جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

قال لـ {الشرق الأوسط} إن مصطلح الربيع العربي مصطلح مشبوه وملعوب به

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
TT

جمال الغيطاني: ليت جمال عبد الناصر قرأ نجيب محفوظ لتجنب الكثير من الأخطاء

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني

عرف جمال الغيطاني بمشروعه الروائي الجريء الذي استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالما روائيا معاصرا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجا في المنطقة العربية. وبالإضافة إلى جهده الروائي، عمل الغيطاني في الصحافة الأدبية، إذ ترأس تحرير جريدة «أخبار الأدب» على مدار 17 سنة، ونجحت الجريدة في التحول إلى منبر ثقافي، مصريا وعربيا. ولكن هذا الانغمار في الحياة الإبداعية يمنع صاحب «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، و«الزيني بركات»، و«دفاتر التكوين» بأجزائه الثلاثة، وغيرها كثير، من المساهمة في الحياة السياسية والعامة، كما نرى في هذا الحوار معه، الذي يتناول شؤونا سياسية وظواهر وقضايا ثقافية كثيرة:
* لنبدأ من المشهد الحالي.. كيف تراه؟
- أنا متفائل بحذر، والحذر لإدراكي وجود إصرار دولي بمساندة عناصر محلية داخلية على إسقاط الدولة. وأنا لا أتكلم عن تغيير نظام، فلأول مرة في تاريخ مصر الحديث، وربما القديم أيضا، نتعرض لعملية إسقاط دولة، وليس تغيير نظام، فالأنظمة تأتي وتذهب، ومثال على ذلك ثورة يوليو (تموز) التي أسقطت نظاما، لكنها لم تدمر أجهزة الدولة، بل إن جمال عبد الناصر قام بإجراءات لتقوية الدولة، لكن في ثورة يناير (كانون الثاني) مرت أحداث تكشفت حقيقتها في ما بعد، واتضح أن هناك تلاعبا في اتجاه هدم الدولة والشعب هو الذي قام بحماية الدولة. وكي نفهم ما نحن فيه الآن لا بد أن نستعرض الأمر من لحظة ثورة يناير التي شهدت خروجا حقيقيا للناس، لكن دخل على الخط عناصر مريبة لم تكن ظاهرة، وبعضهم ما زال مستمرا حتى الآن، كما أنه في الفترة السابقة على ثورة يناير مباشرة عادت وجوه من الخارج وظهرت فجأة، وكان أشهرهم محمد البرادعي، واتضح في ما بعد أنهم مرتبطون بخيوط لا تنتهي في مصر، وهذه الوجوه ما زالت مستمرة إلى الآن تحت اسم الليبرالية والديمقراطية، ومنهم أيضا الإخوان الذين ظهروا في ميدان التحرير، وفى موقعة الجمل، وفى الجمعة التي أطلق عليها «جمعة قندهار»، التي رفعوا فيها أعلام «القاعدة» السوداء انتهاء بتولي مرسى، ثم سقوط الإخوان في ثورة جديدة لا نستطيع أبدا أن نقول إن فيها عناصر مريبة، فقد قامت لظروف خاصة عندما اكتشف الشعب أنه يجرى جرفه لمنطقة بعيدة، فكانت ثورة شعب حقيقية انضم فيها الجيش إلى الناس، وأثبتت أن للشعب المصري دوره وكلمته للقضاء على مخطط كوني برعاية الولايات المتحدة، ولكن ما أراه الآن هو استمرار محاولات الإيقاع بالدولة المصرية، وأن الروح المصرية التي لمسناها في 30 يونيو (حزيران) تقل تدريجيا وتتضاءل، وهذا ما أخشاه، لكن في الوقت نفسه هناك ما يطمئن ويتمثل في أن وعي الشعب المصري أعلى من بعض النخبة ممن يتاجرون بالشعارات الليبرالية والقومية.
* هل ترى هذه التوابع من أثر الربيع العربي؟
- هذه الكلمة لا أستريح لها فهي مصطلح مشبوه وملعوب به، كما أنها عبارة لم تخرج منا، والمسألة بدأت في تونس بينما كان الهدف مصريا على أساس أنها رمانة الميزان في المنطقة.
* إلى أي مدى ترى أهمية انخراط الأديب في الواقع السياسي؟ وكيف يوائم بين ذلك وبين متطلبات الكتابة الإبداعية، ومنها حاجته للاختلاء بنفسه؟
- الأديب لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي. وكان تشرشل في الحرب العالمية الثانية يدعو الأدباء إلى اجتماعاته ليستمع إليهم، لأن قراءة الأدب والاستماع إلى أصوات الأدباء يفيد في استشراف المستقبل. ولو كان عبد الناصر قرأ روايات نجيب محفوظ لكان حذرا من حدوث ما حدث في النكسة، فالأديب يرى بعين شاملة ورؤية بانورامية أوسع، أما السياسي فيركز على التفاصيل فقط. وأنا منذ بداياتي لا أنفصل عن الواقع وأعمالي تمزج بين الخيال والواقع في خطين متوازيين.
* لكنّ هناك كثيرا من أعمالك ومنها دفاتر التدوين تميل للانغماس أكثر في الذات.
- هناك أحداث وظروف تدفع الإنسان للانغماس في الذات وقد عشت هذه التجربة مع تقدمي في العمر رغبة في حماية نفسي، وإعادة لبناء الحياة بأقصى سرعة من خلال الذاكرة لإدراكي معنى قصر العمر والفناء. وكانت مرحلة دفاتر التدوين بأجزائها تنتمي إلى هذه الحالة.
* كيف تقيّم إبداعات ثورة يناير؟ وهل تتناسب مع ضخامة الأحداث؟
