إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

الشاعر السعودي قال لـ «الشرق الأوسط»: من دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي
TT

إبراهيم زولي: «الصحوة» فرضت علينا المعركة... لكننا لم نستسلم

إبراهيم زولي
إبراهيم زولي

يُعتبر الشاعر السعودي إبراهيم زولي صوتًا بارزًا في المشهد الشعري الحديث الذي مزج بين التجربة الشعرية القائمة على سبر أغوار النصّ الجديد، والسير من خلال تلك التجربة في مضمار «الحداثة»، خاصة في تجلياتها الشعرية والسردية. تكونت مداركه في فترة الصراع بين التيار الصحوي، والتيار الذي أخذ على عاتقه الخروج عن النسق السائد.
ولد إبراهيم زولي في جيزان جنوب السعودية عام 1968. كتب عددًا من التجارب الشعرية جمعت بين العمودي والتفعيلة والنثر، توزعت عبر مجموعاته الشعرية المتنوعة. إلى جانب ذلك، ثمة مسحة فلسفية في شعر زولي، الذي يدير رحى القصيدة في بحور من القلق واجتراح الأسئلة.
آخر مجموعة شعرية لإبراهيم زولي كانت «حرس شخصي للوحشة» صادرة عن المركز الثقافي العربي - المغرب (2015). أما أولى مجموعاته فكانت «رويداً باتجاه الأرض» (1996)، تلاها ديوان «أول الرؤيا» (1999) و«الأشياء تسقط في البنفسج» (2006) و«تأخذه من يديه النهارات» (2008) و«رجال يجوبون أعضاءنا» (2009) و«قصائد ضالة... كائنات تمارس شعيرة الفوضى» (2010) و«من جهة معتمة» (2013) و«شجر هارب في الخرائط» (2014).
«الشرق الأوسط» التقت الشاعر السعودي إبراهيم زولي، وأجرت معه الحوار التالي...

> ماذا بقي من دراستك في المعهد العلمي؟ وكيف قاومت ما تسميه «الحشو المنهجي الذي كان لا يؤمن سوى برؤية واحدة وقول واحد»؟
- تلك مرحلة كانت تحاصر فينا التفكير والاجتهاد حتى الإبداع داخل أسوار المدرسة، غير أنني كنت أخرج من ذلك وأذهب لقراءة الروايات العالمية لمؤلفين كبار مثل ديستويفسكي وتشيخوف ووليم فوكنر، وأقرأ لكثير من المفكرين العرب أمثال محمد أركون والجابري وعبد الله العروي، وشعراء كسعدي ودرويش، وكانت الساحة الثقافية صاخبة بجدل نقدي خلّاق على صفحات «ملحق الأربعاء» وصحيفة «الندوة» وملحق «أصداء الكلمة» في «عكاظ»، وأدركت أن في تراثنا العربي والإسلامي فكرًا نيّرًا يؤمن بالاختلاف، وأصبحت مقولة محمد بن إدريس الشافعي: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» وسواها شعارًا وأيقونة في مرحلة من مراحل حياتي.
> لستَ وحدك من الشعراء الذين تكّونت اتجاهاتهم الحداثية أثناء دراستهم في حواضن مناهضة لهذه التجربة، كيف تفسر ذلك؟
- تلك حقبة قاسية وشديدة الوطء على شاعر لا يزال يتلمس خطواته الأولى في عالم الكتابة، إنها حالة تشبه الطوفان الذي لا يمكن لأحد مجابهته، فكيف بفتى يدرس في المرحلة الثانوية؟! بيد أن الأمل في غدٍ أجمل، هو الأمل المدجج بالوعي الحاد والقراءة المكثفة. هو من أنقذ قصيدة الفتى في مجابهة السائد والمكرس والمألوف.
> ماذا علق في ذهنك من فترة الثمانينات وصعود التيار الصحوي؟
- الجيل الذي كان يتعاطى مع المشهد الثقافي في تلك الحقبة يعلم أنّ جيلاً من الكُتّاب والمبدعين وجد نفسه في معركة لم يختر زمانها ولا مكانها. هذا الجيل لم يقف مكتوف اليدين بل تصدى لأولئك الذين لم يكن العداء الثقافي إلا لافتة خادعة ومبررًا واهيًا. أولئك كانت معركتهم ضد الوطن بجميع أطيافه، وهو ما حدث فعلا مع تلاميذهم ومريديهم الذين كفَّروا المجتمع، ومارسوا ضد مدخراته التفجير والإرهاب.
> لماذا تعثّر مشروع الحداثة في السعودية؟
- القول بفشل مشروع الحداثة في البلد قول بحاجة إلى مساءلة، أقلّ ذلك على مستوى الكتابة في تجلياتها الشعرية والسردية. ما نلاحظه أنّ أغلب كتاب الثمانينات والتسعينات هم الآن من يشار إليهم بالبنان عند الحديث عن المشهد الثقافي في السعودية.
> ألم ينسحب المثقفون «الحداثيون» أو «الليبراليون» من المشهد وتركوه طويلاً لخصومهم؟
- الذين انسحبوا، ومَن فضَّل الصمت في تلك المرحلة، كانت لهم مبرراتهم القوية والمقنعة إلى حدٍّ كبير، ذلك أنّ التيار المتشدد والراديكالي كان نافذًا ومتغلغلاً، كسرطانٍ شرس، في كل مفاصل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وكان كل صوت غير صدى صوتهم يعتبر كفرًا وزندقة ومروقًا من كل الأعراف والتقاليد. ما حدث حينذاك كان نزالاً غير بريء وغير عادل معًا، عندما تلقّى فيه معظم كُتّابنا ضربات «تحت الحزام» بسبب ودون سبب.

