لماذا تُنقذ النساء قبل الرجال من السفن الموشكة على الغرق؟

الصحافي الأميركي كروثامر يصدر كتابا جديدا عن «الأشياء التي تهم»

غلاف «الأشياء التي تهم»
غلاف «الأشياء التي تهم»
TT

لماذا تُنقذ النساء قبل الرجال من السفن الموشكة على الغرق؟

غلاف «الأشياء التي تهم»
غلاف «الأشياء التي تهم»

تخيل أنك في باخرة كبيرة الحجم تخترق المحيط. فجأة ارتطمت بجبل جليدي ضخم. ساد الذعر بين الركاب وبدأت السفينة بالغرق شيئا فشيئا. تم تجهيز الزوارق الصغيرة ولكنها لا تكفي الجميع. من المرجح أن يهتف صوت أحد المسؤولين معلنا: «الأطفال والنساء أولا» وسيتراجع الرجال إلى الخلف. ذات السيناريو حدث في قصة باخرة التايتانيك حين تم إفراغ السفينة من الأطفال والنساء، وتم طرد الرجال الذين حاولوا التسلل بينهم. إذا كنت امرأة فستشعرين بأنك محظوظة لأنك ستنجين، وإذا كنت رجلا فستشعر بالبؤس المغلف بإحساس البطولة وستتمنى لو كنت امرأة. ولكن حدث شيء غير متوقع هذه المرة. اعترض أحد الرجال الغاضبين بالقول: «ولماذا النساء؟» وحجته: إذا كان من المفهوم أن ينقذ الأطفال أولا لأنهم عاجزون عن حماية أنفسهم ولم ينضجوا عقليا، فإنه من غير المفهوم مساواة النساء بهم. إذا كان ذلك شبه مقبول قبل أكثر من مائة سنة عندما غرقت التايتانيك، لماذا ظل الوضع كما هو عليه بعد مرور كل هذه العقود الطويلة التي أخذت فيها المرأة الكثير من حقوقها؟ النساء أصبحن يقدن الطائرات الحربية ويحكمن بلدانا ويرأسن شركات، ولا يتوقفن عن مطالبة الرجال بالمساواة التامة. ولكن عندما تنشب الحروب وتتطاير الدماء أو تغرق السفن، فسوف يكن أول من يركب الزوارق متشبثات بأطفالهن. لماذا أيضا يتم ربط المرأة مع الطفل حتى في العناوين الإخبارية التي تتردد حول العالم مثل «مقتل عشرات النساء والأطفال!» ولماذا لا يقال مثلا «مقتل عشرات الرجال والأطفال!».
حتى لا أواجه أي غضب من النساء أو من المدافعين عن حقوق المرأة يجب أن أضيف الآن أن هذا ليس رأيي، ولكن هذا ما كتبه الكاتب الصحافي تشارلز كروثامر في أحد مقالاته المنشورة في كتابه الصادر حديثا بعنوان «الأشياء التي تهم». ولكن حتى هو لا يستحق النقد لأنه يصل بعد ذلك إلى بعض التحليلات المنطقية لربط المرأة بالطفل بشكل أكثر من الرجل. هناك من يقول: إن الرغبة العميقة لدى البشر للحفاظ على المرأة أكثر من الرجل يعود ليس لجمالها ولكن لأنها أكثر أهمية منه على المستوى البيولوجي. بمعنى أن قدرة المرأة على الإنجاب تجعلها قادرة على تكوين عائلة كاملة، على العكس من الرجال الذين سيفنى الجنس البشري بسبب عدم قدرتهم على الحمل. ولكن الكاتب لا يقبل هذا التفسير النفساني التطوري بحجة أنه يشبه تفسير لغز البيضة والدجاجة. ولكن التفسير الأقرب للصحة هو أن المرأة أكثر قدرة على العناية بالطفل لهذا يتم في الغالب ربطهما ببعض. لهذا عندما تقع الكوارث وتندلع الحروب، يتم إنقاذ النساء من أجل الأطفال وليس لأنهن كالأطفال.
