اختبار الثانوية الكورية... ثماني ساعات مصيرية تشل الدولة وتؤدي للانتحار

المدرسون يعدون أسئلته في مقر سري ويتم عزلهم عن أسرهم لشهر كامل

طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
TT

اختبار الثانوية الكورية... ثماني ساعات مصيرية تشل الدولة وتؤدي للانتحار

طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)
طالبة كورية تصل إلى مقر اختبار الثانوية الكورية في سيول (أ.ف.ب)

من يظن أن التوتر الذي يحيط بامتحانات الثانوية العامة والتأهيل لدخول المرحلة الجامعية في أوطاننا العربية مبالغ فيه، عليه زيارة كوريا الجنوبية في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، ففي اليوم المقرر لإجراء اختبار «سونونج» والذي يتقدم إليه نحو نصف مليون طالب سنوياً بعد أن يكونوا قد قضوا سنوات حياتهم كلها تقريباً في الاستعداد لهذا اليوم، تتوقف الحياة حرفيا في أرجاء العاصمة سيول.
ويشرح تقرير نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن لفظة «سونونج» هي اختصار مسمى الامتحان الأشهر في كوريا الجنوبية وهو: «اختبار القدرات الدراسية للمرحلة الجامعية»، وهو عبارة عن ماراثون من الاختبارات المتواصلة لمدة ثماني ساعات، والذي لا يحدد فقط ما إذا كان الطالب سيلتحق بالجامعة من عدمه، ولكنه أيضاً يؤثر على فرصه المهنية مستقبلا، ومستوى دخله، ومقر إقامته، وحتى علاقاته الشخصية.
ففي كل عام وخلال شهر نوفمبر، يصيب «سونونج» العاصمة سيول بحالة تشبه الشلل، فيعم الصمت الشوارع، حيث تغلق المحال التجارية في يوم إجراء الاختبار، وكذلك لا تفتح البنوك أبوابها، وحتى البورصة لا تبدأ تعاملاتها إلا في ساعة متأخرة من هذا اليوم. وحتى المشاريع الإنشائية العاجلة تتوقف بشكل استثنائي، وتحط الطائرات عن إقلاعها، بل إن المناورات والتدريبات العسكرية تتجنب هذا اليوم تحديدا.
ولا يشوب هذا الصمت المطبق، إلا أبواق سيارات الشرطة وقد انطلقت بين الحين والآخر لإخلاء الطريق في محاولة لإيصال الطلاب الذين تأخروا عن موعد الـ«سونونج»، أما عائلات الطلاب الذين يغلبهم التوتر بشأن مصير الأبناء الممتحنين، فتزدحم بهم دور العبادة، حيث يكون مشهد إمساك الآباء المتأثرين بصور أطفالهم فيما يشرعون في الصلاة متكررا، ويتم تنظيم جدول الصلوات في هذا اليوم بالتزامن مع مواعيد إجراء الـ«سونونج».
ولبيان أهمية الـ«سونونج»، تقول كو أيون - سيوه (18 عاما) والتي تخوض الاختبار للمرة الأولى: «بالنسبة لنا، فإن (سونونج) يعتبر بوابة رئيسية إلى المستقبل. ففي كوريا، الدراسة الجامعية مسألة بالغة الأهمية، وبالتالي فإننا نستعد لمدة 12 عاما لهذا اليوم، وأعرف طلابا تقدموا إلى هذا الاختبار ما لا يقل عن خمس مرات».
أما لي جين - يونج (20 عاما) فقد خضعت للـ«سونونج» مرتين قبل أن تنجح في الدخول إلى الجامعة. وفي شرح تجربتها تقول: «على مدار أسبوع وقبل يوم الاختبار، أقوم بممارسة المشي في تمام الساعة السادسة صباحا، حتى تكون قدراتي الذهنية في أفضل حال. وأظل أردد لنفسي لقد درستِ بجد، عليكِ فقط أن تريهم ذلك»، وتتذكر كيف أنها وصلت العام الماضي إلى أبواب المدرسة في تمام الساعة السابعة والنصف، لتقابل طلاب الأعوام الأولى المتحمسين يوزعون حلوى الطوفي المحلية والمعروفة باسم «يوات» على سبيل تمني الحظ الطيب للممتحنين. ولكن بمجرد الدخول إلى المدرسة، يتحول المزاج العام ويحل الصمت المطبق. وفي مدخل قاعة الاختبار، يقف المشرفون ويلوحون بالأجهزة الكاشفة عن المعادن، لمصادرة كل أشكال الإلهاء من الساعات الرقمية «الديجيتال»، والهواتف، والحقائب، والكتب.
