جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

قال لـ {الشرق الأوسط} إن مصطلح الربيع العربي مصطلح مشبوه وملعوب به

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
TT

جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني

عرف جمال الغيطاني بمشروعه الروائي الجريء الذي استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالما روائيا معاصرا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجا في المنطقة العربية. وبالإضافة إلى جهده الروائي، عمل الغيطاني في الصحافة الأدبية، إذ ترأس تحرير جريدة «أخبار الأدب» على مدار 17 سنة، ونجحت الجريدة في التحول إلى منبر ثقافي، مصريا وعربيا. ولكن هذا الانغمار في الحياة الإبداعية يمنع صاحب «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، و«الزيني بركات»، و«دفاتر التكوين» بأجزائه الثلاثة، وغيرها كثير، من المساهمة في الحياة السياسية والعامة، كما نرى في هذا الحوار معه، الذي يتناول شؤونا سياسية وظواهر وقضايا ثقافية كثيرة:
* لنبدأ من المشهد الحالي.. كيف تراه؟
- أنا متفائل بحذر، والحذر لإدراكي وجود إصرار دولي بمساندة عناصر محلية داخلية على إسقاط الدولة. وأنا لا أتكلم عن تغيير نظام، فلأول مرة في تاريخ مصر الحديث، وربما القديم أيضا، نتعرض لعملية إسقاط دولة، وليس تغيير نظام، فالأنظمة تأتي وتذهب، ومثال على ذلك ثورة يوليو (تموز) التي أسقطت نظاما، لكنها لم تدمر أجهزة الدولة، بل إن جمال عبد الناصر قام بإجراءات لتقوية الدولة، لكن في ثورة يناير (كانون الثاني) مرت أحداث تكشفت حقيقتها في ما بعد، واتضح أن هناك تلاعبا في اتجاه هدم الدولة والشعب هو الذي قام بحماية الدولة. وكي نفهم ما نحن فيه الآن لا بد أن نستعرض الأمر من لحظة ثورة يناير التي شهدت خروجا حقيقيا للناس، لكن دخل على الخط عناصر مريبة لم تكن ظاهرة، وبعضهم ما زال مستمرا حتى الآن، كما أنه في الفترة السابقة على ثورة يناير مباشرة عادت وجوه من الخارج وظهرت فجأة، وكان أشهرهم محمد البرادعي، واتضح في ما بعد أنهم مرتبطون بخيوط لا تنتهي في مصر، وهذه الوجوه ما زالت مستمرة إلى الآن تحت اسم الليبرالية والديمقراطية، ومنهم أيضا الإخوان الذين ظهروا في ميدان التحرير، وفى موقعة الجمل، وفى الجمعة التي أطلق عليها «جمعة قندهار»، التي رفعوا فيها أعلام «القاعدة» السوداء انتهاء بتولي مرسى، ثم سقوط الإخوان في ثورة جديدة لا نستطيع أبدا أن نقول إن فيها عناصر مريبة، فقد قامت لظروف خاصة عندما اكتشف الشعب أنه يجرى جرفه لمنطقة بعيدة، فكانت ثورة شعب حقيقية انضم فيها الجيش إلى الناس، وأثبتت أن للشعب المصري دوره وكلمته للقضاء على مخطط كوني برعاية الولايات المتحدة، ولكن ما أراه الآن هو استمرار محاولات الإيقاع بالدولة المصرية، وأن الروح المصرية التي لمسناها في 30 يونيو (حزيران) تقل تدريجيا وتتضاءل، وهذا ما أخشاه، لكن في الوقت نفسه هناك ما يطمئن ويتمثل في أن وعي الشعب المصري أعلى من بعض النخبة ممن يتاجرون بالشعارات الليبرالية والقومية.
* هل ترى هذه التوابع من أثر الربيع العربي؟
- هذه الكلمة لا أستريح لها فهي مصطلح مشبوه وملعوب به، كما أنها عبارة لم تخرج منا، والمسألة بدأت في تونس بينما كان الهدف مصريا على أساس أنها رمانة الميزان في المنطقة.
* إلى أي مدى ترى أهمية انخراط الأديب في الواقع السياسي؟ وكيف يوائم بين ذلك وبين متطلبات الكتابة الإبداعية، ومنها حاجته للاختلاء بنفسه؟