- بالعكس هناك حالة من الكتابة لم تكن موجودة في عصر الستينات الشهير بالزخم الإبداعي. لا شك أن فترة الستينات كان هناك إنتاج ضخم من الإبداعات المتنوعة في مختلف المجالات رغم حالة القمع التي كانت موجودة، ومع ذلك فأنا أرى أن هناك كتابات كثيرة، وأكثر من ذلك الوقت، ولكنها تحتاج لمن يقيمها، بمعنى أن الحركة الإبداعية تسير على قدم واحدة.
* أي أن هناك قصورا في النقد؟
- نعم، فلا توجد حركة نقدية ذات مصداقية، وتعتمد حركة الإبداع على الذائقة، هناك متغيرات عصرية تتمثل في أن الشباب الجديد ينشرون على الإنترنت رواية مثلا، ويكون لها جمهور من الشباب، ثم يشترون الكتاب عندما ينشر، ولو قرأنا أرقام التوزيع لوجدنا الرواية رقم واحد على حساب الكتب السياسية والتاريخية، بينما تراجع الشعر تماما وصار في المؤخرة على الرغم من الازدهار الشديد لحركة الشعر العامي في فترة التسعينات لدرجة أننا لم نكن نستطيع متابعة حركته بسبب غزارة الإنتاج وقتها في الشعر وأيضا في القصة القصيرة.
وهناك كم من المواهب كبير جدا، والأمر يتوقف على مهارة الأجهزة الثقافية في أن تخدم هؤلاء المبدعين، لكنني للأسف ألاحظ أن الأجهزة الثقافية لا تزال تعمل وفق منطق «اللي معايا واللي ضدي»، بل إن المسؤول الثقافي يحكّم ذائقته الخاصة وأهواءه الأدبية، فيقاوم وجود البعض لمجرد أنه غير معجب به مثلا! والمفروض أن تتحول وزارة الثقافة إلى داعم للثقافة وليس منتجا لها، ولذلك أدار الشباب لها ظهورهم، والدليل على كلامي أن نتاجات أحسن المبدعين الشباب لم تخرج من الأجهزة التابعة للوزارة وإنما خرجوا من دور نشر خاصة مثل ميريت، هناك ظواهر إبداعية شبابية جديدة تحتاج إلى رؤية بعين مختلفة ولا بد من تشجيعهم.
* هل أنت راض عن الاتجاهات الجديدة في الكتابة الروائية؟
- بحكم عملي الطويل في أخبار الأدب واكتشافي للأجيال الجديدة من الأدباء، فإنني أرى أن هناك ثورة قوية في الكتابة بعد 25 يناير على أيدي كتاب شباب يحتاجون إلى من يرعاهم ويهتم بهم.
* بمناسبة الحديث عن إبداعات الشباب، ما رأيك في ظاهرة انتشار كتابات بلغة سوقية وقد تتضمن شتائم أو خروجا عن الآداب العامة؟
- بداية أنا ضد أي منع أو مصادرة للإبداع وضد أي تدخل رقابي على الكتابة، فالأدب ينقي نفسه بنفسه. وحتى ونحن في اجتماع المجلس الأعلى للثقافة اشتكى بعض الزملاء من الألفاظ الخارجة التي وردت في بعض مسلسلات رمضان هذا العام، فقلت لهم بشدة وحزم إن الذي يريد الاعتراض فليكتب مقالا، ولكن لا نتخذ أي إجراء وإلا فكأن المجلس جاء ليمارس دورا رقابيا! الكتابة الجيدة هي التي تبقى، وكلما ارتفع سقف الحرية وجدنا قيمة أكبر.
* ما تفسيرك لهذا التراجع في الشعر لصالح الرواية؟
- ربما لأن الشاعر بشكل عام إذا لم يجد مردودا إيجابيا لا يستمر وكل فرد لديه قدرة محدودة على المقاومة والإصرار، على عكس جيلنا الذي كان يقاوم ويصر حتى يصل إلى درجة أنه في الثمانينات، وكان الرأس قد امتلأ شيبا، كانوا لا يزالون يطلقون علينا «الأدباء الشبان»، كان مصطلحا يتضمن تيمة وليس مجرد وصف حتى توليت صحيفة «أخبار الأدب» في صحيفة الأخبار، وكنت أول يساري يتولاها، فقمت بتغيير هذا النهج.. مع جريدة «أخبار الأدب» اختلفت المسألة تماما.
* كيف تنظر إلى تجربتك في هذه الجريدة؟
- على مدار 17 سنة نجحت مع زملائي في خلق منبر ثقافي في فترة تراجع ثقافي لمصر عوض غيابها في العالم العربي، فأصبحت «أخبار الأدب» موجودة في العالم العربي من المغرب حتى اليمن ودول الخليج. ومن واقع خبرتي بالعمل الثقافي، فإن أي مطبوعة ثقافية تتجاهل الثقافة العربية ككل يكون محكوما عليها بالفشل.
إلى جانب التغطية الصحافية للنص الجيد فلا يوجد اسم في مصر والعالم العربي إلا ومر على أخبار الأدب طبعا مع وجود العمالقة العرب الكبار مثل أدونيس وعبد الوهاب البياتي أو محمود درويش أو سعدي يوسف.
* هل تعتقد أن تجارب الصحف الثقافية المتخصصة الأخرى التي ظهرت في العالم العربي نجحت أم أن النجاح قلما يحالف الصحف الثقافية في منطقتنا العربية؟
- هناك تجارب ناجحة مثل مجلة «الآداب» التي أسسها الراحل سهيل إدريس في لبنان، وكذلك فترة وجود رجاء النقاش في «الدوحة»، أيضا هناك مجلة «العربي» الكويتية وهي مجلة ثقافية عامة، وإن كانت ضعفت إلى حد ما. وهنا أود الإشارة إلى الدور الكويتي الثقافي الكبير سيما قبل الغزو العراقي، فالكويتيون هم الذين احتضنوا سلسلة المسرح العالمي عندما أوقفتها مصر في عهد السادات، وفي هذا الإطار يجدر بنا الحديث عن الدور الثقافي السعودي. ونحن في أخبار الأدب كنا نهتم كثيرا بالأدب السعودي ونشرنا للكثير من الكتاب السعوديين، فالنص الجيد يجد من يدافع عنه في أي مكان.