هذه نهاية مقبولة لهذا المقال الجميل المكتوب بحس كوميدي رائع وشرير في الوقت نفسه. ولكن من يتابع مقالات كروثامر في جريدة «واشنطن بوست» لن يعثر في الغالب على مقالات من هذا النوع الفريد الذي يفضله، كما يقول. أغلب مقالاته تركز على الشؤون السياسية التي يبرع أيضا في تناولها. هذه الأيام هو مشغول بتوجيه نقد شديد اللهجة للرئيس باراك أوباما الذي يختلف معه في كل شيء تقريبا. يؤكد كروثامر الذي كان ديمقراطيا في شبابه وأصبح جمهوريا فيما بعد (سأله مؤخرا المعلق جون ستيوارت عن هذا التحول فقال ساخرا: هذا التحول الطبيعي من المراهقة إلى النضج!) إنه يكتب في السياسة مضطرا. يقول في أحد مقالاته بأنه يفضل الكتابة عن الأشياء التي تحرك الروح وترقي العقل وتلهب الخيال مثل الفن أو الفلسفة أو الأدب، ولكن كل هذه الأشياء الجميلة تنهار دفعة واحدة إذا لم تضبط السياسة بالشكل الصائب. أكبر مثال على ذلك هو ألمانيا عام 1933، السياسة الصائبة هي الجدار الذي يحمي الناس من البربرية المستعدة للانقضاض في أي وقت. ولكن لأن ألمانيا لم تستطع وضع السياسة بالشكل الصائب لذا هدمت النازية بقيادة هتلر جدارها المتآكل وسحقت بعد ذلك كل الفنون والآداب والفلسفات والعلوم والحياة كلها. رائحة الحرية والسعادة التي كانت تملأ الهواء، حلت محلها رائحة البارود والجثث المحروقة.
في هذا السياق يذكر كروثامر إحدى مقولات جون آدمز، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية الذي كتب مرة: «يجب أن أتعلم السياسة والحرب لأمنح أبنائي الحرية ليتعلموا الرياضيات والفلسفة والتاريخ والهندسة والتجارة والزراعة ولكي يمنحوا بدورهم الحق لأبنائهم لكي يدرسوا الرسم والشعر والموسيقى». لهذا السبب تحديدا يعترض المؤلف على رأي البيولوجي والفيلسوف لويس توماس الذي أجاب عندما سئل عن أهم منجز يرشحه لكي يرسل للفضاء كدليل على العبقرية البشرية، فقال: «سأصوت لموسيقى باخ، كل صوتي لباخ، ترسل مؤلفاته للفضاء مرة بعد أخرى. بالطبع، سنبدو كالمتبجحين!» يتفق الكاتب على عبقرية باخ، ولكن بسبب اعتقاده أن الفنون الأخرى تنحني أمام قوة السياسة، فسوف يكون الخيار الثاني الذي سيبعث على الفضاء هو الدساتير التي تؤمن بالحرية والعدالة مثل وثيقة الماجنا كارتا الإنجليزية أو الدستور الأميركي.
لهذا السبب يعقد في أحد مقالاته مقارنة بين العالم الفيزيائي اينشتاين ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. رغم عظمة اينشتاين في القرن العشرين فإن الشخص الذي كان من دونه سيتغير مسار التاريخ هو تشرشل بكل تأكيد. اينشتاين حقق اختراقا علميا إعجازيا، ولكن وجد علماء فيزياء اقتربوا من فكرته الرئيسية ولكنهم عجزوا عن فهمها بالكامل. كان من المتوقع أن الزمن سينجب لا محالة علماء آخرين سيصلون لما توصل له. ولكن تشرشل من الشخصيات النادرة في التاريخ التي من دونها سينهار كل شيء. الحضارة كلها كانت ستنحط وتنزلق في الظلام لو تمكن هتلر من السيطرة على أوروبا بالكامل.
كروثامر يحمل درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة هارفارد، ولكن يعترف أنه أدرك بعد سنوات من الدراسة أنه يفتقد للقدرات الحقيقية لكي يكون مميزا في هذا المجال. ولهذا لم يتجه للكتابة الصحافية إلا في الثلاثين من العمر، ولكنه استطاع بسرعة أن يكون لنفسه اسما لامعا وأن يكتب في كبريات الصحف والمجلات الأميركية. من الواضح أن معرفته الواسعة بعلم النفس ساهمت في إبراز موهبته الكتابية، ولكنه يرفض أن يقحمها في قضايا سياسية واقتصادية لا يربطها شيء بعلم النفس. لذا يرفض في مقال له بعنوان «الإنسان الجواني. من يهتم؟!» التفسيرات النفسية التي طبقها الكثير من كتاب السياسة