- الأديب لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي. وكان تشرشل في الحرب العالمية الثانية يدعو الأدباء إلى اجتماعاته ليستمع إليهم، لأن قراءة الأدب والاستماع إلى أصوات الأدباء يفيد في استشراف المستقبل. ولو كان عبد الناصر قرأ روايات نجيب محفوظ لكان حذرا من حدوث ما حدث في النكسة، فالأديب يرى بعين شاملة ورؤية بانورامية أوسع، أما السياسي فيركز على التفاصيل فقط. وأنا منذ بداياتي لا أنفصل عن الواقع وأعمالي تمزج بين الخيال والواقع في خطين متوازيين.
* لكنّ هناك كثيرا من أعمالك ومنها دفاتر التدوين تميل للانغماس أكثر في الذات.
- هناك أحداث وظروف تدفع الإنسان للانغماس في الذات وقد عشت هذه التجربة مع تقدمي في العمر رغبة في حماية نفسي، وإعادة لبناء الحياة بأقصى سرعة من خلال الذاكرة لإدراكي معنى قصر العمر والفناء. وكانت مرحلة دفاتر التدوين بأجزائها تنتمي إلى هذه الحالة.
* كيف تقيّم إبداعات ثورة يناير؟ وهل تتناسب مع ضخامة الأحداث؟
- بالعكس هناك حالة من الكتابة لم تكن موجودة في عصر الستينات الشهير بالزخم الإبداعي. لا شك أن فترة الستينات كان هناك إنتاج ضخم من الإبداعات المتنوعة في مختلف المجالات رغم حالة القمع التي كانت موجودة، ومع ذلك فأنا أرى أن هناك كتابات كثيرة، وأكثر من ذلك الوقت، ولكنها تحتاج لمن يقيمها، بمعنى أن الحركة الإبداعية تسير على قدم واحدة.
* أي أن هناك قصورا في النقد؟
- نعم، فلا توجد حركة نقدية ذات مصداقية، وتعتمد حركة الإبداع على الذائقة، هناك متغيرات عصرية تتمثل في أن الشباب الجديد ينشرون على الإنترنت رواية مثلا، ويكون لها جمهور من الشباب، ثم يشترون الكتاب عندما ينشر، ولو قرأنا أرقام التوزيع لوجدنا الرواية رقم واحد على حساب الكتب السياسية والتاريخية، بينما تراجع الشعر تماما وصار في المؤخرة على الرغم من الازدهار الشديد لحركة الشعر العامي في فترة التسعينات لدرجة أننا لم نكن نستطيع متابعة حركته بسبب غزارة الإنتاج وقتها في الشعر وأيضا في القصة القصيرة.
وهناك كم من المواهب كبير جدا، والأمر يتوقف على مهارة الأجهزة الثقافية في أن تخدم هؤلاء المبدعين، لكنني للأسف ألاحظ أن الأجهزة الثقافية لا تزال تعمل وفق منطق «اللي معايا واللي ضدي»، بل إن المسؤول الثقافي يحكّم ذائقته الخاصة وأهواءه الأدبية، فيقاوم وجود البعض لمجرد أنه غير معجب به مثلا! والمفروض أن تتحول وزارة الثقافة إلى داعم للثقافة وليس منتجا لها، ولذلك أدار الشباب لها ظهورهم، والدليل على كلامي أن نتاجات أحسن المبدعين الشباب لم تخرج من الأجهزة التابعة للوزارة وإنما خرجوا من دور نشر خاصة مثل ميريت، هناك ظواهر إبداعية شبابية جديدة تحتاج إلى رؤية بعين مختلفة ولا بد من تشجيعهم.
* هل أنت راض عن الاتجاهات الجديدة في الكتابة الروائية؟
- بحكم عملي الطويل في أخبار الأدب واكتشافي للأجيال الجديدة من الأدباء، فإنني أرى أن هناك ثورة قوية في الكتابة بعد 25 يناير على أيدي كتاب شباب يحتاجون إلى من يرعاهم ويهتم بهم.
* بمناسبة الحديث عن إبداعات الشباب، ما رأيك في ظاهرة انتشار كتابات بلغة سوقية وقد تتضمن شتائم أو خروجا عن الآداب العامة؟