البحث عن الشاعر

> متى اكتشفتَ الشاعر في داخلك؟
- حتى اللحظة ما أزالُ في بحث دؤوب ومضنٍ عن الشاعر في داخلي، ومن هو هذا الذي يستطيع القول إنه وجد الشاعر الذي يبحث عنه؟! البحث وتناسل الأسئلة هو ما يحرض على الكتابة، ويوقظ القصيدة من غفوتها. لا أريد لهذه الرحلة من البحث عن الشاعر في داخلي أن تصل إلى نهايتها. لا أريدُ ذلك أبدًا.
> بين مجموعتك «رويداً باتجاه الأرض»، و«حرس شخصي للوحشة» 9 تجارب شعرية في 20 عامًا، هل اصطفتك القصيدة؟
- كلّ ما يحلم به الشاعر هو أنْ تصطفيه القصيدة، ويصل إلى مرحلة من الوجد والعشق اللانهائي. إنّ الاصطفاءَ، هنا، هو ذلك الشيء الذي لن يتأتى لكل من كتب الشعر أو هَمَّ به. كم من الشعراء على مستوى العالم كتبوا القصيدة منذ بدء الخليقة، بيد أنه لا يوجد إلا «متنبي» واحد و«رامبو» واحد أيضًا. قلة هم أولئك الذين اصطفتهم القصيدة بكل أسف.
> كيف نضجتْ هذه التجربة؟ وكيف تنّقلت بين العمودي والتفعيلة والنثر؟
- يقولون إنه بالكتابة يتعلم المرء الكتابة. ومع هذه التجارب التي تحدثتَ عنها ثمة عامل واحد هو التجريب والمغامرة في خلق لغة ورؤيا مختلفة. لم أقم بحرق المراحل كما فعل غيري. كتبت العمود الشعري وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ولا أدّعي مجدًا مظفرًا في ذلك. كان هاجسي المغامرة من قبل ومن بعد، ومتى ذهب هاجس المغامرة من الشاعر فقد أضاع كل شيء، وانتكس في شكل وفخ شعري يتيم لن يغادره حتى آخر العمر. إنّه دون حسّ التجريب والمغامرة يحفر الشاعر قبره بيديه.