وتقول جين – يونج: «الجميع التزموا الهدوء الشديد، حتى أن المدرسين ارتدوا الأحذية الرياضية، بحيث لا يتسبب وقع أقدامهم في أي إزعاج قد يشتت انتباه الطلاب».
حتى عملية وضع الاختبار ذاتها تكتنفها السرية، ففي شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام، يتم اختيار 500 مدرس من أنحاء كوريا الجنوبية ويتم اقتيادهم إلى موقع سري في إقليم «جانجون» الجبلي، وعلى مدار شهر كامل، تتم مصادرة هواتف المدرسين المختارين ويتم حظر أي تواصل بينهم وبين العالم الخارجي.
وتتذكر أيون - سيوه مدرسها السابق للغة الصينية والذي أخبرها أنه تم اختياره من قبل للمشاركة في وضع الاختبار، فتقول: «في وقتها قال لزملائه إنه مسافر، حتى إن بعضهم تصور أنه تقاعد عن العمل، وتم اقتياده إلى موقع سري، ولمدة شهر لم يكن مسموحاً له بالمغادرة أو حتى التواصل مع أسرته».
أما عن طبيعة الاختبار، فتقول جين – يونج: «كان في غاية الصعوبة، حتى أنه بنهاية اختبار اللغة الكورية، كنت أرتعش، ولم أتمكن حتى من قراءة السؤال الأخير، ولكنني فقط خمنت الإجابة». وأوردت لي شهادتها حول الـ«سونونج» فيما كانت تحمل بطاقة الحضور لاختبار العام الماضي، وفي الجانب الخلفي، كان هناك كتابات وعلامات دونتها في إشارة إلى إجاباتها في الاختبار.
يتم الإعلان الرسمي عن درجة كل طالب عبر موقع إنترنت قومي، وذلك خلال شهر من إجراء الاختبار، ولكن بعض المواقع غير القانونية تقوم بنشر درجات الطلاب بشكل فوري عقب الاختبار، بما يتيح للطلاب مقارنة إجمالي درجاتهم بالحد الأدنى المطلوب لالتحاقهم بالكليات الجامعية التي يتمنونها.
وهكذا اكتشفت جين - يونج أنها أخفقت في الاختبار، «عندما أدركت أن درجاتي أقل من المطلوب، انفطر قلبي، شعرت وكأنني أريد أن أذوب وأختفي من على وجه الأرض». ولكن في العام التالي، تقدمت لخوض الـ«سونونج» للمرة الثانية، ولحسن حظها، أحرزت الدرجات الكافية لدخول الجامعة.
لكن تقرير الـ«بي بي سي» يحاول حل اللغز وراء توتر المرتبط بعملية التقدم للمرحلة الجامعية في كوريا الجنوبية؟
تتمتع كوريا الجنوبية بأنها أحد أكثر الشعوب تعلما على مستوى العالم. فثلث العاطلين عن العمل هناك يحملون شهادة جامعية. ومع وصول معدلات البطالة في أوساط الشباب إلى أعلى مستوى خلال عقد كامل، أصبحت المسألة أكثر صعوبة فيما يخص الالتحاق بجامعة مرموقة.
ومثل أغلبية شباب كوريا الجنوبية، فإن أيون - سيوه لا تهدف إلى أي جامعة وإنما تتمنى الالتحاق بـ«سكاي» الاسم المختصر للإشارة إلى أرفع ثلاث جامعات في كوريا الجنوبية، وهم سيول، وكوريا، ويونسي. فهم يتم اعتبارهم بمثابة جامعات هارفارد وييل الأميركية أو أكسفورد وكامبريدج البريطانية في كوريا الجنوبية.