- بداية أنا ضد أي منع أو مصادرة للإبداع وضد أي تدخل رقابي على الكتابة، فالأدب ينقي نفسه بنفسه. وحتى ونحن في اجتماع المجلس الأعلى للثقافة اشتكى بعض الزملاء من الألفاظ الخارجة التي وردت في بعض مسلسلات رمضان هذا العام، فقلت لهم بشدة وحزم إن الذي يريد الاعتراض فليكتب مقالا، ولكن لا نتخذ أي إجراء وإلا فكأن المجلس جاء ليمارس دورا رقابيا! الكتابة الجيدة هي التي تبقى، وكلما ارتفع سقف الحرية وجدنا قيمة أكبر.
* ما تفسيرك لهذا التراجع في الشعر لصالح الرواية؟
- ربما لأن الشاعر بشكل عام إذا لم يجد مردودا إيجابيا لا يستمر وكل فرد لديه قدرة محدودة على المقاومة والإصرار، على عكس جيلنا الذي كان يقاوم ويصر حتى يصل إلى درجة أنه في الثمانينات، وكان الرأس قد امتلأ شيبا، كانوا لا يزالون يطلقون علينا «الأدباء الشبان»، كان مصطلحا يتضمن تيمة وليس مجرد وصف حتى توليت صحيفة «أخبار الأدب» في صحيفة الأخبار، وكنت أول يساري يتولاها، فقمت بتغيير هذا النهج.. مع جريدة «أخبار الأدب» اختلفت المسألة تماما.
* كيف تنظر إلى تجربتك في هذه الجريدة؟
- على مدار 17 سنة نجحت مع زملائي في خلق منبر ثقافي في فترة تراجع ثقافي لمصر عوض غيابها في العالم العربي، فأصبحت «أخبار الأدب» موجودة في العالم العربي من المغرب حتى اليمن ودول الخليج. ومن واقع خبرتي بالعمل الثقافي، فإن أي مطبوعة ثقافية تتجاهل الثقافة العربية ككل يكون محكوما عليها بالفشل.
إلى جانب التغطية الصحافية للنص الجيد فلا يوجد اسم في مصر والعالم العربي إلا ومر على أخبار الأدب طبعا مع وجود العمالقة العرب الكبار مثل أدونيس وعبد الوهاب البياتي أو محمود درويش أو سعدي يوسف.
* هل تعتقد أن تجارب الصحف الثقافية المتخصصة الأخرى التي ظهرت في العالم العربي نجحت أم أن النجاح قلما يحالف الصحف الثقافية في منطقتنا العربية؟
- هناك تجارب ناجحة مثل مجلة «الآداب» التي أسسها الراحل سهيل إدريس في لبنان، وكذلك فترة وجود رجاء النقاش في «الدوحة»، أيضا هناك مجلة «العربي» الكويتية وهي مجلة ثقافية عامة، وإن كانت ضعفت إلى حد ما. وهنا أود الإشارة إلى الدور الكويتي الثقافي الكبير سيما قبل الغزو العراقي، فالكويتيون هم الذين احتضنوا سلسلة المسرح العالمي عندما أوقفتها مصر في عهد السادات، وفي هذا الإطار يجدر بنا الحديث عن الدور الثقافي السعودي. ونحن في أخبار الأدب كنا نهتم كثيرا بالأدب السعودي ونشرنا للكثير من الكتاب السعوديين، فالنص الجيد يجد من يدافع عنه في أي مكان.
* ما رأيك في ظاهرة الكتاب الذين يهبطون علينا من الخارج لمجرد حصولهم على جائزة ويحققون الشهرة والانتشار على أثر ذلك؟
- للأسف الشديد سياسة «الأكثر مبيعا» التي تبنتها إحدى كبريات الدور في مصر أساءت للإبداع، بل أراها سياسة مدمرة وأتصور أنها ليست بريئة. فلا يمكن أن يقيم المبدع بحسب ما باع من كتابه وليس بسبب جودته، وللأسف الشديد أن إحدى تلك الروايات وصلت إلى جائزة البوكر. وهنا أود الإشارة إلى شيء أن جائزة البوكر فكرة جميلة جدا لكنها أحدثت خللا في الحياة الأدبية العربية، فمن المعروف أن البوكر في إنجلترا تقدم الأدب الجديد بينما نجد أن أول من حصل عليها في المنطقة العربية هو الكاتب بهاء طاهر، وهو كاتب كبير، ثم تلاه كاتب صغير، فليس هناك ثبات في هذه المسألة، أيضا تتبنى البوكر ترجمة العمل إلى اللغات الأجنبية وتدفع المقابل، وهو ما يخلق تقليدا يضر الكاتب الجيد الذي لم يفز بالبوكر ولا يمتلك مالا يدفعه لترجمة أعماله؛ مما يخلق أجواء منافسة غير عادلة. وأنا أذكر أن نجيب محفوظ في فترة الخمسينات لم يكن يطبع أكثر من ألفي نسخة على مدار