* ما رأيك في ظاهرة الكتاب الذين يهبطون علينا من الخارج لمجرد حصولهم على جائزة ويحققون الشهرة والانتشار على أثر ذلك؟
- للأسف الشديد سياسة «الأكثر مبيعا» التي تبنتها إحدى كبريات الدور في مصر أساءت للإبداع، بل أراها سياسة مدمرة وأتصور أنها ليست بريئة. فلا يمكن أن يقيم المبدع بحسب ما باع من كتابه وليس بسبب جودته، وللأسف الشديد أن إحدى تلك الروايات وصلت إلى جائزة البوكر. وهنا أود الإشارة إلى شيء أن جائزة البوكر فكرة جميلة جدا لكنها أحدثت خللا في الحياة الأدبية العربية، فمن المعروف أن البوكر في إنجلترا تقدم الأدب الجديد بينما نجد أن أول من حصل عليها في المنطقة العربية هو الكاتب بهاء طاهر، وهو كاتب كبير، ثم تلاه كاتب صغير، فليس هناك ثبات في هذه المسألة، أيضا تتبنى البوكر ترجمة العمل إلى اللغات الأجنبية وتدفع المقابل، وهو ما يخلق تقليدا يضر الكاتب الجيد الذي لم يفز بالبوكر ولا يمتلك مالا يدفعه لترجمة أعماله؛ مما يخلق أجواء منافسة غير عادلة. وأنا أذكر أن نجيب محفوظ في فترة الخمسينات لم يكن يطبع أكثر من ألفي نسخة على مدار عامين وفي نفس ذلك الوقت ظهر كاتب يدعى عزيز أرماني باع رواية في ربع مليون نسخة، وكانت تحمل عنوانا مثيرا وغلافا مثيرا أيضا، ورغم هذا البيع لم يعتبره أحد أديبا. وحتى الآن أرى أن أفضل جائزة هي التي قدمتها الإمارات وهي جائزة سلطان العويس، لأنها أنزه جائزة عربية في الأدب، فلا يمكن إيجاد ملاحظة واحدة على اختياراتها في أي سنة، لأن معاييرها صارمة، وهناك جائزة أخرى لم تدخل مجال الأدب، لأنها في العلم، وهي جائزة الملك فيصل، وكنت أتمنى أن تدخل مجال الأدب أيضا لأهميتها ونزاهتها. ولكن هناك جوائز بدأت عملاقة مثل جائزة الشيخ زايد وأدعو القائمين عليها إلى حمايتها بما يتناسب مع اسم الرجل الذي تحمله، وبشكل عام أعترف أن منطقة الخليج أصبحت مؤثرا ثقافيا مهما جدا في العالم العربي، وأنا أحيي هذا الجهد.
* من واقع تجربتك العملية هل يفيد العمل الصحافي الأديب أم يضره؟
- الصحافة مهنة خطرة على الأدب، ولكن إذا نجح الأديب في توظيفها لصالح الأدب، فإنها يمكن أن تفيده بشرط أن يضع الأديب حدودا للصحافة. ولو تسألينني عن أكثر فترة استفدت فيها من الصحافة، لقلت لك إنها كانت خلال عملي كمراسل حربي، لأنها تجربة نادرة وثرية، وكانت فرصة مهمة جدا لي كأديب، كانت فترة الحرب تلك من أفضل اللحظات التي عشتها في حياتي رغم مخاطرها ومتاعبها كمراسل موجود في قلب النار.
* رغم ذلك لم تكتب كثيرا بما يتناسب مع معايشتك لتلك التجربة؟
- بالفعل لم أكتب كثيرا عن هذه الفترة بسبب صدمتي من توابع القرارات التي اتخذها السادات بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول)، وعندما كتبت «حكايات الغريب» مثلا كانت مرثية للحرب.
* كنت أقرب الناس للأديب نجيب محفوظ، ماذا تذكر عن تلك الفترة؟ وكيف أثرت عليك كمبدع وإنسان؟
- في الكتابة أنا مختلف عن نجيب محفوظ، وعلاقتي بنجيب محفوظ أساسها بعدها الإنساني وانبهاري به كروائي كبير، نجيب محفوظ قامة أدبية كبيرة ولكني أتحداك أن تجدي كتبه كلها الآن، للأسف! لقد انبهرت به ككاتب قبل أن أعرفه وتعرفت عليه وعمري 14 سنة، فكانت علاقتي به علاقة ابن بأبيه لدرجة أن أسراري كانت معه. كانت لديه نظرة كونية عميقة.
* ربما كان ذلك لدراسته الفلسفة؟
- هناك كثير من الأدباء درسوا الفلسفة لكنهم لم يصبحوا أدباء كبارا! نجيب كان لديه هذه النظرة الكونية بدافع همومه الأساسية. ما لم تكن هناك هموم داخلية في تركيبة الأديب فلن يكتب أشياء لها قيمة، الهم الأساسي الذي شغل نجيب محفوظ هو فكرة الأصل ونجدها في مختلف أعماله، ومنها «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» و«الحرافيش»، كلها دارت عن المصدر أو الأصل، وهو الأب والذي جاء واقعيا في شخصية السيد أحمد عبد الجواد في الثلاثية، وجاء رمزيا في شخصية الجبلاوي في «أولاد حارتنا»، ومرة أسطوريا في شخصية عاشور الناجي في «الحرافيش»، فهو مهموم بشجرة الإنسانية وإلى أين تتجه.
* أيضا حديث «الصباح والمساء» كانت نموذجا لهذا النهج في أعمال نجيب محفوظ؟
- هذه الرواية مذهلة معماريا، وعندما قدمت للتلفزيون كتبها محسن زايد بشكل رائع وكان أحسن من يكتب السيناريوهات.
* قلت إنه لا بد للكاتب من هموم تشغله كي يبدع، فما هي هموم جمال الغيطاني التي تدفعه للكتابة؟
- منذ بدايتي وأنا مهموم بعنصر الزمان وهو اختزال للزمن ويعكس بوجهه الآخر عنصر المكان، ويرجع ذلك لحرصي الشديد على التمسك بحياة تضيع مني، خصوصا مع تقدم العمر.



الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.


الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة
TT

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي منذ الاستقلال، ووثّق في أعماله الأدبية التحولات الاجتماعية والثقافية، وما رافقها من صراعات بين الموروث والحداثة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وبعد مسيرة إبداعية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، ظل خلالها منشغلاً بأسئلة الإنسان والمجتمع وتحولاتهما، يتمسك صاحب «الطيبون»، و«رفقة السلاح والقمر»، و«الريح الشتوية»، و«بدر زمانه»، و«برج السعود»، و«درب السلطان»، و«طوق اليمام» بأولوية الفن، ويرفض وضع الرواية المغربية في موقع التابع للرواية المشرقية أو الغربية، مؤكداً أنها جزء من الإبداع الروائي العربي والعالمي، ولها خصوصيتها التي تستمدها من بيئتها وتجارب كتابها. وهنا نص الحوار معه:

* أنت من الجيل الذي أسهم في تأسيس الرواية المغربية الحديثة؛ بعد أكثر من ستة عقود من التجربة الإبداعية، كيف تقرأ التحولات التي شهدتها الرواية المغربية؟

- في تصوري أن الرواية لا ينبغي أن تهدف إلى أن تكون على مثال رواية بلد آخر. من الناحية التاريخية، من الواضح أن الرواية العربية وليدة الرواية الغربية الحديثة، وقد عُرفت في المشرق قبل المغرب، حيث يمكن الحديث عن خمسينات القرن الماضي بوصفها مرحلة من البدايات. ففي فترة الاستعمار وبداية الاستقلال كان عدد الكتاب محدوداً، وكانت نسبة الأمية مرتفعة.

ومن الطبيعي أن يتأثر الروائيون بما يقرأونه، وأن يتأثر الكتاب المغاربة بالرواية المشرقية، خصوصاً المكتوبة بالعربية. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية المشرقية معياراً نقيس به الرواية المغربية، أو أن ننظر إلى تاريخ الرواية باعتباره انتقالاً من أعمال ناقصة إلى أعمال مكتملة.

الرواية إما أن تكون رواية أو لا تكون. وحين نتحدث عنها بوصفها فناً، فإننا نتحدث عن عمل تتوفر فيه مقتضيات هذا الفن وشروطه. والأمر يشبه الفن التشكيلي، فإما أن نكون أمام لوحة فنية أو لا نكون.

والرواية المغربية، بوصفها رواية قائمة بذاتها، لها صلات بالرواية المشرقية، لكن لها يضاً علاقة بالرواية الغربية والعالمية، سواء عبر القراءة بلغاتها الأصلية أو من خلال الترجمة. لكن لا ينبغي أن نحاكمها بمقارنتها بهذه الروايات، أو أن نسأل إن كانت قد بلغت مستواها. فتلك رواية وهذه رواية، وكلها تنتمي إلى عالم الفن الروائي.

* ماذا عن الخصوصية؟ هل استطاعت الرواية المغربية أن تؤسس هويتها وخصوصيتها بعيداً عن تأثير النماذج المشرقية والغربية؟

- بشأن الخصوصية، الرواية المغربية لها مظهران. الأول يتعلق بالموضوعات التي تعبر عن البيئة المحلية من حيث الموضوعات، والثاني يتعلق بالكيفية الفنية التي يعالج بها الروائي تلك الموضوعات. فالرواية ليست مجرد موضوع أو حكاية عن مجتمع معين، وإنما هي الشكل الفني الذي تتحول به تلك الحكاية إلى عمل روائي.

ومن هذه الناحية، تمتلك الرواية المغربية خصوصيتها، سواء في تعبيرها عن البيئة المغربية أو في بعض مظاهر التجديد والتجريب. لكنها تظل جزءاً من الرواية العربية وهي جزء من الرواية العالمية، ولا ينبغي أن ننظر إليها من خلال معيار يجعل رواية بلد ما نموذجاً للحكم على غيرها.

الاستعمار والاستقلال.. والتجربة الروائية

* عاصرت مرحلة الاستعمار والاستقلال وما رافقهما من تحولات سياسية واجتماعية. كيف انعكست هذه التجارب على مشروعك الروائي؟

- السؤال عن كيفية انعكاس الأحداث في العمل الروائي هو، من جهة، شأن المتلقي أو القارئ أو الناقد، ومن جهة أخرى يرتبط بالموضوعات التي يتناولها الكاتب.