وتكشف الإحصاءات عن أن نحو 70 في المائة من خريجي الثانوية سوف يلتحقون بالتعليم الجامعي، ولكن أقل من 2 في المائة سوف يتمكنون من بلوغ قامة جامعات «سكاي»، وتلخص أيون - سيوه الأمر: «إذا كنت تسعى للاعتراف بك وأن تصل إلى أحلامك، يجب أن تنضم إلى إحدى هذه الجامعات الثلاث. فالجميع يحكم عليك على أساس شهادتك الجامعية ومن أين حصلت عليها».
كما أن الانضمام لصفوف جامعات «سكاي» المرموقة يعتبر السبيل الأفضل للحصول على وظيفة في أحد التكتلات الاقتصادية التي تدار بشكل عائلي والتي تعرف باسم «تشايبول» أو «العشيرة الثرية»، فاقتصاد كوريا الجنوبية مرتبط بهذه السلالات ذات التأثير الممتد مثل «إل جي»، و«هيونداي»، و«إس كيه»، و«لوتي»، و«وإن كانت أكبرهم على الإطلاق هي «سامسونج».
يشرح لي دو - هون، أستاذ علم الاجتماع بجامعة يونسي، كيف أن الصحف القومية تنشر كل عام موضوعات حول كم المحامين، والقضاة، والمديرين التنفيذيين بالتكتلات الاقتصادية الكبرى والذين تخرجوا في الأساس في جامعات «سكاي». ويعقب لي: «هذا يجعل الناس تشعر بأن التحاقك بجامعات (سكاي)، يمكنك من الحصول على وظيفة مرموقة».
ويشرح دو - هون أن التخرج في جامعة جيدة في كوريا الجنوبية لا يضمن للشباب في الواقع وظيفة جيدة أو راتباً مستقراً. فالمنافسة شديدة بين المتقدمين بسوق الوظائف. ويضيف: «مما أسمعه من طلابي، فإن حتى مع التخرج في إحدى الجامعات المرموقة، فإن الحصول على وظيفة يزداد صعوبة. وإن كانت المسألة تصبح أيسر بالنسبة لخريجي جامعات الصفوة بالمقارنة مع غيرهم من خريجي الجامعات الأدنى في المستوى». ويعقب: «وبالطبع، إذا لم تخض الاختبار وتلتحق بجامعة، فإن من شبه المستحيل، أن تجد وظيفة جيدة».
وبما أن الكثير فيما يخص مستقبل طلاب كوريا الجنوبية تحدد وفقا لنتيجة اختبار «سونونج»، فإن المراجعات له تبدأ مبكرا، من سن الرابعة.
الانتقادات الموجهة إلى اختبار الـ«سونونج» لا تقف عند هذا الحد، فهو متهم بالتأثير سلباً على الحالة النفسية والذهنية للطلاب.
فيشرح دكتور كيم تاي - هيونج، وهو أخصائي نفسي يعمل في سيول: «الأطفال الكوريون مجبرون على الدراسة الشاقة والتنافس مع زملائهم، فهم ينشأون في حالة من العزلة، يدرسون بمفردهم. وهذه الحالة من العزلة والوحدة قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب، وتعد سبباً رئيسياً وراء حالات الانتحار».
على المستوى الدولي، فإن الانتحار يعد ثاني أكبر مسبب لحالات الوفاة في أوساط الشباب، ولكن في كوريا الجنوبية يعد السبب الرئيسي وراء وفيات الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 أعوام و30 عاماً. ووفقا لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فإن كوريا تشهد أعلى معدل للإصابة بالتوتر في أوساط الشباب ما بين الـ11 و15 عاما، وذلك بالمقارنة مع أي دولة صناعية أخرى.
ولا عجب، إذ يشرح دكتور تاي - هيونج أن الضغوط التي تمارس على الطلاب بالمجتمع الكوري للالتحاق بجامعة جيدة والحصول على وظيفة مربحة يبدأ مبكرا. فيقول: «يبدأ الأطفال بالشعور بالقلق والتوتر منذ سن مبكرة جدا. حتى أن طلاب أولى سنوات المرحلة الابتدائية يتحدثون بشأن الحصول على وظيفة ذات عائد مربح».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.