عامين وفي نفس ذلك الوقت ظهر كاتب يدعى عزيز أرماني باع رواية في ربع مليون نسخة، وكانت تحمل عنوانا مثيرا وغلافا مثيرا أيضا، ورغم هذا البيع لم يعتبره أحد أديبا. وحتى الآن أرى أن أفضل جائزة هي التي قدمتها الإمارات وهي جائزة سلطان العويس، لأنها أنزه جائزة عربية في الأدب، فلا يمكن إيجاد ملاحظة واحدة على اختياراتها في أي سنة، لأن معاييرها صارمة، وهناك جائزة أخرى لم تدخل مجال الأدب، لأنها في العلم، وهي جائزة الملك فيصل، وكنت أتمنى أن تدخل مجال الأدب أيضا لأهميتها ونزاهتها. ولكن هناك جوائز بدأت عملاقة مثل جائزة الشيخ زايد وأدعو القائمين عليها إلى حمايتها بما يتناسب مع اسم الرجل الذي تحمله، وبشكل عام أعترف أن منطقة الخليج أصبحت مؤثرا ثقافيا مهما جدا في العالم العربي، وأنا أحيي هذا الجهد.
* من واقع تجربتك العملية هل يفيد العمل الصحافي الأديب أم يضره؟
- الصحافة مهنة خطرة على الأدب، ولكن إذا نجح الأديب في توظيفها لصالح الأدب، فإنها يمكن أن تفيده بشرط أن يضع الأديب حدودا للصحافة. ولو تسألينني عن أكثر فترة استفدت فيها من الصحافة، لقلت لك إنها كانت خلال عملي كمراسل حربي، لأنها تجربة نادرة وثرية، وكانت فرصة مهمة جدا لي كأديب، كانت فترة الحرب تلك من أفضل اللحظات التي عشتها في حياتي رغم مخاطرها ومتاعبها كمراسل موجود في قلب النار.
* رغم ذلك لم تكتب كثيرا بما يتناسب مع معايشتك لتلك التجربة؟
- بالفعل لم أكتب كثيرا عن هذه الفترة بسبب صدمتي من توابع القرارات التي اتخذها السادات بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول)، وعندما كتبت «حكايات الغريب» مثلا كانت مرثية للحرب.
* كنت أقرب الناس للأديب نجيب محفوظ، ماذا تذكر عن تلك الفترة؟ وكيف أثرت عليك كمبدع وإنسان؟
- في الكتابة أنا مختلف عن نجيب محفوظ، وعلاقتي بنجيب محفوظ أساسها بعدها الإنساني وانبهاري به كروائي كبير، نجيب محفوظ قامة أدبية كبيرة ولكني أتحداك أن تجدي كتبه كلها الآن، للأسف! لقد انبهرت به ككاتب قبل أن أعرفه وتعرفت عليه وعمري 14 سنة، فكانت علاقتي به علاقة ابن بأبيه لدرجة أن أسراري كانت معه. كانت لديه نظرة كونية عميقة.
* ربما كان ذلك لدراسته الفلسفة؟
- هناك كثير من الأدباء درسوا الفلسفة لكنهم لم يصبحوا أدباء كبارا! نجيب كان لديه هذه النظرة الكونية بدافع همومه الأساسية. ما لم تكن هناك هموم داخلية في تركيبة الأديب فلن يكتب أشياء لها قيمة، الهم الأساسي الذي شغل نجيب محفوظ هو فكرة الأصل ونجدها في مختلف أعماله، ومنها «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» و«الحرافيش»، كلها دارت عن المصدر أو الأصل، وهو الأب والذي جاء واقعيا في شخصية السيد أحمد عبد الجواد في الثلاثية، وجاء رمزيا في شخصية الجبلاوي في «أولاد حارتنا»، ومرة أسطوريا في شخصية عاشور الناجي في «الحرافيش»، فهو مهموم بشجرة الإنسانية وإلى أين تتجه.
* أيضا حديث «الصباح والمساء» كانت نموذجا لهذا النهج في أعمال نجيب محفوظ؟
- هذه الرواية مذهلة معماريا، وعندما قدمت للتلفزيون كتبها محسن زايد بشكل رائع وكان أحسن من يكتب السيناريوهات.
* قلت إنه لا بد للكاتب من هموم تشغله كي يبدع، فما هي هموم جمال الغيطاني التي تدفعه للكتابة؟
- منذ بدايتي وأنا مهموم بعنصر الزمان وهو اختزال للزمن ويعكس بوجهه الآخر عنصر المكان، ويرجع ذلك لحرصي الشديد على التمسك بحياة تضيع مني، خصوصا مع تقدم العمر.



فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.


«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون
TT

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً داخل مصحة في إدنبرة، كانت «تؤوي نخبة مختارة من أعداد كبيرة من المرضى النفسيين العائدين من الحرب». يجري الطبيب النفسي في المصحة، إدوارد بيرس، أبحاثاً مثيرة للجدل حول التنويم المغناطيسي كوسيلة لعلاج الأمراض العقلية؛ وفي حين يرى زملاؤه أن تجاربه «محكوم عليها بالفشل عاجلاً أم آجلاً»، يعتبر بيرس أن أساليبهم - القائمة على العقاقير والكهرباء - «غير فعالة وبالية».

يصل مريض جديد يُدعى ديفيد برادلي - وهو مهندس - إلى المصحة بعد أن تقطعت به السبل على جزيرة تضم منارة مهجورة كان قد أُرسل لتقييم حالتها بتكليف من جهة عمله. ويرى بيرس في هذه الحالة فرصة لإثبات جدوى إجراءاته النفسية المبتكرة.

يعاني برادلي من صدمة نفسية أفقدته القدرة على الكلام، وتتملكه رغبة ملحة في السباحة طوال الوقت. وقد دوّن تفاصيل فترته التي قضاها في الجزيرة في مذكرات تشكل الجزء الثاني من الكتاب، حيث يسرد رحلة انحداره نحو الجنون والرعب المستمر. بعد ذلك، يعود موزيو بالقصة إلى بيرس ومسار علاج مريضه المحيّر.