وأستطيع القول إن تلك الأحداث انعكست على بعض أعمالي. فقد عشت مرحلة مقاومة الاستعمار، وعانيت منها شخصياً وعائلياً، وكان بين زملائي في الدراسة من استشهدوا وهم يحملون السلاح في المقاومة.

وقد تأثرت بهذه المرحلة بطبيعة الحال، خصوصاً أن الأمر وصل إلى نفي الأسرة الملكية. فلم يكن حدثاً بسيطاً، بل كان تحولاً هزّ البلاد كلها.

* هل كانت الرواية المغربية شاهدة على تلك التحولات، أم أسهمت في صناعتها؟

- صانعة لها؟ لا. لا أعتقد أن الرواية تصنع التحولات الاجتماعية أو السياسية. قد يأتي من يقرأ الرواية ويؤولها، ويحاول تحويل ما تتضمنه إلى تطبيق عملي، لكن هذا شأنه وفهمه هو.

أما الرواية فهي فنية قبل كل شيء، ولا تهدف إلا إلى جماليتها. وحتى عندما تسجل موقفاً اجتماعياً أو وطنياً أو سياسياً، فإن جوهرها يظل في جماليتها الفنية، لا أكثر.

* في أعمالك من رواية «الطيبون» إلى «الريح الشتوية» و«درب السلطان» و«غرب المتوسط»، ظل المجتمع المغربي حاضراً بتحولاته وصراعاته في أعمالك. ما القضية التي ظلت تشغلك طوال هذه المسيرة، وما الذي تغيّر في نظرتك في الإنسان والمجتمع؟

- يمكن اعتبار هذه الأعمال تعبيراً عن انعكاسات الواقع المجتمعي، وعن الواقع الفني في الرواية بصفة خاصة. لكن ما أريد التأكيد عليه أن التحولات المجتمعية، بوصفها مادة ملهمة، قد تثيرني أنا ولا تثير غيري، بينما تستوقف كاتباً آخر أحداث لا تستوقفني.

فالمنظور الذي ينظر به الروائي إلى الإنسان في لحظة معينة، أو إلى موقف أو مشهد، هو الذي يحدد فنية الرواية.

أما نظرتي إلى الإنسان، فهو الإنسان في عظمته العليا، حين يرتقي إلى أعلى درجات الخير والنبل، وهو أيضاً الإنسان في حضيضه، حين يكون خسيساً وتصدر عنه كل أنواع الخسائس.

ومن القمة إلى الحضيض، يظل دائماً إنساناً. والروائي يختار اللحظة، أو تفرض عليه اللحظة نفسها، التي يقتنص فيها الإنسان عند مستوى من هذه المستويات.

علم النفس والمخيلة الأدبية

* أنت روائي وأكاديمي متخصص في علم النفس. أيهما أقدر على فهم الإنسان والكشف عن دوافعه وصراعاته، المعرفة العلمية أم المخيلة الأدبية؟ وإلى أي مدى استفدت من دراستك لعلم النفس في كتابة الرواية؟

- علم النفس، كغيره من العلوم الإنسانية، يتيح فرصة لفهم الإنسان. لكن في علاقتي بكتابة الرواية، لا يكفي علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الأدب العربي أو الأجنبي لتأهيل الإنسان لكتابة الرواية، إذا لم تكن لديه المؤهلات والاستعداد الشخصي.

يمكن أن يكتب الرواية من لم يدرس علم النفس أو علم الاجتماع أكاديمياً. بل إن علم النفس نفسه موجود في الأدب.

يكفي أن نتذكر كيف استفاد فرويد من الأدب والأساطير اليونانية، وخصوصاً أسطورة أوديب، في تطوير بعض مفاهيم التحليل النفسي. فالأدب كان مصدراً من مصادر فهم النفس الإنسانية.

وكذلك حين نقرأ القصائد في الأدب الجاهلي، نستطيع أن نحللها نفسياً، وأن نجد فيها معرفة بالنفس ودوافعها وانفعالاتها. هذا ما يمكن تسميته علم النفس الفطري أو الطبيعي أو العفوي، في مقابل علم النفس الأكاديمي الذي يقوم على المنهج والتقنين والدراسة الميدانية.

لكن دراسة علم النفس لا تؤهل وحدها لكتابة الرواية، بدليل أن أطباء ومهندسين وشعراء كتبوا روايات.

نعم، تفيد المعرفة النفسية الروائي في جانب مهم، وهو فهم الشخصيات وتجنب بعض التناقضات في بنائها. فعندما يصف شخصية تعاني الاكتئاب، مثلاً، تساعده معرفته العلمية على ألا يقدم صفات تتعارض مع طبيعة هذه الحالة، بينما قد يقع في مثل هذا الخطأ من لا يعرف علم النفس الأكاديمي.

لكن حتى هذا الخطأ قد يكون مقبولاً فنياً، لأن الروائي لا يكتب كتاباً علمياً، وإنما يكتب عملاً أدبياً. فالعلم بالنسبة إليه خلفية ثقافية ومعرفية، وليس مجموعة من القواعد الملزمة في بناء الشخصيات.

وحتى إذا قال الأكاديمي إن مواصفات شخصية روائية لا تتفق مع المعطيات العلمية، فإن الكاتب يظل حراً في ابتكار شخصياته وتشكيلها وفق مقتضيات العمل الفني.

