما تم تقطيرها واستخلاص رحيقها بمعزل عن القصائد المناسباتية والاستطرادات المعمارية في مطولاته، فسنكون قبالة شاعر تصويري من العيار الثقيل. وسنكتشف جماليات مدهشة ولكنها مطمورة وسط كم من المشتبهات الشعرية. وهذا هو جوهر الشعر الذي يستحق المقاربة. وهذا هو أيضاً ما حاولته في منجز الثبيتي لتأوين «الثبيتية» كظاهرة وكمدرسة شعرية بعد نزع اللاشعري من تجربته. ولذلك أعتقد أن تجربة الصحيح تستحق ما هو أكثر من قراءة، إذ آن الأوان لملتقى نجتمع فيه بأوراق نقدية لفحص وقراءة جماليات منجز هذا الشاعر الظاهرة.



تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».