تتميز هذه الرواية بحبكة معقدة، وتزخر بالتناص الأدبي؛ إذ يوظف موزيو ثيمات ومواضيع لكُتّاب آخرين بأسلوب يشبه طريقة منتجي موسيقى «الهيب هوب» في استخدام المقاطع الصوتية الجاهزة (samples)، حيث يصيغ ألحاناً جديدة عبر اقتباس شذرات من ألحان مألوفة وإعادة ترتيبها وصياغتها بقوالب مبتكرة. وتزخر الرواية بإشارات إلى أعمال أدبية متنوعة، مثل: «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، و«الجحيم» لدانتي، وسفر صموئيل الأول، وكتابات عالم الطبيعة والكاتب ويليام هنري هدسون، وقصيدة «أنشودة البحار العجوز» لكولريدج.

غير أن التأثير الأبرز يأتي من الرواية القصيرة القوطية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» لروبرت لويس ستيفنسون. فبينما تبرز بعض الإشارات بوضوح صارخ كلوحات النيون الوامضة (مثل وجود نسخة من الكتاب في غرفة نوم «بيرس»، وظهور مهندس المنارات ديفيد آلان ستيفنسون، وهو ابن عم روبرت في الواقع)، تظهر أيضاً جوانب أكثر دقة وتعمقاً في استلهام تلك الرواية. إذ تتم السيطرة على ألم الأعصاب الذي يعاني منه «بيرس» - وهي حالة تسبب صداعاً مبرحاً ناجماً عن شظايا مستقرة في رأسه - عبر جرعات متزايدة التواتر من المورفين؛ وتعكس عادته هذه اعتماد الدكتور جيكل على إكسيره السري، الذي كان يتجرعه أولاً ليُخرج إلى العالم قرينه الشرير «هايد» (ثم يعود ليتناوله لاحقاً لكبح جماح «هايد» ومنعه من الظهور من تلقاء نفسه).

وهناك واقعة تتعلق بجثتين تُرى من منظورين مختلفين: أحدهما يعتبرها تدنيساً للحرمة، والآخر يراها تعبيراً عن الندم؛ ففي حين قد يرى شخص ما «هايد» في هذا الموقف، قد يرى آخر «جيكل». كما تتكرر ثيمات التوائم والنسخ المتطابقة طوال أحداث الرواية، بما في ذلك لحظة بارعة يتضاعف فيها الكتاب نفسه.

*خدمة «نيويورك تايمز» ومن خلال أسلوبها النثري الأنيق - الذي يتسم أحياناً بطابع طريف وغريب ومحبب (وقد نُقل ببراعة من الإسبانية على يد راهول بيري) - وعبر بنيتها السردية، ولا سيما الوثائق التي تشكل قسم «برادلي»، تلمح الرواية إلى الطابع القوطي، دون أن تتحول كلياً إلى مجرد محاكاة ساخرة أو تقليد للأسلوب القديم.

وتكمن خلف مساري أحداث «بيرس» و«برادلي» ذكريات الحرب التي وضعت أوزارها مؤخراً، وهي ذكريات يفضل الرجلان نسيانها؛ إذ تُعد مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) التي تصور أجواء السريالية الكابوسية لحرب الخنادق - التي وُصفت بأنها «محفز مذهل للجنون» - أكثر فقرات الرواية إثارة للقلق والاضطراب. يرى بيرس في تجسيد الحرب تشويهاً بشعاً لشخصية «أليس» التي أبدعها كارول، تلك الفتاة ذات «العينين المتلألئتين التي كانت تتجول حاملةً حلقة مفاتيح تصدر رنيناً، لتفتح بها كل حجرات العقل التي حُبست فيها جحافل من الشياطين الثرثارة».

فالخنادق هي المكان الذي تضطر فيه الظروفُ كلَّ رجلٍ إلى إخراج «هايد» الكامن في داخله؛ لا طلباً للمتعة التي كان يجدها «هايد» - شخصية ستيفنسون - في العنف، بل لمجرد البقاء على قيد الحياة. وفي هذه الرواية الآسرة، يوحي مصير كل من بيرس وبرادلي بأنه مهما كانت المبررات التي قد تدفع المرء لإطلاق العنان لـ«هايد» ليعيث فساداً في المرة الأولى، فإن كبح جماحه مجدداً يُعد أمراً بالغ الصعوبة.


حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.