الحرية وتحولات المجتمع

* ارتبط الأدب المغربي في مراحل من تاريخه بأسئلة الحرية والسلطة والعدالة الاجتماعية. هل أصبحت الرواية المغربية اليوم أكثر جرأة في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنها باتت أكثر انشغالاً بالتجريب الفني والهموم الفردية؟

- صحيح أن المشاغل اليومية تغيرت، وأن التحولات الرقمية ووسائل الاتصال أصبحت تستحوذ على اهتمام الإنسان، بما في ذلك الكاتب. وهذه الظواهر تفرض حضورها، وقد تصبح جاذبة وملهمة للكتابة الروائية.

لكن ذلك لا يعني أن قضايا الحرية والكرامة وسائر القيم التي تقوم عليها الإنسانية قد غابت عن الرواية أو عن اهتمام الروائيين. هذه قضايا إنسانية لا تنمحي ولا تزول، سواء عالجها الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وإنما تختلف قدرات الكتاب وإمكاناتهم وتقنياتهم في التعبير عنها.

* هل نجحت الرواية المغربية في التعبير عن التحولات التي شهدها المجتمع؟

- لا نستطيع أن نصدر حكماً عاماً على الرواية بهذه الطريقة. يمكن أن نأخذ عملاً معيناً ونقول إنه عبّر عن ظاهرة اجتماعية أو سياسية، لكن هذا الحكم يتعلق بموضوع الرواية ومحتواها، وليس بالضرورة بقيمتها الفنية.

فإذا كنا أمام مقال أو دراسة، نستطيع أن نقول إنهما نجحا في تحليل وضعية معينة. أما الرواية فهي أكثر من ذلك. وكثيراً ما يتركز الحديث عن الرواية، بل وعن الشعر أيضاً، على الموضوعات والمضامين، بينما الفنية الشعرية أو الفنية الروائية تكمن في الشكل الذي يعبّر به الكاتب عن هذا المضمون. وهذا هو العنصر الأهم بالنسبة إليّ.

الهوية المغربية وتعدد الروافد

* يتميز المغرب بتعدد روافده الثقافية واللغوية، العربية، والأمازيغية، والأفريقية، والأندلسية. هل استطاع هذا التنوع أن ينتج هوية أدبية مغربية جامعة؟

- إذا انطلقنا من هذه الروافد باعتبارها مكونات جوهرية في الشخصية المغربية، فينبغي أن نضيف إليها الرافد العالمي. فالمغرب، بحكم موقعه وتاريخه، عرف منذ القدم اختلاط الثقافات والجماعات البشرية، والعالم اليوم أكثر انفتاحاً وتداخلاً. هذه الروافد أسهمت في تكوين الإنسان المغربي، ومن الطبيعي أن يظهر أثرها فيما ينتجه من أدب وفكر وفن.

وهناك خصائص تاريخية واجتماعية وسياسية تميز المغرب، مثل عراقة المؤسسة الملكية وتجذر المذهب المالكي، والحضور التاريخي لليهودية المغربية، وغياب الكيان المسيحي مثلاً. وهذه كلها عناصر تدخل في تكوين المجتمع وشخصيته. والإنسان يتأثر بهذه المكونات من دون أن يشعر بالضرورة، لأنها أصبحت جزءاً من تكوينه.

فلو سألتني عن العنصر الأندلسي أو العبري أو الإيبيري في شخصيتي أو في رواياتي، فلن يكون من السهل تحديده بصورة منفصلة. أنا أكتب باللغة العربية، وفكري يتشكل داخل قوالبها وبيانها وبلاغتها. واللغة عنصر مهم جداً في تكوين الإنسان وتفكيره. وإذا كانت هناك مؤثرات أندلسية أو عبرية أو إيبيرية أو عالمية، فإنها تدخل في هذا التكوين وتتفاعل داخله.

لكن هناك مكوناً آخر كثيراً ما نغفل عنه عند الحديث عن الهوية، وهو المستقبل. فالإنسان ليس نتاج ماضيه وحده، وإنما يتشكل أيضاً من نظرته إلى المستقبل، ومن الأشياء التي يريد تحقيقها. المستقبل، بهذا المعنى، عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية.

* كيف تنظر إلى العلاقة بين الأدب المغربي المكتوب بالعربية ونظيره المكتوب بالفرنسية والأمازيغية؟

- الأدب المكتوب بالأمازيغية لا أعرفه إلا من خلال ما أقرأ عنه، لأنني لا أقرأ الأمازيغية، وأتأسف لذلك. وقد قلت سابقاً إنه لو كتبت الأمازيغية بالحرف العربي لكان تعلمها أيسر بالنسبة إلينا. لكن الأمازيغية اليوم لغة وطنية ورسمية، وتكتب بحرف تيفيناغ، وهذا هو الواقع.

أما الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، فإنني أقرأها وأتفاعل معها، وكذلك الرواية المكتوبة بالعربية. وفي النهاية، نحن أمام أدب مغربي تتعدد لغات التعبير عنه، سواء كانت العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية.

ولا أستطيع الحكم على القيمة الفنية للرواية المكتوبة بالأمازيغية من دون قراءة نصوصها، لكن الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية بلغت مستوى فنياً رفيعاً.

وهناك عامل آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن الكتابة بالفرنسية تتيح فرصاً للانتشار، لأن هذه اللغة تمتلك مؤسسات تدعم انتشارها وثقافتها مادياً ومعنوياً. وهذا الدعم لا يتوفر بالدرجة نفسها للأدب المكتوب بالعربية. أما الكتابة بالإنجليزية، مثلاً، فتتيح فرصاً أوسع للوصول إلى القراء.

إذن، هناك فرق بين القيمة الفنية للعمل الأدبي، وبين الظروف اللغوية والمؤسساتية التي تساعد على انتشاره.