على الرئيس نيكسون ووصفها بالسطحية. من يهتم بماذا يفكر نيكسون بينه وبين نفسه، أو ماذا يحب أو يكره. الحكم يجب، كما يقول الكاتب، على السياسات على أرض الواقع وليس أي شيء آخر. ولكن لا يستطيع كروثامر - ككل المتخصصين في علم النفس فيما يبدو - كبح غضبه وحتى احتقاره لموجة ما يسمى ب «تطوير الذات». في أحد مقالاته يكتب كروثامر أن المخرج وودي آلن اعترف أثناء قضية الوصاية على الأولاد بينه وبين طليقته الفنانة ميا فارو أنه لم يحمم أطفاله أبدا أو يأخذهم إلى الحلاق، ولا يعرف من هو طبيب أسنانهم، ولم يحضر أبدا الاجتماعات المدرسية، ولا يستطيع أن يسمي أي أحد من أصدقاء أطفاله. كيف يمكن لهذا الشخص الغارق في نفسه والمفتقد للشعور الطبيعي للأبوة أن يتم إخضاعه لدروس تطوير الذات التي تحولت إلى «بزنس» يعتمد على مكننة المشاعر والتصرفات من دون نتائج حقيقية. المسألة إذن أعمق من ذلك. يضيف الكاتب: «نجح هذا البزنس لأن الأميركيين آمنوا أنهم بحاجة لخبير في شيء. خبير يعلمهم كيف يمشون أو يتكلمون أو كيف يثنون ركبهم». مع موضة تطوير الذات، أصبح كل سلوك وشعور إنساني بضاعة للتصنيع والتجارة. لم يعد يعرف الإنسان كيف يشرب ويأكل ويتزوج ويحب وينام ويعمل ويصادق إلا إذا دربه خبير على ذلك.
يشن كروثامر في الكتاب غضبه ونقده المتواصل على الأفكار الليبرالية فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد. هو محافظ اقتصاديا وسياسيا وليس اجتماعيا أو دينيا. في أحد مقالاته يشير ساخرا إلى أن الفرق الأساسي بين فريق المحافظين والليبراليين هو أن المحافظين يعتقدون أن الليبراليين أغبياء وسذج، والليبراليون بدورهم يعتقدون أن الجمهوريين مجرد حفنة من الأشرار قساة القلب. يذهب بعد ذلك للدفاع بأسلوبه العميق واللاذع عن رؤيته التي يصفها بالواقعية التي تؤمن بالتجربة والنتائج الملموسة وليس الأمنيات (من هذا النتائج إيمانه الكامل بفشل الحكومة الأميركية بمشاريع كثيرة مثل محاربة الفقر لذا يجب أن تبقى الحكومة صغيرة ومحدودة وتترك المجتمع بأفراده ومؤسساته وقيمه لكي يقوم بتصحيح نفسه).
تعرض كروثامر أثناء دراسته الجامعية لحادث سيارة أدى إلى شلل النصف السفلي من جسده، ولكن لم يفقد أبدا حسه الساخر. في أحد مقالاته يحلل الكاتب بأسلوب طريف اعتقاد الأميركيين غير المفهوم بأن تحمل المعاناة والصبر على المشاق، هما ما يمنحان الأشياء قيمتها. هذا ما يفسر هوسهم بسباقات الماراثون الذي لا يتحصلون منها إلا على بطانية تلف عليهم وزجاجة ماء. هذه السباقات مهمة لأنها تشعرهم بقيمتهم الذاتية التي لا تبدو بأحسن حالاتها إلا من خلال الصبر والمعاناة. هذا أيضا يفسر الحركة الغريزية التي يقوم بها الناس عندما يركلون عجلات السيارة المستعملة قبل شرائها. إذا تحملت الركل فستكون صالحة للشراء! وفي مقال آخر يكتب بحزن عن رحيل كلبه «شتسر» الذي مات فجأة. يعترض الكاتب على من يعتقد بأن الحزن على رحيل الكلب مسألة زائدة في عالم مليء بالمعاناة الإنسانية. يقول من الطبيعي جدا أن يحزن الإنسان على رحيل مخلوق في غاية الجمال والطيبة والنقاء كـ«شتسر». ينقل عن أحد أصدقائه الذي حزن على موت كلبه قوله: «إنه ألطف مخلوق عرفته في حياتي. الكلب الوحيد الذي شاهدته يقبل قطة!».



على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.