تأثير القراءة

> ما أكثر ما أثّر في تجربتك الشعرية؟
- لا شيء في تقديري يؤثر في الشاعر مثل القراءة. القراءة وحدها هي من تصنع لغة ووعي الشاعر، وتصنع رؤيته تجاه العالم والذات. الشاعر ابن مكتبته وقراءاته، لا ابن مجتمعه.
> كيف تجد مستقبل قصيدة النثر في السعودية؟
- المستقبل للإبداع دون تأطير بشكلٍ جاهز؛ لأنّ الإبداع الحقيقي يتعالى على التصنيف والتأطير. وقصيدة النثر في مدونة الشعر السعودي خطت خطوات مهمة، وقدمت أسماء لافتة وذات أهمية، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العربي أيضًا، لكنّ ذلك لا يمنع أنّ هناك دخلاء على هذا الشكل من الكتابة، مثل أي صنعة أخرى، ثمة طارئون ودخلاء. بعضهم ما تزال قصائدهم النثرية لا تتجاوز الخاطرة والتداعيات الرومانسية.
> تقول: «منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، يمثّل فيّ الآن مرحلته وزمنه. لا أن يتنفّس من فم امرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين». هل يقوى الشاعر أن يمتلك فرادته في مجتمع يفرض سلطاته؟
- فرادة الشاعر هي أمرٌ نسبي ومرحلي، والشاعر في ذات الوقت ابنٌ بارٌ لظرفه وسياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي. هو ليس كائنًا فضائيًا، ومع كل هذه القيود يستطيع أنْ يخلق لغته ويصنع عالمه الخاص. إن الشعراء الذين اختاروا المهاجر أو المنافي، طوعًا أو قسرًا، ربما كان مناخهم مناسبًا لخلق فرادتهم، بيد أنّ تلك الفرادة لم تتأت إلا لقلة قليلة منهم.
> كيف يحضر المكان في قصيدتك؟ أنت مسكون بتفاصيل البيئة المحلية، وتقول إن من يمتلك تفاصيل المكان ومفرداته الحميميّة يحمل في شرايينه أرضًا وشعبًا من سلالته، كيف؟
- البعض يعدّ المكان هو الأرضية الصلبة التي ينطلق منها الشاعر للعالم، مَن يمتلك تفاصيل المكان يمتلك عالمه الشعري، عالماً لا يمكن أن يضل برفقته السبيل، وحتى لا تكون القصيدة ريشة في مهب الرياح، غريبة الوجه واليد واللسان، يبقى المكان بكلّ تجلياته وتمظهراته هو الذي يمكّن المبدع من كتابة عملٍ زاهٍ، عمل يقف معه على قدمين راسختين، وقامة يمدّ عنقها إلى الفضاء.
> هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلاً؟
- الأوراق و16 بحرًا وقلم دون غطاء، كلها تتأهب، وقد لا تأتي الكتابة، تغضب وترمي بكلّ شيء في أقرب سلة أمامك. تختلط إيقاعات الوافر والرمل ممزوجين بالمتدارك، ثم ينتصب الخليل بن أحمد أمامك كعفريت صابًّا جام غضبه عليك. تقوم منكسرًا من مكانك الذي هيأته للقصيدة الحلم، ثم في خلسة من كلّ هؤلاء تُقْبِلُ وأنت أعزل إلا من حزنك، عاريًا إلا من البهجة بقدومها، لا لشيء إلا لأنّها هي سيّدة الزمان والمكان... طقس بحاجة إلى طقس آخر، وعملية استحضار تشبه الضرب في الرمل. هي كمَن ينظر إلى قدميه عندما يقود دراجة ليعرف كيف تتمّ عملية القيادة، ثم يتعثّر في الطريق. الكتابة موعد مع الغياب، أو هي انتظار جودو، أو «البحث عن وليد مسعود»، قد تأتي وقد لا تأتي.
> ماذا يوفر لك الفضاء الإلكتروني؟
- بسبب هذه الشبكات المعلوماتية والفضاء الإلكتروني، صار بإمكان المرء في أي ركن من أركان المعمورة، التواصل مع أخيه الإنسان «الافتراضي» في الجهة الأخرى من العالم صوتاً وصورة وكتابة. لم تعد الأخوّة في اللون أو الدين أو العرق، كما تعارف الناس، بل تبدّلت إلى معنى آخر وجديد لم يكن مألوفًا من قبل. «عالم افتراضي، أصدقاء افتراضيّون»، وهكذا. ما من شكّ في أنّ هذه الشبكات باتت تشكّل حضورًا طاغيًا في حياة الناس، بمختلف أطيافهم وشرائحهم، لم ينجُ من ذلك أحد، فقراء وأغنياء، ملونون وغير ملونين، وسقطتْ معانٍ كثيرة، فلم نعد نميّز بين الشيخ والمريد، وبين المعلم وتلميذه. هذه الهدية الكونية من اقتصاد المعرفة لم تأت حكرًا على النخب وطبقات الأنتلجنسيا الذين احتكروا ردحًا من الزمن المعلومة ومصدرها، الكِتاب ومؤلّفه، البحث ومحتواه، وبالتالي كانوا يهبون أو يمنحون - لا فرق - الثقافة لمن شاؤوا، وكيف شاؤوا. ذلك زمن ولّى وانقضى إلى غير رجعة، زمن أضحى في سلة الذكريات، زمن غير مأسوف عليه.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.