الرواية المغربية في المشرق

* على ذكر الانتشار، كيف تقيم حضور الرواية المغربية في المشهد الأدبي العربي؟ وهل تحظى بالانتشار الذي تستحقه؟

- حضورها ليس مرضياً ولا كافياً، ولا يوازي حضور الرواية المشرقية في المغرب.

ويمكن ملاحظة ذلك في الدراسات الجامعية والبحوث والحوارات الثقافية المغربية، حيث نجد أن النصيب الأكبر منها يتناول الرواية المشرقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن المسألة تتجاوز ذلك إلى صناعة النشر نفسها. فأكبر دور النشر العربية توجد في المشرق، وتمتلك إمكانات وشبكات توزيع تساعدها على إيصال إنتاجها إلى البلدان العربية.

وفي المقابل، لا تتوفر في المغرب، حتى الآن، دور نشر تمتلك القوة والكثافة نفسيهما لإيصال الكتاب المغربي إلى القارئ المشرقي. لذلك يمكن القول إن الرواية المغربية، والأدب المغربي عموماً، معروفان لدى النخب الأكاديمية والثقافية، وخصوصاً الباحثين والمشاركين في المؤتمرات والندوات، لكنهما لا يتمتعان بالحضور نفسه لدى جمهور القراء. وهناك نقص في وصول الأدب المغربي إلى القارئ العربي خارج الدوائر المتخصصة.

المثقف العربي وتراجع الدور السياسي

* يثار اليوم سؤال عن تراجع دور المثقف العربي لمصلحة السياسي والإعلامي. هل فقد المثقف مكانته بوصفه منتجاً للأفكار وناقداً للسلطة والمجتمع، أم أن طبيعة دوره تغيرت؟

- هناك تحولات كبيرة شهدها العالم العربي خلال ربع القرن الأخير، بل خلال نصف القرن الماضي، على المستويات الاجتماعية، والتكنولوجية، والفكرية، والعالمية. والمثقف جزء من هذه التحولات، ومن الطبيعي أن تتغير نظرته إلى العالم والقضايا التي تشغله.

فالقضايا التي كانت تستحوذ على اهتمام المثقفين، مثل الاشتراكية والقومية، تغير موقعها، وأصبح تفكير المثقف اليوم أكثر اتصالاً بالقضايا العالمية. وهذا ليس أمراً سلبياً.

أما إذا كان السؤال هو: هل فقد المثقف دوره؟ فأعتقد أنه لم يفقده. لكن ينبغي أن نميّز بين الإنتاج الثقافي ودور المثقف بوصفه فاعلاً ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. فالكاتب حين يكتب عملاً أدبياً يمارس فعلاً إبداعياً، أما حين يشارك في التغيير السياسي أو الاجتماعي، فإنه يمارس دوراً آخر، لا ينبغي الخلط بينه وبين وظيفته الأدبية. وقد تدخلت عوامل محلية وعالمية كثيرة أسهمت في تقلص هذا الدور السياسي والاجتماعي، لكن الدور الثقافي ما زال مستمراً، وهو الأساس والجوهر.

الجوائز الأدبية ومعايير الجودة

* نشهد اليوم توسعاً في إصدار الروايات العربية وانتشاراً للجوائز الأدبية. هل يعكس ذلك ازدهاراً إبداعياً حقيقياً، أم أننا أمام زيادة في الإنتاج لا تواكبها بالضرورة جودة فنية؟

- ينبغي التمييز بين كثرة النشر وجودة الإنتاج. قبل نصف قرن، كان صدور كتاب حدثاً بحد ذاته، لأن عملية الكتابة والطباعة والنشر كانت تمر بمراحل عديدة، وكانت تتطلب إمكانات وجهداً ووقتاً. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب كتاباً ويطبعه وينشره خلال وقت قصير. وهذه السهولة تتيح انتشار الكتابة، لكنها لا تعني بالضرورة ارتفاع مستواها الفني. ومع ذلك، لا يجوز أن نتخذ من كثرة المنشورات ذريعة للحكم بأن كل ما ينتج اليوم رديء أو بلا قيمة. هناك أعمال متميزة بالتأكيد، لكن الجودة تظل خاضعة لمعايير فنية، من بينها الجمالية والابتكار والتميز. ولا بد أن تخضع هذه الوفرة لعملية فرز نقدي تكشف الأعمال التي تستحق البقاء.

* ماذا عن الجوائز الأدبية؟ هل أصبحت معياراً للجودة والتميز؟

- أرى أن انتشار الجوائز الأدبية ظاهرة إيجابية في حد ذاته، ولا أعتبرها أمراً سلبياً. لكن ينبغي أن تبقى في حدود وظيفتها. فالجوائز، منذ وجودها، لم تكن دائماً تعبيراً عن الجودة الفنية، وليس كل عمل يفوز بجائزة هو بالضرورة أفضل الأعمال. فهناك لجان تحكيم، ولكل لجنة رؤيتها ومعاييرها، كما أن للجوائز أهدافاً وشروطاً قد تؤثر في نتائجها، وهذه ليست كلها عوامل موضوعية. وفي المقابل، هناك كتاب لا يتقدمون إلى الجوائز، أو لا يهتمون بها، أو لا تتوافق أعمالهم مع شروطها، وقد تكون أعمالهم أكثر تميزاً من الأعمال الفائزة. إذن، الجوائز مؤسسات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها ليست المعيار النهائي للحكم على القيمة الأدبية.

الأجيال الجديدة والتجريب الروائي

* كيف تنظر إلى الأجيال الجديدة من الروائيين المغاربة؟ وهل تعتقد أنهم أضافوا شيئاً إلى التجربة الروائية المغربية؟

- أقرأ أعمال الكتاب الشباب بطبيعة الحال، لكنني لا أحب أن أدخل في قضايا التقييم بوصفـي ناقداً محترفاً. أقرأ بوصفـي قارئاً يتفاعل مع العمل، وتستوقفني جمالياته وطريقة بنائه وزاوية النظر التي يقدمها. هناك إمكانات جيدة جداً لدى الكتاب الشباب في المغرب، وأعتقد أنهم يقدمون إضافات إلى التجربة الروائية.

* هل أضافوا شيئاً جديداً للتجربة الروائية المغربية؟

- هذه الإضافات تظل في معظمها اجتهادات فردية، ولا أرى ضرورة لأن تتبلور في مدرسة روائية واحدة. ولكل كاتب شخصيته ورؤيته وطريقته في الكتابة، وهذا التنوع هو ما يساعد على تطور الرواية. لسنا بحاجة إلى نموذج محدد يلتزم به الجميع، أو إلى قواعد تجعل الكاتب يسير على خطى غيره. تطور الفن يتحقق من خلال التجارب الفردية والابتكار، وليس من خلال إخضاع الكتابة لقالب واحد.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرواية

* مع صعود الذكاء الاصطناعي وتحولات النشر والقراءة، هل تخشى أن تتراجع مكانة الرواية والكاتب، أم أن هذه التقنيات ستفتح آفاقاً جديدة للإبداع؟

- يمكن أن نقول إننا نخشى الكثير، ولا نخشى شيئاً في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب رواية في دقيقة، إذا طلبت منه ذلك وحددت له المواصفات التي تريدها. ويمكنه أيضاً أن يكتب قصيدة أو نصاً أدبياً. وهذا أمر يثير القلق بطبيعة الحال، لكنه لا يلغي حقيقة أن الإنسان هو الذي صنع هذه الآلة، وهو الذي يتحكم فيها ويوجهها. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية في المجال الأدبي، لكنه يستطيع أيضاً أن يقدم خدمات للكاتب. فالروائي لا يقرأ الروايات وحدها، بل هو قارئ لما يؤدي إلى كتابة الرواية، فهو يحتاج إلى الاطلاع على التاريخ والسياسة، والاجتماع، والمعاجم، والصحف، والأرشيف. إذا أراد أن يكتب رواية عن حرب معينة، مثلاً، فعليه أن يقرأ ما يتعلق بتلك الحرب من مصادر تاريخية وسياسية واجتماعية، حتى يستطيع بناء عالمه الروائي. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعده في الوصول إلى المعلومات والمراجع، وأن يؤدي دوراً يشبه الموسوعة.

لا الماضي ولا التراث وحدهما... المستقبل عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية

الروائي المغربي مبارك ربيع

مشروع روائي لم يكتمل

* سؤالي الأخير: بعد هذه المسيرة الطويلة في الرواية والبحث الأكاديمي؛ ما الذي لم تقله بعد؟ وما الأسئلة التي لا تزال تشغلك عن الإنسان والمجتمع والحرية؟

- ينبغي أن نميز بين ما لم أقله، وبين الأسئلة التي لا أزال أبحث عن إجابات لها.

فالإنسان موضوع لا حدود للبحث فيه، ولن يتوقف البحث فيه. والمجتمع في تحول مستمر لا نهاية له، وما كنا ننظر إليه بطريقة معينة قبل خمسين عاماً، ننظر إليه اليوم بطريقة مختلفة، وقد ننظر إليه بعد خمسين عاماً من زاوية أخرى. ولهذا لا أعتقد أن الفن الروائي، أو الفن عموماً، يمكن أن يصل إلى نهاية في تعامله مع الإنسان وتحولاته. فالفنان نفسه جزء من هذا العالم المتغير، وتتغير رؤيته تبعاً لتجاربه وللظروف التي يعيشها.

* وما الذي لم تقله بعد... هل هناك مشروع روائي ما زلت تطمح إلى إنجازه؟

- هناك الكثير مما لم أقله. فالكاتب أو الفنان بصفة عامة، حين يحقق مستوى معيناً، لا يتوقف عنده، بل يظل يتطلع إلى مستوى آخر. وقد يكون هذا المستوى الذي يسعى إليه محدداً أو متخيلاً، لكنه يظل حافزاً للاستمرار. وأستطيع أن أعترف بأن لدي موضوعاً معيناً يشغلني منذ سنوات، وأشعر حتى الآن بالعجز عن كتابته، وهذا شيء شخصي ولا أريد أن اكشف عنه، فهو أمر معقّد وأريد أن أعبِّر عنه روائياً، فأنا لا أتحدث عادة عن أعمالي، سواء التي كتبتها أو التي لم أكتبها، بل لا أعلن حتى عناوينها قبل صدورها. لكنني أستطيع القول إن هذا الموضوع يراودني بإلحاح منذ سنوات، وأتمنى أن أستطيع إنجازه، وأشعر أنه يتطلب إمكانات فنية وسردية لا أمتلكها حتى الآن، أو لم أتمكن من الوصول إليها بالصورة التي أريدها، ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست استثناءً، وأعتقد أن كل فنان لديه مستوى يطمح إلى بلوغه، وعمل لم ينجزه بعد، لأن التجربة الإبداعية لا تقف عند حد معين.


سلطة الذائقة

سلطة الذائقة
TT

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز.

فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز.

بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار.

ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية.

مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة. لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه.

ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل.

وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها، فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد، ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ، ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة.

أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار.

ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة، حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه.

كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟ فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية

* كاتب سعودي